← المكتبة ▭ 1 page
استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة
سيف بن منصر الحارثي التفسير
A− A+
577 · ص149
أولاً: التعبير بالسفك له دلالة على قبح هذا الفعل وشناعته ١. ثانياً: ما جاء من النصوص الشرعية التي تبين صراحة إثم هذا الذنب فمنها قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)} (النساء: ٩٣). وقوله تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة: ٣) وكذلك ما جاء في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يُصب دماً حراماً) ٢. ففي هذه النصوص دلالة واضحة على جرم هذا الذنب وشناعته. ثالثاً: أن هذا الإفراد من العموم - أي إفراد القتل بالذكر مع دخوله في عموم الإفساد في الأرض - فائدة عظمى وهي التنفير من هذه الجريمة التي ذُكرت لوحدها قسيمة للإفساد في الأرض من بين باقي أنواع الإفساد؛ بياناً لشدتها؛ وتحذيراً من الوقوع فيها. والله أعلم. تكرار الأمر بالإهباط في الآيتين لاختلاف المتعلق فالأوّل علّق به العداوة، والثاني علّق به إتيان الهدى. قال تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)} (البقرة: ٣٦) قال تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى فَمَنْ تَبِعَ
١ انظر: تفسير حقي (١/ ٩٤). ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب قول الله تعالى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ}، ح (٦٨٦٢).
578 · ص151
كرر الأمر بالهبوط لأن الأول من الجنة والثاني من السماء) ١. وما ذكره الكرماني ضعيف من وجهين: أحدهما: أنه قال في الهبوط الأول: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} [البقرة: ٣٦] فلو كان الاستقرار في الأرض إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكر قوله: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ} [البقرة: ٣٦] عقيب الهبوط الثاني أولى. وثانيهما: أنه قال في الهبوط الثاني: {اهْبِطُوا مِنْهَا} والضمير في (منها) عائد إلى الجنة. وذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنة. ٢ الثالث من التوجيهات أن سبب التكرار هو أنه للتأكيد وممن قال به البقاعي، والخازن قال الخازن: (والأصح أنه للتأكيد) ٣. والقول بأن التكرار هنا لأجل اختلاف المتعلق وللتأكيد هو الأصح؛ لأن لفظ الآيتين يدل على اختلاف المتعلق، وإعادة اللفظ كاف في قصد التأكيد، قال ابن عاشور: (. . . . كررت جملة {قُلْنَا اهْبِطُوا} فاحتمل تكريرها أن يكون لأجل ربط النظم في الآية القرآنية من غير أن تكون دالة على تكرير معناها في الكلام الذي خوطب به آدم فيكون هذا التكرير لمجرد اتصال ما تعلق بمدلول {وَقُلْنَا اهْبِطُوا} [البقرة: ٣٦] وذلك قوله: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: ٣٦] وقوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى}. إذ قد فَصَل بين هذين المتعلقين ما اعترض بينهما من قوله: {فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)} [البقرة: ٣٧] فإنه لو عقب ذلك بقوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى} لم يرتبط كمال الارتباط ولتوهم السامع أنه خطاب للمؤمنين على عادة القرآن في التفنن فلدفع ذلك أعيد قوله: {قُلْنَا اهْبِطُوا} فهو قول واحد كرر مرتين لربط الكلام ولذلك لم يعطف {قُلْنَا} لأن بينهما شبه كمال الاتصال لتنزل قوله: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} من قوله: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} منزلة التوكيد اللفظي ثم بنى
١ انظر: أسرار التكرار (٢٦). ٢ انظر: التقسير الكبير (٢/ ٢٥). ٣ انظر: نطم الدرر (١/ ٢٩٦)، ولباب التأويل في معاني التنزيل (١/ ٣٩).
→ prev 577–578 / 896 next ←