المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء التاسع
page 1996 · printed p. 339
339 مَسْأَلَةٌ : فَإِنْ تَزَوَّجَ رَجُلَانِ بِجَهَالَةٍ امْرَأَةً فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، أَوْ ابْتَاعَ أَحَدُهُمَا أَمَةً مِنْ الْآخَرِ فَوَطِئَهَا - وَكَانَ الْأَوَّلُ قَدْ وَطِئَهَا أَيْضًا - وَلَمْ يُعْرَفْ أَيُّهُمَا الْأَوَّلُ ، وَلَا تَارِيخُ النِّكَاحَيْنِ أَوْ الْمِلْكَيْنِ : فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ ، فَإِنَّهُ إنْ تَدَاعَيَاهُ جَمِيعًا : فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِيهِ فَأَيُّهُمَا خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ أُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ ، وَقُضِيَ عَلَيْهِ لِخَصْمِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدِّيَةِ .
إنْ كَانَ وَاحِدًا فَنِصْفُ الدِّيَةِ ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَلَهُمَا ثُلُثَا الدِّيَةِ ، وَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا زَادَ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُتَدَاعِيَانِ أَجْنَبِيَّيْنِ ، أَوْ قَرِيبَيْنِ أَوْ أَبًا وَابْنًا ، أَوْ حُرًّا وَعَبْدًا .
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالْآخَرُ كَافِرًا أُلْحِقَ بِالْمُسْلِمِ وَلَا بُدَّ بِلَا قُرْعَةٍ .
فَإِنْ تَدَافَعَاهُ جَمِيعًا ، أَوْ لَمْ يُنْكِرَاهُ وَلَا تَدَاعَيَاهُ ، فَإِنَّهُ يُدْعَى لَهُ بِالْقَافَةِ فَإِنْ شَهِدَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ عَالِمٌ عَدْلٌ فَأَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ بِأَنَّهُ وَلَدُ هَذَا ؟ أُلْحِقَ بِهِ نَسَبُهُ ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ بِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا طُرِحَ كَلَامُهُمْ وَطُلِبَ غَيْرُهُمْ .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَلَدٌ وَاحِدٌ ابْنَ رَجُلَيْنِ ، وَلَا ابْنَ امْرَأَتَيْنِ .
وَكَذَلِكَ إنْ تَدَاعَتْ امْرَأَتَانِ فَأَكْثَرُ وَلَدًا ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ إحْدَاهُمَا فَهُوَ لَهَا وَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِنَّ كُلِّهِنَّ ، أَوْ لَمْ يَتَدَاعَيَاهُ وَلَا أَنْكَرَتَاهُ ، أَوْ تَدَافَعَتَاهُ دُعِيَ لَهُ الْقَافَةُ كَمَا قُلْنَا .
بُرْهَانُ ذَلِكَ - : مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ { ۝ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ : أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ : إنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ } .
340 وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أرنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - وَهُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - نا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ { ۝ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْرُورًا فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ وَقَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ : هَذِهِ أَقْدَامٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ } .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ { ۝ دَخَلَ قَائِفٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاهِدٌ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مُضْطَجِعَانِ ، فَقَالَ : إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ، فَسُرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ وَأَعْجَبَهُ } .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ نا الْوَلِيدُ - هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ - عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَذَكَرَ { ۝ حَدِيثَ الْعُرَنِيِّينَ وَقَتْلِهِمْ الرِّعَاءَ وَأَخْذِهِمْ إبِلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَنَسٌ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَافَةً فِي طَلَبِهِمْ فَأَتَى بِهِمْ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
فَصَحَّ أَنَّ " الْقِيَافَةَ " عِلْمٌ صَحِيحٌ يَجِبُ الْقَضَاءُ بِهِ فِي الْأَنْسَابِ وَالْآثَارِ .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ لِعَبْدِهِ وَهِيَ أَمَتُهُ ؟ قَالَ : فَدَعَا لَهُمَا الْقَافَةَ ، فَإِنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَنِي : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ دَعَا الْقَافَةَ فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الْوُقُوعِ عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، وَادَّعَيَا وَلَدَهَا ؟ فَأَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمَا .
قَالَ الزُّهْرِيُّ : أَخَذَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَمَنْ بَعْدَهُ بِنَظَرِ الْقَافَةِ فِي مِثْلِ هَذَا .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : اُخْتُصِمَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي وَلَدٍ ادَّعَاهُ دُهْقَانٌ ، وَرَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ ، فَدَعَا الْقَافَةَ فَنَظَرُوا إلَيْهِ فَقَالُوا لِلْعَرَبِيِّ : أَنْتَ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ هَذَا الْعِلْجِ ، وَلَكِنْ لَيْسَ بِابْنِك فَخَلِّ عَنْهُ فَإِنَّهُ ابْنُهُ .
ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ 341 عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ قَالَ : انْتَفَى ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ وَلَدٍ لَهُ ؟ فَدَعَا لَهُ ابْنُ كَلِدَةِ الْقَائِفَ ، فَقَالَ لَهُ : أَمَا إنَّهُ وَلَدُهُ ، فَادَّعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَأَبُو الزِّنَادِ ، كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْقَافَةِ .
وَبِهِ يَقُولُ قَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا : إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ : لَا يُحْكَمُ بِقَوْلِ الْقَافَةِ إلَّا فِي وَلَدِ أَمَةٍ لَا فِي وَلَدِ حُرَّةٍ - وَهَذَا خَطَأٌ ، لِأَنَّ الْأَثَرَ الَّذِي أَوْرَدْنَا آنِفًا مِنْ قَوْلِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ فِي أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - الَّذِي هُوَ عُمْدَةُ مَالِكٍ وَعُمْدَتُنَا فِي الْحُكْمِ بِالْقَافَةِ إنَّمَا جَاءَ فِي ابْنِ حُرَّةٍ لَا فِي ابْنِ أَمَةٍ .
وَلَمْ يَرَ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا أَصْحَابُهُ الْحُكْمَ بِالْقَافَةِ - وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ حُكْمٌ بِالظَّنِّ - وَهُمْ يُشَرِّعُونَ الشَّرَائِعَ ، وَيُبْطِلُونَ أَحْكَامَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْكَامَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِيَاسِ الَّذِي يُقِرُّونَ بِأَنَّهُ ظَنٌّ - وَقَدْ كَذَبُوا : مَا حَكَمَ الْقَافَةُ بِظَنٍّ ، بَلْ بِعِلْمٍ صَحِيحٍ يَتَعَلَّمُهُ مَنْ طَلَبَهُ وَعُنِيَ بِهِ ، وَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَحْكُمَ بِالظَّنِّ .
ثُمَّ مَعَ هَذَا كُلِّهِ يَحْكُمُونَ بِجَهْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، إذْ يُلْحِقُ الْوَلَدَ بِامْرَأَتَيْنِ يَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أُمَّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ ، وَيُورِثُهُ مِنْهُمَا مِيرَاثَ الِابْنِ مِنْ الْأُمِّ ، وَيُورِثُهُمَا مِنْهُ مِيرَاثَ الْأُمِّ مِنْ الْوَلَدِ ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِ أَخَوَاتِهِمَا جَمِيعًا - فَهَذَا هُوَ الرُّعُونَةُ حَقًّا ، وَالْجَهْلُ الْأَعْمَى ، لَا مَا سُرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَكَمَ بِهِ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَلَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الْقَافَةِ شَيْءٌ إلَّا مَوْضِعٌ وَاحِدٌ - : وَهُوَ الرَّجُلَانِ فَصَاعِدًا يَتَدَاعَيَانِ الْوَلَدَ ؟ فَإِنَّ هَاهُنَا إنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ وَلَا عُرْفٌ لِأَيِّهِمَا كَانَ الْفِرَاشُ ، وَإِلَّا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا .
لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ { ۝ : كَانَ عَلِيٌّ بِالْيَمَنِ فَأَتَى بِامْرَأَةٍ وَطِئَهَا ثَلَاثَةٌ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، فَسَأَلَ اثْنَيْنِ : أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ ؟ فَلَمْ يُقِرَّا ، ثُمَّ سَأَلَ اثْنَيْنِ : أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ ؟ فَلَمْ يُقِرَّا ، ثُمَّ سَأَلَ اثْنَيْنِ ، حَتَّى فَرَغَ ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ ، فَأَلْزَمَ الْوَلَدَ لِلَّذِي خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَا يَضْحَكُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ أَنْ يُنْكِرَ مَا يَرَى أَوْ يَسْمَعُ مَا لَا 342 يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ سُرُورًا بِهِ - وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يُسَرُّ إلَّا بِالْحَقِّ - وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ بَاطِلًا فَيُقِرَّهُ .
وَهَذَا خَبَرٌ مُسْتَقِيمُ السَّنَدِ ، نَقَلَتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ ، وَالْحُجَّةُ بِهِ قَائِمَةٌ ، وَلَا يَصِحُّ خِلَافُهُ أَلْبَتَّةَ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّهُ خَبَرٌ اُضْطُرِبَ فِي إسْنَادِهِ ، فَأَرْسَلَهُ شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَجْهُولٍ .
وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ حَضْرَمَوْتَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ؟ قُلْنَا : هَذَا الْعَجَبُ ، فَكَانَ مَاذَا ؟ قَدْ وَصَلَهُ سُفْيَانُ - وَلَيْسَ هُوَ دُونَ شُعْبَةَ - عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ - وَهُوَ ثِقَةٌ - عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ - وَهُوَ ثِقَةٌ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - وَإِنَّ مَنْ يَتَعَلَّلُ بِهَذَا ثُمَّ يَرُدُّ السُّنَّةَ بِرِوَايَةِ شَيْخٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ إنَّ هَذَا لَعَظِيمُ الْمُجَاهَرَةِ ، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَرْدَعَهُ الْحَيَاءُ عَنْ الرِّضَا بِهِ ؟ لَا سِيَّمَا أَبَا حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابَهُ الْقَائِلِينَ : إنْ ادَّعَى الْوَلَدَ اثْنَانِ - وَهُوَ فِي أَيْدِيهِمَا - فَهُوَ ابْنُهُمَا يَرِثَانِهِ وَيَرِثُهُمَا ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَافْتَضَحُوا فِي اخْتِلَافِهِمْ ؟ كَمَا افْتَضَحُوا فِي اتِّفَاقِهِمْ فِي وَلَدٍ ادَّعَاهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَصَاعِدًا فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ ابْنُهُمْ كُلُّهُمْ وَلَوْ كَانُوا أَلْفًا .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يَكُونُ ابْنَ ثَلَاثَةٍ وَلَا يَكُونُ ابْنَ أَكْثَرَ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا يَكُونُ إلَّا ابْنَ اثْنَيْنِ فَقَطْ لَا ابْنَ أَكْثَرَ - فَهُوَ هُوَ الْفُحْشُ وَالسُّخَامُ وَالضَّلَالُ ؟ لَا اتِّبَاعُ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَمَوَّهُوا فِي إلْحَاقِهِمْ الْوَلَدَ بِاثْنَيْنِ بِرِوَايَةٍ سَاقِطَةٍ عَنْ عُمَرَ ، لِأَنَّهَا مُرْسَلَةٌ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ ، وَلَمْ يَحْفَظْ سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ شَيْئًا إلَّا نَعْيَ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ عَلَى الْمِنْبَرِ ، مَعَ أَنَّ فِيهَا : أَنَّهُ حَكَمَ مَعَ الْقَافَةِ بِذَلِكَ .
وَمِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عُمَرَ ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ أَصْلًا .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِيهِ .
343 وَرِوَايَةٌ عَنْ عَلِيٍّ فِيهَا قَالُوسُ بْنُ أَبِي ظَبْيَانَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَفِيهَا : أَنَّهُ لِلثَّانِي مِنْكُمَا .
وَالثَّابِتُ عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ - : مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : إنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا وَلَدًا ؟ فَدَعَا عُمَرُ الْقَافَةَ ، وَاقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِبَصَرِ الْقَافَةِ ، وَأَلْحَقَهُ بِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ - وَعُرْوَةُ قَدْ اعْتَمَرَ مَعَ عُمَرَ .
وَرِوَايَةٌ أُخْرَى مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ هِشَامٌ : وَسَمِعْته يُحَدِّثُ أَبِي قَالَ : إنَّ رَجُلَيْنِ وَقَعَا بِامْرَأَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَوَلَدَتْ غُلَامًا ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ ادَّعَيَاهُ جَمِيعًا ؟ فَدَعَا عُمَرُ رَجُلًا مِنْ بَنِي كَعْبٍ فَقَالَ : اُنْظُرْ فَاسْتَبْطِنْ وَاسْتَظْهِرْ ؟ فَقَالَ : وَاَلَّذِي أَكْرَمَك بِالْخِلَافَةِ لَقَدْ اشْتَرَكَ فِيهِ جَمِيعًا ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ حَتَّى اضْطَجَعَ ، وَقَالَ لَهُ عُمَرُ : لَقَدْ ذَهَبَ بِك النَّظَرُ إلَى غَيْرِ مَذْهَبٍ - ثُمَّ دَعَا عُمَرُ بِالْمَرْأَةِ فَسَأَلَهَا ، فَقَالَتْ : هَذَا كَانَ يَطَؤُنِي ، فَإِذَا كَانَ يَطَؤُنِي حَمَانِي مِنْ النَّاسِ حَتَّى إذَا اسْتَمَرَّ بِي الْحَمْلُ خَلَا بِي فَأَهْرَقْتُ دَمًا كَثِيرًا فَجَاءَنِي هَذَا فَوَطِئَنِي ، فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ ؟ فَقَالَ الْكَعْبِيُّ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، شُرَكَاءُ فِيهِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَمَّا أَنَا فَقَدْ رَأَيْت مَا رَأَيْت ، ثُمَّ قَالَ لِلْغُلَامِ : اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْت ؟ قَالَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : فَلَقَدْ رَأَيْت حِينَ سَفَعَ أَحَدُهُمَا بِيَدِ الْغُلَامِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ .
وَرِوَايَةٌ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي طُهْرِ امْرَأَةٍ فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَدَعَا عُمَرُ بِالْقَافَةِ ؟ فَقَالُوا : قَدْ أَخَذَ الشَّبَهَ مِنْهُمَا جَمِيعًا ، فَجَعَلَهُ عُمَرُ بَيْنَهُمَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : تَوْبَةُ الْعَنْبَرِيُّ ضَعِيفٌ ، مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ .
ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِالْقَافَةِ ، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : جَعَلَهُ بَيْنَهُمَا ، لَيْسَ فِيهِ : أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِنَسَبِهِمَا ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ " جَعَلَهُ بَيْنَهُمَا " أَيْ وَقَفَهُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَلُوحَ لَهُ فِيهِ وَجْهُ الْحُكْمِ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِعُمَرَ غَيْرَ هَذَا ؟ وَمَا نَعْرِفُ إلْحَاقَ الْوَلَدِ بِاثْنَيْنِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ إلَّا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالثَّابِتُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُكَذِّبُ جَوَازَ كَوْنِ وَلَدٍ مِنْ مَنِيِّ أَبَوَيْنِ .
344 وَهُوَ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ : نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - هُوَ الضَّرِيرُ - وَوَكِيعٌ ، قَالَا جَمِيعًا : نا الْأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ ابْتِدَاءَ الْعَدَدِ مِنْ حِينِ وُقُوعِ النُّطْفَةِ ، وَبِلَا شَكٍّ أَنَّ الدَّقِيقَةَ الَّتِي تَقَعُ فِيهَا النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ هِيَ غَيْرُ الدَّقِيقَةِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا مَنِيُّ الْوَاطِئِ الثَّانِي ، فَلَوْ جَازَ أَنْ يُجْمَعَ الْمَاءَانِ فَيَصِيرَ مِنْهُمَا وَلَدٌ وَاحِدٌ ، لَكَانَ الْعَدَدُ مَكْذُوبًا فِيهِ ، لِأَنَّهُ إنْ عَدَّ مِنْ حِينِ وُقُوعِ النُّطْفَةِ الْأُولَى ، فَهُوَ لِلْأَوَّلِ وَحْدَهُ فَلَوْ اسْتَضَافَ إلَيْهِ الثَّانِيَ لَابْتَدَأَ الْعَدَدُ مِنْ حِينِ حُلُولِ الْمَنِيِّ الثَّانِي ، فَكَانَ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَرْبَعِينَ يَوْمًا نَقْصٌ وَزِيَادَةٌ بِلَا شَكٍّ ، وَهُمْ أَوْلَى بِالْكَذِبِ وَأَهْلِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّادِقِ .
وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ قَالُوا : لَمْ يَحْكُمْ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ ابْنَ امْرَأَتَيْنِ مُحَقِّقًا : أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَدَتْهُ ، لَكِنْ أَوْجَبَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَقَّ الْأُمُومَةِ ؟ .
فَقُلْنَا : وَهَذَا جَوْرٌ وَظُلْمٌ وَبَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ أَنْ يُوجَبَ لِغَيْرِ أُمٍّ حُكْمُ أُمٍّ بِلَا نَصِّ قُرْآنٍ ، وَلَا سُنَّةٍ ، وَلَا قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَهُ إلَّا الرَّأْيَ الْفَاسِدَ - وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ .
وَأَمَّا قَوْلُنَا : إنْ تَدَاعَى فِي الْوَلَدِ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ : أُلْحِقَ بِالْمُسْلِمِ ، فَلِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } .
وَالثَّابِتُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ } .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَلَى الْمِلَّةِ : حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ أَوْ يُشَرِّكَانِهِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْقَلَ عَمَّا وُلِدَ عَلَيْهِ مِنْ الْفِطْرَةِ الَّتِي وُلِدَ عَلَيْهَا إلَّا بِيَقِينِ كَوْنِ الْفِرَاشِ لِكَافِرٍ بِلَا إشْكَالٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith