تحفة المحتاج في شرح المنهاج
تحفة المحتاج في شرح المنهاج · الجزء الرابع
حاشية ابن قاسم
( قَوْلُهُ : فَيَنْفَتِلُ جَاعِلًا إلَخْ ) ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّ حَقِيقَةَ الطَّوَافِ إنَّمَا تُوجَدُ عِنْدَ هَذَا الِانْفِتَالِ عِنْدَ مُحَاذَاةِ طَرَفِ الْحِجْرِ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ قَدْ حَاذَاهُ بِيَسَارِهِ ثُمَّ قَالَ فِي قَوْلِهِمْ : إنَّهُ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ الطَّوَافِ مَعَ اسْتِقْبَالِ الْبَيْتِ إلَّا هَذَا وَبِمَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّ الطَّوَافَ حَقِيقَةً إنَّمَا هُوَ مِنْ حِينِ الِانْفِتَالِ يُعْلَمُ أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ صُورِيٌّ . ا هـ . وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَكَلُّفٌ مُنَابِذٌ لِعِبَارَةِ الْمَجْمُوعِ وَالْمَنَاسِكِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِيمَا يَأْتِي فَلْيُحْذَرْ .
( قَوْلُهُ : وَإِنْ أَوْهَمَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إذَا جَاوَزَهُ إلَخْ ) أَقُولُ هَذَا الْكَلَامُ لَا يَنْبَغِي ، فَإِنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ الْمَذْكُورَ كَمَا لَا يَخْفَى صَرِيحٌ فِي خِلَافِ ذَلِكَ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ فِي ذَلِكَ لِغَيْرِهِ كَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَابْنِ الصَّلَاحِ كَمَا بَسَطَ ذَلِكَ ابْنُ النَّقِيبِ فِي مُخْتَصَرِ الْكِفَايَةِ ثُمَّ نَظَرَ فِيهِ بِمَا يُصَرِّحُ بِصَرَاحَةِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْمَذْكُورِ فِيمَا ذُكِرَ كَقَوْلِ مَنْ ذُكِرَ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ اسْتِقْبَالِهِ يَقْطَعُ جُزْءًا مِنْ الْبَيْتِ ، وَهُوَ عَنْ يَسَارِهِ نَعَمْ إنْ كَانَ الشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ عَنْ يَسَارِهِ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْحِجْرِ لَا عِنْدَ مُحَاذَاتِهِ فَلَا إشْكَالَ وَكَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ السَّابِقُ صَرِيحٌ فِيهِ وَلِأَجْلِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَلَا يَجُوزُ اسْتِقْبَالُ الْبَيْتِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا فِي هَذَا الْحَالِ . ا هـ . فَتَأَمَّلْ .
قَوْلُهُ وَكَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ صَرِيحٌ فِيهِ وَلِأَجْلِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ إلَخْ تَعْلَمُ بِأَنَّهُ مُصَرَّحٌ بِأَنَّ كَلَامَ النَّوَوِيِّ وَكَلَامُهُمَا مُصَرِّحٌ بِجَوَازِ قَطْعِ جَمِيعِ الْحِجْرِ مَعَ الِاسْتِقْبَالِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ 78 مُحَاذَاةُ شَيْءٍ مِنْهُ بِيَسَارِهِ بَلْ يَكْفِي أَنْ يُحَاذِيَ بِهِ أَوَّلَ مَا يَلِيهِ فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يَسُوغُ التَّعْبِيرُ بِالْإِيهَامِ وَالْجَزْمِ بِخِلَافِهِ فَالصَّوَابُ اعْتِمَادُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ عِبَارَةُ النَّوَوِيِّ كَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَصِفَةُ الْمُحَاذَاةِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْبَيْتَ وَيَقِفَ بِجَانِبِ الْحِجْرِ الَّذِي إلَى جِهَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ بِحَيْثُ يَصِيرُ جَمِيعُ الْحِجْرِ عَنْ يَمِينِهِ وَمَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ عِنْدَ طَرَفِهِ ثُمَّ يَنْوِيَ الطَّوَافَ ثُمَّ يَمْشِيَ مُسْتَقْبِلَ الْحِجْرِ مَارًّا إلَى جِهَةِ يَمِينِهِ حَتَّى يُجَاوِزَهُ فَإِذَا جَاوَزَهُ انْفَتَلَ وَجَعَلَ يَسَارَهُ إلَى الْبَيْتِ وَلَوْ فَعَلَ هَذَا مِنْ الْأَوَّلِ وَتَرَكَ اسْتِقْبَالَ الْحِجْرِ جَازَ لَكِنْ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ قَالَ فِي مَنَاسِكِهِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الطَّوَافِ يَجُوزُ مَعَ اسْتِقْبَالِ الْبَيْتِ إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مُرُورِهِ فِي ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَخْ . ا هـ .
فَقَوْلُهُ فَإِذَا جَاوَزَهُ انْفَتَلَ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِانْفِتَالَ بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عِنْدَ الِانْفِتَالِ أَنْ يُحَاذِيَ يَسَارُهُ جُزْءًا مِنْ الْحِجْرِ بَلْ يَكْفِي مُحَاذَاتُهُ حِينَئِذٍ لِأَوَّلِ مَا يُجَاوِزُ الْحِجْرَ مِنْ جِهَةِ الْبَابِ وَقَدْ فَهِمَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ هَذَا مُرَادُهُ حَيْثُ نَظَرَ فِيهِ بِأَنَّ فِيهِ تَخَلُّفَ جَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ فِي بَعْضِ الطَّوَافِ . ا هـ . وَهَذَا لِقَوْلِهِ فِي مَنَاسِكِهِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الطَّوَافِ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ فِي عِبَارَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ وَأَمَّا جَوَابُهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ عَنْ نَظَرِ ابْنِ الرِّفْعَةِ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الطَّوَافِ إنَّمَا تُوجَدَ عِنْدَ الِانْحِرَافِ عِنْدَ مُحَاذَاةِ طَرَفِ الْحِجْرِ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ قَدْ حَاذَاهُ بِيَسَارِهِ قَالَ فَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ مِنْ التَّخَلُّفِ . ا هـ . فَهُوَ لَا يُوَافِقُ مَا ذُكِرَ عَنْ الْمَنَاسِكِ الْمُصَرِّحِ كَمَا لَا يَخْفَى بِأَنَّ مَا قَبْلَ الِانْحِرَافِ مَحْسُوبٌ مِنْ الطَّوَافِ وَالظَّاهِرُ جِدًّا فِي أَنَّ الِانْفِتَالَ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْحِجْرِ نَعَمْ قَدْ يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الْمَجْمُوعِ وَلَوْ فَعَلَ هَذَا مِنْ الْأَوَّلِ إلَخْ إذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ الِانْفِتَالَ بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ بِحَيْثُ لَا يَصِيرُ الْيَسَارُ مُحَاذِيًا لِشَيْءٍ مِنْ الْحِجْرِ لَمْ يَصِحَّ هَذَا إذْ لَا يَصِحُّ ابْتِدَاؤُهُ أَوْ لَا يُجْعَلُ الْمُجَاوِزُ الْحِجْرِ فَقَطْ عَنْ يَسَارِهِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ، وَلَوْ فَعَلَ هَذَا إلَخْ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ أَيْ بِشَرْطِهِ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُرَادَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ وَاقْتَصَرَ عَلَى جَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ بِشَرْطِهِ فَلَيْسَتْ الْإِشَارَةُ إلَى جَمِيعِ مَا فِي قَوْلِهِ ، فَإِنْ جَاوَزَهُ انْفَتَلَ إلَخْ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِأَنَّ مُرَادَهُ ذَلِكَ تَعْبِيرُ ابْنِ النَّقِيبِ عَنْهُ فِي مُخْتَصَرِ الْكِفَايَةِ بِقَوْلِهِ وَلَوْ جَعَلَهُ عَلَى يَسَارِهِ أَوَّلًا وَتَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ جَازَ . ا هـ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَخْفَى عَلَى مُنْصِفٍ مُتَأَمِّلٍ أَنَّ عِبَارَةَ الْمَجْمُوعِ ظَاهِرَةٌ جِدًّا إنْ لَمْ تَكُنْ صَرِيحَةً فِي أَنَّ الِانْفِتَالَ بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ وَأَنَّ عِبَارَةَ الْمَنَاسِكِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ مَا قِيلَ الِانْفِتَالُ مَحْسُوبٌ مِنْ الطَّوَافِ عَلَى وَفْقِ مَا فَهِمَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْهُ وَأَنَّ قَوْلَ الْمَجْمُوعِ وَلَوْ فَعَلَ هَذَا إلَخْ لَا يَدُلُّ دَلَالَةً مُعْتَدًّا بِهَا عَلَى مَا يُعَارِضُ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِهِ وَقُرْبِ حَمْلِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَلْيُتَأَمَّلْ ثُمَّ لَا يَخْفَى عَلَيْك مُخَالَفَةُ مَا فِي هَذَا الشَّارِحَ لِمَا تَقَرَّرَ عَنْ شَرْحِ عب مِنْ أَنَّ أَوَّلَ 79 الطَّوَافَ إنَّمَا هُوَ الِانْحِرَافُ دُونَ مَا قَبْلَهُ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ هُنَا وَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ الطَّوَافِ إلَخْ صَرِيحٌ فِي الِاعْتِدَادِ بِمَا قَبْلَ الِانْحِرَافِ أَيْضًا ( قَوْلُهُ : يُوهِمُ أَنَّهُمَا لَيْسَا بِشَرْطَيْنِ إلَخْ ) أَقُولُ هَذَا الْإِيهَامُ مَدْفُوعٌ بِقَوْلِهِ فَلَوْ بَدَأَ إلَخْ إذْ هُوَ صَرِيحٌ كَمَا لَا يَخْفَى فِي شَرْطِيَّةِ الْبُدَاءَةِ بِالْحِجْرِ وَقَرِينَةٌ عَلَى شَرْطِيَّةِ الْمُحَاذَاةِ فَتَأَمَّلْهُ ، فَإِنَّهُ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ .
( قَوْلُهُ : بَلْ هُوَ حَالٌ إلَخْ ) أَقُولُ الْإِيهَامُ الْمَذْكُورُ جَازَ هُنَا أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ لِلسَّتْرِ فَلَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الِابْتِدَاءِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إرَادَةُ شَرْطِيَّةِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ فِي جَمِيعِهِ بِدَلِيلٍ فَلَوْ أَحْدَثَ إلَخْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ كَذَلِكَ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا لَا يَدْفَعُ إيهَامَ أَنَّهُمَا لَيْسَا بِشَرْطَيْنِ بَلْ قَيْدَانِ لِاشْتِرَاطِ السِّتْرِ وَالطَّهَارَةِ فِي جَمِيعِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْحَالِيَّةِ مَعَ هَذَا الْفَصْلِ الْكَبِيرِ ( قَوْلُهُ : وَكَذَا مِنْ جِهَةِ الْبَابِ إلَخْ ) وَلَوْ مَسَّ الْجِدَارَ الَّذِي فِي جِهَةِ الْبَابِ لَمْ يَضُرَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوَازِيهِ 80 شَاذَرْوَانُ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ وَيُلْحَقُ بِهِ كُلُّ جِدَارٍ لَا شَاذَرْوَانَ بِهِ كَذَا فِي شَرْحِ م ر .
( قَوْلُهُ : كَانَ زَرِيبَةً لِغَنَمِ إسْمَاعِيلَ ) قَدْ يُشْكَلُ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُ مِنْ الْبَيْتِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ مَسْجِدٌ وَيَمْتَنِعُ إيوَاءُ الدَّوَابِّ فِيهِ الْمُسْتَلْزِمُ لِتَنَجُّسِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَعَلَّ هَذَا الْحُكْمَ فِيهِ ثَابِتٌ فِي شَرْعِ إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْ لَعَلَّ الْإِيوَاءَ كَانَ فِي بَعْضِهِ ( قَوْلُهُ : إذَا كَانَ مُسَامِتًا لِجِدَارٍ تَحْتَهُ شَاذَرْوَانُ ) قَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ إنْ كَانَ الْمَاسُّ مُسَامِتًا أَيْ مُحَاذِيًا الشَّاذَرْوَانَ ؛ لِأَنَّ الْهَاءَ فِي مُوَازَاتِهِ لِلشَّاذَرْوَانِ فَلْيُتَأَمَّلْ .
فَإِذَا أَحْسَنْت التَّأَمُّلَ عَلِمْت أَنَّ مَا أَوْرَدَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْحِ وَارِدٌ عَلَى مَا قَدَّرَهُ هُوَ أَيْضًا فَتَأَمَّلْهُ تَعْرِفْهُ ( قَوْلُهُ : بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ ) أَقُولُ بَلْ وَبِنَاءً عَلَى مُقَابِلِهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْحَجَرَ حَصَلَ فِيهِ انْبِرَاءٌ بِحَيْثُ 81 دَخَلَ فِي الْجِدَارِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمُشَاهَدَةُ ( قَوْلُهُ : وَلَا مَنْ مَسَّ جِدَارَ الْحَجَرِ إلَخْ ) أَيْ ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ الْمَاسَّ حِينَئِذٍ فِي هَوَاءِ الْحِجْرِ لَا خَارِجَهُ .
( قَوْلُهُ : فَيَنْفَتِلُ جَاعِلًا إلَخْ ) ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّ حَقِيقَةَ الطَّوَافِ إنَّمَا تُوجَدُ عِنْدَ هَذَا الِانْفِتَالِ عِنْدَ مُحَاذَاةِ طَرَفِ الْحِجْرِ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ قَدْ حَاذَاهُ بِيَسَارِهِ ثُمَّ قَالَ فِي قَوْلِهِمْ : إنَّهُ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ الطَّوَافِ مَعَ اسْتِقْبَالِ الْبَيْتِ إلَّا هَذَا وَبِمَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّ الطَّوَافَ حَقِيقَةً إنَّمَا هُوَ مِنْ حِينِ الِانْفِتَالِ يُعْلَمُ أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ صُورِيٌّ . ا هـ . وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَكَلُّفٌ مُنَابِذٌ لِعِبَارَةِ الْمَجْمُوعِ وَالْمَنَاسِكِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِيمَا يَأْتِي فَلْيُحْذَرْ .
( قَوْلُهُ : وَإِنْ أَوْهَمَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إذَا جَاوَزَهُ إلَخْ ) أَقُولُ هَذَا الْكَلَامُ لَا يَنْبَغِي ، فَإِنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ الْمَذْكُورَ كَمَا لَا يَخْفَى صَرِيحٌ فِي خِلَافِ ذَلِكَ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ فِي ذَلِكَ لِغَيْرِهِ كَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَابْنِ الصَّلَاحِ كَمَا بَسَطَ ذَلِكَ ابْنُ النَّقِيبِ فِي مُخْتَصَرِ الْكِفَايَةِ ثُمَّ نَظَرَ فِيهِ بِمَا يُصَرِّحُ بِصَرَاحَةِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْمَذْكُورِ فِيمَا ذُكِرَ كَقَوْلِ مَنْ ذُكِرَ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ اسْتِقْبَالِهِ يَقْطَعُ جُزْءًا مِنْ الْبَيْتِ ، وَهُوَ عَنْ يَسَارِهِ نَعَمْ إنْ كَانَ الشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ عَنْ يَسَارِهِ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْحِجْرِ لَا عِنْدَ مُحَاذَاتِهِ فَلَا إشْكَالَ وَكَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ السَّابِقُ صَرِيحٌ فِيهِ وَلِأَجْلِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَلَا يَجُوزُ اسْتِقْبَالُ الْبَيْتِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا فِي هَذَا الْحَالِ . ا هـ . فَتَأَمَّلْ .
قَوْلُهُ وَكَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ صَرِيحٌ فِيهِ وَلِأَجْلِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ إلَخْ تَعْلَمُ بِأَنَّهُ مُصَرَّحٌ بِأَنَّ كَلَامَ النَّوَوِيِّ وَكَلَامُهُمَا مُصَرِّحٌ بِجَوَازِ قَطْعِ جَمِيعِ الْحِجْرِ مَعَ الِاسْتِقْبَالِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ 78 مُحَاذَاةُ شَيْءٍ مِنْهُ بِيَسَارِهِ بَلْ يَكْفِي أَنْ يُحَاذِيَ بِهِ أَوَّلَ مَا يَلِيهِ فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يَسُوغُ التَّعْبِيرُ بِالْإِيهَامِ وَالْجَزْمِ بِخِلَافِهِ فَالصَّوَابُ اعْتِمَادُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ عِبَارَةُ النَّوَوِيِّ كَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَصِفَةُ الْمُحَاذَاةِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْبَيْتَ وَيَقِفَ بِجَانِبِ الْحِجْرِ الَّذِي إلَى جِهَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ بِحَيْثُ يَصِيرُ جَمِيعُ الْحِجْرِ عَنْ يَمِينِهِ وَمَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ عِنْدَ طَرَفِهِ ثُمَّ يَنْوِيَ الطَّوَافَ ثُمَّ يَمْشِيَ مُسْتَقْبِلَ الْحِجْرِ مَارًّا إلَى جِهَةِ يَمِينِهِ حَتَّى يُجَاوِزَهُ فَإِذَا جَاوَزَهُ انْفَتَلَ وَجَعَلَ يَسَارَهُ إلَى الْبَيْتِ وَلَوْ فَعَلَ هَذَا مِنْ الْأَوَّلِ وَتَرَكَ اسْتِقْبَالَ الْحِجْرِ جَازَ لَكِنْ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ قَالَ فِي مَنَاسِكِهِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الطَّوَافِ يَجُوزُ مَعَ اسْتِقْبَالِ الْبَيْتِ إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مُرُورِهِ فِي ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَخْ . ا هـ .
فَقَوْلُهُ فَإِذَا جَاوَزَهُ انْفَتَلَ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِانْفِتَالَ بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عِنْدَ الِانْفِتَالِ أَنْ يُحَاذِيَ يَسَارُهُ جُزْءًا مِنْ الْحِجْرِ بَلْ يَكْفِي مُحَاذَاتُهُ حِينَئِذٍ لِأَوَّلِ مَا يُجَاوِزُ الْحِجْرَ مِنْ جِهَةِ الْبَابِ وَقَدْ فَهِمَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ هَذَا مُرَادُهُ حَيْثُ نَظَرَ فِيهِ بِأَنَّ فِيهِ تَخَلُّفَ جَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ فِي بَعْضِ الطَّوَافِ . ا هـ . وَهَذَا لِقَوْلِهِ فِي مَنَاسِكِهِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الطَّوَافِ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ فِي عِبَارَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ وَأَمَّا جَوَابُهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ عَنْ نَظَرِ ابْنِ الرِّفْعَةِ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الطَّوَافِ إنَّمَا تُوجَدَ عِنْدَ الِانْحِرَافِ عِنْدَ مُحَاذَاةِ طَرَفِ الْحِجْرِ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ قَدْ حَاذَاهُ بِيَسَارِهِ قَالَ فَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ مِنْ التَّخَلُّفِ . ا هـ . فَهُوَ لَا يُوَافِقُ مَا ذُكِرَ عَنْ الْمَنَاسِكِ الْمُصَرِّحِ كَمَا لَا يَخْفَى بِأَنَّ مَا قَبْلَ الِانْحِرَافِ مَحْسُوبٌ مِنْ الطَّوَافِ وَالظَّاهِرُ جِدًّا فِي أَنَّ الِانْفِتَالَ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْحِجْرِ نَعَمْ قَدْ يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الْمَجْمُوعِ وَلَوْ فَعَلَ هَذَا مِنْ الْأَوَّلِ إلَخْ إذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ الِانْفِتَالَ بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ بِحَيْثُ لَا يَصِيرُ الْيَسَارُ مُحَاذِيًا لِشَيْءٍ مِنْ الْحِجْرِ لَمْ يَصِحَّ هَذَا إذْ لَا يَصِحُّ ابْتِدَاؤُهُ أَوْ لَا يُجْعَلُ الْمُجَاوِزُ الْحِجْرِ فَقَطْ عَنْ يَسَارِهِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ، وَلَوْ فَعَلَ هَذَا إلَخْ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ أَيْ بِشَرْطِهِ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُرَادَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ وَاقْتَصَرَ عَلَى جَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ بِشَرْطِهِ فَلَيْسَتْ الْإِشَارَةُ إلَى جَمِيعِ مَا فِي قَوْلِهِ ، فَإِنْ جَاوَزَهُ انْفَتَلَ إلَخْ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِأَنَّ مُرَادَهُ ذَلِكَ تَعْبِيرُ ابْنِ النَّقِيبِ عَنْهُ فِي مُخْتَصَرِ الْكِفَايَةِ بِقَوْلِهِ وَلَوْ جَعَلَهُ عَلَى يَسَارِهِ أَوَّلًا وَتَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ جَازَ . ا هـ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَخْفَى عَلَى مُنْصِفٍ مُتَأَمِّلٍ أَنَّ عِبَارَةَ الْمَجْمُوعِ ظَاهِرَةٌ جِدًّا إنْ لَمْ تَكُنْ صَرِيحَةً فِي أَنَّ الِانْفِتَالَ بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ وَأَنَّ عِبَارَةَ الْمَنَاسِكِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ مَا قِيلَ الِانْفِتَالُ مَحْسُوبٌ مِنْ الطَّوَافِ عَلَى وَفْقِ مَا فَهِمَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْهُ وَأَنَّ قَوْلَ الْمَجْمُوعِ وَلَوْ فَعَلَ هَذَا إلَخْ لَا يَدُلُّ دَلَالَةً مُعْتَدًّا بِهَا عَلَى مَا يُعَارِضُ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِهِ وَقُرْبِ حَمْلِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَلْيُتَأَمَّلْ ثُمَّ لَا يَخْفَى عَلَيْك مُخَالَفَةُ مَا فِي هَذَا الشَّارِحَ لِمَا تَقَرَّرَ عَنْ شَرْحِ عب مِنْ أَنَّ أَوَّلَ 79 الطَّوَافَ إنَّمَا هُوَ الِانْحِرَافُ دُونَ مَا قَبْلَهُ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ هُنَا وَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ الطَّوَافِ إلَخْ صَرِيحٌ فِي الِاعْتِدَادِ بِمَا قَبْلَ الِانْحِرَافِ أَيْضًا ( قَوْلُهُ : يُوهِمُ أَنَّهُمَا لَيْسَا بِشَرْطَيْنِ إلَخْ ) أَقُولُ هَذَا الْإِيهَامُ مَدْفُوعٌ بِقَوْلِهِ فَلَوْ بَدَأَ إلَخْ إذْ هُوَ صَرِيحٌ كَمَا لَا يَخْفَى فِي شَرْطِيَّةِ الْبُدَاءَةِ بِالْحِجْرِ وَقَرِينَةٌ عَلَى شَرْطِيَّةِ الْمُحَاذَاةِ فَتَأَمَّلْهُ ، فَإِنَّهُ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ .
( قَوْلُهُ : بَلْ هُوَ حَالٌ إلَخْ ) أَقُولُ الْإِيهَامُ الْمَذْكُورُ جَازَ هُنَا أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ لِلسَّتْرِ فَلَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الِابْتِدَاءِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إرَادَةُ شَرْطِيَّةِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ فِي جَمِيعِهِ بِدَلِيلٍ فَلَوْ أَحْدَثَ إلَخْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ كَذَلِكَ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا لَا يَدْفَعُ إيهَامَ أَنَّهُمَا لَيْسَا بِشَرْطَيْنِ بَلْ قَيْدَانِ لِاشْتِرَاطِ السِّتْرِ وَالطَّهَارَةِ فِي جَمِيعِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْحَالِيَّةِ مَعَ هَذَا الْفَصْلِ الْكَبِيرِ ( قَوْلُهُ : وَكَذَا مِنْ جِهَةِ الْبَابِ إلَخْ ) وَلَوْ مَسَّ الْجِدَارَ الَّذِي فِي جِهَةِ الْبَابِ لَمْ يَضُرَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوَازِيهِ 80 شَاذَرْوَانُ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ وَيُلْحَقُ بِهِ كُلُّ جِدَارٍ لَا شَاذَرْوَانَ بِهِ كَذَا فِي شَرْحِ م ر .
( قَوْلُهُ : كَانَ زَرِيبَةً لِغَنَمِ إسْمَاعِيلَ ) قَدْ يُشْكَلُ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُ مِنْ الْبَيْتِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ مَسْجِدٌ وَيَمْتَنِعُ إيوَاءُ الدَّوَابِّ فِيهِ الْمُسْتَلْزِمُ لِتَنَجُّسِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَعَلَّ هَذَا الْحُكْمَ فِيهِ ثَابِتٌ فِي شَرْعِ إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْ لَعَلَّ الْإِيوَاءَ كَانَ فِي بَعْضِهِ ( قَوْلُهُ : إذَا كَانَ مُسَامِتًا لِجِدَارٍ تَحْتَهُ شَاذَرْوَانُ ) قَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ إنْ كَانَ الْمَاسُّ مُسَامِتًا أَيْ مُحَاذِيًا الشَّاذَرْوَانَ ؛ لِأَنَّ الْهَاءَ فِي مُوَازَاتِهِ لِلشَّاذَرْوَانِ فَلْيُتَأَمَّلْ .
فَإِذَا أَحْسَنْت التَّأَمُّلَ عَلِمْت أَنَّ مَا أَوْرَدَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْحِ وَارِدٌ عَلَى مَا قَدَّرَهُ هُوَ أَيْضًا فَتَأَمَّلْهُ تَعْرِفْهُ ( قَوْلُهُ : بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ ) أَقُولُ بَلْ وَبِنَاءً عَلَى مُقَابِلِهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْحَجَرَ حَصَلَ فِيهِ انْبِرَاءٌ بِحَيْثُ 81 دَخَلَ فِي الْجِدَارِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمُشَاهَدَةُ ( قَوْلُهُ : وَلَا مَنْ مَسَّ جِدَارَ الْحَجَرِ إلَخْ ) أَيْ ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ الْمَاسَّ حِينَئِذٍ فِي هَوَاءِ الْحِجْرِ لَا خَارِجَهُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث