303 · ص305
{تَعْبُدُونَ» و «ما» لغيرِ الإِنس. ولو دخلَ عيسى وعزيزٌ فيمن عُبد فِيْ هَذِهِ الآية لقيل:
«إنكم ومَنْ تعبدون»، لأن «مَنْ» للإنس خاصةً. وبلغَ الفرزدقُ أنَّ جريرًا قَالَ:
يَا حَبَّذَا جَبَلُ الرَّيَّان من جَبَلٍ ... وَحَبَّذَا سَاكِنُ الرَّيَّانِ مَنْ كَانَا
فَقَالَ الفَرزدقُ: لو كانوا قُرُودًا؟
فَقَالَ جريرٌ: أخطأ، ولو كانُوا قرودًا لقلتُ: «ما»، و «إنَّمَا» قلت: «مَنْ».
وقرأ الباقون: «وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ» بالنُّونِ، الله تَعَالى يُخبر عَنْ نفسه. «وَمَا يَعْبُدُونَ» بالياءِ مثل الأولين.
وقَرَأ ابنُ عامرٍ: «وَيَومَ نحشرهم ... فَنَقُولُ» بالنُّون أيضًا.
وقولُه تَعَالى: {مَكَانًا ضَيِّقًا}.
قرأ ابن كَثيرٍ بروايةِ قُنبل «ضَيْقًا».
وقرأ الباقون «ضَيِّقًا».
فَقَالَ قومٌ: الضَّيْقُ والضَّيِّقُ: لغتان.
وَقَالَ آخرون: الضِّيِّق: فما يرى لَهُ حدٌّ، والضَّيْق: فيما لا يرى ولا يجد فتَقُولُ:
بيت ضَيِّقٌ وفيه ضَيْقٌ، وصدرٌ ضَيْقٌ.
وفيه قول آخر: يجوز أن يكون مكانًا ضَيْقًا - بالتَّخفيف - أراد ضَيِّقًا، كَمَا تَقُولُ: هَيْنٌ لَيْنٌ مَيْتٌ، والأصل: هَيِّنٌ لَيِّنٌ مَيِّتٌ.
واتَّفقُوا عَلَى «مقُرنين» بالياء، لأنَّه نصبٌ عَلَى الحالِ، إلا أبا شَيْبَة المَهْرِي فإنه قرأ مُقَرَّنُونَ بالواو، أي: هو مقرنون.
وقولُه تَعَالى: {تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمَامِ}.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٍ وابنُ عامر «تشقق» مشددا أرادوا: تشقق فأدغموا، ومعناه:
تتشقق السماءُ، عَنْ الغمام الأبيض، ثُمَّ تنزل منه الملائكة، ف «عَنْ» و «الباء» تتعاقبان كقولهم: سَأَلَ زيدٌ بكذا يريدون: عَنْ كَذَا. قَالَ الله تَعَالى: {سَأل سَائلٌ بِعَذَاْبٍ وَاْقعٍ} أي: عَنْ عذابٍ وأنشد.
دَعِ المغمر لا تسأل بمصرعه ... واسأل بمصقلة البكري ما فَعَلا
وقرأ الباقون «تَشَقَّقُ» مخفَّفًا أرادوا - أيضًا -: التاءين فخزلوا واحدةً.
304 · ص306
- وقولُه تَعَالى: {ونَزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيْلًا}.
قرأ ابنُ كثيرٍ وحده «ونُنْزِلُ المَلائكَةَ» بالنَّصب و «نُنْزِلُ» بنونين، الأُولى علمُ الاستقبال. والثاني سنخيَّةٌ، الله تَعَالى يخبرُ عَنْ نفسِه أي: ونُنْزِلُ نحنُ الملائكةَ.
وقرأ الباقون ««ونُزِّلَ المَلائكَةُ» على ما لم يسم فاعله.
والملائكة رفعٌ، اسم ما لم يسمَّ فاعله، وهو الاختيار، لأن «تنزيلا» لا يكون إلا مصدرًا لنزَّل، لو قرأ ابنُ كثير وننزل - بالتشديد - لوافق تنزيلا.
وقوله تعالى: {يا ليتني اتخذت}.
فتح الياء أبو عمرو. وأسكنها الباقون. وكذلك ابن خليد عَنْ نافعٍ، فتحه، وهذا القول من الظالم يوم القيامة الذي ذكره الله تَعَالى، فَقَالَ: {يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ}. وذلكَ أن رجلًا من سادات قُريش اتَّخَذَ وَلِيْمَةً فَدَعا أشرافَ قومِهِ ودَعا النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فدخل أُبَيُّ بن خلف المنافق، فقال: والله لا أجلسن عندك حتَّى تخرج مُحَمَّدًا وبصق فِيْ وجهه، وقال: أتدعو مثلَ هذا؟ ! فحزِنَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فامره الله بالصبر وعرفه ما أعدَّ للظَّالِم فِيْ الآخرة، وإنما كان فَعَلَ ذَلِكَ تَشَفِّيًا لآخر كان مَعَهُ، وهو الذي كنَّى الله تَعَالى عَنْ اسمه، فَقَالَ: {لَيتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا}.
أخبرني ابنُ دُريدٍ، عَنْ أبي حاتِمٍ، عَنْ العَرَب إنَّمَا تكنى عَنْ كل مذكَّرٍ بفلان، وفلانة، عَنْ مؤنَّثة، فإذا كَنَّوا عَنْ البهائم، قالوا: الفلان والفلانة، كقولك: السَّرج للفلانة، تريد: البَغلة والدابة. وقيل: {لَمْ أَتَِّخذْ فُلَانًا خَلِيْلًا} يعني: الشَّيْطَانُ.
وقولُه تعالى: {يا ويلتى لَيْتَنِي}.
فيه ثلاث قراءات:
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «يا ويلتي» بالإمالة مثل: يا عَجبي، وذلك أنَّ العربَ تميل نحو ذلك ولا تنون، وكان الأصمعي يُنشد هذا البيت:
فَيَا رَاكِبَا إمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ ... نَدَامَايَ مِنْ نَجْرَانَ أَلَّا تَلَاقِيَا
بالإِمالة وتَرك التنوين، يجعلها معرفةً.
والباقون ينشدون: فيا راكبًا بالتَّنوين، فَقَالَ ابنُ مجاهدً: من أمال «يا ويلاتي» إنَّمَا وقعت الإمالة عَلَى الألف فمالت التاء بميل الألف.