المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
( الْقِسْمُ الثَّالِثُ ) أَنْ يَدَّعِي إجْمَاعَ مُتَأَخِّرٍ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْمُخْتَلِفِينَ ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ فِي أَوَائِلِ عَصْرِ التَّابِعِينَ لِمَا عَرَفْتَ مِنْ قَوْلِهِمْ بِهِ ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْقَائِلِينَ بِهِ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَقَدْ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسَ عَشَرَةَ وَمِائَةٍ أَوْ بَعْدَهَا ، فَإِنْ اُدُّعِيَ إجْمَاعٌ بَعْدَ ذَلِكَ إمَّا مِنْ بَقِيَّةِ التَّابِعِينَ وَإِمَّا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ فَلَا أَسْتَحْضِرُ خِلَافًا يَرُدُّهُ ، وَلَكِنَّ الْأُصُولِيِّينَ وَالْأَصْحَابَ مُخْتَلِفُونَ فِي حُكْمِ ذَلِكَ فَأَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو حَامِدٍ الْمَرُّوذِيُّ أَنَّهُ إذَا اتَّفَقَ التَّابِعُونَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الصَّحَابَةِ لَا تَصِيرُ الْمَسْأَلَةُ إجْمَاعِيَّةً وَلَا يَحْرُمُ الْقَوْلُ بِالْقَوْلِ الْآخَرَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ . وَقَالَ الْمُصَنِّفُ أَبُو إِسْحَاقَ : إنَّهُ قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا ، وَقَالَ سُلَيْمٌ : إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الْأَشْعَرِيَّةِ . وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : إنَّ مَيْلَ الشَّافِعِيِّ إلَيْهِ ، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ . وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ : ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أَنَّ حُكْمَ الْخِلَافِ لَا يَرْتَفِعُ . وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ : لَيْسَ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْءٌ ، وَالْجَيِّدُ مِنْ مَذْهَبِهِ الَّذِي كَانَ يَخْتَارُهُ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ أَنَّ الْخِلَافَ بَاقٍ . وَذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ الْحَنَابِلَةِ الْقَاضِي ، وَهُوَ الْمَرْجُوحُ عِنْدَهُمْ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ وَأَبُو بَكْرٍ الْقَفَّالُ ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ كَالْجِبَائِيِّ وَابْنِهِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُحَاسَبِيُّ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَطِيبِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ ، أَنَّهُ يَصِيرُ إجْمَاعًا لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ وَهَذَا الْخِلَافُ مُتَرَتِّبٌ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ هَلْ لَهُ قَوْلٌ ؟ 50 فَإِنْ قُلْنَا ) إنَّ لَهُ قَوْلًا لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا ، وَإِلَّا كَانَ إجْمَاعًا ، وَالْحَنَفِيَّةُ مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ إجْمَاعٌ يَقُولُونَ : إنَّهُ مِنْ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ . وَلِذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ خَلِيَّةٌ ، وَنَوَى ثَلَاثًا ثُمَّ جَامَعَهَا فِي الْعِدَّةِ وَقَالَ : عَلِمْتُ أَنَّهَا حَرَامٌ ، لَا يَحِلُّ ، لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَرَاهَا وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً ، وَقَدْ أَجْمَعْنَا بِخِلَافِهِ ، وَشُبْهَةُ الثَّلَاثِ صَحِيحَةٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأُمَّةِ الْيَوْمَ ، لَكِنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْإِجْمَاعِ أَهُوَ حُجَّةٌ أَوْ لَا ؟ فَلَا يَصِيرُ مُوجِبًا عِلْمًا بِلَا شُبْهَةٍ . هَكَذَا قَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي التَّقْوِيمِ مِنْ كُتُبِهِمْ . وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ بِمَا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ التَّابِعُونَ بِتَحْرِيمِ الْقَوْلِ الْآخَرَ ، فَإِنْ صَرَّحُوا بِتَحْرِيمِهِ فَقَدْ تَرَدَّدَ أَعْنِي الْغَزَالِيَّ هَلْ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ أَوْ لَا وَلَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُمْ فِيهِ ؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَا إذَا حَصَلَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ مَعَ بَقَاءِ الْعَصْرِ حَيْثُ كَانَ الصَّحِيحُ هُنَاكَ أَنَّهُ يَكُونُ إجْمَاعًا أَنَّ الْمُجْمِعِينَ هُنَاكَ كُلُّ الْأُمَّةِ ; وَأَهْلُ الْعَصْرِ الثَّانِي بَعْضُ الْأُمَّةِ لَا كُلُّهُمْ ، لِأَنَّ الْأُمَّةِ اسْمٌ يَعُمُّ الْحَيَّ وَالْمَيِّتَ فَعَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ قَوْلِ أَكْثَرَ أَصْحَابِنَا امْتَنَعَ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِي تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ ، وَهَذَا مُقْتَضَى صُنْعِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْمَحَامِلِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ رِبَا الْفَضْلِ فِي مَسَائِلِ كِتَابِ الْأَوْسَطِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ ، وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ إجْمَاعِيَّةٌ لَمْ يَذْكُرْهَا ، لَكِنَّا بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى مُسْتَغْنُونَ فِي الْإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الْمُتَضَافِرَةِ كَمَا قَدَّمْتُهُ وَأَقُولُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى الْإِجْمَاعِ فِي مَسْأَلَةٍ خَفِيَّةٍ مُسْنَدُهَا قِيَاسٌ أَوْ اسْتِنْبَاطٌ دَقِيقٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ 51 فَصْلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُوَافِقُوهُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ تَعَلَّقُوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) حَدِيثُ أُسَامَةَ الْمُتَقَدِّمُ ، وَقَدْ وَرَدَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعْنَاهَا سَوَاءٌ أَوْ مُتَقَارِبٌ ( مِنْهَا ) { لَا رِبًا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ } ( وَمِنْهَا ) { إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ } ( وَمِنْهَا ) { إنَّ الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ } ( وَمِنْهَا ) { لَا رِبًا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ } . وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ ( وَمِنْهَا ) { لَيْسَ الرِّبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ وَالنَّظِرَةِ } ( وَمِنْهَا ) " { لَا رِبًا إلَّا فِي الدَّيْنِ } رَوَاهُمَا الطَّبَرَانِيُّ ( وَمِنْهَا ) { الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ } . وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى حَدِيثِ أُسَامَةَ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ ، وَالْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَقَدْ رَوَيْنَاهُ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَلْفَاظٍ مُتَبَايِنَةٍ ، فَأَلْفَاظُهُ الَّتِي فِي الصَّحِيحِ لَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ بِهَا ( وَمِنْهَا ) لَفْظٌ فِي طَرِيقٍ خَارِجِ الصَّحِيحِ لَهُمْ فِيهِ مُتَعَلَّقٌ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ وَشَيْخُ الْبُخَارِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْمِنْهَالِ يَقُولُ " بَاعَ شَرِيكٌ لِي بِالْكُوفَةِ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ بَيْنَهُمَا فَضْلٌ ، فَقُلْتُ مَا أَرَى هَذَا يَصْلُحُ ، فَقَالَ : لَقَدْ بِعْتُهَا فِي السُّوقِ فَمَا عَابَ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ فَأَتَيْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ : { قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَتِجَارَتُنَا هَكَذَا وَقَالَ مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ ، وَمَا كَانَ نَسِيئًا فَلَا خَيْرَ فِيهِ } ، وَأْتِ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْظَمَ تِجَارَةً مِنِّي ، فَأَتَيْتُهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ فَقَالَ : صَدَقَ الْبَرَاءُ . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : هَذَا مَنْسُوخٌ لَا يُؤْخَذُ بِهَذَا وَهَذَا الْإِسْنَادُ مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ فَإِنَّ رُوَاتَهُ كُلَّهُمْ أَئِمَّةٌ ثِقَاتٌ ، وَقَدْ صَرَّحَ سُفْيَانُ بِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَمْرٍو فَانْتَفَتْ شُبْهَةُ تَدْلِيسِهِ . وَلَكِنْ سَنَذْكُرُ مَا عُلِّلَ بِهِ ، فَشَرْطُ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ سَلَامَتُهُ مِنْ التَّعْلِيلِ فَنَذْكُرُ الْجَوَابَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . أَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ فَجَوَابُهُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ يَجْمَعُهَا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ تَأْوِيلٌ وَادِّعَاءُ نَسْخٍ وَتَرْجِيحٌ ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ الْأَوَّلُ لَا يُعْدَلُ إلَى الثَّانِي وَمَتَى ثَبَتَ مُوجِبُ الثَّانِي لَا يُعْدَلُ إلَى الثَّالِثِ ، فَاعْتَمِدْ هَذَا فِي كُلِّ نَصَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْأَوْجُهَ الَّتِي نُقِلَتْ فِي الْجَوَابِ ، مِنْهَا وَجْهَانِ تَضَمَّنَهُمَا 52 كَلَامُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ خَبَرَ أُسَامَةَ ، وَأَخْبَارَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الدَّالَّةَ عَلَى التَّحْرِيمِ ، ذَكَرَهَا ثُمَّ قَالَ : فَأَخَذْنَا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي تُوَافِقُ حَدِيثَ عُبَادَةَ ، وَكَانَتْ حُجَّتُنَا فِي أَخْذِنَا بِهَا وَتَرْكِنَا حَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إذْ كَانَ ظَاهِرُهُ يُخَالِفُهَا ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّ النَّفْسَ عَلَى حَدِيثِ الْأَكْثَرِ أَطْيَبُ . لِأَنَّهُمْ أَشْبَهُ أَنْ يَحْفَظُوا مِنْ الْأَقَلِّ ، وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَسَنَّ ، وَأَشَدَّ تَقَدُّمَ صُحْبَةٍ مِنْ أُسَامَةَ ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَكْثَرَ حِفْظًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا عَلِمْنَا مِنْ أُسَامَةَ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَهَلْ يُخَالِفُ حَدِيثُ أُسَامَةَ حَدِيثَهُمْ ؟ ( قِيلَ ) إنْ كَانَ يُخَالِفُهَا فَالْحُجَّةُ فِيهَا دُونَهُ لِمَا وَصَفْنَا فَإِنْ قِيلَ : فَأَنَّى يُرَى هَذَا ؟ قِيلَ : اللَّهُ أَعْلَمُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ عَنْ الرِّبَا فِي صِنْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ وَتَمْرٍ بِحِنْطَةٍ . قَالَ : ( إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ) فَحَفِظَهُ فَأَدَّى قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُؤَدِّ مَسْأَلَةَ السَّائِلِ ، فَكَانَ مَا أَدَّى عِنْدَ مَنْ سَمِعَ أَنْ لَا رِبًا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ . هَذَا جَوَابُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى التَّرْجِيحِ وَالتَّأْوِيلِ فَهُمَا جَوَابَانِ يَعْنِي أَنَّهُ إنْ كَانَ حَدِيثُ أُسَامَةَ جَوَابًا لِمَنْ سَأَلَ عَنْ صِنْفَيْنِ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِبَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ لَا يُخَالِفُهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَكَانَ مُخَالِفًا لَهَا فَالْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنٌ ، وَرِوَايَةُ جَمَاعَةٍ أَرْجَحُ مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ ، وَلَمْ يَجْزِمْ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِالتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ لِأَجْلِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَاوِيَ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ قَائِلٌ بِهِ . وَرَوَى الْحَاوِي كَلَامَ الشَّافِعِيِّ بِأَبْسَطَ مِمَّا فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ يُبَيِّنُ مَا شَرَحْت بِهِ كَلَامَهُ . وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ : إنَّهُ مَعْنَى الْحَدِيثِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ . قَالَ : وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ ، بَلْ إجْمَاعُ النَّاسِ - مَا عَدَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ ، وَمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَالْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ ( الْجَوَابُ الثَّالِثُ ) أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْجِنْسَيْنِ ، الْوَاحِدُ يَجُوزُ التَّمَاثُلُ فِيهِ نَقْدًا وَلَا يَجُوزُ نَسَاءً ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ .
53 الْجَوَابُ الرَّابِعُ ) أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ ، كَبَيْعِ الدَّيْنِ ، بِالدَّيْنِ مُؤَجَّلًا ، بِأَنْ يَكُونَ لَهُ عِنْدَهُ نَقْدٌ مَوْصُوفٌ ، فَيَبِيعَهُ بِعَرْضٍ مَوْصُوفٍ مُؤَجَّلًا . ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ ، أَوْضَحُهَا وَأَشْهُرُهَا مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْجِنْسِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ حَمْلِهِ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَثْبُتَ كَوْنُهُ جَوَابًا لِسُؤَالِ سَائِلٍ عِنْدَهُ ، بَلْ قَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ عَامًا ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْخُصُوصِ بِدَلِيلٍ يَقْتَضِيهِ أَيُّ دَلِيلٍ كَانَ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ الثَّلَاثَةَ مُتَّفِقَةٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَقَدْ نَبَّهْتُ فِيمَا تَقَدَّمَ عَلَى أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ التَّرْجِيحِ فِيمَا أَمْكَنَ ، وَكَلَامُ ابْنُ الصَّبَّاغِ يَقْتَضِي أَنَّ هُنَا مَانِعًا مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ عُدَّةِ الْعَالَمِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ : إنَّهُ إنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ جُمِعَ إلَى أَنْ يَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَعَارُضِهِمَا ، مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ) وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى الْجِنْسَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ ، إلَّا أَنَّ الْجَمَاعَةَ اتَّفَقُوا عَلَى تَعَارُضِ الْخَبَرَيْنِ ، فَالْأَكْثَرُ تَرَكُوا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْقَلِيلُ أَجْرَوْا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى الْعُمُومِ ، فَعَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الصَّبَّاغِ هَذِهِ يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَى التَّرْجِيحِ أَوْ النَّسْخِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الْجَوَابُ الْخَامِسُ ) دَعْوَى النَّسْخِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْحُمَيْدِيُّ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ الْمُتَقَدِّمِ . قَالَ الْحَاوِي : مَنْ ادَّعَى نَسْخَ ذَلِكَ ذَهَبَ إلَى حَدِيثٍ فِيهِ مَقَالٌ ، وَذَكَرَ حَدِيثًا مِنْ رِوَايَةِ بَحْرٍ السَّقَّاءِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " نَهَى عَنْ الصَّرْفِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ " قَالَ الْحَاوِي : هَذَا حَدِيثٌ وَاهِي الْإِسْنَادِ وَبَحْرٌ السَّقَّاءُ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ . ثُمَّ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ كَانَ 54 يَوْمَ خَيْبَرَ . وَذَكَرَ حَدِيثًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ { نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَبِيعَ أَوْ نَبْتَاعَ تِبْرَ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، وَتِبْرَ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ الْعَيْنِ قَالَ : وَقَالَ لَنَا : ابْتَاعُوا تِبْرَ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ ، وَتِبْرَ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ الْعَيْنِ } قَالَ الْحَاوِي : هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَقَالٌ مِنْ جِهَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ غَيْرَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ ، ثُمَّ يَسْنُدُهُ حَدِيثُ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ، فَإِنْ كَانَ أُسَامَةُ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ خَيْبَرَ فَقَدْ ثَبَتَ النَّسْخُ ، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ مَا صَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ فَبَحَثْنَا هَلْ نَجِدُ حَدِيثًا يُؤَكِّدُ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرَةَ وَيُبَيِّنُ تَقْدِيمَ حَدِيثِ أُسَامَةَ إنْ كَانَ مَا سَمِعَهُ مُتَقَدِّمًا عَلَى مَا سَمِعَهُ ؟ فَرَأَيْنَاهُ ذَكَرَ حَدِيثَ الْحُمَيْدِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ ، وَكَلَامَ الْحُمَيْدِيِّ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ ( قُلْتُ ) وَحَدِيثُ فُضَالَةَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ التَّحْرِيمَ كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَإِنَّهُ قَالَ { كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ نُبَايِعُ الْيَهُودَ ، وَفِيهِ الذَّهَبُ بِالدِّينَارَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُبَايِعُوا الذَّهَبَ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ } وَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، لَكِنَّ النَّوَوِيَّ قَالَ : إنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الْأُوقِيَّةَ مِنْ ذَهَبٍ وَخَزٍّ وَغَيْرِهِ بِدِينَارَيْنِ ، ظَنًّا مِنْهُمْ جَوَازَهُ لِلِاحْتِيَاطِ ، حَتَّى يُبَيِّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَرَامٌ حَتَّى تَمَيَّزَ ، وَهَا أَنَا أَتَكَلَّمُ عَلَى حَدِيثِ الْحُمَيْدِيِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( أَمَّا ) حَدِيثُ الْحُمَيْدِيِّ فَادُّعِيَ فِيهِ أَمْرَانِ ( أَحَدُهُمَا ) النَّسْخُ كَمَا قَالَ رَاوِيهِ الْحُمَيْدِيُّ ، وَنَاهِيكَ بِهِ عِلْمًا وَاطِّلَاعًا لَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي هَذَا مَنْسُوخٌ لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا صَرَّحَ بِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ كَمَا إذَا مَرَّ عَلَى مَاءٍ قَلِيلٍ فَقَالَ عَدْلٌ : قَدْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ ، يُقْبَلُ . فَلَوْ قَالَ : هُوَ نَجَسٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ لِمَ يُقْبَلُ . وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ سُلَيْمٌ وَالْغَزَالِيُّ وَابْنُ بَرْهَانٍ ، خِلَافًا لِأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ مُطْلَقًا وَابْنُ الْخَطِيبِ نَقَلَهُ عَنْ الْكَرْخِيِّ فِيمَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ النَّاسِخُ وَجَعَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ الْمَالِكِيُّ قَوْلَهُ : نُسِخَ كَذَا بِكَذَا فِي مَعْنَى ذِكْرِهِ تَقَدُّمَ التَّارِيخِ ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنْ صَحَابِيٍّ ، كَذَلِكَ فَرَضَ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ بَرْهَانٍ وَابْنُ الْخَطِيبِ الْمَسْأَلَةَ .
55 وَأَطْلَقَ الْقُرْطُبِيُّ الْفَرْضَ فِي الرَّاوِي ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ سَائِلٍ سَأَلَ فِي الْعِبَارَةِ وَإِلَّا فَهُوَ بَعِيدٌ ، فَإِنْ ثَبَتَ خِلَافٌ فِي غَيْرِ الصَّحَابِيِّ كَانَ قَوْلُ الْحُمَيْدِيِّ هُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَإِلَّا فَلَا ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ عُرِفَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ تَقَدُّمُ تَارِيخِ الْإِبَاحَةِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَتَأَخُّرُ التَّحْرِيمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا ، فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ ظَهَرَ مُسْتَنَدُ الْحُمَيْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَصَحَّ النَّسْخُ . وَالْمَاوَرْدِيُّ جَزَمَ بِالنَّسْخِ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ وَزَيْدٌ قَالَ : لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا . وَهَاهُنَا دَقِيقَةٌ ، وَهِيَ أَنَّ دَعْوَى النَّسْخِ إذَا سَلِمَ يَظْهَرُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنْ تَكُونَ أَحَادِيثُ التَّحْرِيمِ نَاسِخَةً لِأَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ ، أَمَّا أَنَّ الْآيَةَ تَكُونُ نَاسِخَةً لِأَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَمْرَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الْكِتَابَ لَا يَنْسَخُ السُّنَّةَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ الْجَوَازَ ( وَالثَّانِي ) أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُبِيحَةَ خَاصَّةٌ بِالنَّقْدِ وَالْآيَةُ عَامَّةٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ تَقَدُّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ ، وَلَوْ تَأَخَّرَ الْعَامُّ لَا يَكُونُ نَاسِخًا لِلْخَاصِّ ، وَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا هُوَ بَيِّنٌ فَحِينَئِذٍ أَقُولُ : إمَّا أَنْ نَقُولَ إنَّ الْآيَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ لَا .
فَإِنْ قُلْنَا بِذَلِكَ فَلَا إشْكَالَ وَصَارَ النَّظَرُ مَقْصُورًا عَلَى السُّنَّةِ وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ وَحَمَلْنَاهَا عَلَى الْعُقُودِ الرِّبَوِيَّةِ إمَّا عَامَّةٌ فِيهَا وَإِمَّا مُجْمَلَةٌ ، فَإِنْ كَانَ نُزُولُهَا مُتَأَخِّرًا عَنْ جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ الْمُبِيحَةِ وَالْمُحَرِّمَةِ فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الْأَحَادِيثِ الْمَنْسُوخَةِ وَالنَّاسِخَةِ أَوْ النَّاسِخَةِ فَقَطْ ، مُبَيِّنَةً أَوْ مُخَصِّصَةً لِلْآيَةِ وَهَذَا يُوَافِقُ قَوْلَ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا ، وَإِنْ كَانَ نُزُولُ الْآيَةِ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْمُبِيحَةِ وَالْمُحَرِّمَةِ ، وَهُوَ مَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَاتُ فِي آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا " { خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ } " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَتَحْرِيمُ الْخَمْرِ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ ، عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ جَدَّدَ تَحْرِيمَ التِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ أَوَّلَ تَحْرِيمِهَا . فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَأَنَّ نُزُولَ آيَةِ الرِّبَا بَعْدَ الْأَحَادِيثِ الْمُبِيحَةِ وَقَبْلَ الْمُحَرِّمَةِ فَالْمُبِيحَةُ مُبَيِّنَةٌ أَوْ مُخَصِّصَةٌ لِلْآيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَحِينَئِذٍ فَنَتَصَدَّى النَّظَرَ فِي أَنَّ الْعَامَّ الْمُخَصَّصَ هَلْ أُرِيدَ بِهِ الْقَدْرُ الْبَاقِي بَعْدَ الْإِخْرَاجِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمَخْرَجِ ؟ أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْبَاقِي وَخُرُوجُ غَيْرِهِ ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ ، فَتَكُونُ الْآيَةُ 56 مُرَادًا بِهَا تَحْرِيمَ النَّسَاءِ ، وَالْأَحَادِيثُ الْمُبَيِّنَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ تَقْتَضِي حُكْمَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) تَحْرِيمُ النَّسَاءِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْآيَةِ ( وَالثَّانِي ) إبَاحَةُ النَّقْدِ ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الْخَاصَّةِ ، وَهُوَ الْمَنْسُوخُ بِالسُّنَّةِ ، مَعَ كَوْنِ الْآيَةِ بَاقِيَةً عَلَى كَوْنِ الْمُرَادِ بِهَا النَّسِيئَةَ ، وَلَا يُسْتَدَلُّ بِهَا فِيمَا عَدَاهُ وَتَحْرِيمُ النَّقْدِ بِالسُّنَّةِ زَائِدٌ عَلَيْهَا ، وَقَدْ يُقَالُ : إنَّهُ يَأْتِي بَحْثُ الْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ إذَا كَانَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِهِ نَسْخٌ عِنْدَهُمْ ، وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَأْتِي هَاهُنَا ، لِأَنَّ إبَاحَةَ النَّقْدِ لَمْ تُفْهَمْ مِنْ الْآيَةِ . وَهُمْ إنَّمَا يَقُولُونَ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ تَدْفَعُ مَفْهُومَ اللَّفْظِ ، فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِدَعْوَى النَّسْخِ فِي ذَلِكَ .
( الْأَمْرُ الثَّانِي ) مِمَّا اُدُّعِيَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ هَذَا أَنَّهُ مَعْلُولٌ ، فَيَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ . وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي سَلَكَهَا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَهُ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ " سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنْ الصَّرْفِ { فَقَالَا : كُنَّا تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ : إنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ كَانَ نَسَاءً فَلَا يَصْلُحُ } " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعَامِرِ بْنِ مُصْعَبٍ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ " بَاعَ شَرِيكٌ لِي وَرِقًا نَسِيئَةً إلَى الْمَوْسِمِ أَوْ إلَى الْحَجِّ ، فَجَاءَ إلَيَّ فَأَخْبَرَنِي فَقُلْتُ : هَذَا الْأَمْرُ لَا يَصْلُحُ قَالَ فَقَدْ بِعْتُهُ فِي السُّوقِ ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ ، فَأَتَيْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ : { قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَنَحْنُ نَبِيعُ هَذَا الْبَيْعَ فَقَالَ : مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَهُوَ رِبًا } وَأْتِ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ تِجَارَةً مِنِّي فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ " وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَمُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سُفْيَانَ وَهَذَانِ اللَّفْظَانِ اللَّذَانِ فِي الصَّحِيحِ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا وَلَا إشْكَالَ وَلَا حُجَّةَ لَمُتَعَلِّقٍ فِيهِمَا لِأَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيْعَ دَرَاهِمَ بِشَيْءٍ لَيْسَ رِبَوِيًّا ، وَيَكُونُ الْفَسَادُ لَأَجْلِ التَّأْخِيرِ بِالْمَوَاسِمِ أَوْ الْحَجِّ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّرٍ وَلَا سِيَّمَا عَلَى مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَفْعَلُ ( وَالثَّانِي ) أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ الْجِنْسِ ، وَيَدُلُّ لَهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ : " سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنْ الصَّرْفِ فَكِلَاهُمَا يَقُولُ : 57 { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا } " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ ، وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ " نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ دَيْنًا " فَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ صَرْفُ الْجِنْسِ بِجِنْسٍ آخَرَ . وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ثَابِتَةٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ وَالرِّوَايَاتُ الثَّلَاثُ الْأُوَلُ رِوَايَةُ الْحُمَيْدِيِّ وَاللَّتَانِ فِي الصَّحِيحِ ، وَكُلُّهَا أَسَانِيدُهَا فِي غَايَةِ الْجُودَةِ ، وَلَكِنْ حَصَلَ الِاخْتِلَافُ مِنْ الْحُمَيْدِيِّ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَكُلٌّ مِنْ الْحُمَيْدِيِّ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ فِي غَايَةِ التَّثَبُّتِ . وَيَتَرَجَّحُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ هُنَا بِمُتَابَعَةِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ لَهُ وَبِشَهَادَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ لِرِوَايَتِهِ ، وَشَهَادَةِ رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ لِرِوَايَةِ شَيْخِهِ ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : إنَّ رِوَايَةَ مَنْ قَالَ : إنَّهُ بَاعَ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ خَطَأٌ عِنْدَهُ " فَهَذَا جَوَابُ حَدِيثِي ، وَقَدْ لَا يَجْسُرُ الْفَقِيهُ عَلَى الْحُكْمِ لِتَخْطِئَتِهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ . وَنَقُولُ إنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ رِوَايَاتِ عَمْرِو بْنَ دِينَارٍ ، فَإِنَّ مِنْهَا مَا أُطْلِقَ فِيهِ الصَّرْفُ ( وَمِنْهَا ) مَا بَيَّنَ أَنَّهَا دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا بَيَّنَ مَا أَبْهَمَهُ الْآخَرُ . وَيَكُونُ حَدِيثُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ حَدِيثًا آخَرَ وَارِدًا فِي الْجِنْسَيْنِ وَتَحْرِيمِ النَّسَاءِ فِيهِمَا . وَلَا تَنَافِي فِي ذَلِكَ وَلَا تَعَارُضَ ، وَحِينَئِذٍ يُضْطَرُّ إلَى النَّسْخِ إنْ ثَبَتَ مُوجِبُهُ أَوْ تَرْجِيحُهُ . وَهُوَ حَاصِلٌ هُنَا بِأُمُورٍ ( مِنْهَا ) أَنَّ رِوَايَةَ أَحَادِيثِ التَّحْرِيمِ أَكْثَرُ كَمَا سَبَقَتْ عَلَيْهِمْ . وَالْقَاعِدَةُ التَّرْجِيحُ بِالْكَثْرَةِ . وَهَذَا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا . فَإِنَّهُ رُوِيَ تَحْرِيمُ الْفَضْلِ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُبَادَةَ وَقَالَ : رِوَايَةُ خَمْسَةٍ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ . وَقَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ : إنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْمَأَ فِي مَوْضِعٍ إلَى أَنَّهُ لَا تَرْجِحَ بِالْكَثْرَةِ فِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ ، وَهُمَا سَوَاءٌ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ 58 أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارًا بِالشَّهَادَةِ حَيْثُ لَمْ يُرَجَّحْ فِيهَا بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ ، وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ اللُّمَعِ الْمُصَنِّفُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا .
( وَمِنْهَا ) أَنَّهُمْ أَسَنُّ ، فَإِنَّ فِيهِمْ عُثْمَانَ وَعُبَادَةَ وَغَيْرَهُمْ ، مِمَّنْ هُمْ أَسَنُّ مِنْ الْبَرَاءِ وَزَيْدٍ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أُسَامَةَ .
( وَمِنْهَا ) بِالْحِفْظِ فَإِنَّ فِيهِمْ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ وَغَيْرَهُمَا ، مِمَّنْ هُوَ مَشْهُورٌ بِالْحِفْظِ أَكْثَرُ مِنْ الْبَرَاءِ وَزَيْدٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي زَمَانِ الصِّبَا ، وَهُوَ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَوَّلِ ، وَإِنَّمَا قُلْتُ إنَّ تَحَمُّلَ الْبَرَاءِ وَزَيْدٍ فِي حَالَةِ الصِّبَا لِأَنَّهُمَا قَالَا : " قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَتَحَادُثُنَا " هَكَذَا قَالَ وَعِنْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ سِنُّ كُلٍّ مِنْهُمَا عَشْرًا أَوْ نَحْوَهَا لِمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ سَلَمَةَ الْخُزَاعِيِّ أَنَّهُ رَوَى بِإِسْنَادِهِ إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَصْغَرَهُ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَالْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَسَعِيدَ بْنَ حَبِيبَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ . وَعَنْ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أَوَّلَ غَزْوَةٍ شَهِدَاهَا الْخَنْدَقُ . وَمِنْ الْمُرَجِّحَاتِ أَيْضًا أَنَّ حَدِيثَ الْبَرَاءِ وَزَيْدٍ مُبِيحٌ ، وَأَحَادِيثُ عُبَادَةَ وَأَصْحَابِهِ مُحَرِّمَةٌ ، وَإِذَا تَعَارَضَ الْمُقَرِّرُ وَالنَّاقِلُ فَالْمُرَجَّحُ النَّاقِلُ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَسُلَيْمٌ ، لِأَنَّهُ يُفِيدُ حُكْمًا شَرْعِيًّا خِلَافًا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَطِيبِ حَيْثُ قَالَ : يُقَدَّمُ الْمُقَرِّرُ ، وَإِنْ حَصَلَ التَّعَارُضُ فِي التَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِضَادٍ بِأَصْلٍ ، فَالْمُحَرِّمُ رَاجِحٌ عَلَى الْمُبِيحِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَوَافَقَهُمْ الْكَرْخِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبُو يَعْلَى مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ لِلِاحْتِيَاطِ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ مِنَّا وَعِيسَى بْنِ أَبَانَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبِي هَاشِمٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ ، حَيْثُ قَالُوا : هُمَا سَوَاءٌ ، وَثَمَّ وُجُوهٌ أُخَرُ مِنْ التَّرْجِيحِ لَا تَخْفَى عَنْ الْفِطَنِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّ تَرْجِيحَ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ ، وَهُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ اسْتِقْرَاءِ أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَقَالَ : يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ سِوَاهُمَا أَوْ لِلتَّخْيِيرِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . فَقَدْ اتَّضَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ ، وَلَعَلَّكَ تَرَى أَنِّي أَطَلْتُ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْأُصُولِيَّةِ فَاعْلَمْ أَنِّي مَتَى جَاءَتْ قَاعِدَةٌ مِنْ هَذِهِ 59 الْقَوَاعِدِ حَدَدْتُهَا ، وَأَقْوَالَ الْأَئِمَّةِ فِيهَا وَالرَّاجِحَ مِنْهَا ، ثُمَّ إذَا عَادَ ذِكْرُهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ حَمَلْتُ عَلَى الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ وَأَبُو بَكْرٍ الْقَفَّالُ ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ كَالْجِبَائِيِّ وَابْنِهِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُحَاسَبِيُّ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَطِيبِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ ، أَنَّهُ يَصِيرُ إجْمَاعًا لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ وَهَذَا الْخِلَافُ مُتَرَتِّبٌ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ هَلْ لَهُ قَوْلٌ ؟ 50 فَإِنْ قُلْنَا ) إنَّ لَهُ قَوْلًا لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا ، وَإِلَّا كَانَ إجْمَاعًا ، وَالْحَنَفِيَّةُ مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ إجْمَاعٌ يَقُولُونَ : إنَّهُ مِنْ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ . وَلِذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ خَلِيَّةٌ ، وَنَوَى ثَلَاثًا ثُمَّ جَامَعَهَا فِي الْعِدَّةِ وَقَالَ : عَلِمْتُ أَنَّهَا حَرَامٌ ، لَا يَحِلُّ ، لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَرَاهَا وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً ، وَقَدْ أَجْمَعْنَا بِخِلَافِهِ ، وَشُبْهَةُ الثَّلَاثِ صَحِيحَةٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأُمَّةِ الْيَوْمَ ، لَكِنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْإِجْمَاعِ أَهُوَ حُجَّةٌ أَوْ لَا ؟ فَلَا يَصِيرُ مُوجِبًا عِلْمًا بِلَا شُبْهَةٍ . هَكَذَا قَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي التَّقْوِيمِ مِنْ كُتُبِهِمْ . وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ بِمَا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ التَّابِعُونَ بِتَحْرِيمِ الْقَوْلِ الْآخَرَ ، فَإِنْ صَرَّحُوا بِتَحْرِيمِهِ فَقَدْ تَرَدَّدَ أَعْنِي الْغَزَالِيَّ هَلْ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ أَوْ لَا وَلَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُمْ فِيهِ ؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَا إذَا حَصَلَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ مَعَ بَقَاءِ الْعَصْرِ حَيْثُ كَانَ الصَّحِيحُ هُنَاكَ أَنَّهُ يَكُونُ إجْمَاعًا أَنَّ الْمُجْمِعِينَ هُنَاكَ كُلُّ الْأُمَّةِ ; وَأَهْلُ الْعَصْرِ الثَّانِي بَعْضُ الْأُمَّةِ لَا كُلُّهُمْ ، لِأَنَّ الْأُمَّةِ اسْمٌ يَعُمُّ الْحَيَّ وَالْمَيِّتَ فَعَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ قَوْلِ أَكْثَرَ أَصْحَابِنَا امْتَنَعَ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِي تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ ، وَهَذَا مُقْتَضَى صُنْعِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْمَحَامِلِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ رِبَا الْفَضْلِ فِي مَسَائِلِ كِتَابِ الْأَوْسَطِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ ، وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ إجْمَاعِيَّةٌ لَمْ يَذْكُرْهَا ، لَكِنَّا بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى مُسْتَغْنُونَ فِي الْإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الْمُتَضَافِرَةِ كَمَا قَدَّمْتُهُ وَأَقُولُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى الْإِجْمَاعِ فِي مَسْأَلَةٍ خَفِيَّةٍ مُسْنَدُهَا قِيَاسٌ أَوْ اسْتِنْبَاطٌ دَقِيقٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ 51 فَصْلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُوَافِقُوهُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ تَعَلَّقُوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) حَدِيثُ أُسَامَةَ الْمُتَقَدِّمُ ، وَقَدْ وَرَدَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعْنَاهَا سَوَاءٌ أَوْ مُتَقَارِبٌ ( مِنْهَا ) { لَا رِبًا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ } ( وَمِنْهَا ) { إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ } ( وَمِنْهَا ) { إنَّ الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ } ( وَمِنْهَا ) { لَا رِبًا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ } . وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ ( وَمِنْهَا ) { لَيْسَ الرِّبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ وَالنَّظِرَةِ } ( وَمِنْهَا ) " { لَا رِبًا إلَّا فِي الدَّيْنِ } رَوَاهُمَا الطَّبَرَانِيُّ ( وَمِنْهَا ) { الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ } . وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى حَدِيثِ أُسَامَةَ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ ، وَالْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَقَدْ رَوَيْنَاهُ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَلْفَاظٍ مُتَبَايِنَةٍ ، فَأَلْفَاظُهُ الَّتِي فِي الصَّحِيحِ لَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ بِهَا ( وَمِنْهَا ) لَفْظٌ فِي طَرِيقٍ خَارِجِ الصَّحِيحِ لَهُمْ فِيهِ مُتَعَلَّقٌ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ وَشَيْخُ الْبُخَارِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْمِنْهَالِ يَقُولُ " بَاعَ شَرِيكٌ لِي بِالْكُوفَةِ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ بَيْنَهُمَا فَضْلٌ ، فَقُلْتُ مَا أَرَى هَذَا يَصْلُحُ ، فَقَالَ : لَقَدْ بِعْتُهَا فِي السُّوقِ فَمَا عَابَ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ فَأَتَيْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ : { قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَتِجَارَتُنَا هَكَذَا وَقَالَ مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ ، وَمَا كَانَ نَسِيئًا فَلَا خَيْرَ فِيهِ } ، وَأْتِ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْظَمَ تِجَارَةً مِنِّي ، فَأَتَيْتُهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ فَقَالَ : صَدَقَ الْبَرَاءُ . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : هَذَا مَنْسُوخٌ لَا يُؤْخَذُ بِهَذَا وَهَذَا الْإِسْنَادُ مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ فَإِنَّ رُوَاتَهُ كُلَّهُمْ أَئِمَّةٌ ثِقَاتٌ ، وَقَدْ صَرَّحَ سُفْيَانُ بِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَمْرٍو فَانْتَفَتْ شُبْهَةُ تَدْلِيسِهِ . وَلَكِنْ سَنَذْكُرُ مَا عُلِّلَ بِهِ ، فَشَرْطُ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ سَلَامَتُهُ مِنْ التَّعْلِيلِ فَنَذْكُرُ الْجَوَابَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . أَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ فَجَوَابُهُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ يَجْمَعُهَا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ تَأْوِيلٌ وَادِّعَاءُ نَسْخٍ وَتَرْجِيحٌ ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ الْأَوَّلُ لَا يُعْدَلُ إلَى الثَّانِي وَمَتَى ثَبَتَ مُوجِبُ الثَّانِي لَا يُعْدَلُ إلَى الثَّالِثِ ، فَاعْتَمِدْ هَذَا فِي كُلِّ نَصَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْأَوْجُهَ الَّتِي نُقِلَتْ فِي الْجَوَابِ ، مِنْهَا وَجْهَانِ تَضَمَّنَهُمَا 52 كَلَامُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ خَبَرَ أُسَامَةَ ، وَأَخْبَارَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الدَّالَّةَ عَلَى التَّحْرِيمِ ، ذَكَرَهَا ثُمَّ قَالَ : فَأَخَذْنَا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي تُوَافِقُ حَدِيثَ عُبَادَةَ ، وَكَانَتْ حُجَّتُنَا فِي أَخْذِنَا بِهَا وَتَرْكِنَا حَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إذْ كَانَ ظَاهِرُهُ يُخَالِفُهَا ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّ النَّفْسَ عَلَى حَدِيثِ الْأَكْثَرِ أَطْيَبُ . لِأَنَّهُمْ أَشْبَهُ أَنْ يَحْفَظُوا مِنْ الْأَقَلِّ ، وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَسَنَّ ، وَأَشَدَّ تَقَدُّمَ صُحْبَةٍ مِنْ أُسَامَةَ ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَكْثَرَ حِفْظًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا عَلِمْنَا مِنْ أُسَامَةَ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَهَلْ يُخَالِفُ حَدِيثُ أُسَامَةَ حَدِيثَهُمْ ؟ ( قِيلَ ) إنْ كَانَ يُخَالِفُهَا فَالْحُجَّةُ فِيهَا دُونَهُ لِمَا وَصَفْنَا فَإِنْ قِيلَ : فَأَنَّى يُرَى هَذَا ؟ قِيلَ : اللَّهُ أَعْلَمُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ عَنْ الرِّبَا فِي صِنْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ وَتَمْرٍ بِحِنْطَةٍ . قَالَ : ( إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ) فَحَفِظَهُ فَأَدَّى قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُؤَدِّ مَسْأَلَةَ السَّائِلِ ، فَكَانَ مَا أَدَّى عِنْدَ مَنْ سَمِعَ أَنْ لَا رِبًا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ . هَذَا جَوَابُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى التَّرْجِيحِ وَالتَّأْوِيلِ فَهُمَا جَوَابَانِ يَعْنِي أَنَّهُ إنْ كَانَ حَدِيثُ أُسَامَةَ جَوَابًا لِمَنْ سَأَلَ عَنْ صِنْفَيْنِ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِبَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ لَا يُخَالِفُهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَكَانَ مُخَالِفًا لَهَا فَالْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنٌ ، وَرِوَايَةُ جَمَاعَةٍ أَرْجَحُ مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ ، وَلَمْ يَجْزِمْ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِالتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ لِأَجْلِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَاوِيَ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ قَائِلٌ بِهِ . وَرَوَى الْحَاوِي كَلَامَ الشَّافِعِيِّ بِأَبْسَطَ مِمَّا فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ يُبَيِّنُ مَا شَرَحْت بِهِ كَلَامَهُ . وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ : إنَّهُ مَعْنَى الْحَدِيثِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ . قَالَ : وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ ، بَلْ إجْمَاعُ النَّاسِ - مَا عَدَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ ، وَمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَالْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ ( الْجَوَابُ الثَّالِثُ ) أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْجِنْسَيْنِ ، الْوَاحِدُ يَجُوزُ التَّمَاثُلُ فِيهِ نَقْدًا وَلَا يَجُوزُ نَسَاءً ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ .
53 الْجَوَابُ الرَّابِعُ ) أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ ، كَبَيْعِ الدَّيْنِ ، بِالدَّيْنِ مُؤَجَّلًا ، بِأَنْ يَكُونَ لَهُ عِنْدَهُ نَقْدٌ مَوْصُوفٌ ، فَيَبِيعَهُ بِعَرْضٍ مَوْصُوفٍ مُؤَجَّلًا . ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ ، أَوْضَحُهَا وَأَشْهُرُهَا مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْجِنْسِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ حَمْلِهِ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَثْبُتَ كَوْنُهُ جَوَابًا لِسُؤَالِ سَائِلٍ عِنْدَهُ ، بَلْ قَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ عَامًا ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْخُصُوصِ بِدَلِيلٍ يَقْتَضِيهِ أَيُّ دَلِيلٍ كَانَ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ الثَّلَاثَةَ مُتَّفِقَةٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَقَدْ نَبَّهْتُ فِيمَا تَقَدَّمَ عَلَى أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ التَّرْجِيحِ فِيمَا أَمْكَنَ ، وَكَلَامُ ابْنُ الصَّبَّاغِ يَقْتَضِي أَنَّ هُنَا مَانِعًا مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ عُدَّةِ الْعَالَمِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ : إنَّهُ إنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ جُمِعَ إلَى أَنْ يَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَعَارُضِهِمَا ، مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ) وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى الْجِنْسَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ ، إلَّا أَنَّ الْجَمَاعَةَ اتَّفَقُوا عَلَى تَعَارُضِ الْخَبَرَيْنِ ، فَالْأَكْثَرُ تَرَكُوا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْقَلِيلُ أَجْرَوْا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى الْعُمُومِ ، فَعَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الصَّبَّاغِ هَذِهِ يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَى التَّرْجِيحِ أَوْ النَّسْخِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الْجَوَابُ الْخَامِسُ ) دَعْوَى النَّسْخِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْحُمَيْدِيُّ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ الْمُتَقَدِّمِ . قَالَ الْحَاوِي : مَنْ ادَّعَى نَسْخَ ذَلِكَ ذَهَبَ إلَى حَدِيثٍ فِيهِ مَقَالٌ ، وَذَكَرَ حَدِيثًا مِنْ رِوَايَةِ بَحْرٍ السَّقَّاءِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " نَهَى عَنْ الصَّرْفِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ " قَالَ الْحَاوِي : هَذَا حَدِيثٌ وَاهِي الْإِسْنَادِ وَبَحْرٌ السَّقَّاءُ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ . ثُمَّ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ كَانَ 54 يَوْمَ خَيْبَرَ . وَذَكَرَ حَدِيثًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ { نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَبِيعَ أَوْ نَبْتَاعَ تِبْرَ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، وَتِبْرَ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ الْعَيْنِ قَالَ : وَقَالَ لَنَا : ابْتَاعُوا تِبْرَ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ ، وَتِبْرَ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ الْعَيْنِ } قَالَ الْحَاوِي : هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَقَالٌ مِنْ جِهَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ غَيْرَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ ، ثُمَّ يَسْنُدُهُ حَدِيثُ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ، فَإِنْ كَانَ أُسَامَةُ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ خَيْبَرَ فَقَدْ ثَبَتَ النَّسْخُ ، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ مَا صَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ فَبَحَثْنَا هَلْ نَجِدُ حَدِيثًا يُؤَكِّدُ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرَةَ وَيُبَيِّنُ تَقْدِيمَ حَدِيثِ أُسَامَةَ إنْ كَانَ مَا سَمِعَهُ مُتَقَدِّمًا عَلَى مَا سَمِعَهُ ؟ فَرَأَيْنَاهُ ذَكَرَ حَدِيثَ الْحُمَيْدِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ ، وَكَلَامَ الْحُمَيْدِيِّ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ ( قُلْتُ ) وَحَدِيثُ فُضَالَةَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ التَّحْرِيمَ كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَإِنَّهُ قَالَ { كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ نُبَايِعُ الْيَهُودَ ، وَفِيهِ الذَّهَبُ بِالدِّينَارَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُبَايِعُوا الذَّهَبَ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ } وَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، لَكِنَّ النَّوَوِيَّ قَالَ : إنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الْأُوقِيَّةَ مِنْ ذَهَبٍ وَخَزٍّ وَغَيْرِهِ بِدِينَارَيْنِ ، ظَنًّا مِنْهُمْ جَوَازَهُ لِلِاحْتِيَاطِ ، حَتَّى يُبَيِّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَرَامٌ حَتَّى تَمَيَّزَ ، وَهَا أَنَا أَتَكَلَّمُ عَلَى حَدِيثِ الْحُمَيْدِيِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( أَمَّا ) حَدِيثُ الْحُمَيْدِيِّ فَادُّعِيَ فِيهِ أَمْرَانِ ( أَحَدُهُمَا ) النَّسْخُ كَمَا قَالَ رَاوِيهِ الْحُمَيْدِيُّ ، وَنَاهِيكَ بِهِ عِلْمًا وَاطِّلَاعًا لَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي هَذَا مَنْسُوخٌ لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا صَرَّحَ بِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ كَمَا إذَا مَرَّ عَلَى مَاءٍ قَلِيلٍ فَقَالَ عَدْلٌ : قَدْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ ، يُقْبَلُ . فَلَوْ قَالَ : هُوَ نَجَسٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ لِمَ يُقْبَلُ . وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ سُلَيْمٌ وَالْغَزَالِيُّ وَابْنُ بَرْهَانٍ ، خِلَافًا لِأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ مُطْلَقًا وَابْنُ الْخَطِيبِ نَقَلَهُ عَنْ الْكَرْخِيِّ فِيمَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ النَّاسِخُ وَجَعَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ الْمَالِكِيُّ قَوْلَهُ : نُسِخَ كَذَا بِكَذَا فِي مَعْنَى ذِكْرِهِ تَقَدُّمَ التَّارِيخِ ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنْ صَحَابِيٍّ ، كَذَلِكَ فَرَضَ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ بَرْهَانٍ وَابْنُ الْخَطِيبِ الْمَسْأَلَةَ .
55 وَأَطْلَقَ الْقُرْطُبِيُّ الْفَرْضَ فِي الرَّاوِي ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ سَائِلٍ سَأَلَ فِي الْعِبَارَةِ وَإِلَّا فَهُوَ بَعِيدٌ ، فَإِنْ ثَبَتَ خِلَافٌ فِي غَيْرِ الصَّحَابِيِّ كَانَ قَوْلُ الْحُمَيْدِيِّ هُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَإِلَّا فَلَا ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ عُرِفَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ تَقَدُّمُ تَارِيخِ الْإِبَاحَةِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَتَأَخُّرُ التَّحْرِيمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا ، فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ ظَهَرَ مُسْتَنَدُ الْحُمَيْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَصَحَّ النَّسْخُ . وَالْمَاوَرْدِيُّ جَزَمَ بِالنَّسْخِ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ وَزَيْدٌ قَالَ : لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا . وَهَاهُنَا دَقِيقَةٌ ، وَهِيَ أَنَّ دَعْوَى النَّسْخِ إذَا سَلِمَ يَظْهَرُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنْ تَكُونَ أَحَادِيثُ التَّحْرِيمِ نَاسِخَةً لِأَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ ، أَمَّا أَنَّ الْآيَةَ تَكُونُ نَاسِخَةً لِأَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَمْرَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الْكِتَابَ لَا يَنْسَخُ السُّنَّةَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ الْجَوَازَ ( وَالثَّانِي ) أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُبِيحَةَ خَاصَّةٌ بِالنَّقْدِ وَالْآيَةُ عَامَّةٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ تَقَدُّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ ، وَلَوْ تَأَخَّرَ الْعَامُّ لَا يَكُونُ نَاسِخًا لِلْخَاصِّ ، وَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا هُوَ بَيِّنٌ فَحِينَئِذٍ أَقُولُ : إمَّا أَنْ نَقُولَ إنَّ الْآيَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ لَا .
فَإِنْ قُلْنَا بِذَلِكَ فَلَا إشْكَالَ وَصَارَ النَّظَرُ مَقْصُورًا عَلَى السُّنَّةِ وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ وَحَمَلْنَاهَا عَلَى الْعُقُودِ الرِّبَوِيَّةِ إمَّا عَامَّةٌ فِيهَا وَإِمَّا مُجْمَلَةٌ ، فَإِنْ كَانَ نُزُولُهَا مُتَأَخِّرًا عَنْ جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ الْمُبِيحَةِ وَالْمُحَرِّمَةِ فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الْأَحَادِيثِ الْمَنْسُوخَةِ وَالنَّاسِخَةِ أَوْ النَّاسِخَةِ فَقَطْ ، مُبَيِّنَةً أَوْ مُخَصِّصَةً لِلْآيَةِ وَهَذَا يُوَافِقُ قَوْلَ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا ، وَإِنْ كَانَ نُزُولُ الْآيَةِ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْمُبِيحَةِ وَالْمُحَرِّمَةِ ، وَهُوَ مَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَاتُ فِي آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا " { خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ } " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَتَحْرِيمُ الْخَمْرِ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ ، عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ جَدَّدَ تَحْرِيمَ التِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ أَوَّلَ تَحْرِيمِهَا . فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَأَنَّ نُزُولَ آيَةِ الرِّبَا بَعْدَ الْأَحَادِيثِ الْمُبِيحَةِ وَقَبْلَ الْمُحَرِّمَةِ فَالْمُبِيحَةُ مُبَيِّنَةٌ أَوْ مُخَصِّصَةٌ لِلْآيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَحِينَئِذٍ فَنَتَصَدَّى النَّظَرَ فِي أَنَّ الْعَامَّ الْمُخَصَّصَ هَلْ أُرِيدَ بِهِ الْقَدْرُ الْبَاقِي بَعْدَ الْإِخْرَاجِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمَخْرَجِ ؟ أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْبَاقِي وَخُرُوجُ غَيْرِهِ ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ ، فَتَكُونُ الْآيَةُ 56 مُرَادًا بِهَا تَحْرِيمَ النَّسَاءِ ، وَالْأَحَادِيثُ الْمُبَيِّنَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ تَقْتَضِي حُكْمَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) تَحْرِيمُ النَّسَاءِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْآيَةِ ( وَالثَّانِي ) إبَاحَةُ النَّقْدِ ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الْخَاصَّةِ ، وَهُوَ الْمَنْسُوخُ بِالسُّنَّةِ ، مَعَ كَوْنِ الْآيَةِ بَاقِيَةً عَلَى كَوْنِ الْمُرَادِ بِهَا النَّسِيئَةَ ، وَلَا يُسْتَدَلُّ بِهَا فِيمَا عَدَاهُ وَتَحْرِيمُ النَّقْدِ بِالسُّنَّةِ زَائِدٌ عَلَيْهَا ، وَقَدْ يُقَالُ : إنَّهُ يَأْتِي بَحْثُ الْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ إذَا كَانَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِهِ نَسْخٌ عِنْدَهُمْ ، وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَأْتِي هَاهُنَا ، لِأَنَّ إبَاحَةَ النَّقْدِ لَمْ تُفْهَمْ مِنْ الْآيَةِ . وَهُمْ إنَّمَا يَقُولُونَ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ تَدْفَعُ مَفْهُومَ اللَّفْظِ ، فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِدَعْوَى النَّسْخِ فِي ذَلِكَ .
( الْأَمْرُ الثَّانِي ) مِمَّا اُدُّعِيَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ هَذَا أَنَّهُ مَعْلُولٌ ، فَيَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ . وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي سَلَكَهَا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَهُ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ " سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنْ الصَّرْفِ { فَقَالَا : كُنَّا تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ : إنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ كَانَ نَسَاءً فَلَا يَصْلُحُ } " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعَامِرِ بْنِ مُصْعَبٍ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ " بَاعَ شَرِيكٌ لِي وَرِقًا نَسِيئَةً إلَى الْمَوْسِمِ أَوْ إلَى الْحَجِّ ، فَجَاءَ إلَيَّ فَأَخْبَرَنِي فَقُلْتُ : هَذَا الْأَمْرُ لَا يَصْلُحُ قَالَ فَقَدْ بِعْتُهُ فِي السُّوقِ ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ ، فَأَتَيْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ : { قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَنَحْنُ نَبِيعُ هَذَا الْبَيْعَ فَقَالَ : مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَهُوَ رِبًا } وَأْتِ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ تِجَارَةً مِنِّي فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ " وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَمُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سُفْيَانَ وَهَذَانِ اللَّفْظَانِ اللَّذَانِ فِي الصَّحِيحِ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا وَلَا إشْكَالَ وَلَا حُجَّةَ لَمُتَعَلِّقٍ فِيهِمَا لِأَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيْعَ دَرَاهِمَ بِشَيْءٍ لَيْسَ رِبَوِيًّا ، وَيَكُونُ الْفَسَادُ لَأَجْلِ التَّأْخِيرِ بِالْمَوَاسِمِ أَوْ الْحَجِّ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّرٍ وَلَا سِيَّمَا عَلَى مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَفْعَلُ ( وَالثَّانِي ) أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ الْجِنْسِ ، وَيَدُلُّ لَهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ : " سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنْ الصَّرْفِ فَكِلَاهُمَا يَقُولُ : 57 { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا } " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ ، وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ " نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ دَيْنًا " فَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ صَرْفُ الْجِنْسِ بِجِنْسٍ آخَرَ . وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ثَابِتَةٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ وَالرِّوَايَاتُ الثَّلَاثُ الْأُوَلُ رِوَايَةُ الْحُمَيْدِيِّ وَاللَّتَانِ فِي الصَّحِيحِ ، وَكُلُّهَا أَسَانِيدُهَا فِي غَايَةِ الْجُودَةِ ، وَلَكِنْ حَصَلَ الِاخْتِلَافُ مِنْ الْحُمَيْدِيِّ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَكُلٌّ مِنْ الْحُمَيْدِيِّ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ فِي غَايَةِ التَّثَبُّتِ . وَيَتَرَجَّحُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ هُنَا بِمُتَابَعَةِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ لَهُ وَبِشَهَادَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ لِرِوَايَتِهِ ، وَشَهَادَةِ رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ لِرِوَايَةِ شَيْخِهِ ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : إنَّ رِوَايَةَ مَنْ قَالَ : إنَّهُ بَاعَ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ خَطَأٌ عِنْدَهُ " فَهَذَا جَوَابُ حَدِيثِي ، وَقَدْ لَا يَجْسُرُ الْفَقِيهُ عَلَى الْحُكْمِ لِتَخْطِئَتِهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ . وَنَقُولُ إنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ رِوَايَاتِ عَمْرِو بْنَ دِينَارٍ ، فَإِنَّ مِنْهَا مَا أُطْلِقَ فِيهِ الصَّرْفُ ( وَمِنْهَا ) مَا بَيَّنَ أَنَّهَا دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا بَيَّنَ مَا أَبْهَمَهُ الْآخَرُ . وَيَكُونُ حَدِيثُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ حَدِيثًا آخَرَ وَارِدًا فِي الْجِنْسَيْنِ وَتَحْرِيمِ النَّسَاءِ فِيهِمَا . وَلَا تَنَافِي فِي ذَلِكَ وَلَا تَعَارُضَ ، وَحِينَئِذٍ يُضْطَرُّ إلَى النَّسْخِ إنْ ثَبَتَ مُوجِبُهُ أَوْ تَرْجِيحُهُ . وَهُوَ حَاصِلٌ هُنَا بِأُمُورٍ ( مِنْهَا ) أَنَّ رِوَايَةَ أَحَادِيثِ التَّحْرِيمِ أَكْثَرُ كَمَا سَبَقَتْ عَلَيْهِمْ . وَالْقَاعِدَةُ التَّرْجِيحُ بِالْكَثْرَةِ . وَهَذَا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا . فَإِنَّهُ رُوِيَ تَحْرِيمُ الْفَضْلِ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُبَادَةَ وَقَالَ : رِوَايَةُ خَمْسَةٍ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ . وَقَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ : إنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْمَأَ فِي مَوْضِعٍ إلَى أَنَّهُ لَا تَرْجِحَ بِالْكَثْرَةِ فِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ ، وَهُمَا سَوَاءٌ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ 58 أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارًا بِالشَّهَادَةِ حَيْثُ لَمْ يُرَجَّحْ فِيهَا بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ ، وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ اللُّمَعِ الْمُصَنِّفُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا .
( وَمِنْهَا ) أَنَّهُمْ أَسَنُّ ، فَإِنَّ فِيهِمْ عُثْمَانَ وَعُبَادَةَ وَغَيْرَهُمْ ، مِمَّنْ هُمْ أَسَنُّ مِنْ الْبَرَاءِ وَزَيْدٍ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أُسَامَةَ .
( وَمِنْهَا ) بِالْحِفْظِ فَإِنَّ فِيهِمْ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ وَغَيْرَهُمَا ، مِمَّنْ هُوَ مَشْهُورٌ بِالْحِفْظِ أَكْثَرُ مِنْ الْبَرَاءِ وَزَيْدٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي زَمَانِ الصِّبَا ، وَهُوَ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَوَّلِ ، وَإِنَّمَا قُلْتُ إنَّ تَحَمُّلَ الْبَرَاءِ وَزَيْدٍ فِي حَالَةِ الصِّبَا لِأَنَّهُمَا قَالَا : " قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَتَحَادُثُنَا " هَكَذَا قَالَ وَعِنْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ سِنُّ كُلٍّ مِنْهُمَا عَشْرًا أَوْ نَحْوَهَا لِمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ سَلَمَةَ الْخُزَاعِيِّ أَنَّهُ رَوَى بِإِسْنَادِهِ إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَصْغَرَهُ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَالْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَسَعِيدَ بْنَ حَبِيبَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ . وَعَنْ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أَوَّلَ غَزْوَةٍ شَهِدَاهَا الْخَنْدَقُ . وَمِنْ الْمُرَجِّحَاتِ أَيْضًا أَنَّ حَدِيثَ الْبَرَاءِ وَزَيْدٍ مُبِيحٌ ، وَأَحَادِيثُ عُبَادَةَ وَأَصْحَابِهِ مُحَرِّمَةٌ ، وَإِذَا تَعَارَضَ الْمُقَرِّرُ وَالنَّاقِلُ فَالْمُرَجَّحُ النَّاقِلُ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَسُلَيْمٌ ، لِأَنَّهُ يُفِيدُ حُكْمًا شَرْعِيًّا خِلَافًا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَطِيبِ حَيْثُ قَالَ : يُقَدَّمُ الْمُقَرِّرُ ، وَإِنْ حَصَلَ التَّعَارُضُ فِي التَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِضَادٍ بِأَصْلٍ ، فَالْمُحَرِّمُ رَاجِحٌ عَلَى الْمُبِيحِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَوَافَقَهُمْ الْكَرْخِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبُو يَعْلَى مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ لِلِاحْتِيَاطِ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ مِنَّا وَعِيسَى بْنِ أَبَانَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبِي هَاشِمٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ ، حَيْثُ قَالُوا : هُمَا سَوَاءٌ ، وَثَمَّ وُجُوهٌ أُخَرُ مِنْ التَّرْجِيحِ لَا تَخْفَى عَنْ الْفِطَنِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّ تَرْجِيحَ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ ، وَهُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ اسْتِقْرَاءِ أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَقَالَ : يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ سِوَاهُمَا أَوْ لِلتَّخْيِيرِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . فَقَدْ اتَّضَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ ، وَلَعَلَّكَ تَرَى أَنِّي أَطَلْتُ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْأُصُولِيَّةِ فَاعْلَمْ أَنِّي مَتَى جَاءَتْ قَاعِدَةٌ مِنْ هَذِهِ 59 الْقَوَاعِدِ حَدَدْتُهَا ، وَأَقْوَالَ الْأَئِمَّةِ فِيهَا وَالرَّاجِحَ مِنْهَا ، ثُمَّ إذَا عَادَ ذِكْرُهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ حَمَلْتُ عَلَى الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث