المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثاني عشر
. 2308 - مَسْأَلَةٌ : السِّحْرُ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي السِّحْرِ : فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يُقْتَلُ السَّاحِرُ وَلَا يُسْتَتَابُ - وَالسِّحْرُ كُفْرٌ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُقْتَلُ السَّاحِرُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُنَا : إنْ كَانَ الْكَلَامُ الَّذِي يُسْحَرُ بِهِ كُفْرًا فَالسَّاحِرُ مُرْتَدٌّ ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ كُفْرًا فَلَا يُقْتَلُ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ كَافِرًا .
وَذَكَرَ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي ذَلِكَ أَشْيَاءَ : كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، قَالَ : إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى جُزَيِّ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ - وَكَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - أَنْ اُقْتُلْ كُلَّ سَاحِرٍ ، وَكَانَ بَجَالَةُ كَاتِبَ جُزَيٍّ ، قَالَ بَجَالَةُ : فَأَرْسَلْنَا فَوَجَدْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ ، فَضَرَبْنَا أَعْنَاقَهُنَّ .
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : إنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ قَتَلَ سَاحِرًا
وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ جَارِيَةً لِحَفْصَةَ سَحَرَتْهَا فَاعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ فَأَمَرَتْ بِهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ فَقَتَلَهَا ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا عُثْمَانُ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ : مَا تُنْكِرُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ امْرَأَةٌ سَحَرَتْ وَاعْتَرَفَتْ ؟ فَسَكَتَ عُثْمَانُ . 411
وَعَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ حَفْصَةَ سُحِرَتْ فَأَمَرَتْ عُبَيْدَ اللَّهِ أَخَاهَا فَقَتَلَ سَاحِرَتَيْنِ ، وَعَنْ الْعَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ أَبُو صَفْوَانَ قَالَ : رَأَيْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى جِدَارِ بَيْتٍ لِبَنِي أَخٍ لَهُ يَتَامَى ، أَتَاهُ غِلْمَةٌ أَرْبَعَةٌ ، وَمَعَهُمْ غُلَامٌ هُوَ أَشَفُّ مِنْهُمْ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عُمَرَ اُنْظُرْ مَا يَصْنَعُ هَذَا ؟ قَالَ : وَمَاذَا يَصْنَعُ ؟ قَالَ : فَسَلْ خَيْطًا مِنْ ثَوْبِهِ فَقَطَعَهُ - وَسَالِمٌ يَنْظُرُ إلَيْهِ - فَجَمَعَهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ ثُمَّ تَفَلَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ مَدَّهُ ، فَإِذَا هُوَ صَحِيحٌ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، فَسَمِعْت سَالِمًا يَقُولُ : لَوْ كَانَ لِي مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ لَصَلَبْتُهُ .
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْمُهَاجِرِ بْنِ خَالِدٍ قَتَلَ نَبَطِيًّا سَحَرَ - يَعْنِي ذِمِّيًّا .
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، قَالَ : إنَّ غُلَامًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَذَ سَاحِرَةً فَأَلْقَاهَا فِي الْمَاءِ فَطَفَتْ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْك أَنْ تُلْقِيهَا فِي الْمَاءِ ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَاقْتُلْهَا .
وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : يُقْتَلُ سَاحِرُ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يُقْتَلُ سَاحِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سَحَرَهُ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ : ابْنُ أَعْصَمَ ، وَامْرَأَةٌ مِنْ خَيْبَرَ يُقَالُ لَهَا : زَيْنَبُ ، فَلَمْ يَقْتُلْهُمَا ؟ }
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَهَؤُلَاءِ - عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَحَفْصَةُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَاهُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَهُ ، وَعُثْمَانُ ، وَقَيْسُ بْنُ رَبِيعَةَ .
وَمِنْ التَّابِعِينَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَخَالِدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ .
وَأَمَّا مَنْ خَالَفَ هَذَا : فَكَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - هُوَ أَبُو الرِّجَالِ - عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَعْتَقَتْ جَارِيَةً لَهَا عَنْ دُبُرٍ ، وَأَنَّهَا سَحَرَتْهَا وَاعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ ، وَقَالَتْ : أَحْبَبْت الْعِتْقَ ، فَأَمَرَتْ بِهَا عَائِشَةُ ابْنَ أَخِيهَا أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ الْأَعْرَابِ مِمَّنْ يُسِيءُ مَلْكَتِهَا ، وَقَالَتْ : ابْتَعْ بِثَمَنِهَا رَقَبَةً فَأَعْتِقْهَا .
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ 412 أَبِي الرِّجَالِ عَنْ عَمْرَةَ ، قَالَتْ : مَرِضَتْ عَائِشَةُ فَطَالَ مَرَضُهَا ، فَذَهَبَ بَنُو أَخِيهَا إلَى رَجُلٍ ، فَذَكَرُوا لَهُ مَرَضَهَا ؟ فَقَالَ : إنَّكُمْ لِتُخْبِرُونِي خَبَرَ امْرَأَةٍ مَطْبُوبَةٍ ، فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ ، فَإِذَا جَارِيَةٌ لَهَا قَدْ سَحَرَتْهَا وَكَانَتْ قَدْ دَبَّرَتْهَا ، فَقَالَتْ لَهَا : مَا أَرَدْتِ مِنِّي ؟ قَالَتْ : أَرَدْتُ أَنْ تَمُوتِي حَتَّى أَعْتِقَ ، قَالَتْ : فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ تُبَاعَ مِنْ أَشَدِّ الْعَرَبِ مَلِكَةً ، فَبَاعَتْهَا ، وَأَمَرَتْ بِثَمَنِهَا أَنْ يُجْعَلَ فِي مِثْلِهَا .
وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَطَاءٍ أَنَّ رَجُلًا عَبْدًا سَحَرَ جَارِيَةً عَرَبِيَّةً ، وَكَانَتْ تَتْبَعُهُ ، فَرَفَعَ إلَى عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ - وَكَانَ عَامِلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : أَنْ يَبِيعَهُ بِغَيْرِ أَرْضِهَا وَأَرْضِهِ ، ثُمَّ ادْفَعْ ثَمَنَهُ إلَيْهَا - وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنْكَارَ قَتْلِ السَّاحِرِ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ ، فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مِنْ رَأَى قَتْلَ السَّاحِرَ ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } الْآيَةُ قَالُوا : فَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى السَّحَرَ كُفْرًا بِقَوْلِهِ : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } .
قَالَ : " فَيُعَلِّمُونَ " بَدَلٌ مِنْ " كَفَرُوا " فَتَعْلِيمُ السِّحْرِ كُفْرٌ .
وَأَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ } .
وَأَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ } .
وَبِقَوْلِهِ { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } .
وَذَكَرُوا - مَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ } . 413
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ تَعَلَّمَ السِّحْرَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا كَانَ آخِرَ عَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ } .
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ جُهَيْمٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَانَبَ عُقْبَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَنَزَلَ ، فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ : جُنْدُبُ وَمَا جُنْدُبُ وَالْأَقْطَعُ الْخَبَرُ الْخَبَرُ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ أَصْحَابُهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَيْنَا رَاجِزًا أَحْسَنَ رَجَزًا مِنْكَ اللَّيْلَةِ ، فَمَا جُنْدُبُ ، وَالْأَقْطَعُ ؟ قَالَ : أَمَّا جُنْدُبُ فَرَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي يَضْرِبُ ضَرْبَةً يُبْعَثُ بِهَا أُمَّةً وَحْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَمَّا الْأَقْطَعُ فَرَجُلٌ تُقْطَعُ يَدُهُ فَتُدْخَلُ الْجَنَّةَ قَبْلَ جَسَدِهِ بِبُرْهَةٍ مِنْ الدَّهْرِ } .
فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْأَقْطَعَ ، زَيْدَ بْنَ صُوحَانَ ، قُطِعَتْ يَدُهُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ قَبْلَ يَوْمِ الْجَمَلِ مَعَ عَلِيٍّ - وَأَمَّا جُنْدُبُ ، فَهُوَ الَّذِي قَتَلَ السَّاحِرَ .
وَقَالَ : نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا أَبُو عِمْرَانَ - هُوَ الْجَوْنِيُّ - أَنَّ سَاحِرًا كَانَ عِنْدَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فَجَعَلَ يَدْخُلُ فِي بَقَرَةٍ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا ، فَرَآهُ جُنْدُبٌ ، فَذَهَبَ إلَى بَيْتِهِ فَالْتَفَعَ عَلَى سَيْفِهِ ، فَلَمَّا دَخَلَ السَّاحِرُ جَوْفَ الْبَقَرَةِ ضَرَبَهُمَا ، قَالَ { أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } فَانْدَفَعَ النَّاسُ وَتَفَرَّقُوا وَقَالُوا : حَرُورِي ، فَسَجَنَهُ الْوَلِيدُ ، وَكَتَبَ بِهِ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَكَانَ يُفْتَحُ لَهُ بِاللَّيْلِ فَيَذْهَبُ إلَى أَهْلِهِ ، فَإِذَا أَصْبَحَ رَجَعَ إلَى السِّجْنِ - قَالَ : فَيَرَوْنَ أَنَّ جُنْدُبًا صَاحِبَ الضَّرْبَةِ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَيْئًا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا ، قَدْ تَقَصَّيْنَاهُ لَهُمْ غَايَةَ التَّقَصِّي ، وَأَتَيْنَا بِمَا لَمْ نَذْكُرْهُ أَيْضًا ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى مَا نُبَيِّنُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ : أَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ : 414 أَمَّا قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْهُ أَخَذُوا مَا اشْتَهَوْا مِنْهُ ، وَتَرَكُوا سَائِرَهُ ، وَهُوَ خَبَرٌ : نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : سَمِعْت بَجَالَةَ كَاتِبَ جُزَيٍّ يُحَدِّثُ أَبَا الشَّعْثَاءِ ، وَعَمْرَو بْنَ أَوْسٍ عَنْ صِفَةِ زَمْزَمَ فِي إمَارَةِ الْمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : كُنْتُ كَاتِبًا لِجُزَيٍّ - عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ - فَأَتَى كِتَابُ عُمَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ ، بِسَنَةٍ : اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَجُوسِ ، وَانْهَهُمْ عَنْ الزَّمْزَمَةِ ، قَالَ : فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ ، قَالَ : وَصَنَعَ طَعَامًا كَثِيرًا وَعَرَضَ السَّيْفَ ، ثُمَّ دَعَا الْمَجُوسَ فَأَلْقَوْا وِقْرَ بَغْلٍ ، أَوْ بَغْلَيْنِ مِنْ وَرِقِ أَخِلَّةً ، كَانُوا يَأْكُلُونَ بِهَا ، وَأَكَلُوا بِغَيْرِ زَمْزَمَةٍ ، قَالَ : { وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ مِنْ الْمَجُوسِ الْجِزْيَةَ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ أَهْلِ هَجَرَ } فَهَكَذَا الْحَدِيثُ .
وَالْمَالِكِيُّونَ ، وَالْحَنَفِيُّونَ يُخَالِفُونَ عُمَرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ فِيمَا لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ : بِأَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَجُوسِ ، لِأَنَّ هَذَا هُوَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى إذْ يَقُولُ تَعَالَى : { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } .
فَهُوَ إذْ يَقُولُ تَعَالَى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } .
فَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ وَالْمَالِكِيُّونَ : لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مَجُوسِيٍّ وَبَيْنَ حَرِيمَتِهِ ، وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ كُلِّ مَنْ لَيْسَ كِتَابِيًّا مِنْ الْعَجَمِ - فَخَالَفُوا الْقُرْآنَ ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، حَيْثُ لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ وَقَلَّدُوهُ - بِزَعْمِهِمْ - حَيْثُ حَكَمَ فِيهِ بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ، مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ قُرْآنٌ ، وَلَا صَحَّتْ بِهِ سُنَّةٌ - فَهَذَا عَكْسُ الْحَقَائِقِ .
وَالزَّمْزَمَةُ - كَلَامٌ تَتَكَلَّمُ بِهِ الْمَجُوسُ عِنْدَ أَكْلِهِمْ ، لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ ، وَلَا يَحِلُّ فِي دِينِهِمْ أَكْلٌ دُونَهُ - وَهُوَ كَلَامُ تَعْظِيمٍ لِلَّهِ تَعَالَى يَتَكَلَّمُونَ بِهِ فِي أَفْوَاهِهِمْ خِلْقَةً وَشِفَاهُهُمْ مُطْبَقَةٌ ، لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ - وَلَهُمْ خَشَبَاتٌ صِغَارٌ يَسْتَعْمِلُونَهَا عِنْدَ ذَلِكَ - وَأَخِلَّةٌ يَأْكُلُونَ بِهَا - وَهَذَا حُمْقٌ مِنْهُمْ وَتَكَلُّفٌ .
وَبِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَخَذَ سَاحِرًا فَدَفَنَهُ إلَى صَدْرِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ . 415 وَهُمْ لَا يَأْخُذُونَ بِهَذَا نَفْسَهُ مِنْ حُكْمِ عُمَرَ فِي السَّاحِرِ - وَحَتَّى لَوْ الْتَزَمُوا قَوْلَ عُمَرَ كُلَّهُ لَكَانَ إذْ صَحَّ خِلَافُ عَائِشَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهَا ، وَلَا قَوْلُهَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ .
فَالْوَاجِبُ عِنْدَ التَّنَازُعِ الرُّجُوعُ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الرُّجُوعَ إلَيْهِ : مِنْ الْقُرْآنِ ، وَالسُّنَّةِ - فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِعُمَرَ فِي ذَلِكَ .
وَأَمَّا حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَتَلَ سَاحِرًا ؟ فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ السَّاحِرُ كَافِرًا أَضَرَّ بِمُسْلِمٍ فَقَتَلَهُ - وَهَكَذَا نَقُولُ .
وَأَيْضًا - فَقَدْ صَحَّ خِلَافُ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا .
فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِحَدِيثِ قَيْسٍ .
وَأَمَّا حَدِيثُ حَفْصَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ؟ فَقَدْ قُلْنَا : إنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ : فَوَجَدْنَا خَبَرَ الْحَسَنِ مُرْسَلًا ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ - وَلَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ مُتَعَلِّقٌ أَصْلًا ، لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهِ حَدُّ السَّاحِرِ : ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ ، وَلَيْسَ فِيهِ قَتْلُهُ ، وَالضَّرْبَةُ قَدْ تُخْطِئُ فَتَجْرَحُ فَقَطْ ، وَقَدْ تَقْتُلُ - فَهُمْ قَدْ خَالَفُوا هَذَا الْخَبَرَ وَأَوْجَبُوا قَتْلَهُ وَلَا بُدَّ .
وَأَمَّا خَبَرُ جُنْدُبَ فَفِي غَايَةِ السُّقُوطِ : أَوَّلُ ذَلِكَ - أَنَّهُ مُرْسَلٌ لَا يُدْرَى مِمَّنْ سَمِعَهُ أَبُو الْعَلَاءِ .
فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْآيَةُ - فَوَجَبَ النَّظَرُ فِيهَا ، فَفَعَلْنَا - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - وَابْتَدَأْنَا بِأَوَّلِهَا مِنْ قَوْله تَعَالَى : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } .
وَقَوْلُهُمْ " يُعَلِّمُونَ " بَدَلٌ مِنْ " كَفَرُوا " .
فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ - فَوَجَدْنَاهُ لَيْسَ كَمَا ظَنُّوا ، وَأَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ ، بَلْ الْقَوْلُ الظَّاهِرُ هُوَ أَنَّ الْكَلَامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى : { كَفَرُوا } وَكَمُلَتْ الْقِصَّةُ ، وَقَامَتْ بِنَفْسِهَا صَحِيحَةٌ تَامٌّ { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا } .
ثُمَّ ابْتَدَأَ تَعَالَى قِصَّةً أُخْرَى مُبْتَدَأَةً ، وَهُوَ : { يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } فَيُعَلِّمُونَ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ لَا بَدَلَ . 416 ثُمَّ لَوْ صَحَّ : أَنَّ " يُعَلِّمُونَ " بَدَلٌ مِنْ " كَفَرُوا " وَلَمْ يَحْتَمِلْ غَيْرَ ذَلِكَ أَصْلًا ، لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ أَلْبَتَّةَ ، لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حُكْمَ الشَّيَاطِينِ بَعْدَ أَيَّامِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَذَلِكَ شَرِيعَةٌ لَا تَلْزَمُنَا ، وَحُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الشَّيَاطِينِ حُكْمٌ خَارِجٌ مِنْ حُكْمِنَا ، وَكُلُّ حُكْمٍ لَمْ يَكُنْ فِي شَرِيعَتِنَا فَلَا يَلْزَمُنَا .
بَلْ قَدْ صَحَّ : أَنَّ حُكْمَ " الْجِنِّ " الْيَوْمَ فِي شَرِيعَتِنَا غَيْرُ حُكْمِنَا ، كَمَا قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُمْ الرَّوْثَ وَالْعِظَامَ طَعَامًا وَالرَّوْثُ حَرَامٌ عِنْدَنَا وَحَلَالٌ لَهُمْ ، فَكَيْفَ وَإِذَا احْتَمَلَ ظَاهِرُ الْآيَةِ مَعْنَيَيْنِ ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهَا عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، إلَّا بِبُرْهَانٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كِلَا الْوَجْهَيْنِ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا .
وَأَيْضًا - فَإِنَّ نَصَّ قَوْلِهِمْ : إنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا بِتَعْلِيمِ النَّاسِ السِّحْرَ - وَهُمْ يَزْعُمُونَ : أَنَّ الْمَلَكَيْنِ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ السِّحْرَ ، وَلَا يَكْفُرُ الْمَلَكَانِ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ ، فَقَدْ أَقَرُّوا بِاخْتِلَافِ حُكْمِ تَعْلِيمِ السِّحْرِ ، وَأَنَّهُ يَكُونُ كُفْرًا ، وَلَا يَكُونُ كُفْرًا بِذَلِكَ ، فَإِذْ قَدْ قَالُوا ذَلِكَ ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ : أَنَّ حُكْمَ السَّاحِرِ مِنْ النَّاسِ الْكُفْرُ قِيَاسًا عَلَى الشَّيَاطِينِ ، دُونَ أَنْ لَا يَكُونَ كُفْرًا قِيَاسًا عَلَى الْمَلَكَيْنِ ؟ فَكَيْفَ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ . ؟ فَصَحَّ - أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي تَكْفِيرِ السَّاحِرِ مِنْ النَّاسِ : بِأَنَّ الشَّيَاطِينَ يَكْفُرُونَ بِتَعْلِيمِهِ - هَذَا لَوْ صَحَّ لَهُمْ أَنَّ كُفْرَ الشَّيَاطِينِ لَمْ يَكُنْ إلَّا بِتَعْلِيمِهِمْ النَّاسَ السِّحْرَ خَاصَّةً - وَهَذَا لَا يَصِحُّ لَهُمْ أَبَدًا .
بَلْ قَدْ كَفَرُوا قَبْلَ ذَلِكَ ، فَكَانَ تَعْلِيمُهُمْ النَّاسَ السِّحْرَ ضَلَالًا زَائِدًا ، وَمَعْصِيَةً حَادِثَةً أُخْرَى ، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى ظَاهِرِ الْآيَةِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَالَ عَنْهُ أَلْبَتَّةَ ، إلَّا بِالدَّعْوَى الْعَارِيَّةِ مِنْ الْبُرْهَانِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
ثُمَّ صِرْنَا إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ } فَوَجَدْنَاهُمْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا فِي هَذَا الْكَلَامِ النَّهْيُ عَنْ الْكُفْرِ جُمْلَةً ، وَلَمْ يَقُولَا : فَلَا تَكْفُرْ بِتَعَلُّمِك السِّحْرِ ، وَلَا بِعِلْمِك السِّحْرَ ، هَذَا مَا لَا يُفْهَمُ مِنْ الْآيَةِ أَصْلًا .
وَهَكَذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ 417 بَعْضٍ } إنَّمَا هُوَ نَهْيٌ أَنْ يَكْفُرُوا ابْتِدَاءً ، وَعَنْ أَنْ يَرْتَدُّوا فَقَطْ ، لَا أَنَّهُمْ بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا يَكُونُونَ كُفَّارًا ، وَهَذَا بَيِّنٌ لَا خَفَاءَ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . وَكُلُّ مَنْ أُقْحِمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : أَنَّ قَوْله تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ الْقَائِلِينَ : { إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ } أَنَّ مُرَادَهُمَا لَا تَكْفُرْ بِتَعَلُّمِك مَا نُعَلِّمُك فَقَدْ كَذَبَ ، وَزَادَ فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ فِيهِ وَمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ أَصْلًا .
ثُمَّ صِرْنَا إلَى قَوْله تَعَالَى : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } فَوَجَدْنَا هَذَا أَبْعَدَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِيهِ شُبْهَةٌ يُمَوِّهُونَ بِهَا مِنْ كُلِّ مَا سَلَفَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَزَوْجِهَا لَا يَكُونُ كَافِرًا بِذَلِكَ ؟ بَلْ قَدْ وَجَدْنَا الْمَالِكِيِّينَ ، وَالْحَنَفِيِّينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ بِمَا لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ قَطُّ ، وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ ، وَالتَّخْيِيرِ ، وَالتَّمْلِيكِ وَالْعِنَانَةِ ، وَعَدَمِ النَّفَقَةِ .
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إبَاحَةُ الْحَنَفِيِّينَ لِمَنْ طَالَتْ يَدُهُ مِنْ الْفُسَّاقِ ، وَلِمَنْ قَصُرَتْ يَدُهُ مِنْهُمْ أَنْ يَأْتِيَ إلَى مَنْ عَشِقَ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْمِلَ السَّوْطَ عَلَى ظَهْرِهِ حَتَّى يَنْطِقَ بِطَلَاقِهَا مُكْرَهٌ ، فَإِذَا اعْتَدَّتْ أَكْرَهَهَا الْفَاسِقُ عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَهُ بِالسِّيَاطِ أَيْضًا ، حَتَّى تَنْطِقَ بِالرِّضَا مُكْرَهَةً ، فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ نِكَاحًا طَيِّبًا ، وَزَوَاجًا مُبَارَكًا ، وَوَطْئًا حَلَالًا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى . وَتَاللَّهِ ، مَا فِي شَرِيعَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ أَعْظَمُ إثْمًا ، وَلَا أَشْنَعُ حَرَامًا وَأَبْعَدُ مِنْ رِضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا أَدْنَى ، مِنْ رَأْيِ إبْلِيسَ ، وَمِنْ 418 الشَّيَاطِينِ ، مِنْ هَذَا التَّفْرِيقِ الَّذِي أَمْضَوْهُ ، وَأَجَازُوهُ ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ مِنْ مِثْلِ هَذَا وَشِبْهِهِ .
وَقَدْ نَجِدُ النَّمَّامَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ كَافِرًا ، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ أَنْ يُكَفِّرُوا السَّاحِرَ بِذَلِكَ ؟ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا النَّصِّ جُمْلَةً .
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي قَوْله تَعَالَى { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ } إذْ لَيْسَ كُلُّ مَا ضَرَّ الْمَرْءُ يَكُونُ بِهِ كَافِرًا ، بَلْ يَكُونُ عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى ، لَا كَافِرًا وَلَا حَلَالَ الدَّمِ .
ثُمَّ صِرْنَا إلَى قَوْله تَعَالَى { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } فَوَجَدْنَاهُمْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي تَكْفِيرِ السَّاحِرِ ، وَلَا فِي إبَاحَةِ دَمِهِ أَصْلًا ، لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ قَدْ تَكُونُ فِي مُسْلِمٍ بِإِجْمَاعِهِمْ مَعَنَا : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ نا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ نا نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخَرِ ؟ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ لِبَاسَ الْحَرِيرِ لَيْسَ كُفْرًا ، وَلَا يَحِلُّ قَتْلُ لَابِسِهِ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
فَنَظَرْنَا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ مُتَعَلِّقٌ أَصْلًا ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَلَا مِنْ السُّنَنِ الصِّحَاحِ ، وَلَا فِي السُّنَنِ الْوَاهِيَةِ ، وَلَا فِي إجْمَاعٍ ، وَلَا فِي قَوْلِ صَاحِبٍ ، وَلَا فِي قِيَاسٍ ، وَلَا نَظَرٍ ، وَلَا رَأْيٍ سَدِيدٍ يَصِحُّ ، بَلْ كُلُّ هَذِهِ الْوُجُوهِ مُبْطِلَةٌ لِقَوْلِهِمْ .
فَلَمَّا بَطَلَ قَوْلُ مَنْ رَأَى أَنْ يَقْتُلَ السَّاحِرَ جُمْلَةً ، وَقَوْلُ مَنْ ادَّعَى أَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ بِالْجُمْلَةِ : وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ : فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } .
وَقَالَ تَعَالَى { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } إلَى قَوْلِهِ : { فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } 419 وَقَالَ تَعَالَى { وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ } .
قَالَ تَعَالَى { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا } الْآيَةُ .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ } .
فَصَحَّ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ : أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ فَدَمُهُ حَرَامٌ إلَّا بِنَصٍّ ثَابِتٍ أَوْ إجْمَاعٍ مُتَيَقِّنٍ - فَنَظَرْنَا هَلْ نَجِدُ فِي السِّحْرِ نَصًّا ثَابِتًا بِتِبْيَانٍ مَا هُوَ ؟ فَوَجَدْنَا - مِنْ طَرِيق مُسْلِمٍ نا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : الشِّرْكُ بِاَللَّهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } .
فَكَانَ هَذَا بَيَانًا جَلَّيَا بِأَنَّ السِّحْرَ لَيْسَ مِنْ الشِّرْكِ ، وَلَكِنَّهُ مَعْصِيَةٌ مُوبِقَةٌ كَقَتْلِ النَّفْسِ وَشَبَهِهَا ، فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
وَصَحَّ أَنَّ السِّحْرَ لَيْسَ كُفْرًا ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كُفْرًا فَلَا يَحِلُّ قَتْلُ فَاعِلِهِ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ : كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ ، وَزِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ ، وَنَفْسٌ بِنَفْسٍ } .
فَالسَّاحِرُ لَيْسَ كَافِرًا كَمَا بَيَّنَّا ، وَلَا قَاتِلًا ، وَلَا زَانِيًا مُحْصَنًا ، وَلَا جَاءَ فِي قَتْلِهِ نَصٌّ صَحِيحٌ فَيُضَافُ إلَى هَذِهِ الثَّلَاثِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْمُحَارِبِ ، وَالْمَحْدُودِ فِي الْخَمْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
فَصَحَّ تَحْرِيمُ دَمِهِ بِيَقِينٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ .
وَوَجَدْنَا أَيْضًا - مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ 420 يَقُولُ : إنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُحِرَ حَتَّى يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ } قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنْ السِّحْرِ { فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ - أَعَلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتِهِ فِيهِ ؟ أَتَانِي رَجُلَانِ ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي ، وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلِي ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلْآخَرِ : مَا بَالُ الرَّجُلِ ؟ فَقَالَ : مَطْبُوبٌ ، قَالَ : وَمَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ : لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفُ الْيَهُودِ ، وَكَانَ مُنَافِقًا - قَالَ : وَفِيمَ ؟ قَالَ : فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ ، قَالَ : وَأَيْنَ ؟ قَالَ : فِي جُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ ، تَحْتَ رَاعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ ، قَالَ : فَأَتَى الْبِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ ، قَالَ : فَهَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي رَأَيْتُهَا ، كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ ، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ، قَالَ : فَاسْتُخْرِجَ ، فَقُلْتُ : أَفَلَا تَنَشَّرْتَ ؟ قَالَ : أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي ، وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا ؟ } قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ عَرَّفَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَحَرَهُ ، فَلَمْ يَقْتُلْهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ : أَنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا - وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ : إنَّ الْكَافِرَ إذَا أَضَرَّ بِمُسْلِمٍ وَجَبَ قَتْلُهُ ، وَبَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ ، وَأَنَّ الْمُنَافِقَ إذَا عُرِفَ وَجَبَ قَتْلُهُ ؟ قُلْنَا : إنَّنَا كَذَلِكَ نَقُولُ ، لِأَنَّ الْبُرْهَانَ قَامَ بِذَلِكَ .
وَأَمَّا الذِّمِّيُّ - إذَا أَضَرَّ بِمُسْلِمٍ ، فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } فَإِنَّمَا حُرِّمَتْ دِمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْتِزَامِ الصَّغَارِ ، فَإِذَا فَارَقُوا الصَّغَارَ فَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُمْ ، وَسَقَطَ تَحْرِيمُ دِمَائِهِمْ ، وَعَادَتْ حَلَالًا كَمَا كَانَتْ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ دِمَاءَهُمْ أَبَدًا إلَّا بِالصَّغَارِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الصِّغَارُ فَدِمَاؤُهُمْ لَمْ تَحْرُمْ ، وَهُمْ إذَا أَضَرُّوا بِمُسْلِمٍ فَلَمْ يَصْغُرْ وَهُمْ وَقَدْ أَصْغَرُوهُ ، فَدِمَاؤُهُمْ حَلَالٌ .
وَأَمَّا الْمُنَافِقُ - فَإِذَا عُرِفَ أَنَّهُ كَافِرٌ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَافْتَلُوهُ } فَهَذَا الْمُنَافِقُ أَوْ الْيَهُودِيُّ ، نَحْنُ عَلَى يَقِينٍ لَا مِرْيَةَ فِيهِ : أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ بِقَتْلِ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ ، وَلَا بِقَتْلِ مَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ الصَّغَارَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ . 421
بُرْهَانُ ذَلِكَ - لَا يَشُكُّ أَنَّهُ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِقْدَارُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَعَمَّدُ عِصْيَانَ رَبِّهِ ، فَلَوْ أَمَرَهُ رَبُّهُ تَعَالَى بِقَتْلِهِمْ لَأَنْفَذَ ذَلِكَ ، فَإِذْ لَمْ يَقْتُلْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَبِيَقِينٍ نَقْطَعُ وَنَبُتُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ بِقَتْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَا لَمْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ مَعَ الصَّغَارِ ، وَقَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِقَتْلِ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ .
فَإِنْ قَالُوا : قُولُوا كَذَلِكَ فِي السَّاحِرِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، هَكَذَا نَقُولُ ، وَهُوَ أَنَّ السَّاحِرَ بِهَذَا الْخَبَرِ حَرَامُ الدَّمِ ، وَكَذَلِكَ الْيَهُودِيُّ يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِ ، فَكَيْفَ بِسَيِّدِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ مَنْ أَعْلَنَ الْإِسْلَامَ وَأَسَرَّ الْكُفْرَ .
ثُمَّ صَحَّ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِتَحْرِيمِ دِمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْجِزْيَةِ مَعَ الصَّغَارِ ، وَإِبَاحَتِهَا بِعَدَمِ ذَلِكَ - وَصَحَّ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ ، فَصِرْنَا إلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَأْتِ أَمْرٌ صَحِيحٌ بِقَتْلِ السَّاحِرِ ، فَبَقِيَ عَلَى تَحْرِيمِ الدَّمِ - فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُنَا : إنْ كَانَ الْكَلَامُ الَّذِي يُسْحَرُ بِهِ كُفْرًا فَالسَّاحِرُ مُرْتَدٌّ ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ كُفْرًا فَلَا يُقْتَلُ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ كَافِرًا .
وَذَكَرَ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي ذَلِكَ أَشْيَاءَ : كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، قَالَ : إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى جُزَيِّ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ - وَكَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - أَنْ اُقْتُلْ كُلَّ سَاحِرٍ ، وَكَانَ بَجَالَةُ كَاتِبَ جُزَيٍّ ، قَالَ بَجَالَةُ : فَأَرْسَلْنَا فَوَجَدْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ ، فَضَرَبْنَا أَعْنَاقَهُنَّ .
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : إنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ قَتَلَ سَاحِرًا
وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ جَارِيَةً لِحَفْصَةَ سَحَرَتْهَا فَاعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ فَأَمَرَتْ بِهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ فَقَتَلَهَا ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا عُثْمَانُ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ : مَا تُنْكِرُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ امْرَأَةٌ سَحَرَتْ وَاعْتَرَفَتْ ؟ فَسَكَتَ عُثْمَانُ . 411
وَعَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ حَفْصَةَ سُحِرَتْ فَأَمَرَتْ عُبَيْدَ اللَّهِ أَخَاهَا فَقَتَلَ سَاحِرَتَيْنِ ، وَعَنْ الْعَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ أَبُو صَفْوَانَ قَالَ : رَأَيْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى جِدَارِ بَيْتٍ لِبَنِي أَخٍ لَهُ يَتَامَى ، أَتَاهُ غِلْمَةٌ أَرْبَعَةٌ ، وَمَعَهُمْ غُلَامٌ هُوَ أَشَفُّ مِنْهُمْ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عُمَرَ اُنْظُرْ مَا يَصْنَعُ هَذَا ؟ قَالَ : وَمَاذَا يَصْنَعُ ؟ قَالَ : فَسَلْ خَيْطًا مِنْ ثَوْبِهِ فَقَطَعَهُ - وَسَالِمٌ يَنْظُرُ إلَيْهِ - فَجَمَعَهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ ثُمَّ تَفَلَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ مَدَّهُ ، فَإِذَا هُوَ صَحِيحٌ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، فَسَمِعْت سَالِمًا يَقُولُ : لَوْ كَانَ لِي مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ لَصَلَبْتُهُ .
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْمُهَاجِرِ بْنِ خَالِدٍ قَتَلَ نَبَطِيًّا سَحَرَ - يَعْنِي ذِمِّيًّا .
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، قَالَ : إنَّ غُلَامًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَذَ سَاحِرَةً فَأَلْقَاهَا فِي الْمَاءِ فَطَفَتْ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْك أَنْ تُلْقِيهَا فِي الْمَاءِ ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَاقْتُلْهَا .
وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : يُقْتَلُ سَاحِرُ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يُقْتَلُ سَاحِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سَحَرَهُ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ : ابْنُ أَعْصَمَ ، وَامْرَأَةٌ مِنْ خَيْبَرَ يُقَالُ لَهَا : زَيْنَبُ ، فَلَمْ يَقْتُلْهُمَا ؟ }
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَهَؤُلَاءِ - عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَحَفْصَةُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَاهُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَهُ ، وَعُثْمَانُ ، وَقَيْسُ بْنُ رَبِيعَةَ .
وَمِنْ التَّابِعِينَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَخَالِدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ .
وَأَمَّا مَنْ خَالَفَ هَذَا : فَكَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - هُوَ أَبُو الرِّجَالِ - عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَعْتَقَتْ جَارِيَةً لَهَا عَنْ دُبُرٍ ، وَأَنَّهَا سَحَرَتْهَا وَاعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ ، وَقَالَتْ : أَحْبَبْت الْعِتْقَ ، فَأَمَرَتْ بِهَا عَائِشَةُ ابْنَ أَخِيهَا أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ الْأَعْرَابِ مِمَّنْ يُسِيءُ مَلْكَتِهَا ، وَقَالَتْ : ابْتَعْ بِثَمَنِهَا رَقَبَةً فَأَعْتِقْهَا .
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ 412 أَبِي الرِّجَالِ عَنْ عَمْرَةَ ، قَالَتْ : مَرِضَتْ عَائِشَةُ فَطَالَ مَرَضُهَا ، فَذَهَبَ بَنُو أَخِيهَا إلَى رَجُلٍ ، فَذَكَرُوا لَهُ مَرَضَهَا ؟ فَقَالَ : إنَّكُمْ لِتُخْبِرُونِي خَبَرَ امْرَأَةٍ مَطْبُوبَةٍ ، فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ ، فَإِذَا جَارِيَةٌ لَهَا قَدْ سَحَرَتْهَا وَكَانَتْ قَدْ دَبَّرَتْهَا ، فَقَالَتْ لَهَا : مَا أَرَدْتِ مِنِّي ؟ قَالَتْ : أَرَدْتُ أَنْ تَمُوتِي حَتَّى أَعْتِقَ ، قَالَتْ : فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ تُبَاعَ مِنْ أَشَدِّ الْعَرَبِ مَلِكَةً ، فَبَاعَتْهَا ، وَأَمَرَتْ بِثَمَنِهَا أَنْ يُجْعَلَ فِي مِثْلِهَا .
وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَطَاءٍ أَنَّ رَجُلًا عَبْدًا سَحَرَ جَارِيَةً عَرَبِيَّةً ، وَكَانَتْ تَتْبَعُهُ ، فَرَفَعَ إلَى عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ - وَكَانَ عَامِلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : أَنْ يَبِيعَهُ بِغَيْرِ أَرْضِهَا وَأَرْضِهِ ، ثُمَّ ادْفَعْ ثَمَنَهُ إلَيْهَا - وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنْكَارَ قَتْلِ السَّاحِرِ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ ، فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مِنْ رَأَى قَتْلَ السَّاحِرَ ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } الْآيَةُ قَالُوا : فَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى السَّحَرَ كُفْرًا بِقَوْلِهِ : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } .
قَالَ : " فَيُعَلِّمُونَ " بَدَلٌ مِنْ " كَفَرُوا " فَتَعْلِيمُ السِّحْرِ كُفْرٌ .
وَأَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ } .
وَأَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ } .
وَبِقَوْلِهِ { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } .
وَذَكَرُوا - مَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ } . 413
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ تَعَلَّمَ السِّحْرَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا كَانَ آخِرَ عَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ } .
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ جُهَيْمٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَانَبَ عُقْبَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَنَزَلَ ، فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ : جُنْدُبُ وَمَا جُنْدُبُ وَالْأَقْطَعُ الْخَبَرُ الْخَبَرُ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ أَصْحَابُهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَيْنَا رَاجِزًا أَحْسَنَ رَجَزًا مِنْكَ اللَّيْلَةِ ، فَمَا جُنْدُبُ ، وَالْأَقْطَعُ ؟ قَالَ : أَمَّا جُنْدُبُ فَرَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي يَضْرِبُ ضَرْبَةً يُبْعَثُ بِهَا أُمَّةً وَحْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَمَّا الْأَقْطَعُ فَرَجُلٌ تُقْطَعُ يَدُهُ فَتُدْخَلُ الْجَنَّةَ قَبْلَ جَسَدِهِ بِبُرْهَةٍ مِنْ الدَّهْرِ } .
فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْأَقْطَعَ ، زَيْدَ بْنَ صُوحَانَ ، قُطِعَتْ يَدُهُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ قَبْلَ يَوْمِ الْجَمَلِ مَعَ عَلِيٍّ - وَأَمَّا جُنْدُبُ ، فَهُوَ الَّذِي قَتَلَ السَّاحِرَ .
وَقَالَ : نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا أَبُو عِمْرَانَ - هُوَ الْجَوْنِيُّ - أَنَّ سَاحِرًا كَانَ عِنْدَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فَجَعَلَ يَدْخُلُ فِي بَقَرَةٍ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا ، فَرَآهُ جُنْدُبٌ ، فَذَهَبَ إلَى بَيْتِهِ فَالْتَفَعَ عَلَى سَيْفِهِ ، فَلَمَّا دَخَلَ السَّاحِرُ جَوْفَ الْبَقَرَةِ ضَرَبَهُمَا ، قَالَ { أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } فَانْدَفَعَ النَّاسُ وَتَفَرَّقُوا وَقَالُوا : حَرُورِي ، فَسَجَنَهُ الْوَلِيدُ ، وَكَتَبَ بِهِ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَكَانَ يُفْتَحُ لَهُ بِاللَّيْلِ فَيَذْهَبُ إلَى أَهْلِهِ ، فَإِذَا أَصْبَحَ رَجَعَ إلَى السِّجْنِ - قَالَ : فَيَرَوْنَ أَنَّ جُنْدُبًا صَاحِبَ الضَّرْبَةِ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَيْئًا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا ، قَدْ تَقَصَّيْنَاهُ لَهُمْ غَايَةَ التَّقَصِّي ، وَأَتَيْنَا بِمَا لَمْ نَذْكُرْهُ أَيْضًا ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى مَا نُبَيِّنُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ : أَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ : 414 أَمَّا قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْهُ أَخَذُوا مَا اشْتَهَوْا مِنْهُ ، وَتَرَكُوا سَائِرَهُ ، وَهُوَ خَبَرٌ : نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : سَمِعْت بَجَالَةَ كَاتِبَ جُزَيٍّ يُحَدِّثُ أَبَا الشَّعْثَاءِ ، وَعَمْرَو بْنَ أَوْسٍ عَنْ صِفَةِ زَمْزَمَ فِي إمَارَةِ الْمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : كُنْتُ كَاتِبًا لِجُزَيٍّ - عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ - فَأَتَى كِتَابُ عُمَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ ، بِسَنَةٍ : اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَجُوسِ ، وَانْهَهُمْ عَنْ الزَّمْزَمَةِ ، قَالَ : فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ ، قَالَ : وَصَنَعَ طَعَامًا كَثِيرًا وَعَرَضَ السَّيْفَ ، ثُمَّ دَعَا الْمَجُوسَ فَأَلْقَوْا وِقْرَ بَغْلٍ ، أَوْ بَغْلَيْنِ مِنْ وَرِقِ أَخِلَّةً ، كَانُوا يَأْكُلُونَ بِهَا ، وَأَكَلُوا بِغَيْرِ زَمْزَمَةٍ ، قَالَ : { وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ مِنْ الْمَجُوسِ الْجِزْيَةَ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ أَهْلِ هَجَرَ } فَهَكَذَا الْحَدِيثُ .
وَالْمَالِكِيُّونَ ، وَالْحَنَفِيُّونَ يُخَالِفُونَ عُمَرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ فِيمَا لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ : بِأَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَجُوسِ ، لِأَنَّ هَذَا هُوَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى إذْ يَقُولُ تَعَالَى : { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } .
فَهُوَ إذْ يَقُولُ تَعَالَى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } .
فَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ وَالْمَالِكِيُّونَ : لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مَجُوسِيٍّ وَبَيْنَ حَرِيمَتِهِ ، وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ كُلِّ مَنْ لَيْسَ كِتَابِيًّا مِنْ الْعَجَمِ - فَخَالَفُوا الْقُرْآنَ ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، حَيْثُ لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ وَقَلَّدُوهُ - بِزَعْمِهِمْ - حَيْثُ حَكَمَ فِيهِ بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ، مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ قُرْآنٌ ، وَلَا صَحَّتْ بِهِ سُنَّةٌ - فَهَذَا عَكْسُ الْحَقَائِقِ .
وَالزَّمْزَمَةُ - كَلَامٌ تَتَكَلَّمُ بِهِ الْمَجُوسُ عِنْدَ أَكْلِهِمْ ، لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ ، وَلَا يَحِلُّ فِي دِينِهِمْ أَكْلٌ دُونَهُ - وَهُوَ كَلَامُ تَعْظِيمٍ لِلَّهِ تَعَالَى يَتَكَلَّمُونَ بِهِ فِي أَفْوَاهِهِمْ خِلْقَةً وَشِفَاهُهُمْ مُطْبَقَةٌ ، لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ - وَلَهُمْ خَشَبَاتٌ صِغَارٌ يَسْتَعْمِلُونَهَا عِنْدَ ذَلِكَ - وَأَخِلَّةٌ يَأْكُلُونَ بِهَا - وَهَذَا حُمْقٌ مِنْهُمْ وَتَكَلُّفٌ .
وَبِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَخَذَ سَاحِرًا فَدَفَنَهُ إلَى صَدْرِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ . 415 وَهُمْ لَا يَأْخُذُونَ بِهَذَا نَفْسَهُ مِنْ حُكْمِ عُمَرَ فِي السَّاحِرِ - وَحَتَّى لَوْ الْتَزَمُوا قَوْلَ عُمَرَ كُلَّهُ لَكَانَ إذْ صَحَّ خِلَافُ عَائِشَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهَا ، وَلَا قَوْلُهَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ .
فَالْوَاجِبُ عِنْدَ التَّنَازُعِ الرُّجُوعُ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الرُّجُوعَ إلَيْهِ : مِنْ الْقُرْآنِ ، وَالسُّنَّةِ - فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِعُمَرَ فِي ذَلِكَ .
وَأَمَّا حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَتَلَ سَاحِرًا ؟ فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ السَّاحِرُ كَافِرًا أَضَرَّ بِمُسْلِمٍ فَقَتَلَهُ - وَهَكَذَا نَقُولُ .
وَأَيْضًا - فَقَدْ صَحَّ خِلَافُ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا .
فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِحَدِيثِ قَيْسٍ .
وَأَمَّا حَدِيثُ حَفْصَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ؟ فَقَدْ قُلْنَا : إنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ : فَوَجَدْنَا خَبَرَ الْحَسَنِ مُرْسَلًا ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ - وَلَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ مُتَعَلِّقٌ أَصْلًا ، لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهِ حَدُّ السَّاحِرِ : ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ ، وَلَيْسَ فِيهِ قَتْلُهُ ، وَالضَّرْبَةُ قَدْ تُخْطِئُ فَتَجْرَحُ فَقَطْ ، وَقَدْ تَقْتُلُ - فَهُمْ قَدْ خَالَفُوا هَذَا الْخَبَرَ وَأَوْجَبُوا قَتْلَهُ وَلَا بُدَّ .
وَأَمَّا خَبَرُ جُنْدُبَ فَفِي غَايَةِ السُّقُوطِ : أَوَّلُ ذَلِكَ - أَنَّهُ مُرْسَلٌ لَا يُدْرَى مِمَّنْ سَمِعَهُ أَبُو الْعَلَاءِ .
فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْآيَةُ - فَوَجَبَ النَّظَرُ فِيهَا ، فَفَعَلْنَا - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - وَابْتَدَأْنَا بِأَوَّلِهَا مِنْ قَوْله تَعَالَى : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } .
وَقَوْلُهُمْ " يُعَلِّمُونَ " بَدَلٌ مِنْ " كَفَرُوا " .
فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ - فَوَجَدْنَاهُ لَيْسَ كَمَا ظَنُّوا ، وَأَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ ، بَلْ الْقَوْلُ الظَّاهِرُ هُوَ أَنَّ الْكَلَامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى : { كَفَرُوا } وَكَمُلَتْ الْقِصَّةُ ، وَقَامَتْ بِنَفْسِهَا صَحِيحَةٌ تَامٌّ { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا } .
ثُمَّ ابْتَدَأَ تَعَالَى قِصَّةً أُخْرَى مُبْتَدَأَةً ، وَهُوَ : { يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } فَيُعَلِّمُونَ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ لَا بَدَلَ . 416 ثُمَّ لَوْ صَحَّ : أَنَّ " يُعَلِّمُونَ " بَدَلٌ مِنْ " كَفَرُوا " وَلَمْ يَحْتَمِلْ غَيْرَ ذَلِكَ أَصْلًا ، لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ أَلْبَتَّةَ ، لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حُكْمَ الشَّيَاطِينِ بَعْدَ أَيَّامِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَذَلِكَ شَرِيعَةٌ لَا تَلْزَمُنَا ، وَحُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الشَّيَاطِينِ حُكْمٌ خَارِجٌ مِنْ حُكْمِنَا ، وَكُلُّ حُكْمٍ لَمْ يَكُنْ فِي شَرِيعَتِنَا فَلَا يَلْزَمُنَا .
بَلْ قَدْ صَحَّ : أَنَّ حُكْمَ " الْجِنِّ " الْيَوْمَ فِي شَرِيعَتِنَا غَيْرُ حُكْمِنَا ، كَمَا قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُمْ الرَّوْثَ وَالْعِظَامَ طَعَامًا وَالرَّوْثُ حَرَامٌ عِنْدَنَا وَحَلَالٌ لَهُمْ ، فَكَيْفَ وَإِذَا احْتَمَلَ ظَاهِرُ الْآيَةِ مَعْنَيَيْنِ ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهَا عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، إلَّا بِبُرْهَانٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كِلَا الْوَجْهَيْنِ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا .
وَأَيْضًا - فَإِنَّ نَصَّ قَوْلِهِمْ : إنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا بِتَعْلِيمِ النَّاسِ السِّحْرَ - وَهُمْ يَزْعُمُونَ : أَنَّ الْمَلَكَيْنِ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ السِّحْرَ ، وَلَا يَكْفُرُ الْمَلَكَانِ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ ، فَقَدْ أَقَرُّوا بِاخْتِلَافِ حُكْمِ تَعْلِيمِ السِّحْرِ ، وَأَنَّهُ يَكُونُ كُفْرًا ، وَلَا يَكُونُ كُفْرًا بِذَلِكَ ، فَإِذْ قَدْ قَالُوا ذَلِكَ ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ : أَنَّ حُكْمَ السَّاحِرِ مِنْ النَّاسِ الْكُفْرُ قِيَاسًا عَلَى الشَّيَاطِينِ ، دُونَ أَنْ لَا يَكُونَ كُفْرًا قِيَاسًا عَلَى الْمَلَكَيْنِ ؟ فَكَيْفَ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ . ؟ فَصَحَّ - أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي تَكْفِيرِ السَّاحِرِ مِنْ النَّاسِ : بِأَنَّ الشَّيَاطِينَ يَكْفُرُونَ بِتَعْلِيمِهِ - هَذَا لَوْ صَحَّ لَهُمْ أَنَّ كُفْرَ الشَّيَاطِينِ لَمْ يَكُنْ إلَّا بِتَعْلِيمِهِمْ النَّاسَ السِّحْرَ خَاصَّةً - وَهَذَا لَا يَصِحُّ لَهُمْ أَبَدًا .
بَلْ قَدْ كَفَرُوا قَبْلَ ذَلِكَ ، فَكَانَ تَعْلِيمُهُمْ النَّاسَ السِّحْرَ ضَلَالًا زَائِدًا ، وَمَعْصِيَةً حَادِثَةً أُخْرَى ، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى ظَاهِرِ الْآيَةِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَالَ عَنْهُ أَلْبَتَّةَ ، إلَّا بِالدَّعْوَى الْعَارِيَّةِ مِنْ الْبُرْهَانِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
ثُمَّ صِرْنَا إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ } فَوَجَدْنَاهُمْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا فِي هَذَا الْكَلَامِ النَّهْيُ عَنْ الْكُفْرِ جُمْلَةً ، وَلَمْ يَقُولَا : فَلَا تَكْفُرْ بِتَعَلُّمِك السِّحْرِ ، وَلَا بِعِلْمِك السِّحْرَ ، هَذَا مَا لَا يُفْهَمُ مِنْ الْآيَةِ أَصْلًا .
وَهَكَذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ 417 بَعْضٍ } إنَّمَا هُوَ نَهْيٌ أَنْ يَكْفُرُوا ابْتِدَاءً ، وَعَنْ أَنْ يَرْتَدُّوا فَقَطْ ، لَا أَنَّهُمْ بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا يَكُونُونَ كُفَّارًا ، وَهَذَا بَيِّنٌ لَا خَفَاءَ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . وَكُلُّ مَنْ أُقْحِمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : أَنَّ قَوْله تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ الْقَائِلِينَ : { إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ } أَنَّ مُرَادَهُمَا لَا تَكْفُرْ بِتَعَلُّمِك مَا نُعَلِّمُك فَقَدْ كَذَبَ ، وَزَادَ فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ فِيهِ وَمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ أَصْلًا .
ثُمَّ صِرْنَا إلَى قَوْله تَعَالَى : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } فَوَجَدْنَا هَذَا أَبْعَدَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِيهِ شُبْهَةٌ يُمَوِّهُونَ بِهَا مِنْ كُلِّ مَا سَلَفَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَزَوْجِهَا لَا يَكُونُ كَافِرًا بِذَلِكَ ؟ بَلْ قَدْ وَجَدْنَا الْمَالِكِيِّينَ ، وَالْحَنَفِيِّينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ بِمَا لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ قَطُّ ، وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ ، وَالتَّخْيِيرِ ، وَالتَّمْلِيكِ وَالْعِنَانَةِ ، وَعَدَمِ النَّفَقَةِ .
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إبَاحَةُ الْحَنَفِيِّينَ لِمَنْ طَالَتْ يَدُهُ مِنْ الْفُسَّاقِ ، وَلِمَنْ قَصُرَتْ يَدُهُ مِنْهُمْ أَنْ يَأْتِيَ إلَى مَنْ عَشِقَ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْمِلَ السَّوْطَ عَلَى ظَهْرِهِ حَتَّى يَنْطِقَ بِطَلَاقِهَا مُكْرَهٌ ، فَإِذَا اعْتَدَّتْ أَكْرَهَهَا الْفَاسِقُ عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَهُ بِالسِّيَاطِ أَيْضًا ، حَتَّى تَنْطِقَ بِالرِّضَا مُكْرَهَةً ، فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ نِكَاحًا طَيِّبًا ، وَزَوَاجًا مُبَارَكًا ، وَوَطْئًا حَلَالًا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى . وَتَاللَّهِ ، مَا فِي شَرِيعَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ أَعْظَمُ إثْمًا ، وَلَا أَشْنَعُ حَرَامًا وَأَبْعَدُ مِنْ رِضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا أَدْنَى ، مِنْ رَأْيِ إبْلِيسَ ، وَمِنْ 418 الشَّيَاطِينِ ، مِنْ هَذَا التَّفْرِيقِ الَّذِي أَمْضَوْهُ ، وَأَجَازُوهُ ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ مِنْ مِثْلِ هَذَا وَشِبْهِهِ .
وَقَدْ نَجِدُ النَّمَّامَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ كَافِرًا ، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ أَنْ يُكَفِّرُوا السَّاحِرَ بِذَلِكَ ؟ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا النَّصِّ جُمْلَةً .
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي قَوْله تَعَالَى { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ } إذْ لَيْسَ كُلُّ مَا ضَرَّ الْمَرْءُ يَكُونُ بِهِ كَافِرًا ، بَلْ يَكُونُ عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى ، لَا كَافِرًا وَلَا حَلَالَ الدَّمِ .
ثُمَّ صِرْنَا إلَى قَوْله تَعَالَى { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } فَوَجَدْنَاهُمْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي تَكْفِيرِ السَّاحِرِ ، وَلَا فِي إبَاحَةِ دَمِهِ أَصْلًا ، لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ قَدْ تَكُونُ فِي مُسْلِمٍ بِإِجْمَاعِهِمْ مَعَنَا : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ نا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ نا نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخَرِ ؟ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ لِبَاسَ الْحَرِيرِ لَيْسَ كُفْرًا ، وَلَا يَحِلُّ قَتْلُ لَابِسِهِ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
فَنَظَرْنَا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ مُتَعَلِّقٌ أَصْلًا ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَلَا مِنْ السُّنَنِ الصِّحَاحِ ، وَلَا فِي السُّنَنِ الْوَاهِيَةِ ، وَلَا فِي إجْمَاعٍ ، وَلَا فِي قَوْلِ صَاحِبٍ ، وَلَا فِي قِيَاسٍ ، وَلَا نَظَرٍ ، وَلَا رَأْيٍ سَدِيدٍ يَصِحُّ ، بَلْ كُلُّ هَذِهِ الْوُجُوهِ مُبْطِلَةٌ لِقَوْلِهِمْ .
فَلَمَّا بَطَلَ قَوْلُ مَنْ رَأَى أَنْ يَقْتُلَ السَّاحِرَ جُمْلَةً ، وَقَوْلُ مَنْ ادَّعَى أَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ بِالْجُمْلَةِ : وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ : فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } .
وَقَالَ تَعَالَى { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } إلَى قَوْلِهِ : { فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } 419 وَقَالَ تَعَالَى { وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ } .
قَالَ تَعَالَى { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا } الْآيَةُ .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ } .
فَصَحَّ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ : أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ فَدَمُهُ حَرَامٌ إلَّا بِنَصٍّ ثَابِتٍ أَوْ إجْمَاعٍ مُتَيَقِّنٍ - فَنَظَرْنَا هَلْ نَجِدُ فِي السِّحْرِ نَصًّا ثَابِتًا بِتِبْيَانٍ مَا هُوَ ؟ فَوَجَدْنَا - مِنْ طَرِيق مُسْلِمٍ نا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : الشِّرْكُ بِاَللَّهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } .
فَكَانَ هَذَا بَيَانًا جَلَّيَا بِأَنَّ السِّحْرَ لَيْسَ مِنْ الشِّرْكِ ، وَلَكِنَّهُ مَعْصِيَةٌ مُوبِقَةٌ كَقَتْلِ النَّفْسِ وَشَبَهِهَا ، فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
وَصَحَّ أَنَّ السِّحْرَ لَيْسَ كُفْرًا ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كُفْرًا فَلَا يَحِلُّ قَتْلُ فَاعِلِهِ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ : كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ ، وَزِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ ، وَنَفْسٌ بِنَفْسٍ } .
فَالسَّاحِرُ لَيْسَ كَافِرًا كَمَا بَيَّنَّا ، وَلَا قَاتِلًا ، وَلَا زَانِيًا مُحْصَنًا ، وَلَا جَاءَ فِي قَتْلِهِ نَصٌّ صَحِيحٌ فَيُضَافُ إلَى هَذِهِ الثَّلَاثِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْمُحَارِبِ ، وَالْمَحْدُودِ فِي الْخَمْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
فَصَحَّ تَحْرِيمُ دَمِهِ بِيَقِينٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ .
وَوَجَدْنَا أَيْضًا - مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ 420 يَقُولُ : إنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُحِرَ حَتَّى يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ } قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنْ السِّحْرِ { فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ - أَعَلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتِهِ فِيهِ ؟ أَتَانِي رَجُلَانِ ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي ، وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلِي ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلْآخَرِ : مَا بَالُ الرَّجُلِ ؟ فَقَالَ : مَطْبُوبٌ ، قَالَ : وَمَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ : لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفُ الْيَهُودِ ، وَكَانَ مُنَافِقًا - قَالَ : وَفِيمَ ؟ قَالَ : فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ ، قَالَ : وَأَيْنَ ؟ قَالَ : فِي جُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ ، تَحْتَ رَاعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ ، قَالَ : فَأَتَى الْبِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ ، قَالَ : فَهَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي رَأَيْتُهَا ، كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ ، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ، قَالَ : فَاسْتُخْرِجَ ، فَقُلْتُ : أَفَلَا تَنَشَّرْتَ ؟ قَالَ : أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي ، وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا ؟ } قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ عَرَّفَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَحَرَهُ ، فَلَمْ يَقْتُلْهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ : أَنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا - وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ : إنَّ الْكَافِرَ إذَا أَضَرَّ بِمُسْلِمٍ وَجَبَ قَتْلُهُ ، وَبَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ ، وَأَنَّ الْمُنَافِقَ إذَا عُرِفَ وَجَبَ قَتْلُهُ ؟ قُلْنَا : إنَّنَا كَذَلِكَ نَقُولُ ، لِأَنَّ الْبُرْهَانَ قَامَ بِذَلِكَ .
وَأَمَّا الذِّمِّيُّ - إذَا أَضَرَّ بِمُسْلِمٍ ، فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } فَإِنَّمَا حُرِّمَتْ دِمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْتِزَامِ الصَّغَارِ ، فَإِذَا فَارَقُوا الصَّغَارَ فَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُمْ ، وَسَقَطَ تَحْرِيمُ دِمَائِهِمْ ، وَعَادَتْ حَلَالًا كَمَا كَانَتْ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ دِمَاءَهُمْ أَبَدًا إلَّا بِالصَّغَارِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الصِّغَارُ فَدِمَاؤُهُمْ لَمْ تَحْرُمْ ، وَهُمْ إذَا أَضَرُّوا بِمُسْلِمٍ فَلَمْ يَصْغُرْ وَهُمْ وَقَدْ أَصْغَرُوهُ ، فَدِمَاؤُهُمْ حَلَالٌ .
وَأَمَّا الْمُنَافِقُ - فَإِذَا عُرِفَ أَنَّهُ كَافِرٌ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَافْتَلُوهُ } فَهَذَا الْمُنَافِقُ أَوْ الْيَهُودِيُّ ، نَحْنُ عَلَى يَقِينٍ لَا مِرْيَةَ فِيهِ : أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ بِقَتْلِ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ ، وَلَا بِقَتْلِ مَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ الصَّغَارَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ . 421
بُرْهَانُ ذَلِكَ - لَا يَشُكُّ أَنَّهُ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِقْدَارُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَعَمَّدُ عِصْيَانَ رَبِّهِ ، فَلَوْ أَمَرَهُ رَبُّهُ تَعَالَى بِقَتْلِهِمْ لَأَنْفَذَ ذَلِكَ ، فَإِذْ لَمْ يَقْتُلْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَبِيَقِينٍ نَقْطَعُ وَنَبُتُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ بِقَتْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَا لَمْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ مَعَ الصَّغَارِ ، وَقَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِقَتْلِ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ .
فَإِنْ قَالُوا : قُولُوا كَذَلِكَ فِي السَّاحِرِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، هَكَذَا نَقُولُ ، وَهُوَ أَنَّ السَّاحِرَ بِهَذَا الْخَبَرِ حَرَامُ الدَّمِ ، وَكَذَلِكَ الْيَهُودِيُّ يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِ ، فَكَيْفَ بِسَيِّدِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ مَنْ أَعْلَنَ الْإِسْلَامَ وَأَسَرَّ الْكُفْرَ .
ثُمَّ صَحَّ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِتَحْرِيمِ دِمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْجِزْيَةِ مَعَ الصَّغَارِ ، وَإِبَاحَتِهَا بِعَدَمِ ذَلِكَ - وَصَحَّ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ ، فَصِرْنَا إلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَأْتِ أَمْرٌ صَحِيحٌ بِقَتْلِ السَّاحِرِ ، فَبَقِيَ عَلَى تَحْرِيمِ الدَّمِ - فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith