المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء التاسع
( فَرْعٌ ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا مِنْ أَرْضِ الْحَرَمِ وَإِجَارَتِهَا وَرَهْنِهَا ، مَذْهَبُنَا جَوَازُهُ ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَالْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ صُلْحًا أَمْ عَنْوَةً ؟ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا ، فَتَبْقَى عَلَى مِلْكِ أَصْحَابِهَا فَتُورَثُ وَتُبَاعُ وَتُكْرَى وَتُرْهَنُ ، وَمَذْهَبُهُمْ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . 298 وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } وَقَوْلُهُ : وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ جَمِيعُ الْحَرَمِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } أَيْ مِنْ بَيْتِ خَدِيجَةَ ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا } قَالُوا : وَالْمُحَرَّمُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَبِحَدِيثِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَكَّةُ مُبَاحٌ لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا وَلَا تُؤَجَّرُ بُيُوتُهَا } رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ . وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَبْنِي لَكَ بَيْتًا أَوْ بِنَاءً يَظِلُّكَ مِنْ الشَّمْسِ ؟ قَالَ : لَا إنَّمَا هُوَ مُبَاحٌ لِمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَكَّةُ حَرَامٌ ، وَحَرَامٌ بَيْعُ رِبَاعِهَا وَحَرَامٌ أَجْرُ بُيُوتِهَا } وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ الْكِنَانِيِّ قَالَ : { كَانَتْ بُيُوتُ مَكَّةَ تُدْعَى السَّوَائِبَ لَمْ تُبَعْ رِبَاعُهَا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَبِي بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ ، مِنْ احْتَاجَ سَكَنَ ، وَمَنْ اسْتَغْنَى أَسْكَنَ } رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَبِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مِنًى مُبَاحٌ لِمَنْ سَبَقَ } وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ فِي بَابِ الدَّفْنِ ، قَالُوا : وَلِأَنَّهَا بُقْعَةٌ مِنْ الْحَرَمِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا كَنَفْسِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ لِمَذْهَبِنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ 299 أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ } وَالْإِضَافَةُ تَقْتَضِي الْمِلْكَ ( فَإِنْ قِيلَ ) قَدْ تَكُونُ الْإِضَافَةُ لِلْيَدِ وَالسُّكْنَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } ؟ ( فَالْجَوَابُ ) أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِضَافَةِ تَقْتَضِي الْمِلْكَ ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ : هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ حُكِمَ بِمِلْكِهَا لِزَيْدٍ ، وَلَوْ قَالَ : أَرَدْتُ بِهِ السُّكْنَى وَالْيَدَ لَمْ يُقْبَلْ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ { : أَيْنَ تَنْزِلُ مِنْ دَارِكَ فِي مَكَّةَ ؟ فَقَالَ : هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ ؟ وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا قَالَ أَصْحَابُنَا : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إرْثِ دُورِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قِصَّةِ فَتْحِ مَكَّةَ قَالَ : ( { فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَبِالْأَثَرِ الْمَشْهُورِ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِ أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ اشْتَرَى مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ دَارَ السِّجْنِ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ ) وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ بَاعَ دَارَ النَّدْوَةِ بِمَكَّةَ مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بِمِائَةِ أَلْفٍ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ : يَا أَبَا خَالِدٍ بِعْتَ مَأْثُرَةَ قُرَيْشٍ وَكَرِيمَتِهَا ؟ فَقَالَ هَيْهَاتَ ذَهَبَتْ الْمَكَارِمُ ، فَلَا مَكْرُمَةَ الْيَوْمَ إلَّا الْإِسْلَامُ ، فَقَالَ : اشْهَدُوا أَنَّهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى يَعْنِي الدَّرَاهِمَ ) وَمِنْ الْقِيَاسِ أَنَّهَا أَرْضٌ حَيَّةٌ لَيْسَتْ مَوْقُوفَةً فَجَازَ بَيْعُهَا كَغَيْرِهَا .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيِّ قَالَ : " رَأَيْتُ الشَّافِعِيَّ بِمَكَّةَ يُفْتِي النَّاسَ ، وَرَأَيْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ وَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ 300 حَاضِرَيْنِ فَقَالَ أَحْمَدُ لِإِسْحَاقَ : تَعَالَ حَتَّى أُرِيَكَ رَجُلًا لَمْ تَرَ عَيْنَاكَ مِثْلَهُ ، فَقَالَ إِسْحَاقُ : لَمْ تَرَ عَيْنَايَ مِثْلَهُ ؟ فَقَالَ نَعَمْ : فَجَاءَ بِهِ فَوَقَفَهُ عَلَى الشَّافِعِيِّ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ إلَى أَنْ قَالَ ثُمَّ تَقَدَّمَ إِسْحَاقُ إلَى مَجْلِسِ الشَّافِعِيِّ فَسَأَلَهُ عَنْ كِرَاءِ بُيُوتِ مَكَّةَ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ عِنْدَنَا جَائِزٌ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ ؟ } فَقَالَ إِسْحَاقُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى ذَلِكَ وَعَطَاءٌ وَطَاوُوسٌ لَمْ يَكُونَا يَرَيَانِ ذَلِكَ . فَقَالَ الشَّافِعِيُّ لِبَعْضِ مَنْ عَرَفَهُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ الْحَنْظَلِيُّ الْخُرَاسَانِيُّ ، فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ : أَنْتَ الَّذِي يَزْعُمُ أَهْلُ خُرَاسَانَ أَنَّكَ فَقِيهُهُمْ ؟ قَالَ إِسْحَاقُ : هَكَذَا يَزْعُمُونَ قَالَ الشَّافِعِيُّ : مَا أَحْوَجَنِي أَنْ يَكُونَ غَيْرُكَ فِي مَوْضِعِكَ فَكُنْتُ آمُرُ بِفِرَاكِ أُذُنَيْهِ ، أَنَا أَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْتَ تَقُولُ قَالَ طَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ ، هَؤُلَاءِ لَا يَرَوْنَ ذَلِكَ ؟ وَهَلْ لِأَحَدٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةٌ ؟ وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا . ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ } أَفَتُنْسَبُ الدِّيَارُ إلَى مَالِكِينَ أَوْ غَيْرِ مَالِكِينَ ؟ فَقَالَ إِسْحَاقُ : إلَى مَالِكِينَ قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَوْلُ اللَّهِ أَصْدَقُ الْأَقَاوِيلِ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ } ، وَقَدْ اشْتَرَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَارَ الْحَجَّامِينَ وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ لَهُ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ : { سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } وَالْمُرَادُ الْمَسْجِدُ خَاصَّةً ، وَهُوَ الَّذِي حَوْلَ الْكَعْبَةِ ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَزْعُمُ لَكَانَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْشُدَ فِي دُورِ مَكَّةَ وَفِجَاجِهَا ضَالَّةً ، وَلَا يَنْحَرَ فِيهَا اُلْبُدْنَ ، وَلَا يُلْقِيَ 301 فِيهَا الْأَرْوَاثَ ، وَلَكِنْ هَذَا فِي الْمَسْجِدِ خَاصَّةً فَسَكَتَ إِسْحَاقُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ ، فَسَكَتَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ .
( وَأَمَّا ) الْجَوَابُ عَنْ أَدِلَّتِهِمْ فَالْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى : " { سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } سَبَقَ الْآنَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ( وَأَمَّا ) قَوْله تَعَالَى { هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا } " فَمَعْنَاهُ حَرَّمَ صَيْدَهَا ، وَشَجَرَهَا ، وَخَلَاهَا ، وَالْقِتَالَ فِيهَا ، كَمَا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَلَمْ يُذْكَرْ شَيْءٌ مِنْهَا مَعَ كَثْرَتِهَا فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ دُورِهَا ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ أَبِيهِ فَضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِ إسْمَاعِيلَ وَأَبِيهِ إبْرَاهِيمَ ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَإِنْ صَحَّ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الْمَوَاتِ مِنْ الْحَرَمِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ فَضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) ضَعْفُ إسْنَادِهِ فَإِنَّ ابْنَ أَبِي زِيَادٍ هَذَا ضَعِيفٌ ( وَالثَّانِي ) أَنَّ الصَّوَابَ فِيهِ عِنْدَ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَقَالُوا : رَفْعُهُ وَهْمٌ ، هَكَذَا قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) جَوَابُ الْبَيْهَقِيّ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ ( وَالثَّانِي ) جَوَابُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضًا وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ عَادَتِهِمْ فِي إسْكَانِهِمْ مَا اسْتَغْنَوْا عَنْهُ مِنْ بُيُوتِهِمْ بِالْإِعَارَةِ تَبَرُّعًا وُجُودًا ، وَقَدْ أَخْبَرَ مَنْ كَانَ أَعْلَمَ بِشَأْنِ مَكَّةَ مِنْهُ بِأَنَّهُ جَرَى الْإِرْثُ وَالْبَيْعُ فِيهَا ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ ( مِنًى مُبَاحٌ لِمَنْ سَبَقَ ) فَمَحْمُولٌ عَلَى مَوَاتِهَا وَمَوَاضِعِ نُزُولِ الْحَجِيجِ مِنْهَا ( وَأَمَّا ) الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى نَفْسِ الْمَسْجِدِ فَمَرْدُودٌ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ مُحَرَّمَةٌ مُحَرَّرَةٌ ، لَا تُلْحَقُ بِهَا الْمَنَازِلُ الْمَسْكُونَةُ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِهَا ، وَلِهَذَا فِي سَائِرِ الْبِلَادِ يَجُوزُ بَيْعُ الدُّورِ دُونَ الْمَسَاجِدِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
302 فَرْعٌ ) قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ بَيْعِ الْكِلَابِ : لَا يُكْرَهُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْمِلْكِ الطَّلْقِ إلَّا أَرْضَ مَكَّةَ ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ بَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا لِلْخِلَافِ وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ غَرِيبٌ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ : هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى ، لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ مَا ثَبَتَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي هَذَا نَهْيٌ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الرُّويَانِيُّ وَالْأَصْحَابُ : هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا مِنْ الْحَرَمِ هُوَ فِي بَيْعِ نَفْسِ الْأَرْضِ ( فَأَمَّا ) الْبِنَاءُ فَهُوَ مَمْلُوكٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِلَا خِلَافٍ .
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ لِمَذْهَبِنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ 299 أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ } وَالْإِضَافَةُ تَقْتَضِي الْمِلْكَ ( فَإِنْ قِيلَ ) قَدْ تَكُونُ الْإِضَافَةُ لِلْيَدِ وَالسُّكْنَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } ؟ ( فَالْجَوَابُ ) أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِضَافَةِ تَقْتَضِي الْمِلْكَ ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ : هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ حُكِمَ بِمِلْكِهَا لِزَيْدٍ ، وَلَوْ قَالَ : أَرَدْتُ بِهِ السُّكْنَى وَالْيَدَ لَمْ يُقْبَلْ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ { : أَيْنَ تَنْزِلُ مِنْ دَارِكَ فِي مَكَّةَ ؟ فَقَالَ : هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ ؟ وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا قَالَ أَصْحَابُنَا : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إرْثِ دُورِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قِصَّةِ فَتْحِ مَكَّةَ قَالَ : ( { فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَبِالْأَثَرِ الْمَشْهُورِ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِ أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ اشْتَرَى مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ دَارَ السِّجْنِ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ ) وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ بَاعَ دَارَ النَّدْوَةِ بِمَكَّةَ مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بِمِائَةِ أَلْفٍ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ : يَا أَبَا خَالِدٍ بِعْتَ مَأْثُرَةَ قُرَيْشٍ وَكَرِيمَتِهَا ؟ فَقَالَ هَيْهَاتَ ذَهَبَتْ الْمَكَارِمُ ، فَلَا مَكْرُمَةَ الْيَوْمَ إلَّا الْإِسْلَامُ ، فَقَالَ : اشْهَدُوا أَنَّهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى يَعْنِي الدَّرَاهِمَ ) وَمِنْ الْقِيَاسِ أَنَّهَا أَرْضٌ حَيَّةٌ لَيْسَتْ مَوْقُوفَةً فَجَازَ بَيْعُهَا كَغَيْرِهَا .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيِّ قَالَ : " رَأَيْتُ الشَّافِعِيَّ بِمَكَّةَ يُفْتِي النَّاسَ ، وَرَأَيْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ وَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ 300 حَاضِرَيْنِ فَقَالَ أَحْمَدُ لِإِسْحَاقَ : تَعَالَ حَتَّى أُرِيَكَ رَجُلًا لَمْ تَرَ عَيْنَاكَ مِثْلَهُ ، فَقَالَ إِسْحَاقُ : لَمْ تَرَ عَيْنَايَ مِثْلَهُ ؟ فَقَالَ نَعَمْ : فَجَاءَ بِهِ فَوَقَفَهُ عَلَى الشَّافِعِيِّ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ إلَى أَنْ قَالَ ثُمَّ تَقَدَّمَ إِسْحَاقُ إلَى مَجْلِسِ الشَّافِعِيِّ فَسَأَلَهُ عَنْ كِرَاءِ بُيُوتِ مَكَّةَ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ عِنْدَنَا جَائِزٌ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ ؟ } فَقَالَ إِسْحَاقُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى ذَلِكَ وَعَطَاءٌ وَطَاوُوسٌ لَمْ يَكُونَا يَرَيَانِ ذَلِكَ . فَقَالَ الشَّافِعِيُّ لِبَعْضِ مَنْ عَرَفَهُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ الْحَنْظَلِيُّ الْخُرَاسَانِيُّ ، فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ : أَنْتَ الَّذِي يَزْعُمُ أَهْلُ خُرَاسَانَ أَنَّكَ فَقِيهُهُمْ ؟ قَالَ إِسْحَاقُ : هَكَذَا يَزْعُمُونَ قَالَ الشَّافِعِيُّ : مَا أَحْوَجَنِي أَنْ يَكُونَ غَيْرُكَ فِي مَوْضِعِكَ فَكُنْتُ آمُرُ بِفِرَاكِ أُذُنَيْهِ ، أَنَا أَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْتَ تَقُولُ قَالَ طَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ ، هَؤُلَاءِ لَا يَرَوْنَ ذَلِكَ ؟ وَهَلْ لِأَحَدٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةٌ ؟ وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا . ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ } أَفَتُنْسَبُ الدِّيَارُ إلَى مَالِكِينَ أَوْ غَيْرِ مَالِكِينَ ؟ فَقَالَ إِسْحَاقُ : إلَى مَالِكِينَ قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَوْلُ اللَّهِ أَصْدَقُ الْأَقَاوِيلِ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ } ، وَقَدْ اشْتَرَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَارَ الْحَجَّامِينَ وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ لَهُ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ : { سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } وَالْمُرَادُ الْمَسْجِدُ خَاصَّةً ، وَهُوَ الَّذِي حَوْلَ الْكَعْبَةِ ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَزْعُمُ لَكَانَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْشُدَ فِي دُورِ مَكَّةَ وَفِجَاجِهَا ضَالَّةً ، وَلَا يَنْحَرَ فِيهَا اُلْبُدْنَ ، وَلَا يُلْقِيَ 301 فِيهَا الْأَرْوَاثَ ، وَلَكِنْ هَذَا فِي الْمَسْجِدِ خَاصَّةً فَسَكَتَ إِسْحَاقُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ ، فَسَكَتَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ .
( وَأَمَّا ) الْجَوَابُ عَنْ أَدِلَّتِهِمْ فَالْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى : " { سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } سَبَقَ الْآنَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ( وَأَمَّا ) قَوْله تَعَالَى { هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا } " فَمَعْنَاهُ حَرَّمَ صَيْدَهَا ، وَشَجَرَهَا ، وَخَلَاهَا ، وَالْقِتَالَ فِيهَا ، كَمَا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَلَمْ يُذْكَرْ شَيْءٌ مِنْهَا مَعَ كَثْرَتِهَا فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ دُورِهَا ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ أَبِيهِ فَضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِ إسْمَاعِيلَ وَأَبِيهِ إبْرَاهِيمَ ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَإِنْ صَحَّ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الْمَوَاتِ مِنْ الْحَرَمِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ فَضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) ضَعْفُ إسْنَادِهِ فَإِنَّ ابْنَ أَبِي زِيَادٍ هَذَا ضَعِيفٌ ( وَالثَّانِي ) أَنَّ الصَّوَابَ فِيهِ عِنْدَ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَقَالُوا : رَفْعُهُ وَهْمٌ ، هَكَذَا قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) جَوَابُ الْبَيْهَقِيّ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ ( وَالثَّانِي ) جَوَابُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضًا وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ عَادَتِهِمْ فِي إسْكَانِهِمْ مَا اسْتَغْنَوْا عَنْهُ مِنْ بُيُوتِهِمْ بِالْإِعَارَةِ تَبَرُّعًا وُجُودًا ، وَقَدْ أَخْبَرَ مَنْ كَانَ أَعْلَمَ بِشَأْنِ مَكَّةَ مِنْهُ بِأَنَّهُ جَرَى الْإِرْثُ وَالْبَيْعُ فِيهَا ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ ( مِنًى مُبَاحٌ لِمَنْ سَبَقَ ) فَمَحْمُولٌ عَلَى مَوَاتِهَا وَمَوَاضِعِ نُزُولِ الْحَجِيجِ مِنْهَا ( وَأَمَّا ) الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى نَفْسِ الْمَسْجِدِ فَمَرْدُودٌ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ مُحَرَّمَةٌ مُحَرَّرَةٌ ، لَا تُلْحَقُ بِهَا الْمَنَازِلُ الْمَسْكُونَةُ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِهَا ، وَلِهَذَا فِي سَائِرِ الْبِلَادِ يَجُوزُ بَيْعُ الدُّورِ دُونَ الْمَسَاجِدِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
302 فَرْعٌ ) قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ بَيْعِ الْكِلَابِ : لَا يُكْرَهُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْمِلْكِ الطَّلْقِ إلَّا أَرْضَ مَكَّةَ ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ بَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا لِلْخِلَافِ وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ غَرِيبٌ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ : هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى ، لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ مَا ثَبَتَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي هَذَا نَهْيٌ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الرُّويَانِيُّ وَالْأَصْحَابُ : هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا مِنْ الْحَرَمِ هُوَ فِي بَيْعِ نَفْسِ الْأَرْضِ ( فَأَمَّا ) الْبِنَاءُ فَهُوَ مَمْلُوكٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِلَا خِلَافٍ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith