تحفة المحتاج في شرح المنهاج
تحفة المحتاج في شرح المنهاج · الجزء العاشر
حاشية ابن قاسم
44 فَصْلٌ )
حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ التَّمْرَةَ إلَخْ . ( قَوْلُهُ : حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ التَّمْرَةَ إلَخْ ) قَالَ فِي الرَّوْضِ : أَوْ حَلَفَ لَأَشْرَبَنَّ مِنْهُ أَيْ مِنْ مَاءِ هَذَا الْكُوزِ فَصَبَّهُ فِي مَاءٍ وَشَرِبَ مِنْهُ بَرَّ إنْ عَلِمَ وُصُولَهُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ شَرِبَ مِنْ مَاءِ الْكُوزِ وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ ، وَاَلَّذِي فِي الْأَصْلِ : وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْهُ فَصَبَّهُ فِي مَاءٍ وَشَرِبَ مِنْهُ حَنِثَ قَالَ : وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ هَذِهِ الْبَقَرَةِ فَخَلَطَهُ بِلَبَنِ غَيْرِهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ التَّمْرَةَ فَخَلَطَهَا بِصُبْرَةٍ إلَّا بِأَكْلِ جَمِيعِ الصُّبْرَةِ ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ . ا هـ . مَا فِي شَرْحِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الرَّوْضُ أَوَّلًا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ أَصْلِهِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْهُ فَصَبَّهُ فِي مَاءٍ وَشَرِبَ مِنْهُ حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَنِثَ لِصِدْقِ الشُّرْبِ مِنْهُ وَإِذَا صَدَقَ الشُّرْبُ مِنْهُ لَزِمَ الْبِرُّ بِالشُّرْبِ مِنْهُ بَعْدَ الصَّبِّ فِي حَلِفِهِ لَأَشْرَبَنَّ مِنْهُ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ تَقْيِيدَ الرَّوْضِ بِقَوْلِهِ إنْ عَلِمَ إلَخْ مَسْكُوتٌ عَنْهُ فِي مَفْهُومِ الْأَصْلِ 45 فَلْيُتَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ : لَكِنْ رَجَّحَ إلَخْ ) اُنْظُرْهُ فِي الثَّانِيَةِ ( قَوْلُهُ : وَبِدُونِهَا لِنَفْيِ الْمَجْمُوعِ ) قَالَ فِي الْمُغْنِي فِي الْكَلَامِ عَلَى أَقْسَامِ الْعَطْفِ : تَنْبِيهٌ لَا تَأْكُلْ سَمَكًا وَتَشْرَبْ لَبَنًا إنْ جَزَمْت فَالْعَطْفُ عَلَى اللَّفْظِ وَالنَّهْيُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا . ا هـ .
قَالَ الدَّمَامِينِيُّ كَذَا قَالَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا وَلِي فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا مُوجِبَ لِتَعَيُّنِ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنْ الْجَمِيعِ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالُوا : إذَا قُلْت مَا جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو اُحْتُمِلَ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَنْ يُرَادَ نَفْيُ اجْتِمَاعِهِمَا فِي وَقْتِ الْمَجِيءِ فَإِذَا جِيءَ بِلَا صَارَ الْكَلَامُ نَصًّا فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ ، وَلَا يُرْتَابُ فِي أَنَّكَ إذَا قُلْت لَا تَضْرِبْ زَيْدًا وَعَمْرًا اُحْتُمِلَ تَعَلُّقُ النَّهْيِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مُطْلَقًا وَتَعَلُّقُهُ بِهِمَا عَلَى مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ . ا هـ . قَالَ الشُّمُنِّيُّ : يَرْتَفِعُ هَذَا النَّظَرُ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ : وَالنَّهْيُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَيْ : ظَاهِرًا فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ احْتِمَالُ النَّهْيِ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا . ا هـ . فَأَنْتَ تَرَى كَلَامَ الثَّلَاثَةِ يُفِيدُ احْتِمَالَ الْمَعْنَيَيْنِ عِنْدَ النُّحَاةِ وَكَلَامُ الْمُغْنِي وَالشُّمُنِّيِّ يُفِيدُ أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي نَفْيِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَانْظُرْ مَعَ ذَلِكَ جَزْمَهُ عَنْ النُّحَاةِ بِقَوْلِهِ وَبِدُونِهَا لِنَفْيِ الْمَجْمُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( قَوْلُهُ : حَتَّى تَتَعَدَّدَ الْيَمِينُ ) وَفَائِدَةُ تَعَدُّدِهَا فِي الْإِثْبَاتِ تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ إذَا انْتَفَى الْبِرُّ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّ أَوْ إذَا دَخَلَتْ بَيْنَ نَفْيَيْنِ اقْتَضَتْ إلَخْ ) اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي قَرَّرَهُ الرَّضِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْعَطْفَ 46 بِأَوْ بَعْدَ النَّفْيِ لِأَحَدِ الْمَذْكُورِينَ أَوْ الْمَذْكُورَاتِ بِحَسَبِ أَصْلِ وَضْعِ اللَّفْظِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ اسْتِعْمَال اللُّغَة فَمَا رَجَّحَاهُ نَظَرَا فِيهِ إلَى الْأَوَّلِ إنْ سَلَّمَا مَا قَرَّرَهُ هَؤُلَاءِ ( قَوْلُهُ : وَلَوْ غَيْرَ نَحْوِيٍّ ) كَتَبَ عَلَيْهِ م ر ( قَوْلُهُ : فَمَاتَ قَبْلَهُ ) أَيْ الْغَدِ أَيْ : وَاسْتَمَرَّ نِسْيَانُهُ حَتَّى مُضِيِّ الْغَدِ ( قَوْلُهُ : وَمِنْ ثَمَّ أُلْحِقَ قَتْلُهُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ الْغَدِ ) لِهَذَا الْقَائِلِ أَنْ يَقُولَ لَا مَعْنَى لِإِلْحَاقِهِ بِهِ إلَّا حِنْثُهُ إذَا جَاءَ الْغَدُ وَمَضَى قَبْلَ التَّمَكُّنِ إذْ الْحِنْثُ إنَّمَا يَكُونُ حِينَئِذٍ كَمَا سَيَأْتِي ، لَكِنْ يَرِدُ حِينَئِذٍ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ تَحْنِيثُ الْمَيِّتِ وَهُوَ غَيْرُ سَائِغٍ ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالُوا إنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَهَبُ لَهُ لَمْ يَحْنَثْ بِالْوَصِيَّةِ لَهُ عَلَّلُوهُ بِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْمَيِّتُ لَا يَحْنَثُ ا هـ فَتَأَمَّلْ .
وَكَقَتْلِهِ لِنَفْسِهِ قَتْلُ غَيْرِهِ لَهُ قَبْلَ الْغَدِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ دَفْعِهِ فَلَمْ يَدْفَعْهُ كَمَا فِي النَّاشِرِيِّ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِالْحِنْثِ فِيمَا إذَا صَالَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْغَدِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ دَفْعِهِ فَلَمْ يَدْفَعْهُ حَتَّى قَتَلَهُ وَنَقَلَهُ عَنْ الْبُلْقِينِيِّ ، وَأَنَّهُ قَالَ : إنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ . ا هـ . وَفِيهِ مَا عَلِمْت مِنْ قَتْلِهِ لِنَفْسِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ .
ثُمَّ رَأَيْت قَوْلَ الشَّارِحِ الْآتِيَ فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ وَهُوَ يُنَافِي قَوْلَهُ : وَمِنْ ثَمَّ أُلْحِقَ إلَخْ فَتَأَمَّلْهُ . وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ فِي الصَّوْمِ فِي الْكَلَامِ عَلَى تَأْخِيرِ قَضَاءِ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ عَنْ الزَّرْكَشِيّ فِي مَسْأَلَتِنَا عَدَمُ الْحِنْثِ فَرَاجِعْهُ . ( قَوْلُهُ : أَيْضًا وَمِنْ ثَمَّ أُلْحِقَ قَتْلُهُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ الْغَدِ بِهَذَا ) وَقَدْ يُقَالُ قِيَاسُ ذَلِكَ الْحِنْثِ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الرِّفْعَةِ إذَا وَقَعَ الْخُلْعُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ السَّفَرِ لَكِنَّهُ مُشْكِلٌ إذْ الْحِنْثُ إنَّمَا يَكُونُ بِعُذْرٍ مِنْ التَّمَكُّنِ فَإِنْ حَنِثَ بَعْدَهُ لَزِمَ الْحِنْثُ بَعْدَ الْخُلْعِ 47 فَإِنْ كَانَ مَعَ نُفُوذِ الْخُلْعِ لَمْ يُمْكِنْ إذْ لَا حِنْثَ مَعَ الْبَيْنُونَةِ أَوْ مَعَ بُطْلَانِهِ ، فَكَيْفَ يَبْطُلُ بِطَلَاقٍ بَعْدَهُ ، وَأَمَّا الْحِنْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَمُمْكِنٌ ( قَوْلُهُ : أَيْضًا أُلْحِقَ قَتْلُهُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ الْغَدِ ) هَذَا الْحِنْثُ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الرِّفْعَةِ إذَا خَالَعَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ السَّفَرِ إذْ خُلْعُهُ كَقَتْلِهِ نَفْسَهُ خِلَافُ تَقْيِيدِ الشَّارِحِ بِبَعْدَ التَّمَكُّنِ لَكِنَّهُ مُشْكِلٌ . ( قَوْلُهُ : كَأَنْ أَمْكَنَهُ دَفْعُ آكِلِهِ فَلَمْ يَدْفَعْهُ ) ، وَكَذَا لَوْ صَالَ صَائِلٌ عَلَى الْحَالِفِ فَلَمْ يَدْفَعْهُ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ دَفْعِهِ حَتَّى قَتَلَهُ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ .
( قَوْلُهُ : أَوْ بَعْدَهُ ) هَذَا بِالنَّظَرِ لِقَوْلِهِ كَأَدَائِهِ الَّذِي يَقْتَضِي تَصَوُّرَ أَدَاءِ الدَّيْنِ بَعْدَ الْغَدِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ وَلَا يَخْفَى اسْتِحَالَتُهُ فَتَأَمَّلْهُ ( قَوْلُهُ : فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ ) أَيْ : وَالْفَرْضُ أَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَامِدًا عَالِمًا مُخْتَارًا قَبْلَ الْغَدِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْعِبَارَةِ ، وَحِينَئِذٍ فَعَدَمُ الْحِنْثِ هُنَا مُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِهِ السَّابِقِ ، وَمِنْ ثَمَّ أُلْحِقَ قَتْلُهُ لِنَفْسِهِ إلَخْ إذْ هُوَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مُفَوِّتٌ لِلْبِرِّ بِاخْتِيَارِهِ فَتَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ : بَعْدَ تَمَكُّنِهِ ) اُنْظُرْ هَلْ وَجْهُ هَذَا التَّقْيِيدِ أَنَّهُ لَوْ خَالَعَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ لَمْ يُمْكِنْ وُقُوعُ الثَّلَاثِ لِسَبْقِ الْخُلْعِ حِينَئِذٍ إذْ وُقُوعُ الثَّلَاثِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مُضِيِّ التَّمَكُّنِ ، وَسَبْقُ الْخُلْعِ مَانِعٌ مِنْ الْوُقُوعِ وَلَا يُقَالُ : بَلْ يَقَعُ الثَّلَاثُ وَيَتَبَيَّنُ بِوُقُوعِهَا بُطْلَانُ الْخُلْعِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ إذْ يَكْتَفِي بِكَوْنِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ زَمَنِ الْخُلْعِ رَافِعًا لَهُ أَوْ التَّقْيِيدُ لِحِكْمَةٍ أُخْرَى ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا بَعْدَ التَّمَكُّنِ وَمَا قَبْلَهُ فَلْيُحَرَّرْ .
( قَوْلُهُ : أَيْضًا بَعْدَ تَمَكُّنِهِ ) كَأَنَّ وَجْهَ هَذَا التَّقْيِيدِ أَنَّ الْحِنْثَ إنَّمَا هـ وَ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنِ التَّمَكُّنِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ ، ثُمَّ الْأَصَحُّ أَنَّهُ إنَّمَا يَحْنَثُ إلَخْ فَإِذَا خَالَعَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ لَمْ يُمْكِنُ وُقُوعِ الطَّلَاق بَلْ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنِ التَّمَكُّنِ ؛ لِتَأَخُّرِهِ عَنْ زَمَنِ الْخُلْعِ فَهِيَ حِينَئِذٍ بَائِنٌ لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ ، لَكِنْ قِيَاسُ قَوْلِهِ السَّابِقِ ، وَمِنْ ثَمَّ أُلْحِقَ إلَخْ خِلَافُهُ . ( قَوْلُهُ : أَيْضًا بَعْدَ تَمَكُّنِهِ ) هَذَا الْقَيْدُ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الرِّفْعَةِ . ( قَوْلُهُ : بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْفِعْلِ ) أَيْ وَلَمْ يُسَافِرْ - - .
44 فَصْلٌ )
حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ التَّمْرَةَ إلَخْ . ( قَوْلُهُ : حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ التَّمْرَةَ إلَخْ ) قَالَ فِي الرَّوْضِ : أَوْ حَلَفَ لَأَشْرَبَنَّ مِنْهُ أَيْ مِنْ مَاءِ هَذَا الْكُوزِ فَصَبَّهُ فِي مَاءٍ وَشَرِبَ مِنْهُ بَرَّ إنْ عَلِمَ وُصُولَهُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ شَرِبَ مِنْ مَاءِ الْكُوزِ وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ ، وَاَلَّذِي فِي الْأَصْلِ : وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْهُ فَصَبَّهُ فِي مَاءٍ وَشَرِبَ مِنْهُ حَنِثَ قَالَ : وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ هَذِهِ الْبَقَرَةِ فَخَلَطَهُ بِلَبَنِ غَيْرِهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ التَّمْرَةَ فَخَلَطَهَا بِصُبْرَةٍ إلَّا بِأَكْلِ جَمِيعِ الصُّبْرَةِ ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ . ا هـ . مَا فِي شَرْحِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الرَّوْضُ أَوَّلًا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ أَصْلِهِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْهُ فَصَبَّهُ فِي مَاءٍ وَشَرِبَ مِنْهُ حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَنِثَ لِصِدْقِ الشُّرْبِ مِنْهُ وَإِذَا صَدَقَ الشُّرْبُ مِنْهُ لَزِمَ الْبِرُّ بِالشُّرْبِ مِنْهُ بَعْدَ الصَّبِّ فِي حَلِفِهِ لَأَشْرَبَنَّ مِنْهُ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ تَقْيِيدَ الرَّوْضِ بِقَوْلِهِ إنْ عَلِمَ إلَخْ مَسْكُوتٌ عَنْهُ فِي مَفْهُومِ الْأَصْلِ 45 فَلْيُتَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ : لَكِنْ رَجَّحَ إلَخْ ) اُنْظُرْهُ فِي الثَّانِيَةِ ( قَوْلُهُ : وَبِدُونِهَا لِنَفْيِ الْمَجْمُوعِ ) قَالَ فِي الْمُغْنِي فِي الْكَلَامِ عَلَى أَقْسَامِ الْعَطْفِ : تَنْبِيهٌ لَا تَأْكُلْ سَمَكًا وَتَشْرَبْ لَبَنًا إنْ جَزَمْت فَالْعَطْفُ عَلَى اللَّفْظِ وَالنَّهْيُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا . ا هـ .
قَالَ الدَّمَامِينِيُّ كَذَا قَالَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا وَلِي فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا مُوجِبَ لِتَعَيُّنِ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنْ الْجَمِيعِ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالُوا : إذَا قُلْت مَا جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو اُحْتُمِلَ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَنْ يُرَادَ نَفْيُ اجْتِمَاعِهِمَا فِي وَقْتِ الْمَجِيءِ فَإِذَا جِيءَ بِلَا صَارَ الْكَلَامُ نَصًّا فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ ، وَلَا يُرْتَابُ فِي أَنَّكَ إذَا قُلْت لَا تَضْرِبْ زَيْدًا وَعَمْرًا اُحْتُمِلَ تَعَلُّقُ النَّهْيِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مُطْلَقًا وَتَعَلُّقُهُ بِهِمَا عَلَى مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ . ا هـ . قَالَ الشُّمُنِّيُّ : يَرْتَفِعُ هَذَا النَّظَرُ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ : وَالنَّهْيُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَيْ : ظَاهِرًا فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ احْتِمَالُ النَّهْيِ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا . ا هـ . فَأَنْتَ تَرَى كَلَامَ الثَّلَاثَةِ يُفِيدُ احْتِمَالَ الْمَعْنَيَيْنِ عِنْدَ النُّحَاةِ وَكَلَامُ الْمُغْنِي وَالشُّمُنِّيِّ يُفِيدُ أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي نَفْيِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَانْظُرْ مَعَ ذَلِكَ جَزْمَهُ عَنْ النُّحَاةِ بِقَوْلِهِ وَبِدُونِهَا لِنَفْيِ الْمَجْمُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( قَوْلُهُ : حَتَّى تَتَعَدَّدَ الْيَمِينُ ) وَفَائِدَةُ تَعَدُّدِهَا فِي الْإِثْبَاتِ تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ إذَا انْتَفَى الْبِرُّ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّ أَوْ إذَا دَخَلَتْ بَيْنَ نَفْيَيْنِ اقْتَضَتْ إلَخْ ) اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي قَرَّرَهُ الرَّضِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْعَطْفَ 46 بِأَوْ بَعْدَ النَّفْيِ لِأَحَدِ الْمَذْكُورِينَ أَوْ الْمَذْكُورَاتِ بِحَسَبِ أَصْلِ وَضْعِ اللَّفْظِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ اسْتِعْمَال اللُّغَة فَمَا رَجَّحَاهُ نَظَرَا فِيهِ إلَى الْأَوَّلِ إنْ سَلَّمَا مَا قَرَّرَهُ هَؤُلَاءِ ( قَوْلُهُ : وَلَوْ غَيْرَ نَحْوِيٍّ ) كَتَبَ عَلَيْهِ م ر ( قَوْلُهُ : فَمَاتَ قَبْلَهُ ) أَيْ الْغَدِ أَيْ : وَاسْتَمَرَّ نِسْيَانُهُ حَتَّى مُضِيِّ الْغَدِ ( قَوْلُهُ : وَمِنْ ثَمَّ أُلْحِقَ قَتْلُهُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ الْغَدِ ) لِهَذَا الْقَائِلِ أَنْ يَقُولَ لَا مَعْنَى لِإِلْحَاقِهِ بِهِ إلَّا حِنْثُهُ إذَا جَاءَ الْغَدُ وَمَضَى قَبْلَ التَّمَكُّنِ إذْ الْحِنْثُ إنَّمَا يَكُونُ حِينَئِذٍ كَمَا سَيَأْتِي ، لَكِنْ يَرِدُ حِينَئِذٍ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ تَحْنِيثُ الْمَيِّتِ وَهُوَ غَيْرُ سَائِغٍ ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالُوا إنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَهَبُ لَهُ لَمْ يَحْنَثْ بِالْوَصِيَّةِ لَهُ عَلَّلُوهُ بِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْمَيِّتُ لَا يَحْنَثُ ا هـ فَتَأَمَّلْ .
وَكَقَتْلِهِ لِنَفْسِهِ قَتْلُ غَيْرِهِ لَهُ قَبْلَ الْغَدِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ دَفْعِهِ فَلَمْ يَدْفَعْهُ كَمَا فِي النَّاشِرِيِّ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِالْحِنْثِ فِيمَا إذَا صَالَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْغَدِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ دَفْعِهِ فَلَمْ يَدْفَعْهُ حَتَّى قَتَلَهُ وَنَقَلَهُ عَنْ الْبُلْقِينِيِّ ، وَأَنَّهُ قَالَ : إنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ . ا هـ . وَفِيهِ مَا عَلِمْت مِنْ قَتْلِهِ لِنَفْسِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ .
ثُمَّ رَأَيْت قَوْلَ الشَّارِحِ الْآتِيَ فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ وَهُوَ يُنَافِي قَوْلَهُ : وَمِنْ ثَمَّ أُلْحِقَ إلَخْ فَتَأَمَّلْهُ . وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ فِي الصَّوْمِ فِي الْكَلَامِ عَلَى تَأْخِيرِ قَضَاءِ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ عَنْ الزَّرْكَشِيّ فِي مَسْأَلَتِنَا عَدَمُ الْحِنْثِ فَرَاجِعْهُ . ( قَوْلُهُ : أَيْضًا وَمِنْ ثَمَّ أُلْحِقَ قَتْلُهُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ الْغَدِ بِهَذَا ) وَقَدْ يُقَالُ قِيَاسُ ذَلِكَ الْحِنْثِ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الرِّفْعَةِ إذَا وَقَعَ الْخُلْعُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ السَّفَرِ لَكِنَّهُ مُشْكِلٌ إذْ الْحِنْثُ إنَّمَا يَكُونُ بِعُذْرٍ مِنْ التَّمَكُّنِ فَإِنْ حَنِثَ بَعْدَهُ لَزِمَ الْحِنْثُ بَعْدَ الْخُلْعِ 47 فَإِنْ كَانَ مَعَ نُفُوذِ الْخُلْعِ لَمْ يُمْكِنْ إذْ لَا حِنْثَ مَعَ الْبَيْنُونَةِ أَوْ مَعَ بُطْلَانِهِ ، فَكَيْفَ يَبْطُلُ بِطَلَاقٍ بَعْدَهُ ، وَأَمَّا الْحِنْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَمُمْكِنٌ ( قَوْلُهُ : أَيْضًا أُلْحِقَ قَتْلُهُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ الْغَدِ ) هَذَا الْحِنْثُ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الرِّفْعَةِ إذَا خَالَعَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ السَّفَرِ إذْ خُلْعُهُ كَقَتْلِهِ نَفْسَهُ خِلَافُ تَقْيِيدِ الشَّارِحِ بِبَعْدَ التَّمَكُّنِ لَكِنَّهُ مُشْكِلٌ . ( قَوْلُهُ : كَأَنْ أَمْكَنَهُ دَفْعُ آكِلِهِ فَلَمْ يَدْفَعْهُ ) ، وَكَذَا لَوْ صَالَ صَائِلٌ عَلَى الْحَالِفِ فَلَمْ يَدْفَعْهُ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ دَفْعِهِ حَتَّى قَتَلَهُ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ .
( قَوْلُهُ : أَوْ بَعْدَهُ ) هَذَا بِالنَّظَرِ لِقَوْلِهِ كَأَدَائِهِ الَّذِي يَقْتَضِي تَصَوُّرَ أَدَاءِ الدَّيْنِ بَعْدَ الْغَدِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ وَلَا يَخْفَى اسْتِحَالَتُهُ فَتَأَمَّلْهُ ( قَوْلُهُ : فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ ) أَيْ : وَالْفَرْضُ أَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَامِدًا عَالِمًا مُخْتَارًا قَبْلَ الْغَدِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْعِبَارَةِ ، وَحِينَئِذٍ فَعَدَمُ الْحِنْثِ هُنَا مُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِهِ السَّابِقِ ، وَمِنْ ثَمَّ أُلْحِقَ قَتْلُهُ لِنَفْسِهِ إلَخْ إذْ هُوَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مُفَوِّتٌ لِلْبِرِّ بِاخْتِيَارِهِ فَتَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ : بَعْدَ تَمَكُّنِهِ ) اُنْظُرْ هَلْ وَجْهُ هَذَا التَّقْيِيدِ أَنَّهُ لَوْ خَالَعَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ لَمْ يُمْكِنْ وُقُوعُ الثَّلَاثِ لِسَبْقِ الْخُلْعِ حِينَئِذٍ إذْ وُقُوعُ الثَّلَاثِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مُضِيِّ التَّمَكُّنِ ، وَسَبْقُ الْخُلْعِ مَانِعٌ مِنْ الْوُقُوعِ وَلَا يُقَالُ : بَلْ يَقَعُ الثَّلَاثُ وَيَتَبَيَّنُ بِوُقُوعِهَا بُطْلَانُ الْخُلْعِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ إذْ يَكْتَفِي بِكَوْنِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ زَمَنِ الْخُلْعِ رَافِعًا لَهُ أَوْ التَّقْيِيدُ لِحِكْمَةٍ أُخْرَى ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا بَعْدَ التَّمَكُّنِ وَمَا قَبْلَهُ فَلْيُحَرَّرْ .
( قَوْلُهُ : أَيْضًا بَعْدَ تَمَكُّنِهِ ) كَأَنَّ وَجْهَ هَذَا التَّقْيِيدِ أَنَّ الْحِنْثَ إنَّمَا هـ وَ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنِ التَّمَكُّنِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ ، ثُمَّ الْأَصَحُّ أَنَّهُ إنَّمَا يَحْنَثُ إلَخْ فَإِذَا خَالَعَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ لَمْ يُمْكِنُ وُقُوعِ الطَّلَاق بَلْ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنِ التَّمَكُّنِ ؛ لِتَأَخُّرِهِ عَنْ زَمَنِ الْخُلْعِ فَهِيَ حِينَئِذٍ بَائِنٌ لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ ، لَكِنْ قِيَاسُ قَوْلِهِ السَّابِقِ ، وَمِنْ ثَمَّ أُلْحِقَ إلَخْ خِلَافُهُ . ( قَوْلُهُ : أَيْضًا بَعْدَ تَمَكُّنِهِ ) هَذَا الْقَيْدُ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الرِّفْعَةِ . ( قَوْلُهُ : بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْفِعْلِ ) أَيْ وَلَمْ يُسَافِرْ - - .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث