أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ ° ، قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ ° ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ ° ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ° ، حَدَّثَنِي أَبِي ° ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ لَهِيعَةَ ° ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ ° ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ ° ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَبَإٍ أَرَجُلٌ أَمِ امْرَأَةٌ أَمْ أَرْضٌ ؟ فَقَالَ : “ بَلْ هُوَ رَجُلٌ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ أَوْلادٍ ، فَسَكَنَ الْيَمَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ وَمِنْهُمْ بِالشَّامِ أَرْبَعَةٌ . فَأَمَّا الْيَمَانِيُّونَ : فَمَذْحِجٌ ، وَكِنْدَةُ ، وَالأَزْدُ ، وَالأَشْعَرِيُّونَ ، وَأَنْمَارُ ، وَحِمْيَرُ . وَأَمَّا الشَّامِيَّةُ : فَلَخْمٌ ، وَجُذَامٌ ، وَعَامِلَةُ ، وَغَسَّانُ “ .
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ سورة النمل آية 23 يَعْنِي : بَلْقِيسَ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سورة النمل آية 23 يُعْطَاهُ الْمُلُوكُ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ سورة النمل آية 23 وَهُوَ السَّرِيرُ . وَكَانَ مِنْ ذَهَبٍ ، وَقَوَائِمُهُ مِنْ جَوْهَرٍ مُكَلَّلٍ بِاللُّؤْلُؤِ . قَوْلُهُ - تَعَالَى - : أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ سورة النمل آية 25 وَالْمَعْنَى : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَلا يَسْجُدُوا للَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ سورة النمل آية 25 أَيِ : الْمُسْتَتِرَ . فَقَالَ سُلَيْمَانُ : سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ سورة النمل آية 27 وَإِنَّمَا شَكَّ فِي خَبَرِهِ ؛ لأَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ فِي الأَرْضِ سُلْطَانًا . ثُمَّ كَتَبَ كِتَابًا وَخَتَمَهُ بِخَاتَمِهِ وَدَفَعَهُ إِلَى الْهُدْهُدِ ، وَقَالَ : اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ سورة النمل آية 28 أَيِ : اسْتَتِرْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ سورة النمل آية 28 مِنَ الْجَوَابِ ، فَحَمَلَهُ فِي مِنْقَارِهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَأْسِ الْمَرْأَةِ فَرَفْرَفَ سَاعَةً وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ، فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا ، فَأَلْقَى الْكِتَابَ فِي حِجْرِهَا ، فَلَمَّا رَأَتِ الْخَاتَمَ أُرْعِدَتْ وَخَضَعَتْ ، وَقَالَتْ : إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ سورة النمل آية 29 لِكَوْنِهِ مَخْتُومًا . فَاسْتَشَارَتْ قَوْمَهَا فَقَالَتْ : يَأَيُّهَا الْمَلأُ سورة النمل آية 32 تَعْنِي : الأَشْرَافَ ، وَكَانُوا ثَلاثَ مِائَةٍ وَثَلاثَةَ عَشَرَ قَائِدًا مَعَ كُلِّ قَائِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةُ آلافٍ ، وَقِيلَ : كَانَ مَعَهَا مِائَةُ أَلْفٍ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي سورة النمل آية 32 أَيْ : بَيِّنُوا لِي مَا أَفْعَلُ وَأَشِيرُوا عَلَيَّ مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ سورة النمل آية 32 أَيْ : تَحْضَرُونِ وَأَقْطَعَ بِمَشُورِكُمْ . قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ سورة النمل آية 33 وَالْمَعْنَى : نَقْدِرُ عَلَى الْقِتَالِ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ سورة النمل آية 33 فِي الْقِتَالِ وَتَرْكِهِ . قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً سورة النمل آية 34 أَيْ : عَنْوَةً أَفْسَدُوهَا سورة النمل آية 34 أَيْ : خَرَّبُوهَا وَأَذَلُّوا أَهْلَهَا . فَصَدَّقَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - فَقَالَ : وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ سورة النمل آية 34 وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ سورة النمل آية 35 وَذَلِكَ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَعْلَمَ : هَلْ هُوَ نَبِيٌّ فَلا يُرِيدُ الدُّنْيَا ، أَوْ مَلِكٌ فَيُسْتَرْضَى بِالْحَمْلِ . فَبَعَثَتْ ثَلاثَ لَبِنَاتٍ مِنْ ذَهَبٍ ، فِي كُلِّ لَبِنَةٍ مِائَةُ رَطْلٍ وَيَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ طُولُهَا شِبْرٌ مَثْقُوبَةٌ ، وَثَلاثِينَ وَصِيفَةً وَأَلْبَسَتْهُمْ لِبَاسًا وَاحِدًا فَلا يُعْرَفُ الذَّكَرُ مِنَ الأُنْثَى . ثُمَّ كَتَبَتْ إِلَيْهِ : قَدْ بَعَثْتُ كَذَا وَكَذَا فَأَدْخِلْ فِي الْيَاقُوتَةِ خَيْطًا وَاخْتُمْ عَلَى طَرَفَيْهِ بِخَاتَمِكَ ، وَمَيِّزْ بَيْنَ الْجَوَارِي وَالْغِلْمَانِ . فَأَخْبَرَهُ أَمِيرُ الشَّيَاطِينِ بِمَا بَعَثَتْ بِهِ قَبْلَ الْقُدُومِ ، فَقَالَ : انْطَلِقْ فَافْرِشْ عَلَى طَرِيقِ الْقَوْمِ مِنْ بَابِ مَجْلِسِي ثَمَانِيَةَ أَمْيَالٍ فِي ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ لَبِنَاتٍ مِنْ ذَهَبٍ . فَبَعَثَ الشَّيَاطِينُ فَقَطَّعُوا اللَّبِنَ مِنَ الْجِبَالِ وَطَلَوْهُ بِالذَّهَبِ وَفَرَشُوهُ ، وَنَصَبُوا فِي الطَّرِيقِ أَسَاطِينَ الْيَاقُوتِ الأَحْمَرِ . فَلَمَّا جَاءَتِ الرُّسُلُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : كَيْفَ تَدْخُلُونَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ بِثَلاثِ لَبِنَاتٍ وَعِنْدَهُ مَا رَأَيْتُمْ ؟ فَقَالُوا : إِنَّمَا نَحْنُ رُسُلٌ . فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ سورة النمل آية 36 ثُمَّ دَعَا دُودَةً فَرَبَطَ فِيهَا خَيْطًا وَأَدْخَلَهَا فِي ثُقْبِ الْيَاقُوتَةِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ طَرَفِهَا الآخَرِ ، ثُمَّ جَمَعَ طَرَفَيِ الْخَيْطِ فَخَتَمَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ مَيَّزَ بَيْنَ الْغِلْمَانِ وَالْجَوَارِي بِأَنْ أَمَرَهُمْ بِالْوُضُوءِ ، فَبَدَأَ الْغُلامُ مِنْ مِرْفَقِهِ إِلَى كَفِّهِ وَبَدَأَتِ الْجَارِيَةُ مِنْ كَفِّهَا إِلَى مِرْفَقِهَا . هَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . وَقَالَ قَتَادَةُ : بَدَأَ الْغُلامُ يَغْسِلُ ظَوَاهِرَ السَّوَاعِدِ قَبْلَ بُطُونِهَا ، وَالْجَوَارِي عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ . ثُمَّ قَالَ لِلرَّسُولِ : ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا سورة النمل آية 37 فَلَمَّا عَادَتِ الرُّسُلُ وَأَخْبَرَتْ بَلْقِيسُ بَعَثَتْ إِلَيْهِ : إِنِّي قَادِمَةٌ إِلَيْكَ لأَنْظُرَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ ، ثُمَّ أَمَرَتْ بِعَرْشِهَا فَجُعِلَ وَرَاءَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ ، وَوَكَّلَتْ بِهِ حَرَسًا يَحْفَظُونَهُ ، وَشَخَصَتْ إِلَى سُلَيْمَانَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ مَلِكٍ ، تَحْتَ يَدَيْ كُلِّ مَلِكٍ أُلُوفٌ . فَجَلَسَ سُلَيْمَانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ ، فَرَأَى رَهَجًا ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : بَلْقِيسُ قَدْ نَزَلَتْ بِهَذَا الْمَكَانِ . فَقَالَ : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا سورة النمل آية 38 ، قَالَ عِفْرِيتٌ سورة النمل آية 39 وَهُوَ الْقَوِيُّ الشَّدِيدُ : أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ سورة النمل آية 39 أَيْ : مَجْلِسِكَ . فَقَالَ : أُرِيدُ أَسْرَعَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ سورة النمل آية 40 وَهُوَ وَاصِفُ بْنُ برخيَا ، وَكَانَ يَعْرِفُ الاسْمَ الأَعْظَمَ ، وَكَانَ يَقُومُ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ بِالسَّيْفِ . قَالَ مُجَاهِدٌ : دَعَا فَقَالَ : يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ . فَبَعَثَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْمَلائِكَةَ فَحَمَلُوا السَّرِيرَ تَحْتَ الأَرْضِ يَخُدُّونَ بِهِ الأَرْضَ خَدًّا ، حَتَّى انْخَرَقَتِ الأَرْضُ بِالسَّرِيرِ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمَانَ ، فَقَالَ : نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا سورة النمل آية 41 فَغَيَّرُوهُ وَزَادُوا فِيهِ وَنَقَصُوا ، فَلَمَّا قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ سورة النمل آية 42 أَيْ : قَالَتْ قَدْ أُوتِيتُ الْعِلْمَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ سُلَيْمَانَ بِأَمْرِ الْهُدْهُدِ وَالرُّسُلِ الَّذِي بَعَثْتَ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الآيَةِ وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ سورة النمل آية 43 وَالْمَعْنَى : أَنَّهَا كَانَتْ عَاقِلَةً وَإِنَّمَا كَانَتْ تَتَّبِعُ دِينَ آبَائِهَا . فَأَمَرَ سُلَيْمَانُ الشَّيَاطِينَ فَبَنَوْا لَهَا صَرْحًا عَلَى الْمَاءِ مِنْ زُجَاجٍ ، وَهُوَ الْقَصْرُ ، وَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ قَدْ وَقَعَتْ فِيهَا عِنْدَهُ وَقَالُوا : رِجْلُهَا كَرِجْلِ الْحِمَارِ ، فَأَرَادَ أَنْ يَرَى ذَلِكَ ، فَقِيلَ لَهَا : ادْخُلِي الصَّرْحَ سورة النمل آية 44 حَسِبَتْهُ لُجَّةً سورة النمل آية 44 وَهُوَ مُعْظَمُ الْمَاءِ وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا سورة النمل آية 44 لِدُخُولِ الْمَاءِ ، فَقَالَ : سُلَيْمَانُ : إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ سورة النمل آية 44 أَيْ : مُمَلَّسٌ مِنْ قَوَارِيرَ سورة النمل آية 44 أَيْ : مِنْ زُجَاجٍ . فَعَلِمَتْ أَنَّ مُلْكَ سُلَيْمَانَ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى . فَقَالَتْ : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي سورة النمل آية 44 أَيْ : بِمَا سَبَقَ مِنَ الْكُفْرِ . ثُمَّ تَزَوَّجَهَا سُلَيْمَانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وَرَدَّهَا إِلَى مُلْكِهَا ، وَكَانَ يَزُورُهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً ، وَيُقِيمُ عِنْدَهَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ، وَبَقِيَ مُلْكُهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ سُلَيْمَانُ ، فَزَالَ مُلْكُهَا بِمَوْتِهِ . الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ وَضَحَ الْبَيَانُ وَأَنْتَ فِي غَرَرِ الْهَوَى مُتَشَاغِلٌ بِبَطَالَةٍ وَتَصَابِي تَرْتَاحُ فِي حُلَلِ الْمَشِيبِ مُنَعَّمًا أَأَخَذْتَ مِيثَاقًا مِنَ الأَوْصَابِ كَمْ نَاظِرٍ قَدْ رَاقَ حُسْنًا نَاظِرًا أَبْلاهُ بِالآفَاتِ شَرُّ مُصَابِ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ جَمَالُهُ وَكَمَالُهُ وَمَقَامُ مُلْكٍ فِي أَعَزِّ نِصَابِ وَأَتَاهُ مِنْ حَرْبِ الْمَنُونِ مُعَاجِلٌ صَعْبٌ شَدِيدُ الْوَهْنِ غَيْرُ مُحَابِ فَرَأَى اكْتِسَابَ يَدَيْهِ لَيْسَ بِنَافِعٍ وَدَعَا ذَوِيهِ فَكَانَ غَيْرَ مُجَابِ وَحَوَاهُ لَحْدٌ ضَيِّقٌ مُتَهَدِّمٌ يَعْلُوهُ كَرْبُ جَنَادِلٍ وَتُرَابِ فَأَفِقْ لِنَفْسِكَ وَالزَّمَانُ مُسَاعِدٌ وَأَطِعْ نَصِيحَكَ سَاعِيًا لِصَوَابِ وَارْجِعْ إِلَى مَوْلاكَ حَقًّا تَائِبًا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَعِيَ بَرَدِّ جَوَابِ أَلا مُتَيَقِّظٌ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، أَلا مُتَأَهِّبٌ لِلْقُدُومِ عَلَيْهِ ، أَلا عَامِرٌ لِلْقَبْرِ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ . تَسَمَّعْ فإِنَّ الْمَوْتَ يُنْذِرُ بِالصَّوْتِ وَبَادِرْ بِسَاعَاتِ التُّقَى سَاعَةَ الْمَوْتِ وَإِنْ كُنْتَ لا تَدْرِي مَتَى أَنْتَ مَيِّتٌ فَإِنَّكَ تَدْرِي أَنْ لا بُدَّ مِنْ مَوْتِ إِخْوَانِي : إِنَّمَا الْعُمْرُ مَرَاحِلُ ، وَكَأَنْ قَدْ بَلَغَتْ سَفِينَةُ الرَّاحِلِ . دَخَلُوا عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُونَهُ فَقَالُوا : كَمْ أَتَى عَلَيْكَ ؟ فَقَالَ : خَمْسُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ . فَقَالُوا : عُمِّرَ وَاللَّهِ . فَقَالَ : لا تَقُولُوا ذَلِكَ فَوَاللَّهِ لَوِ اسْتَكْمَلْتُمُوهَا لاسْتَقْلَلْتُمُوهَا . إِخْوَانِي : مَنْ أَخْطَأَتْهُ سِهَامُ الْمَنِيَّةِ قَيَّدَهُ عِقَالُ الْهَرَمِ ، إِنَّ لِكُلِّ سَفَرٍ زَادًا فَتَزَوَّدُوا لِسَفَرِكُمُ التَّقْوَى ، وَكُونُوا كَمَنْ عَايَنَ مَا أُعِدَّ لَهُ وَلا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ ، وَاللَّهِ مَا بُسِطَ أَمَلُ مَنْ لا يَدْرِي : أَيُصْبِحُ إِذَا أَمْسَى أَوْ يُمْسِي إِذَا أَصْبَحَ. لا تَحْسَبَنَّ الزَّمَانَ يُنْسِئُكَ الْقَرْضَ وَلَكِنَّهُ يَدًا بِيَدِ يُعْطِيكَ يَوْمًا فَيَقْتَضِيكَ غَدًا مَرِيرَةً مِنْ مَرِيرَةِ الْحَسَدِ يَسْتَرِقُ الشَّيْءَ مِنْ قُوَاكَ وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا عَنْ أَعْيُنِ الرَّمَدِ حَالا فَحَالا حَتَّى يُرْدِيكَ بِالْكَبْرَةِ بَعْدَ الشَّبَابِ وَالْغَيَدِ إِخْوَانِي : إِنَّ الْعِبَرَ قَدْ وَضَحَتْ ، وَإِنَّ النُّذُرَ قَدْ نَصَحَتْ ، وَإِنَّ الْمَوَاعِظَ قَدْ أَفْصَحَتْ ، وَلَكِنَّ النُّفُوسَ مِنْ سُكْرِهَا مَا صَحَتْ ، أَيْنَ الْهَمُّ الْمُجْتَمِعُ تَفَرَّقَ فَمَا تَنْتَفِعُ ، يَدْعُوكَ الْهَوَى فَتَتَّبِعُ ، وَيُحَدِّثُكَ الْمُنَى فَتَسْتَمِعُ ، كَمْ زَجَرَكَ نَاصِحٌ فَلَمْ تُطِعْ ، وَصَلَ الصَّالِحُونَ يَا مُنْقَطِعُ ، أَمَّا الَّذِي عَاقَكَ وَهُوَ مُخْتَدِعٌ ، شَرَوْا بِمَا يَفْنَى مَا يَبْقَى وَلَمْ تَشْرِ وَلَمْ تَبِعْ ، أَيْنَ تَعَبُهُمْ نُسِخَ بِالرَّوْحِ وَلَمْ يَضِعْ ، تَلَمَّحِ الْعَوَاقِبَ فَلْتلمحك العقل وضع = ، كَأَنَّهُ مَا شَبِعَ مَنْ جَاعَ وَلا جَاعَ مَنْ شَبِعَ ، أَيْنَ الْهِمَمُ الْمُجِدَّةُ ، أَيْنَ النُّفُوسُ الْمُسْتَعِدَّةُ ، أَيْنَ الْمُتَأَهِّبُ قَبْلَ الشِّدَّةِ ، أَيْنَ الْمُتَيَقِّظُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، عَاتِبْ نَفْسَكَ عَلَى قُبْحِ الشِّيَمِ ، وَحِذِّرْهَا مِنْ مُثْمِرَاتِ الْحُزْنِ وَالنَّدَمِ ، وَامْنَعْهَا تَخْلِيطَهَا فَقَدْ طَالَ السَّقَمُ ، وَذَكِّرْهَا لِحَاقَهَا بِمَنْ قَدْ سَبَقَ مِنَ الأُمَمِ ، وَاحْضَرْ مَعَهَا بَابَ الْفِكْرَ فَإِنَّهُ نِعْمَ الْحَكَمُ ، وَنَادِهَا فِي الْخَلَوَاتِ إِلَى كَمْ مَعَ السُّبَاتِ وَكَمْ . رُبَّ حَتْفٍ بَيْنَ أَثْنَاءِ الأَمَلْ وَحَيَاةُ الْمَرْءِ ظِلٌّ يَنْتَقِلْ لَوْ نَجَا شَيْءٌ تَحْتَ صَارِيَةٍ يُهْجَرُ السَّهْلُ وَيُجْبَلُ الْجَبَلْ أَيْنَ مَنْ كَانَ خَفِيَ شَخْصُهُ مِثْلَ قَدِّ السَّيْرِ إِنْ عَضَّ قَتَلْ أَيْنَ مَنْ يَسْلَمُ مِنْ صَرْفِ الرَّدَى حَكَمَ الْمَوْتُ عَلَيْنَا فَعَدَلْ وَكَأَنَّا لا نَرَى مَا قَدْ نَرَى وَخُطُوبُ الدَّهْرِ فِينَا تَنْتَضِلْ فَرُوَيْدًا بِظَلامٍ صُبْحُهُ فَهِيَ الأَيَّامُ وَالدَّهْرُ دُوَلْ الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ سورة القيامة آية 1 قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : لا سورة القيامة آية 1 زَائِدَةٌ . وَالْمَعْنَى : أُقْسِمُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ لا سورة القيامة آية 1 رَدٌّ عَلَى مُنْكِرِ الْبَعْثِ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : زِيدَتْ لا سورة القيامة آية 1 عَلَى نِيَّةِ الرَّدِّ عَلَى الْمُكَذِّبِينَ ، كَمَا تَقُولُ : لا وَاللَّهِ مَا ذَاكَ كَمَا تَقُولُ . وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ سورة القيامة آية 2 فِيهَا ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهَا الَّتِي تَلُومُ نَفْسَهَا حِينَ لا يَنْفَعُهَا اللَّوْمُ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي : أَنَّهَا نَفْسُ الْمُؤْمِنِ الَّتِي تَلُومُهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى تَقْصِيرِهِ . قَالَهُ الْحَسَنُ . فَعَلَى هَذَا تَكُونُ مَمْدُوحَةً . وَالثَّالِثُ : أَنَّهَا جَمِيعُ النُّفُوسِ . قَالَ الْفَرَّاءُ : لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ بَرَّةٍ وَلا فَاجِرَةٍ إِلا وَهِيَ تَلُومُ نَفْسَهَا ، إِنْ كَانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قَالَتْ : هَلا زِدْتُ . أَوْ شَرًّا قَالَتْ : لَيْتَنِي لَمْ أَفْعَلْ . وَجَوَابُ الْقَسَمِ : مَحْذُوفٌ ، تَقْدِيرُهُ : لَتُبْعَثَنَّ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ سورة القيامة آية 3 وَالْبَنَانُ : أَطْرَافُ الأَصَابِعِ . وَفِي الْمَعْنَى قَوْلانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ نَجْعَلَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ شَيْئًا وَاحِدًا كَحَافِرِ الْحِمَارِ وَخُفِّ الْبَعِيرِ ، فَيَعْدَمَ الإِرْفَاقَ بِالأَعْمَالِ اللَّطِيفَةِ ، كَالْكِتَابَةِ وَالْخِيَاطَةِ . هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَالثَّانِي : نَقْدِرُ عَلَى تَسْوِيَةِ بَنَانِهِ كَمَا كَانَتْ ، وَإِنْ صَغِرَتْ عِظَامُهَا ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى جَمْعِ صِغَارِ الْعِظَامِ كَانَ عَلَى جَمْعِ كِبَارِهَا أَقْدَرُ . وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ وَالزَّجَّاجِ . قَوْلُهُ - تَعَالَى - : بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ سورة القيامة آية 5 فِيهِ قَوْلانِ : أَحَدُهُمَا : يَكْذِبُ بِمَا أَمَامَهُ مِنَ الْبَعْثِ وَالْحِسَابِ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي : يُقَدِّمُ الذَّنْبَ وَيُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ ، وَيَقُولُ : سَوْفَ أَتُوبُ . قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ . فَعَلَى هَذَا يُرَادُ بِالإِنْسَانِ الْمُسْلِمِ وَعَلَى الأَوَّلِ الْكَافِرِ . قَوْلُهُ - تَعَالَى - : يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ سورة القيامة آية 6 أَيْ : مَتَى هُوَ ، تَكْذِيبًا بِهِ فَهَذَا هُوَ الْكَافِرُ . فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ سورة القيامة آية 7 قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ : " بَرِقَ " بِكَسْرِ الرَّاءِ . وَقَرَأَ نَافِعٌ بِفَتْحِهَا ، وَهُمَا لُغَتَانِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : بَرِقُ الْبَصَرُ يَبْرَقُ وَبَرَقَ يَبْرُقُ ، إِذَا رَأَى هَوْلا يَفْزَعُ مِنْهُ . وَمَتَى يَبْرُقُ الْبَصَرُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ : أَحَدُهُمَا : يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَشْخَصُ بَصَرُ الْكَافِرِ فَلا يَطْرِفُ لِمَا يَرَى مِنَ الأُمُورِ الَّتِي كَانَ يُكَذِّبُ بِهَا فِي دَارِ الدُّنْيَا . قَالَهُ الأَكْثَرُونَ . وَالثَّانِي : عِنْدَ الْمَوْتِ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ . قَوْلُهُ - تَعَالَى - : وَخَسَفَ الْقَمَرُ سورة القيامة آية 8 أَيْ : ذَهَبَ ضَوْءُهُ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : خَسَفَ وَكَسَفَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . قَوْلُهُ - تَعَالَى - : وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ سورة القيامة آية 9 قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : إِنَّمَا قَالَ : " جُمِعَ " لِتَذْكِيرِ الْقَمَرِ . وَفِي هَذَا الْجَمْعِ قَوْلانِ : أَحَدُهُمَا : جَمَعَ بَيْنَ ذَاتَيْهِمَا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : جُمِعَا كَالْبَعِيرَيْنِ وَكَالْفَرَسَيْنِ . وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ : يُجْمَعَانِ وَيُقْذَفَانِ فِي الْبَحْرِ . وَقِيلَ : فِي النَّارِ : وَقِيلَ : يُجْمَعَانِ فَيُطْلَقَانِ مِنَ الْمَغْرِبِ . وَالثَّانِي : جُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي ذَهَابِ نُورِهِمَا . قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ . قَوْلُهُ - تَعَالَى - : يَقُولُ الإِنْسَانُ سورة القيامة آية 10 يَعْنِي : الْمُكَذِّبُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ : أَيْنَ الْمَفَرُّ سورة القيامة آية 10 أَيْنَ الْفِرَارُ ؟ كَلَّا لا وَزَرَ سورة القيامة آية 11 أَيْ : لا مَلْجَأَ ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ سورة القيامة آية 12 أَيِ : الْمُنْتَهَى وَالرُّجُوعُ ، يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ سورة القيامة آية 13 فِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : بِمَا قَدَّمَ قَبْلَ مَوْتِهِ وَمَا سَنَّ مِنْ شَيْءٍ فَعُمِلَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ . قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ . وَالثَّانِي : بِأَوَّلِ عَمَلِهِ وَآخِرِهِ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالثَّالِثُ : بِمَا قَدَّمَ مِنَ الشَّرِّ وَأَخَرَّ مِنَ الْخَيْرِ . قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَقَالَ : بِمَا قَدَّمَ مِنْ مَعْصِيَتِهِ وَأَخَرَّ مِنْ طَاعَتِهِ . وَا أَسَفَا مِنَ الصَّحِيفَةِ إِنْ نَشَرَهَا ، وَا حُزْنًا عَلَى الذُّنُوبِ إِنْ أَظْهَرَهَا ، وَا حَسْرَتَا عَلَى خَطَايَا مَا غَفَرَهَا ، مَنْ لِمَنْ حَادَ عَنِ الطَّرِيقِ وَقَدْ أَبْصَرَهَا ، مَنْ لِمَنْ شَاهَدَ نَجَاتَهُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَهَا ، تَاللَّهِ لَقَدْ آذَى الْعَاصِي نَفْسَهُ وَعَثَّرَهَا ، كَمْ سَمِعَ مَوْعِظَةً مِنْ مُذَكِّرٍ قَدْ كَرَّرَهَا ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا بَعْدَ أَنْ فَهِمَهَا وَتَدَبَّرَهَا ، وَيْحَكَ إِلَى مَتَى تُضَيِّعُ زَمَنَكَ ! ؟ وَإِلَى مَتَى إِيثَارُ فِتَنِكَ ، أَمَا آنَ التَّنْبِيهُ مِنْ وَسَنِكَ ، أَمَا حَقٌّ أَنْ تَمِيلَ عَنْ سُنَنِكَ ، يَا لاهِيًا أَتَنْسَى وَقْتَ حُزْنِكَ ؛ يَا بَائِعًا نَفْسَهُ ، أَرَضِيتَ الْفَانِيَ بِثَمَنِكَ ، أَيْنَ فَهْمُكَ الثَّاقِبُ وَجَوْدَةُ فِطَنِكَ ، كَمْ بَقِيَ بَيْنَ سِرِّكَ وَبَيْنَ عَلَنِكَ ، أَيْنَ زَادُ رَحِيلِكَ وَعِدَّةُ كَفَنِكَ ، إِلَى مَتَى مَعَ الدُّنْيَا كَمْ مَعَ وَثَنِكَ ، كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى صَلاحِكَ وَتَلافِيكَ ، وَكُلُّ مَا ذَكَرَهُ الْعَائِبُ وَتَلا فِيكَ ، أَمَا يُزْعِجُكَ تَخْوِيفٌ : وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ سورة الكهف آية 59 أَمَا يُنْذِرُكَ إِعْلامٌ : وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ سورة هود آية 102 أَمَا يُفْصَمُ عُرَى عَزَائِمِكَ : وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ سورة الأنبياء آية 11 أَمَا يُقْصِرُ مِنْ قُصُورِكَ : وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ سورة الحج آية 45 أَمَا يَكْفِي لِمِثْلِكَ مَثَلٌ : وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ سورة الرعد آية 6 أَمَا رَأَيْتَ شَمَالَ الْعُقُوبَةِ كَيْفَ فَرَّقَتْ شَمْلَهُمْ ، لَقَدْ مَرَّتْ فِي جَوِّ التَّخْوِيفِ تَهْتِفُ بِالْعُصَاةِ : فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ سورة العنكبوت آية 40 . يَا هَذَا لا نَوْمٌ أَثْقَلُ مِنَ الْغَفْلَةِ ، وَلا رِقٌّ أَمْلَكُ مِنَ الشَّهْوَةِ ، وَلا مُصِيبَةٌ كَمَوْتِ الْقَلْبِ ، وَلا نَذِيرٌ أَبْلَغُ مِنَ الشَّيْبِ : أَلا تَسْلُو فَتَقْصُرُ عَنْ هَوَاكَا فَقَدْرُ شَيْبِ رَأْسِكَ كَانَ ذَاكَا أَكُلُّ الدَّهْرِ أَنْتَ كَمَا أَرَاكَا تُرَاكَ إِلَى الْمَمَاتِ كَذَا تُرَاكَ أَرَاكَ تَزِيدُ حِذْقًا بِالْمَعَاصِي وَتَغْفَلُ عَنْ نَصِيحَةِ مَنْ دَعَاكَ يَا قَوْمُ ، غَرَقَتِ السَّفِينَةُ وَنَحْنُ نِيَامٌ ! أَبُوكُمْ لَمْ يُسَامَحْ فِي حَبَّةِ حِنْطَةٍ ، وَدَاوُدُ لَمْ يُسَاهَلْ فِي نَظْرَةٍ . يَا مُدْمِنَ الذُّنُوبِ مُذْ كَانَ غُلامًا ، عَلامَ عَوَّلْتَ قُلْ لِي عَلَى مَا ؟ أَتَأْمَنُ مَا أَتَى مَنْ أَتَى حَرَامًا ؟ أَمَا تَرَى مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ إِلَيْكَ قَدْ تَرَامَى ، آهٍ لِجَفْنٍ عَلِمَ مَا سَيَلْقَى كَيْفَ يَلْقَى مَنَامًا ، أَيْنَ أَرْبَابُ الأَسْمَارِ وَالنَّدَامَى ، كُلُّ الْقَوْمِ فِي قُبُورِهِمْ نَدَامَى ، قُلْ لِي مَنِ اتَّخَذْتَ فِي أُمُورِكَ إِمَامًا ، أَمَا مَا جَرَى عَلَى الْعُصَاةِ يَكْفِي إِمَامًا ، إِلَى كَمْ تُضَيِّعُ حَدِيثًا طَوِيلا وَكَلامًا ، مَا أَرَى دَاءَكَ إِلا دَاءً عُقَامًا ، أَمَا تُؤْثِرُ نِيرَانَ تَخْوِيفِكَ ؟ صَارَتْ بَرْدًا وَسَلامًا . فَذَكِّرِ النَّفْسَ هَوْلا أَنْتَ رَكَّبَهُ وَكَرْبَةً سَوْفَ تَلْقَى بَعْدَهَا كُرَبَا إِذَا أَتَيْتَ الْمَعَاصِيَ فَاخْشَ غَايَتَهَا مَنْ يَزَرْعِ الشَّوْكَ لا يَجْنِي بِهِ عِنَبَا إِلَى مَتَى أَعْمَالُكَ كُلُّهَا قِبَاحٌ ، أَيْنَ الْجِدُّ إِلَى كَمْ مُزَاحٌ ، كَثُرَ الْفَسَادُ فَأَيْنَ الصَّلاحُ ، سَتُفَارِقُ الأَجْسَادَ الأَرْوَاحُ ، إِمَّا فِي غُدُوٍّ وَإِمَّا فِي رَوَاحٍ ، سَيَنْقَضِي هَذَا الْمَسَاءُ وَالصَّبَاحُ ، وَسَيَخْلُو الْبِلَى بِالْوُجُوهِ الصِّبَاحِ ، أَفِي هَذَا شَكٌّ أَمِ الأَمْرُ مُزَاحٌ ، أَيْنَ سَكْرَانَ الرَّاحِ رَاحَ ، حَلَّ لِلْبِلَى وَالدُّودُ مُبَاحٌ ، لَهُمَا اغْتِبَاقٌ بِهِ ثُمَّ اصْطِبَاحٌ ، عَلَيْهِ نِطَاقٌ مِنَ التُّرَابِ وَوِشَاحٌ ، عُنْوَانُهُ لا يَزُولُ مَفْهُومُهُ لا بَرَاحَ ، أَتَاهُ مُنْكَرُ وَنَكِيرُ كَذَا فِي الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ ، فَمَنْ لِمُحْتَجٍّ مَرْعُوبٍ وَمُقَاتِلٍ بِلا سِلاحٍ ، مَشْغُولٍ عَنْ مَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ أَوْ بَكَى أَوْ نَاحَ ، لَوْ قِيلَ لَهُ : تَمَنَّ كَانَ الْعَوْدُ الاقْتِرَاحَ ، وَأَنَّى وَهَلْ يَطِيرُ مَقْصُوصُ الْجَنَاحِ . إِخْوَانِي : لا تَقُولُوا : مَنْ مَاتَ اسْتَرَاحَ أَمَا هَذَا لَنَا قَلِيلٌ ، إِنَّا لِوِقَاحٌ . أَنِسَ النَّاسُ بِالْغِيَرْ وَتَعَامَوْا عَنِ الْعِبَرْ قُلْ لِللاهٍ بِيَوْمِهِ فِي غَدٍ تَعْرِفُ الْخَبَرْ يَا بَنِي الْحِرْصِ وَالتَّكَاثُرِ وَالْبَغِيِّ وَالْبَطَرْ لَيْسَ بَاقٍ كَفَانٍ فَكُونُوا عَلَى حَذَرْ يَا ضَجِيعَ الْبِلَى عَلَى فَرْشِ الصَّخْرِ وَالْمَدَرْ قَدْ تَزَوَّدْتَ مَأْثَمًا وَإِلَى رَبِّكَ السَّفَرْ سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ سورة القيامة آية 13 يَا مَنْ يَخْطِرُ فِي ثِيَابِ الْغَفْلَةِ يَتَبَخْتَرُ وَيَتَجَبَّرُ ، وَقَبَائِحُهُ تُكْتَبُ وَهُوَ لا يُحِسُّ وَيَزْبُرُ ، بَيْنَ يَدَيْكَ يَوْمٌ قَرِيبٌ مَا يَتَأَخَّرُ يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ سورة القيامة آية 13 يَا مُتَعَرِّضًا بِالذَّنْبِ وَالْعِقَابِ ، يَا غَافِلا عَنْ يَوْمِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ ، يَا مُبَارِزًا بِالْمَعَاصِي رَبَّ الأَرْبَابِ ، مَنْ أَعْظَمُ جُرْأَةً مِنْكَ عَلَى الْعَذَابِ ، قُلْ لِي وَمَنْ أَصْبَرُ ، نَسِيتَ مَعَادَكَ وَأَطَلْتَ أَمَلَكَ ، وَأَعْرَضْتَ إِلَى الْهَوَى عَنْ أَمْرِ مَنْ مَلَكَ ، وَلَوْ رَفَعْتَ وَاللَّهِ - عَمَلَكَ - إِلَى مَلِكٍ أَعْظَمَ ذَلِكَ وَأَكْبَرَ ، لَقَدْ أَنَاخَ التَّقْصِيرُ وَالتَّمَادِي بِبَابِكَ ، وَقَلَّ أَنْ يُعَبَّقَ بِرِيحِ الثَّوَابِ شَيْءٌ مِنْ أَثْوَابِكَ ، وَالشَّيْطَانُ يَجْرِي مِنْكَ مَجْرَى الدَّمِ مِنْ آرَابِكَ ، فَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْكَ إِذَا قُمْتَ فِي مِحْرَابِكَ ، إِلَى حِينَ قَوْلِكَ : اللَّهُ أَكْبَرُ . تَقُومُ إِلَى صَلاتِكَ وَأَنْتَ مُتَكَاسِلٌ ، وَتَدْخُلُ فِي الصَّلاةِ بِقَلْبٍ غَافِلٍ ، وَتَسْتَعْجِلُ فِي الصَّلاةِ لأَجْلِ الْعَاجِلِ ، وَإِذَا نَظَرْتَ بَعْدَ الصَّلاةِ إِلَى الْحَاصِلِ : فَالْجَسَدُ أَقْبَلَ وَالْقَلْبُ أَدْبَرَ . يَا مَنْ ذُلُّ الْمَعَاصِي يَعْلُوهُ ، يَا مُظْلِمَ الْقَلْبِ مَتَى تَجْلُوهُ ، هَذَا الْقُرْآنُ يُتْلَى عَلَيْكَ وَتَتْلُوهُ وَلَكِنْ مَا تَتَدَبَّرُ . يَا مُغْتَرًّا بِالزَّخَارِفِ وَالتَّمْوِيهِ ، تَعَجَّبْ بِمَا تَجْمَعُهُ مِنَ الدُّنْيَا وَتَحْوِيهِ ، هَلَكَ - وَاللَّهِ - ذُو عَجَبٍ أَوْ كِبْرٍ أَوْ تِيهٍ ، وَنَجَا - وَاللَّهِ - أَشْعَثُ أَغْبَرُ ، أَنْتَ فِي دَارِ انْزِعَاجٍ ، فَاحْذَرْ مِنْهَا لا تَرْكَنْ إِلَيْهَا وَلا تَأْمَنْهَا ، إِنَّمَا أُسْكِنْتَهَا لِتَخْرُجَ عَنْهَا ، فَتَأَهَّبْ لِلنُّقْلَةِ فَمَا يُسْتَوْطَنُ مَعْبَرٌ ، أَيْنَ مَنْ كَانَ يَتَنَعَّمُ فِي قُصُورِهَا قَدْ فَسَّحَ لِنَفْسِهِ فِي تَوَانِيهَا وَقُصُورِهَا ، خَدَعَتْهُ - وَاللَّهِ - بِغَرِيرِ غُرُورِهَا بَعْدَ أَنْ سَاسَ الرَّعَايَا وَدَبَّرَ ، نَقَلَتْهُ - وَاللَّهِ - صَرِيعًا سَرِيعًا ، وَسَلَبَتْهُ - وَاللَّهِ - مَا جَمَعَهُ جَمِيعًا ، وَبَزَّتْهُ كِبْرًا كَبِيرًا وَعِزًّا مَنِيعًا ، أَتُرَاهُ يَفْتَخِرُ فِي قَبْرِهِ أَوْ يَتَكَبَّرُ ، خَلا بِعَمَلِهِ فِي ظَلامِ لَحْدِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ غَيْرُ اجْتِهَادِهِ وَجِدِّهِ ، لَوْ قُضِيَ بِرُجُوعِهِ إِلَى الدُّنْيَا وَرَدَّهُ لَحَدَّثَنَا بِهَذَا أَوْ أَخْبَرَ . فَتَنَبَّهْ أَنْتَ مِنْ رَقَدَاتِكَ ، وَكُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ فِي حَيَاتِكَ ، فَلَقَدْ بَالَغَتِ الزَّوَاجِرُ فِي عِظَاتِكَ ، كَمْ تَسْمَعْ مَوْعِظَةً وَكَمْ تَجْلِسُ تَحْتَ مِنْبَرٍ ، يَا لَهَا مِنْ نَصِيحَةٍ لَوْ وَجَدَتْ نَفَاذًا ، هِيَ حُجَّةٌ عَلَيْكَ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَلاذًا ، وَالشَّيْءُ إِذَا لَمْ يَنْفَعْ فَرُبَّمَا آذَى ، وَأَنْتَ يَا هَذَا بَعْدَ هَذَا بِنَفْسِكَ أَخْبَرَ .