المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثامن
page 1821 · printed p. 415
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَمِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ وَالْآخَرَانِ مُرْسَلَانِ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لَمَا كَانَ لَهُمْ بِهَا مُتَعَلِّقٌ أَصْلًا ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَنَا عِنْدَ مَوْتِنَا ثُلُثَ أَمْوَالِنَا ، وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ وَهُوَ بِلَا شَكٍّ الْوَصِيَّةُ الَّتِي لَا تُنَفَّذُ أَلْبَتَّةَ إلَّا عِنْدَ الْمَوْتِ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ ذِكْرٌ لِلْمَرَضِ أَصْلًا ، لَا بِنَصٍّ وَلَا بِدَلِيلٍ ، فَبَطَلَ تَمْوِيهُهُمْ بِهَا .
وَنَسْأَلُهُمْ : عَمَّنْ تَصَدَّقَ بِثُلُثَيْ مَالِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ مَاتَ بَغْتَةً إثْرَ ذَلِكَ .
أَوْ أَعْتَقَ جَمِيعَ مَمَالِيكِهِ كَذَلِكَ أَيْضًا ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ : أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ نَافِذٌ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ .
فَنَقُولُ لَهُمْ : قَدْ خَالَفْتُمْ جَمِيعَ هَذِهِ الْآثَارِ لِأَنَّ هَذَا فِعْلُ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ عِنْدَ مَوْتِهِ كَمَا فِي الْآثَارِ الْمَذْكُورَةِ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْآثَارِ أَنَّهُ أَيْقَنَ بِأَنَّهُ يَمُوتُ إذَا أَعْتَقَ أَعْبُدَهُ ، إنَّمَا فِيهَا عِنْدَ مَوْتِهِ فَقَطْ - فَظَهَرَ خِلَافُهُمْ لِلْآثَارِ كُلِّهَا .
وَمِنْهَا - الْخَبَرُ الصَّحِيحُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ { ۝ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي . قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ، قُلْت : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : لَا ، ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : 415 الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إنَّك أَنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ } .
ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ : أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ۝ قَالَ لِسَعْدٍ يَوْمَئِذٍ وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلِّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِك آخَرُونَ } .
وَهَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ .
[ وَرَوَاهُ أَيْضًا كَذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ ] وَبِلَفْظَةِ " الصَّدَقَةِ " فَقَالُوا : فَقَدْ مَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّدَقَةِ فِي مَرَضِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِوُجُوهٍ - : أَحَدُهَا : أَنَّنَا رُوِّينَا هَذَا الْخَبَرَ نَفْسَهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ وَفِيهِ " { ۝ قَالَ سَعْدٌ : فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَأُوصِي بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ : لَا ، قُلْتُ : فَبِشَطْرِ مَالِي ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : فَبِثُلُثِ مَالِي ؟ قَالَ : الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ } " وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ .
وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ قَالَ : نا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ ، كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ ، وَفِيهِ " قَالَ : { ۝ قُلْتُ : أَفَأَتَصَدَّقُ بِمَالِي كُلِّهِ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : أَفَأُوصِي بِالشَّطْرِ ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبِمَ أُوصِي ؟ قَالَ : الثُّلُثُ : وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ }
وَذَكَرَ الْخَبَرَ ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ إنَّمَا سَأَلَ سَعْدٌ عَنْ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ عَنْ مَقَامٍ وَاحِدٍ - فَصَحَّ أَنَّ لَفْظَةَ " الصَّدَقَةِ " الَّتِي رَوَاهَا : مَالِكٌ ، وَسُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ إنَّمَا مَعْنَاهَا الْوَصِيَّةُ .
كَمَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ - وَمَعْمَرٌ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ دُون مَالِكٍ - وَسُفْيَانَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَغَيْرُهُ ، فَكَيْفَ وَقَدْ وَافَقَ مَعْمَرٌ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ عَلَى لَفْظَةِ " أُوصِي " وَفِي هَذَا الْخَبَرِ جَمَاعَةُ الْإِثْبَاتِ .
كَمَا رُوِّينَاهُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُعْفِيِّ 416 عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ .
وَعَنْ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيِّ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ ، كُلِّهِمْ عَنْ سَعْدٍ .
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ .
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عَدِيٍّ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ .
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ .
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ .
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، كُلُّهُمْ يَذْكُرُ نَصًّا : أَنَّ سَعْدًا إنَّمَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يُوصِي بِهِ .
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : أَنَّهُمْ إنَّمَا يُمْنَعُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فِي الْمَرَضِ الَّذِي يَمُوتُ مِنْهُ صَاحِبُهُ ، لَا الَّذِي يَبْرَأُ مِنْهُ ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّ سَعْدًا سَيَبْرَأُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا جَرِيرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ " قَالَ { ۝ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا فَمَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ حَتَّى إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إلَّا أَخْبَرَ بِهِ حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ هُوَ هَزَمَ عَسَاكِرَ الْفُرْسِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَافْتَتَحَ 417 مَدِينَةِ كِسْرَى فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَلْ مِنْ أَكْبَرِ ذَلِكَ وَأَهَمِّهِ وَأَعَمِّهِ فَتْحًا فِي الْإِسْلَامِ .
وَهَذَا قَدْ أَنْذَرَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ إذْ قَالَ لَهُ : لَعَلَّك سَتُخَلِّفُ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِك أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِك آخَرُونَ - وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ .
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّ فِي نَصِّ الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَا الْآنَ إسْنَادُهُ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ يَوْمَئِذٍ : إنَّ صَدَقَتَكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ وَإِنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ وَإِنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأَتُكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ } .
قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذَا كُلُّهُ بِإِجْمَاعٍ مِنَّا وَمِنْهُمْ ، وَمِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنْ رَأْسِ مَالِ الْمَرِيضِ - مَاتَ أَوْ عَاشَ - فَثَبَتَ يَقِينًا ضَرُورِيًّا : أَنَّ صَدَقَةَ الْمَرِيضِ خَارِجَةٌ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ، لَا مِنْ ثُلُثِهِ بِنَصِّ حُكْمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَطَلَ مَا خَالَفَ هَذَا بِيَقِينٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ ، وَعَادَ هَذَا الْخَبَرُ أَعْظَمَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ ، وَأَوْضَحَ حُجَّةً لِقَوْلِنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْلِهِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَإِيرَادُهُمْ إيَّاهُ فَضِيحَةُ الدَّهْرِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مِنْ هِبَةِ الْمَرِيضِ ذِكْرٌ أَصْلًا ، لَا بِنَصٍّ وَلَا بِدَلِيلٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ نَحَلَهَا ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ وَتَأَخَّرَ جِدَادُهَا لِذَلِكَ إلَى أَنْ مَاتَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكَيْفَ وَقَدْ صَحَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ رَغِبَ إلَيْهَا فِي رَدِّ تِلْكَ النِّحْلَةِ بِرِضَاهَا .
فَكَيْفَ وَإِنَّمَا كَانَ وَعْدًا بِمَجْهُولٍ لَا يُدْرَى مِنْ كَمْ مِنْ نَخْلَةٍ تَجِدُ الْعِشْرِينَ وَسْقًا ، وَلَا مِنْ أَيِّ تِلْكَ النَّخْلِ تَجِدُ ؟ فَسَقَطَتْ الْأَقْوَالُ الْمَذْكُورَةُ بِيَقِينٍ لَا مِرْيَةَ فِيهِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُنَا ، وَقَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ : أَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِ الْمَرِيضِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ، إلَّا الْعِتْقَ فَإِنَّهُ مِنْ الثُّلُثِ : فَنَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا .
فَوَجَدْنَا الْخَبَرَ الصَّحِيحَ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، كِلَاهُمَا : عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ : { ۝ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ عِنْدَ 418 مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ فِيهِ قَوْلًا شَدِيدًا ، ثُمَّ دَعَاهُمْ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً } .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا : مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، وَحَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، وَيَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ ، كُلِّهِمْ : عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ كَمَا أَوْرَدْنَا .
وَسَمَاعُ ابْنِ سِيرِينَ مِنْ عِمْرَانَ صَحِيحٌ .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا : مِنْ طَرِيقِ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَقُلْنَا : هَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ لَا تَحِلُّ مُخَالَفَتُهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْحَنَفِيِّينَ ، وَلَا لِلْمَالِكِيِّينَ - وَلَا لِلشَّافِعِيِّينَ : الْحُجَّةُ بِهِ أَصْلًا ، فِيمَا عَدَا الْعِتْقِ ; لِأَنَّهُ قِيَاسٌ ، وَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ كُلُّهُ .
كَمَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُقَاسَ عَلَى الْخَبَرِ الثَّابِتِ فِي التَّقْوِيمِ عَلَى مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى بِهِ مَا جَاءَ فِيهِ مِنْ الْعِتْقِ خَاصَّةً : لَا إلَى صَدَقَةٍ ، وَلَا إلَى إنْفَاقٍ ، وَلَا إلَى إصْدَاقٍ ، وَلَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، لَا سِيَّمَا وَالْحَنَفِيُّونَ قَدْ خَالَفُوا نَصَّهُ فِيمَا جَاءَ فِيهِ ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّونَ بِهِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مِنْهُ أَثَرٌ ، وَهَذَا عَارٌ جِدًّا .
وَأَمَّا أَصْحَابُنَا : فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ : أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ مَرِيضًا ، وَإِنَّمَا فِيهِ { ۝ عِنْدَ مَوْتِهِ } وَقَدْ يَفْجَأُ الْمَوْتُ الصَّحِيحَ فَيُوقِنُ بِهِ ، فَلَا يَحِلُّ أَنْ يُقْحَمَ فِي الْخَبَرِ مَا لَيْسَ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الْمَرَضِ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهِ .
وَأَيْضًا : فَقَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ أَنَّ هَذَا الْعِتْقَ لِلسِّتَّةِ الْأَعْبُدِ إنَّمَا كَانَ وَصِيَّةً - : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَيُّوبَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ .
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ : هُوَ أَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الْخَبَرَ أَنَّهُ لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهَذَا حَقًّا ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ عِتْقٌ فِي عَبْدٍ أَوْ عَبِيدٍ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ ، يُنَفَّذُ مِنْ ذَلِكَ الْعِتْقِ مَا وَقَعَ فِيمَنْ بِهِ عَنْهُ غِنًى ، وَيَبْطُلُ فِي مِقْدَارِ مَا لَا غِنًى بِهِ عَنْهُ .
فَلَوْ صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ لَمْ يَكُنْ وَصِيَّةً لَكَانَ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَحَقَّ بِظَاهِرِهِ ، وَأَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَجَازَ لِلْمَرِيضِ ثُلُثَ مَالِهِ ، إذْ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ دَلِيلٌ - عَلَى هَذَا أَصْلًا . 419
فَبَطَلَ تَعَلُّقُ أَصْحَابِنَا بِهَذَا الْخَبَرِ جُمْلَةً ، وَصَحَّ قَوْلُنَا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
وَكَذَلِكَ الْخَبَرُ السَّاقِطُ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ { ۝ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْتَقَ مِنْهُ الثُّلُثَ وَاسْتَسْعَى فِي الثُّلُثَيْنِ } ، فَالْقَوْلُ فِي هَذَا الْخَبَرِ - وَلَوْ صَحَّ - كَالْقَوْلِ فِي خَبَرِ عِمْرَانَ ، فَكَيْفَ وَهُوَ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَعَنْ مَجْهُولٍ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ أَيْضًا .
وَأَمَّا مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ فَبَاطِلٌ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَانَ لِأَبِيهِ إذْ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سِتُّ سِنِينَ فَكَيْفَ ابْنُهُ ؟ ثُمَّ هُوَ أَيْضًا عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ - وَهُوَ هَالِكٌ - أَوْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ مَجْهُولٌ - عَنْ الْقَاسِمِ .
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ : فَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ - وَهُوَ هَالِكٌ - ثُمَّ هِيَ مُرْسَلَةٌ ، لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَلِيٍّ كَلِمَةً - فَبَطَلَ أَنْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - خِلَافُ قَوْلِنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith