549 · ص551
ومن سُورة «تَبَّت»
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: لما أنزل اللَّه تَعَالى عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} قام عَلَى المَروة، وقال: يا آل غَالبٍ، فاجتمعت إليه، فقال: يا آل لؤي، فانصرفت أولا غَالب سوى لُؤيّ، ثُمَّ قَالَ بعد ذَلِكَ حَتَّى انتهى إلى قُصَيٍّ، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: هَذِهِ قُصَيٌّ قَدْ أتتك فما لهم عندك، فَقَالَ: إنَّ اللَّه أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فقد أبلغتُكُم، فقُولوا لا إله إلا اللَّه تُفلحوا، فَقَالَ: ما دَعوتنا إلا لهذا تبًّا لَكَ، فأنزل اللَّه تَعَالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} أي: خَسِرَت، فيقال: إنَّما كنى لأن اسمه عَبْد العزي، فتبت الأولى دُعاءٌ، والثَّانيةُ: خَبَرٌ كما تَقُولُ: أهلك اللَّه فلانًا، وَقَدْ هَلَكَ «تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ» وفي حرف ابْنُ مَسْعُود «وَقَدْ تَبَّ» يُصحِّحُ ما قلت؛ لأن قَدْ مَعَ الفعل الماضي يَصيرُ حالًا، فقد تَبَّ بمعنى تابٌ هَذَا قول النَّاس كلهّم، ولا يكون الماضي حالًا إلا مَعَ وَقَدْ إلا ما حَدَّثَنِي أَبُو عمر، عن ثعلب، عن سلمة، عن الفراء، عنْ الكِسَائِيّ، قَالَ قَدْ يكون الماضي حالًا بغير قَدْ.
وقولُه تَعَالى: {يَدَا أبِي لَهبٍ}.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيْر وحده: «لَهْبٍ» بإسكان الهاء.
والباقون يفتحونه فكأنه جعلها لغةٌ مثل وَهَبٍ ووهب، ونهر ونهر، فالاختيار الفتح ليوافق رءوس الآي {الحطب} و {يَدَا أَبِي لَهَبٍ}.
وقولُه تَعَالى: {حَمَّالَةَ الحَطَبِ}.
قَرَأَ عاصم وحده: «حَمَّالَةَ» بالنَّصب عَلَى الشَّتمِ والذَّمِّ أي: أشتم حمالةَ الحَطَبِ وأذمُّ وأَعنى، أنشدني ابْنُ دريد:
سَقَوْنِى الخَمْرَ ثُمَّ تَكَنَّفُوْنِي ... عُدَاةَ اللهِ مَنْ كَذِبٍ وزُوْرِ
وقرأ الباقون بالرَّفع جعلوه ابتداء وخبرًا، «وامْرَأَتُهُ حَمَّالَهُ الحَطَبِ» أي هِيَ حمالةُ.
وفي حرفِ ابْنُ مَسْعُود: «وَمُرَيَّتَهُ حمَّالةٌ للحَطَبِ» فقيل: كانت تحمل الشَّوك فتلقيه عَلَى طريقِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقيل: كانت تَمشي بالنَّميمة، يُقال للنَّميمة:
الحَطَبُ؛ لأنَّها تُلهب كما تُلهب النَّارُ، وأنشد:
مِنَ البِيْض لَمْ تُصْطَدْ عَلَى ظَهْر لَأمةٍ ... وَلَمْ تَمْشِ بَيْنَ القَوْمِ بالحَطَبِ الرَّطْبِ
550 · ص552
ومن سورة الِإخلاص
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: «الصَّمَدُ» فِيْ اللُّغة: الَّذِي قَدْ انتهى سؤدده، والصَّمَدُ: الَّذِي لا جوفَ لَهُ، والصَّمَدُ: الَّذِي لا يُطعم، والصَّمَدُ: الباقي بعد فناء خَلقه.
فإن سألَ سائلٌ لم ثنيت «قلُ» فِيْ أوائل هَذِهِ السُّور وفي أوامر اللَّه تَعَالى: وأنت إِذَا قلت لآخر: قُل لا إله إلا اللَّه أجابك، فَقَالَ: لا إله إلا اللَّه، ولم يقل: قل لا إله إلا اللَّه؟
فالجوابُ: أن اللَّه تَعَالى أَنزلَ القرآن عَلَى لسان مُحَمَّد بلسان الرُّوح الأمين صلى اللَّه عليهما، فمعناه لي جبريل: «قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ» فحكى النَّبِيّ صلى اللَّه عَلَيْهِ ما أُلقي إِلَيْه.
وأخبرني ابْنُ دُريدٍ، عنْ أَبِي حاتِمٍ، عنْ أبي عبيدة، قال: يقال لي «قل هو الله أحد»، و «قل يا أيها الكافرون»: المقشقشتان ومعناهما المُبريتان من الكُفر، والنَّفاق، كما يقشقش الهناء الجرب.
وَقَدْ حَدَّثَنِي أَبُو عُمَر، عنْ ثَعلب، عنْ ابْنُ الَأعرابي، قَالَ: قُلتُ لأعرابي: أَتقرأ من القُرآن شيئًا، قَالَ: نَعم أقرأ القلاقل: «قُل هَوَ اللَّه أَحَدٌ» و «قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ» و «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ».
وحدَّثني أَبُو عَبْد اللَّه الكاتب، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عُبَيْدٍ، عنْ الأصمعي، قَالَ:
حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن مروان، عنْ سَعِيد بْن سمرة بْن جندب، قَالَ: لقيتُ أعرابيَّة فأعجبتني فصاحتها، وظُرفها، وعَقلها، فقلت: إني لأنفس بمثلك أن تكون لي هذه الفصاحة، والظرف، والعقل ولا تحسي من كتاب اللَّه شيئًا، قَالَتْ: وما عِلْمُكَ بذلك، بلى ها الله إني لأقرأه ثُمَّ ألوكه لوك العلج. قلت: فاقرئي. فقرأت: {والشَّمسِ وضُحَاها} قراءةً حسنة حَتَّى بلغت {فألهمها فجورها وتقواها} قَالَتْ: حِلفة بَلَغَت مَداها لا يَدخل الجنّة ولا يَرَاها إلا من نَهى النَّفسَ عنْ هَواها.
وحدَّثني أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الَأصمعي، عنْ سعيدِ بْن عثمان، قَالَ: قلت لأعرابي من بني عُقَيْلٍ: هَلْ تُحسن من كتاب اللَّه شيئًا، قَالَ: كيف لا أُحسن، وعلينا أَنزل الله، قَالَ: قلتُ: فأقرأ، فافتتح وقرأ {والضُّحَى} قراءةً حسنةً حَتَّى