545 · ص547
ومن سورة «أرأيت»
قَرَأَ نافعٌ: «أَرَايتَ» بتليين الهمزةِ.
وقرأ الكِسَائِيُّ بتركِ الهَمزة: «أَرَيتَ» وَقَدْ ذكرتُ علته فِيْ سورة الأنعام.
وقرأ ابنُ مَسْعُودٍ: «أَرَأَيتُكَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ» وَقَدْ ذكرتُه أيضًا.
وقرأ الباقون: «أَرَأَيْتَ» بالهمزِ.
وقولُه تَعَالى: {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ}.
اتفقَ القُراءُ عَلَى تشديد العَين؛ لأنَّه من دَعّ يَدُعُّ أي: دَفَعَ، كما قَالَ تَعالى: {يَومَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ} وإنَّما ذكرته لأنَّ أبا رجاء قَرَأَ: «فَذَلِكَ الَّذِي يَدَعُ اليَتِيمَ» بفتح الدَّالِ وتخفيفِ العَين، أي: يترك.
واتَّفقوا أيضًا عَلَى «يُرَاءُونَ» بعدَ الرَّاءِ أَلِفٌ، وبعدَ الألفِ همزةٌ مثل: يراعون، وإنما ذكرته لأن ابنَ أَبِي إِسْحَاق الحضرميَّ قَرَأَ: «الَّذِيِْنَ هُمْ يُرؤُّنَ» بتشديد الهمزة مثل يرعُّون، وهي لغةٌ، يُقال: رَأَيْت ورأَيتُ، يُرَائِي، يُرَئَّى بمعنى واحدٍ، ومعنى {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}، فَقَالَ: والله ما تركوها ولكن أزالوها عنْ مَواقيتها، {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} قيل: الزَّكاة. وقيل: النارُ والفأسُ والمِلحُ، ونحوه.
546 · ص548
ومن سورة الكوثر
قَرَأَ القراء: «إنا أعْطَيناكَ» بالعين، وإنما ذكرته لأنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ: «إنَّا أنْطَيْناكَ الكَوْثَرَ» والكوثرُ: نهرٌ فِيْ الجنَّةِ، وقيل: الكوثرُ: الخيرُ الكثيرُ، وهو فَوْعَلٌ من الكثرة، والواو زائدةٌ، وَيُقَال: للرجل الكثير العَطاء كوثر، وأَنشد:
فَهُمْ أهلات حول قيس بن عاصم ... إذا أدلجوا باللَّيْلِ يَدْعُوْنَ كَوْثَرَا
ولُغَةٌ للعَرَبِ يقولون: أَنْطِ يا رَجُل، أي: اسكت.
{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} قيل فِيْ تفَسيره: أي: خذ شمالك بيمينك فِيْ الصَّلاة، وقيل: العيدين يوم الفطر ويوم الَأضحى، فصلِّ لربِّك وانحر البُدْنَ، وقيل: استقبل القبلة بنحرك.
{إِنَّ شَانِئَكَ} الهمزة بعد النُّون، لأنَّه فاعل من شَنَأَ يَشْنَأُ فهو شانِئٌ، وأنشد:
ومِنْ شَانِئٍ ظَاهرٍ غَمْزُهُ ... إِذَا مَا انْتَسَبْتُ لَهُ أنْكَرَنْ
والشَّانِئُ: المبغضُ. والأبترُ: أي: لا عقب لَهُ، يُقال: حية أبتر مقطوعة الذَّنب، و «هُوَ» فاصلةٌ عند البصريين، وعمادٌ عند الكوفيين؛ لأنه لو قيل إن شانئك الأبتر بغير هُوَ جازَ أن يكون نعتًا، وخبرًا فإذا فصلت بينهما ب هُوَ صحَّ أَنَّهُ خبرٌ، ألم تَسمع قولَه تَعَالى: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} أتى بفاصلة جاز أن يكون بدلًا وصفةً، فلما قَالَ: «وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى» ولم يقل وأنَّه هُوَ أهلك؛ لأن الفعل لا يكون بدلا من الاسم فصح أَنَّهُ خبر، فأنت فِيهِ قائلٌ فِيْ الكلام: إنَّ زيدًا قائمٌ، ولا يُقال: إن زيدًا هُوَ قائم، فإذا قلتَ: أن زيدًا القائم جازَ أن تَقُولُ: إن زيدًا هُوَ القائم، ولا تكون الفاصلة إلا بين معرفتين الثَّاني محتاج إلى الأول كمفعولي ظَننت، واسم كَانَ وخبرها، واسم إنَّ وخبرها.