261 · ص136 · ج2
وربما حكى بعضهم القول بالترادف؛ لكنه يختار ويرجح القول بالتباين ١.
وأحيانا يحكي بعضهم القول بالترادف بصيغة التمريض منبها بذلك على ضعفه ٢.
وكل هذا يدل على اعتمادهم لمضمون هذه القاعدة.
***
* الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة قول المرجئة: إن الإيمان مرادف للتصديق، وقالوا: إن الله تعالى قال: {وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا} [يوسف: ١٧] أي بمصدق لنا، والإيمان في اللغة التصديق، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما خاطب الناس بلغة العرب، فيكون مراده بالإيمان التصديق، والتصديق يكون بالقلب واللسان، فالأعمال ليست من الإيمان ٣.
ومذهبهم هذا باطل، قد تولى أئمة الإسلام إبطاله، والرد عليه من وجوه كثيرة ٤، أسوق منها محل الغرض، وهو إبطال دعوى الترادف بين لفظ الإيمان، ولفظ التصديق، تمثيلا لهذه القاعدة.
فمنها: أن هذه القاعدة تصحح القول بالتباين بين اللفظين.
فحمل ألفاظ نصوص الوحي على التباين أرجح من حملها على الترادف في حالة ورود الاحتمالين، كما تقرر هذه القاعدة فكيف الحال إذا لم يرد الاحتمال، ولم تصح دعوى الترادف بين اللفظين لغة؟، وذلك أن لفظ الإيمان يتعدى إلى الضمير
١ انظر مثال ذلك في الإيمان لابن تيمية ص ١٦٩، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ١٠٦).
٢ انظر على سبيل المثال مفاتيح الغيب (١٢/ ١٤)، والفتوحات الإلهية (١/ ٤٩٧)، وروح المعاني (٦/ ١٥٣).
٣ انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (٧/ ٢٨٩)، وانظر تفصيل أقوالهم وفرقهم في الفرق بين الفرق ص ١٩٠، والفصل (٣/ ٢٢٧)، والملل والنحل (١/ ١٦٢).
٤ انظر هذه الوجوه في فتاوى ابن تيمية (٧/ ٢٩٠ - ٢٩٧)، وانظر الرد عليهم في الإبانة الكبرى لابن بطة (٢/ ٦٣٠)، وما بعدها، ولوامع الأنوار البهية (١/ ٤٢٢) وما بعدها.
262 · ص137 · ج1
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: .. وأمّا إذا أريد بالعلم الباطن الذي يبطن عن أكثر الناس أو عن بعضهم فهذا على نوعين:
أحدهما: باطن يخالف العلم الظاهر، والثاني: لا يخالفه. فأما الأول فباطل، فمن ادعى علما باطنا أو علما بباطن وذلك يخالف العلم الظاهر كان مخطئا، إما ملحدا زنديقا وإمّا جاهلا ضالا.
وأما الثاني فهو بمنزلة الكلام في العلم الظاهر قد يكون حقا وقد يكون باطلا.
فإن الباطن إذا لم يخالف الظاهر لم يعلم بطلانه من جهة مخالفته للظاهر المعلوم، فإن علم أنه حق قبل، وإن علم أنه باطل ردّ وإلا أمسك عنه. وأما الباطن المخالف للظاهر المعلوم فمثل ما يدعيه الباطنية القرامطة ١ من الإسماعيلية ٢.
=* ومن هذه الفرق أيضا، فرقة «القرآنيون»، فإن لهم دعاوى عظيمة، وتأويلات باطلة لآيات القرآن، هذه بالإضافة إلى ما أسسوا عليه مذهبهم من ردّ كامل للسنة. انظر تفصيل مذهبهم وشبهاتهم ومنهجهم في تفسير القرآن مع بعض الأمثلة لتأويلاتهم في كتاب «القرآنيون وشبهاتهم حول السنة» لخادم حسين إلهي بخش.
* ومن هذه الفرق أيضا البابية والبهائية، الذين حطموا مدلولات الألفاظ وفسروا القرآن على ما أرادوا من نصرة مذهبهم دون اعتبار لدلالة أو مدلول. انظر بعض أقوالهم في التفسير والمفسرون (٢/ ٢٦٥ - ٢٧٩). وغيرهم من الفرق التي سلكت هذا المنهج في إلغاء ظاهر القرآن وتأويله وتحريفه على ما يسمى باطنا.
١ هم: أتباع حمدان القرمطي. وكان رجلا متواريا صار إليه أحد دعاة الباطنية ودعوه إلى معتقدهم فقبل الدعوة، ثم صار يدعو الناس إليها. وضل بسببه خلق كثير. وهم ليسوا من فرق المسلمين، بل مجوس، وضررهم على الإسلام أعظم من ضرر اليهود والنصارى. انظر الفرق بين الفرق ص ١٦ - ٢٦٦، ومقالات الإسلاميين (١/ ١٠٠)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ١٠٨.
٢ هم: فرقة باطنية رافضية يقولون بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، وقد مات قبل أبيه، فاعتقد بعضهم أنه حي ولم يمت، وبعضهم قال: إنه مات واعتقدوا فيه الرجعة. ويعتقدون أن الله لا يوصف بوصف ولا يسمى باسم، ولهم دعوة في كل زمان، ومقالة جديدة بكل لسان، ويلقبون بالباطنية والقرامطة وغيرها. انظر الملل والنحل (١/ ١٩٦ - ٢٢٦)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ٦٥، وكتاب الإسماعيلية تاريخ وعقيدة لإحسان إلهي ظهير.