← المكتبة ▭ صفحة واحدة
عمارة القبور في الإسلام - المسودة - ضمن «آثار المعلمي»
عبد الرحمن المعلمي اليماني مسائل فقهية 1386 هـ
A− A+
5 · ص6 · ج5 ب
تحليل الاستدلال أولًا: قوله: "يدل أنهم ماتوا". فيه شيءٌ، فإن الظاهر أن أحد الفتية الذي بعثوه إلى المدينة عاد إليهم ومعه القوم، فدخل [ص ٣] الكهف إلى أصحابه وأخبرهم، ولعل الله عزَّ وجلّ رفع الرعب الذي كان يعتري من اطلع عليهم، وذَكَره عزَّ وجلّ بقوله: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف: ١٨]. وحالهم تحتمل إحدى صور: الأولى: أن يكون الفِتْية خرجوا إلى القوم، وجلسوا معهم ريثما تحققت الآية، ثم عادوا إلى كهفهم، وعاد الرعب كما كان، فانتظرهم القوم أيامًا، فلم يخرجوا، فعلموا أنهم عادوا لحالتهم، ولكنهم لا يعلمون أماتوا، أم ناموا كما كانوا؟ الثانية: أن يكون رُفِعَ الرعبُ أولًا حتى دخل إليهم القوم، وتقررت الآية= أمروا القومَ بالخروج عنهم، فخرجوا وعاد الرعب، وانتظر القوم أيامًا، فلما لم يخرج أحدٌ من الفِتْية، علموا أنهم إما ماتوا، وإما عادوا إلى النوم. الثالثة: أنهم عادوا إلى مضجعهم والقوم عندهم، فعاد الرعب، فخرج القوم فارِّين مرعوبين، ثم انتظروا بباب الكهف أيامًا حتى يئسوا. الرابعة والخامسة: أن يكونوا خرجوا إلى القوم، أو دخل القوم إليهم، وبعد تقرر الآية عادوا إلى مضجعهم فرآهم القوم كذلك، فحاولوا إيقاظهم، ثم انتظارهم حتى يئسوا.
6 · ص7 · ج5 ب
[ص ٤] ويرجِّح إحدى الصور الثلاث الأولى على الرابعة والخامسة قوله عزَّ وجلّ ــ حكايةً عن القوم ــ: {رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} [الكهف: ٢١]. فإن هذا يدل أنهم لم يعلموا هل عاد الفتية لنومهم، أم ماتوا؟ ولو كانوا شاهدوهم بعد عودهم لمضجعهم لربما يترجَّح لهم أحد الأمرين. لا يقال: إن قوله: {رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} قد يكون المراد به: أعلمُ مَنْ هم؟ ومِمّن هم؟ وما شأنهم؟ لأن الحكمة من الإعثار عليهم، وهي إظهار آية على البعث، لا تتمّ إلا بأن يخبروا القوم بحالهم، وممن هم، وفي عهد من كانوا، فتأمل! ثانيًا: قوله: "وهذا بناءٌ على قبر". فيه نظرٌ من وجوه: الأول: أن الفتية لم يتقرر للقوم موتُهم حتى يصح أن يكون لهم قبر، إذ القبر لا يكون إلا للميت، والعبرة في الحكم بظن القوم لا بما في نفس الأمر. الثاني: لم يكن لهم قبر، وإنما كانوا في صحن الكهف. الثالث: أنه على فرض أن الواقع في عودهم إحدى الصور الثلاث المتقدمة، فالبناء إنما يكون على باب الكهف؛ لامتناع أن يدخل البناؤون إلى مرقد الفتية لمنع الرعب. والبناء على باب الكهف إنما هو بمثابة سدّ جانب انهدم من عرض القبر، إذا صح لنا أن نعتبر القوم مُرجِّحين أن الفتية ماتوا، وأن يُعتبر الكهف بمثابة القبر.