373 · ص375
وقولُه تَعَالى: {بَلْ عِجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ}.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بضمِّ التَّاء، الفعلُ لله تَعَالى، وذلك لأنَّ اللَّه تَعَالى قد عَجِبَ من فَتًى لا صبوةً لَهُ، و «عجب ربكم من ألِّكُمْ وَقُنُوْطِكُمْ»، وقال لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {وإنْ تَعْجَبْ} يا مُحَمَّد {فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} غير أنَّ العجبَ من اللَّه تَعَالى عَلَى خلافِ ما يكون من المخلوقين. فالعجبُ من المخلوقين: أن ينظر إلى شيءٍ لم يكن فِي حسابه، وفي علمه فَيَبْهَرُهُ ويُنكره. فَيَتَعَجَّبُ من ذَلِكَ، والله تَعَالى يَعلم الأشياء قبل كونها، فلا تَعُّجب عَلَى هذه الجِهة، ولكن القومَ لما هَربوا من رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأنكروا البَعثَ والنُّشورَ، أنكرَ اللَّه تَعَالى عليهم فعلهم إذا أتوا بنُكرٍ، وأعجوبة لجُرأتهم وتمرُّدهم. وقرأ الباقون: «بَلْ عَجِبْتَ» بفتح التاء أي: عجبتَ يا مُحَمَّد من وحي اللَّه تَعَالى ويَسخرون هُمْ منك. قَالُوا: وإنما اخترنا هَذَا؛ لأنَّ اللَّه تَعَالى لا يَعجب، وإنما يعجب من لا يَعْلَمُ وقولُه تَعَالى: {وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} أي: عَجَبٌ عندكم فأمّا عندنا فلا. والقراءتان جائِزَتان لما خبَّرتك، لأنَّ اللَّه تَعَالى قَالَ: {وَمَكَرُوا ومَكْرَ اللَّه} وقال: {نَسُوْا اللَّه فَنَسِيَهُمْ} {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} {فاتَّبِعُوْنِيْ يُحْبِبْكُمُ اللَّه} ونحوه فِي القرآن كثيرٌ. فالمَحَبَّةُ من اللَّه، والمكر والخديعة والاستهزاء: كلُّ ذَلِكَ عَلَى خلاف ما يكون من المَخلوقين، وهو أن يُجازيهم جزاءَ خِدَاعِهِم ومَكرهم، والمَحَبَّةُ من العَبدِ لزومُ الطَّاعَةِ والمَحبَّةُ من اللهِ إكرامه أهلَ طاعَتِهِ بالثُّواب الجزيل.
وقولُه تعالى: {أوآباؤنا}.
وقرأ ابنُ عامرٍ وقالون: «أوْ ءاباؤُنَا» بإسكان الواوِ والباقون بالتَّحريكِ.
وقولُه تَعَالى: {وَلَا هُمْ عَنْهَا ينْزَفُوْنَ}.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وأبو عَمْرٍو وابنُ عامرٍ: «يُنْزَفُوْنَ» بفتح الزَّاي. وكذلك فِي الواقعة ومعناه: لا تَذْهَبُ عُقُولَهُمْ يقال: نَزَفَ الرّجُلُ: إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، ونَزَفَ: إذا ذَهَبَ دَمُهُ عندَ المَوت، وأَنْزَفَ يُنْزِفُ: إذا ذَهَبَ شرابه ونَفِدَ: قَالَ الشَّاعِرُ:
لَعَمْرِي لَئِنْ أنزفتم أو صحوتم ... لبئس الندامى كُنْتُمُ آل أَبْجَرَا
وقرأ حمزُة والكِسائيُّ: ««يُنْزِفُوْنَ» بكسر الزّاي عَلَى هذه اللُّغة.
وأمَّا عاصمٌ فإنه قرأ فِي الواقعة: «يُنْزِفُوْنَ» بالكسر وفي «الصافات»
374 · ص376
«يُنْزَفُوْنَ» بالفتح جمع بين اللُّغتين تخفيفًا فصار يَزِفُ ويَعِدُ ويَزِنُ فإذا أمرت قلتَ: زِفْ وعد وزن.
وقوله تعالى: انظر {ماذَا تَرَى}.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «تُرى» بضم التّاء وكسر الرّاء من أريتَ تُرِى أي: إذا ما تُشير والأصل: ترأى فنقلوا كسرةَ الهمزةِ إلى الراءِ، وحذفوا الهمزة لسكونها، وسكون الياء.
وقرأ الباقون: «مَاذا تَرَى» بالفتح. غير أنّ أبا عَمْرٍو كان يميل الراءَ من أجلِ الياءِ.
والباقون يفتَحون جعلوه من الرَّأى والرُّؤية، لا من المَشورة. وكان إِبْرَاهِيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى فِي المَنام فأُمر بذبح ابنِهِ. ورؤيا الأنبياء وحيٌ، فلذلك قَالَ ابنه: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} قَالَ ذَلِكَ وهو ابن ثلاث عشرة سنة.
{وتله للجَبِيْنِ} أي: صَرَعَهُ وألقاه عَلَى وَجهه لئلَّا يَرى وجهه فيَرحمه. فلمَّا عرف اللَّه طاعةَ إِبْرَاهِيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهُ، وطاعة ابنه إيَّاهُ شكَرَ اللَّه تَعَالى لهما بذلك، ففداه بذبحٍ عظيمٍ بكبشٍ قد رَعى فِي الجَنةِ أربعين خريفًا.
واختَلف الناسُ فِي الذّبيحُ؟ فَقَالَ قومٌ: إِسْحَاق، وقال آخرون إِسْمَاعِيل عليهما السَّلام. واحْتجُّوا بقول رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنا ابنُ الذَّبِيْحَيْنِ» وبقوله تَعَالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بإسْحَاقَ نَبِيًّا من الصَّالِحِيْن}، قَالَ: فَكيف تكونُ البِشارة مَعَ الذَّبْحِ؟ ! .
واحتَجَّ الآخرون فقالوا: «وفَدَيناهُ» أي: وفدينا إِسْحَاق وبشرنا إِبْرَاهِيم بنبوَّةِ إِسْحَاق بعد أن فداه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فمَن قَالَ: إِسْحَاق، فعليٌّ وابنُ مسعودٍ وكعبُ الأحبارِ. ومن قَالَ: إنه إِسْمَاعِيل، فإنَّه عُمر ومحمد بْن كعب القُرَظِيُّ وسعيد بْن المُسَيِّب. ومَن قَالَ: إنه إِسْحَاق قَالَ كان فِي إِسْحَاق بشارتان: فبشرناه بغلامٍ حليمٍ، وبشرناه بإسحاق نبيًا من الصالحين. ومعنى تَلّه: صَرَعَهُ كما أخبرتك. وأمَّا حديثُ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنّ جبريل عَلَيْهِ السَّلام أتاه بمفاتيحِ خزائنِ الأرضِ فَتَلَّها فِي يَدِ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فمعناه: صبها.