93 · ص277
وجب عليه كتابتها، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) ا. هـ ١
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن كتابة الشهادة لمن خاف نسيانها واجبة، وذلك أن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، حيث إن الشهادة واجبة الأداء ولا تقوم بعض الحقوق إلا بها، فإذا خاف الشاهد نسيانها وجب عليه كتابتها؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وكتابة الشهادة في الغالب أنها ضمن كتابة الدين كما هو الحاصل الآن، إذ يكتب الدين ثم يلحق في آخره بتوقيع الشهود، فأصبحت الوثائق متضمنة لكتابة الدين وكتابة الشهادة.
قد تجتمع في الإنسان مادة فسق وغيرها.
قال تعالى: {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)} (البقرة: ٢٨٢).
٨٩ - قال السعدي -رحمه الله-: (ومنها-أي فوائد الآية-: أن الأوصاف كالفسق والإيمان والنفاق والعداوة والولاية ونحو ذلك تتجزأ في الإنسان، فتكون فيه مادة فسق وغيرها، وكذلك مادة إيمان وكفر لقوله: {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} ٢ ولم يقل فأنتم فاسقون أو فُسّاق) ا. هـ ٣
١ انظر: تفسير السعدي (١١٩) ٠
٢ ومن هنا قيل إن الفاسق الملي يجوز أن يقال هو مؤمن باعتبار ويجوز أن يقال ليس مؤمناً باعتبار، ويقولون هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم. انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣/ ١٥٢).
٣ انظر: تفسير السعدي (١١٩) و (٩٦٠).
94 · ص279
إن من مات على ذلك يخلد في النار) ١، واستدل البخاري أيضاً على أن المؤمن إذا ارتكب معصية لا يكفر بأن الله تعالى أبقى عليه اسم المؤمن فقال {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: ٩] ثم قال {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: ١٠]، واستدل أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما) ٢ فسماهما مسلمين مع التوعد بالنار ٣.
شهادة المجهول غير مقبولة حتى يُزكَى.
قال تعالى: {مِمَّنِ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ (٢٨٢)} (البقرة: ٢٨٢).
٩٠ - قال السعدي -رحمه الله-: (يؤخذ منها ٤ -أي من فوائد الآية-: عدم قبول شهادة المجهول حتى يُزكّى، فهذه الأحكام مما يستنبط من هذه الآية الكريمة على حسب الحال الحاضرة والفهم القاصر، ولله في كلامه حكم وأسرار يخص بها من يشاء من عباده) ا. هـ ٥
١ انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (١/ ٨٦).
٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)، ح (٣١)، ومسلم في صحيحه، كتاب الفتن، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، ح (٢٨٨٨).
٣ انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري (١/ ١٠٧).
٤ استنبط بعض المفسرين من هذه الآية أيضاً: جواز الاجتهاد والاستدلال بالأمارات والعلامات على ما خفي من المعاني والأحكام. انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٦١٦)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٧٤).
٥ انظر: تفسير السعدي (١١٩)، وتيسير اللطيف المنان للسعدي (١٢١).