تحفة المحتاج في شرح المنهاج
تحفة المحتاج في شرح المنهاج · الجزء السابع
( وَتَحِلُّ كِتَابِيَّةٌ ) لِمُسْلِمٍ وَكِتَابِيٍّ وَكَذَا غَيْرُهُمَا عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الرَّوْضَةِ بِمَا فِيهِ فِي مَبْحَثِ التَّحْلِيلِ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } أَيْ حَلَّ لَكُمْ نَعَمْ الْأَصَحُّ حُرْمَتُهَا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِكَاحًا لَا تَسَرِّيًا وَتَمَسَّكُوا بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَطَأُ صَفِيَّةَ وَرَيْحَانَةَ قَبْلَ إسْلَامِهِمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ : وَكَلَامُ أَهْلِ السِّيَرِ يُخَالِفُ ذَلِكَ ( لَكِنْ يُكْرَهُ ) لِلْمُسْلِمِ حَيْثُ لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ فِيمَا يَظْهَرُ كِتَابِيَّةٌ ( حَرْبِيَّةٌ ) وَلَوْ تَسَرِّيًا لِئَلَّا يُرَقَّ وَلَدُهَا إذَا سُبِيَتْ حَامِلًا فَإِنَّهَا لَا تُصَدَّقُ أَنَّ حَمْلَهَا مِنْ مُسْلِمٍ وَلِأَنَّ فِي الْإِقَامَةِ بِدَارِ الْحَرْبِ تَكْثِيرَ سَوَادِهِمْ وَمِنْ ثَمَّ كُرِهَتْ مُسْلِمَةٌ مُقِيمَةٌ ثَمَّ ( وَكَذَا ذِمِّيَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ ) لِئَلَّا تَفْتِنَهُ - بِفَرْطِ مَيْلِهِ إلَيْهَا - أَوْ وَلَدَهُ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ مَيْلَ النِّسَاءِ إلَى دِينِ أَزْوَاجِهِنَّ وَإِيثَارَهُمْ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ نَعَمْ الْكَرَاهَةُ فِيهَا أَخَفُّ مِنْهَا فِي الْحَرْبِيَّةِ وَبَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ نَدْبَ نِكَاحِهَا إذَا رُجِيَ بِهِ إسْلَامُهَا أَيْ وَلَمْ يَخْشَ فِتْنَةً بِهَا بِوَجْهٍ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ .
323 كَمَا وَقَعَ لِعُثْمَانَ أَنَّهُ نَكَحَ نَصْرَانِيَّةً كَلْبِيَّةً فَأَسْلَمَتْ وَحَسُنَ إسْلَامُهَا وَهُوَ وَغَيْرُهُ أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ إنْ وَجَدَ مُسْلِمَةً أَيْ تُصَلِّي وَإِلَّا فَهِيَ أَوْلَى مِنْ مُسْلِمَةٍ لَا تُصَلِّي عَلَى مَا مَرَّ أَوْ النِّكَاحِ ( وَالْكِتَابِيَّةُ يَهُودِيَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى { أَنْ تَقُولُوا إنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا } ( لَا مُتَمَسِّكَةٌ بِالزَّبُورِ وَغَيْرِهِ ) كَصُحُفِ شِيثٍ وَإِدْرِيسَ وَإِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمْ فَلَا تَحِلُّ وَإِنْ أَقَرُّوا بِالْجِزْيَةِ سَوَاءٌ أَثَبَتَ تَمَسُّكُهَا بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ أَمْ بِالتَّوَاتُرِ أَمْ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَسْلَمَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِمْ مَعَانِيهَا لَا أَلْفَاظُهَا أَوْ لِكَوْنِهَا حِكَمًا وَمَوَاعِظَ لَا أَحْكَامًا وَشَرَائِعَ وَفَرَّقَ الْقَفَّالُ بَيْنَ الْكِتَابِيَّةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ فِيهَا نَقْصَ الْكُفْرِ فِي الْحَالِ ، وَغَيْرُهَا فِيهِ مَعَ ذَلِكَ نَقْصُ فَسَادِ الدِّينِ فِي الْأَصْلِ ( فَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْكِتَابِيَّةُ ) أَيْ لَمْ يَتَحَقَّقْ كَوْنُهَا ( إسْرَائِيلِيَّةً ) أَيْ مِنْ نَسْلِ إسْرَائِيلَ وَهُوَ يَعْقُوبُ صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَعْنَى " إسْرَا " عَبْدٌ وَ " إيَّلَ " اللَّهُ بِأَنْ عَرَفَ أَنَّهَا غَيْرُ إسْرَائِيلِيَّةٍ أَوْ شَكَّ أَهِيَ إسْرَائِيلِيَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا ؟ ( فَالْأَظْهَرُ حِلُّهَا ) لِلْمُسْلِمِ وَالْكِتَابِيِّ .
( وَإِنْ عَلِمَ ) بِالتَّوَاتُرِ أَوْ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَسْلَمَا لَا بِقَوْلِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَإِنَّمَا قُبِلَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْجِزْيَةِ تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدِّمَاءِ وَبِمَا تَقَرَّرَ فِي الْعَدْلَيْنِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ الْعِلْمُ أَوْ الظَّنُّ الْقَوِيُّ إذْ إخْبَارُهُمَا إنَّمَا يُفِيدُهُ لَكِنَّهُ ظَنَّ إقَامَةَ الشَّارِعِ مَقَامَ الْيَقِينِ وَلَمْ يَكْفِ وَاحِدٌ احْتِيَاطًا لِلنِّكَاحِ نَعَمْ قِيَاسُ قَوْلِهِمْ لَوْ أَخْبَرَ زَوْجَةَ الْمَفْقُودِ عَدْلٌ بِمَوْتِهِ حَلَّ لَهَا التَّزَوُّجُ أَيْ بَاطِنًا الْحِلُّ بَاطِنًا هُنَا بِإِخْبَارِ الْعَدْلِ فَهُمَا شَرْطَانِ بِالنِّسْبَةِ لِلظَّاهِرِ فَقَطْ وَحِينَئِذٍ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا عِنْدَ الْقَاضِي كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَكَأَنَّ مَنْ عَبَّرَ مَرَّةً بِشَهَادَتِهِمَا وَمَرَّةً بِإِخْبَارِهِمَا لَحَظَ ذَلِكَ فَالْأَوَّلُ بِالنِّسْبَةِ لِلظَّاهِرِ وَالثَّانِي بِالنِّسْبَةِ لِلْبَاطِنِ ( دُخُولَ قَوْمِهَا ) أَيْ أَوَّلِ آبَائِهَا ( فِي ذَلِكَ الدِّينِ ) أَيْ دِينِ مُوسَى أَوْ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ ( قَبْلَ نَسْخِهِ وَتَحْرِيفِهِ ) أَوْ قَبْلَ نَسْخِهِ أَوْ بَعْدَ تَحْرِيفِهِ وَاجْتَنَبُوا الْمُحَرَّفَ يَقِينًا لِتَمَسُّكِهِمْ بِهِ حِينَ كَانَ حَقًّا فَالْحِلُّ لِفَضِيلَةِ الدِّينِ وَحْدَهَا وَمِنْ ثَمَّ سَمَّى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِرَقْلَ وَأَصْحَابَهُ أَهْلَ الْكِتَابِ فِي كِتَابِهِ إلَيْهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا إسْرَائِيلِيِّينَ ( وَقِيلَ يَكْفِي ) دُخُولُهُمْ بَعْدَ تَحْرِيفِهِ وَإِنْ لَمْ يَجْتَنِبُوا الْمُحَرَّفَ إذَا كَانَ ذَلِكَ ( قَبْلَ نَسْخِهِ ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ تَزَوَّجُوا مِنْهُمْ وَلَمْ يَبْحَثُوا .
وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ لِبُطْلَانِ فَضِيلَةِ الدِّينِ بِتَحْرِيفِهِ وَخَرَجَ بِعَلِمَ مَا لَوْ شَكَّ هَلْ دَخَلُوا قَبْلَ التَّحْرِيفِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ قَبْلَ النَّسْخِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلَا ذَبَائِحُهُمْ أَخْذًا بِالْأَحْوَطِ وَبِقَبْلِ ذَلِكَ 324 الَّذِي ذَكَرَهُ وَذَكَرْنَاهُ مَا لَوْ دَخَلُوا بَعْدَ التَّحْرِيفِ وَلَمْ يَجْتَنِبُوا وَلَوْ احْتِمَالًا أَوْ بَعْدَ النَّسْخِ كَمَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ بَعْدَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ تَهَوَّدَ بَعْدَ بَعْثَةِ عِيسَى بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِشَرِيعَةِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ وَقِيلَ : إنَّهَا مُخَصِّصَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ وَإِنْ انْتَصَرَ لَهُ السُّبْكِيُّ لِاحْتِمَالِهِ النَّسْخَ أَيْضًا إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي نَسْخِ الشَّرِيعَةِ لِمَا قَبْلَهَا رَفْعُهَا لِجَمِيعِ أَحْكَامِهَا .
وَقَوْلُ السُّبْكِيّ يَنْبَغِي الْحِلُّ فِيمَنْ عَلِمَ دُخُولَ أَوَّلِ أُصُولِهِمْ وَشَكَّ هَلْ هُوَ قَبْلَ نَسْخٍ أَوْ تَحْرِيفٍ أَوْ بَعْدَهُمَا قَالَ وَإِلَّا فَمَا مِنْ كِتَابِيٍّ الْيَوْمَ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ إسْرَائِيلِيٌّ إلَّا وَيُحْتَمَلُ فِيهِ ذَلِكَ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا تَحِلَّ ذَبَائِحُ أَحَدٍ مِنْهُمْ الْيَوْمَ وَلَا مُنَاكَحَتُهُمْ بَلْ وَلَا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ كَبَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَقَيْنُقَاعَ وَطُلِبَ مِنِّي بِالشَّامِ مَنْعُهُمْ مِنْ الذَّبَائِحِ فَأَبَيْتُ لِأَنَّ يَدَهُمْ عَلَى ذَبِيحَتِهِمْ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ ، وَمَنَعَهُمْ قَبْلِي مُحْتَسِبٌ بِفَتْوَى بَعْضِهِمْ وَلَا بَأْسَ بِالْمَنْعِ وَأَمَّا الْفَتْوَى بِهِ فَجَهْلٌ وَاشْتِبَاهٌ عَلَى مَنْ أَفْتَى بِهِ ا هـ مُلَخَّصًا ضَعِيفٌ عَلَى أَنَّ فِيهِ مُنَاقَشَاتٍ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِهَا أَمَّا الْإِسْرَائِيلِيَّة يَقِينًا بِالتَّوَاتُرِ أَوْ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ لَا الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَمَا مَرَّ بِمَا فِيهِ فَتَحِلُّ مُطْلَقًا لِشَرَفِ نَسَبِهَا مَا لَمْ يُتَيَقَّنْ دُخُولُ أَوَّلِ آبَائِهَا فِي ذَلِكَ الدِّينِ بَعْدَ بَعْثَةٍ تَنْسَخُهُ لِسُقُوطِ فَضِيلَتِهِ بِنَسْخِهِ وَهِيَ بَعْثَةُ عِيسَى أَوْ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ لَا بَعْثَةُ مَنْ بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ أُرْسِلُوا بِالتَّوْرَاةِ ، وَزَبُورُ دَاوُد قَدْ مَرَّ أَنَّهُ حِكَمٌ وَمَوَاعِظُ وَلَا يُؤَثِّرُ هُنَا تَمَسُّكُهُمْ بِالْمُحَرَّفِ قَبْلَ النَّسْخِ لِمَا ذُكِرَ وَاقْتِضَاءُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ أَنَّ الْإِسْرَائِيلِيَّة وَلَوْ يَهُودِيَّةً لَا تُحَرَّمُ إلَّا إنْ كَانَ تَهَوَّدَ أَوَّلُ أُصُولِهَا بَعْدَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَرَّ أَنَّ بَعْثَةَ عِيسَى غَيْرُ نَاسِخَةٍ وَقَدْ يُجَابُ بِمَنْعِ الْبِنَاءِ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ شَرَفَهُمْ اقْتَضَى أَنْ لَا يُحَرَّمُوا إلَّا بَعْدَ بَعْثَةٍ نَاسِخَةٍ قَطْعًا لِقُوَّتِهَا فَلَا شُبْهَةَ بِخِلَافِ الْمُحْتَمَلَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ .
( تَنْبِيهٌ ) :
يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي مِنْ حُرْمَةِ الْمُتَوَلِّدَةِ بَيْنَ مَنْ تَحِلُّ وَمَنْ لَا تَحِلُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ هُنَا فِي الْإِسْرَائِيلِيَّة وَغَيْرِهَا " أَوَّلُ آبَائِهَا " أَوَّلُ الْمُنْتَقِلِينَ مِنْهُمْ وَأَنَّهُ يَكْفِي فِي تَحْرِيمِهَا دُخُولُ وَاحِدٍ مِنْ آبَائِهَا بَعْدَ النَّسْخِ أَوْ التَّحْرِيفِ عَلَى مَا مَرَّ وَإِنْ لَمْ يَنْتَقِلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ غَيْرُهُ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ صَارَتْ مُتَوَلِّدَةً بَيْنَ مَنْ يَحِلُّ وَمَنْ تُحَرَّمُ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَكْفِي هُنَا بَعْضُ آبَائِهَا مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ نَظِيرَ مَا يَأْتِي ثَمَّ .
323 كَمَا وَقَعَ لِعُثْمَانَ أَنَّهُ نَكَحَ نَصْرَانِيَّةً كَلْبِيَّةً فَأَسْلَمَتْ وَحَسُنَ إسْلَامُهَا وَهُوَ وَغَيْرُهُ أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ إنْ وَجَدَ مُسْلِمَةً أَيْ تُصَلِّي وَإِلَّا فَهِيَ أَوْلَى مِنْ مُسْلِمَةٍ لَا تُصَلِّي عَلَى مَا مَرَّ أَوْ النِّكَاحِ ( وَالْكِتَابِيَّةُ يَهُودِيَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى { أَنْ تَقُولُوا إنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا } ( لَا مُتَمَسِّكَةٌ بِالزَّبُورِ وَغَيْرِهِ ) كَصُحُفِ شِيثٍ وَإِدْرِيسَ وَإِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمْ فَلَا تَحِلُّ وَإِنْ أَقَرُّوا بِالْجِزْيَةِ سَوَاءٌ أَثَبَتَ تَمَسُّكُهَا بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ أَمْ بِالتَّوَاتُرِ أَمْ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَسْلَمَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِمْ مَعَانِيهَا لَا أَلْفَاظُهَا أَوْ لِكَوْنِهَا حِكَمًا وَمَوَاعِظَ لَا أَحْكَامًا وَشَرَائِعَ وَفَرَّقَ الْقَفَّالُ بَيْنَ الْكِتَابِيَّةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ فِيهَا نَقْصَ الْكُفْرِ فِي الْحَالِ ، وَغَيْرُهَا فِيهِ مَعَ ذَلِكَ نَقْصُ فَسَادِ الدِّينِ فِي الْأَصْلِ ( فَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْكِتَابِيَّةُ ) أَيْ لَمْ يَتَحَقَّقْ كَوْنُهَا ( إسْرَائِيلِيَّةً ) أَيْ مِنْ نَسْلِ إسْرَائِيلَ وَهُوَ يَعْقُوبُ صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَعْنَى " إسْرَا " عَبْدٌ وَ " إيَّلَ " اللَّهُ بِأَنْ عَرَفَ أَنَّهَا غَيْرُ إسْرَائِيلِيَّةٍ أَوْ شَكَّ أَهِيَ إسْرَائِيلِيَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا ؟ ( فَالْأَظْهَرُ حِلُّهَا ) لِلْمُسْلِمِ وَالْكِتَابِيِّ .
( وَإِنْ عَلِمَ ) بِالتَّوَاتُرِ أَوْ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَسْلَمَا لَا بِقَوْلِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَإِنَّمَا قُبِلَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْجِزْيَةِ تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدِّمَاءِ وَبِمَا تَقَرَّرَ فِي الْعَدْلَيْنِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ الْعِلْمُ أَوْ الظَّنُّ الْقَوِيُّ إذْ إخْبَارُهُمَا إنَّمَا يُفِيدُهُ لَكِنَّهُ ظَنَّ إقَامَةَ الشَّارِعِ مَقَامَ الْيَقِينِ وَلَمْ يَكْفِ وَاحِدٌ احْتِيَاطًا لِلنِّكَاحِ نَعَمْ قِيَاسُ قَوْلِهِمْ لَوْ أَخْبَرَ زَوْجَةَ الْمَفْقُودِ عَدْلٌ بِمَوْتِهِ حَلَّ لَهَا التَّزَوُّجُ أَيْ بَاطِنًا الْحِلُّ بَاطِنًا هُنَا بِإِخْبَارِ الْعَدْلِ فَهُمَا شَرْطَانِ بِالنِّسْبَةِ لِلظَّاهِرِ فَقَطْ وَحِينَئِذٍ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا عِنْدَ الْقَاضِي كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَكَأَنَّ مَنْ عَبَّرَ مَرَّةً بِشَهَادَتِهِمَا وَمَرَّةً بِإِخْبَارِهِمَا لَحَظَ ذَلِكَ فَالْأَوَّلُ بِالنِّسْبَةِ لِلظَّاهِرِ وَالثَّانِي بِالنِّسْبَةِ لِلْبَاطِنِ ( دُخُولَ قَوْمِهَا ) أَيْ أَوَّلِ آبَائِهَا ( فِي ذَلِكَ الدِّينِ ) أَيْ دِينِ مُوسَى أَوْ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ ( قَبْلَ نَسْخِهِ وَتَحْرِيفِهِ ) أَوْ قَبْلَ نَسْخِهِ أَوْ بَعْدَ تَحْرِيفِهِ وَاجْتَنَبُوا الْمُحَرَّفَ يَقِينًا لِتَمَسُّكِهِمْ بِهِ حِينَ كَانَ حَقًّا فَالْحِلُّ لِفَضِيلَةِ الدِّينِ وَحْدَهَا وَمِنْ ثَمَّ سَمَّى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِرَقْلَ وَأَصْحَابَهُ أَهْلَ الْكِتَابِ فِي كِتَابِهِ إلَيْهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا إسْرَائِيلِيِّينَ ( وَقِيلَ يَكْفِي ) دُخُولُهُمْ بَعْدَ تَحْرِيفِهِ وَإِنْ لَمْ يَجْتَنِبُوا الْمُحَرَّفَ إذَا كَانَ ذَلِكَ ( قَبْلَ نَسْخِهِ ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ تَزَوَّجُوا مِنْهُمْ وَلَمْ يَبْحَثُوا .
وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ لِبُطْلَانِ فَضِيلَةِ الدِّينِ بِتَحْرِيفِهِ وَخَرَجَ بِعَلِمَ مَا لَوْ شَكَّ هَلْ دَخَلُوا قَبْلَ التَّحْرِيفِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ قَبْلَ النَّسْخِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلَا ذَبَائِحُهُمْ أَخْذًا بِالْأَحْوَطِ وَبِقَبْلِ ذَلِكَ 324 الَّذِي ذَكَرَهُ وَذَكَرْنَاهُ مَا لَوْ دَخَلُوا بَعْدَ التَّحْرِيفِ وَلَمْ يَجْتَنِبُوا وَلَوْ احْتِمَالًا أَوْ بَعْدَ النَّسْخِ كَمَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ بَعْدَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ تَهَوَّدَ بَعْدَ بَعْثَةِ عِيسَى بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِشَرِيعَةِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ وَقِيلَ : إنَّهَا مُخَصِّصَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ وَإِنْ انْتَصَرَ لَهُ السُّبْكِيُّ لِاحْتِمَالِهِ النَّسْخَ أَيْضًا إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي نَسْخِ الشَّرِيعَةِ لِمَا قَبْلَهَا رَفْعُهَا لِجَمِيعِ أَحْكَامِهَا .
وَقَوْلُ السُّبْكِيّ يَنْبَغِي الْحِلُّ فِيمَنْ عَلِمَ دُخُولَ أَوَّلِ أُصُولِهِمْ وَشَكَّ هَلْ هُوَ قَبْلَ نَسْخٍ أَوْ تَحْرِيفٍ أَوْ بَعْدَهُمَا قَالَ وَإِلَّا فَمَا مِنْ كِتَابِيٍّ الْيَوْمَ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ إسْرَائِيلِيٌّ إلَّا وَيُحْتَمَلُ فِيهِ ذَلِكَ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا تَحِلَّ ذَبَائِحُ أَحَدٍ مِنْهُمْ الْيَوْمَ وَلَا مُنَاكَحَتُهُمْ بَلْ وَلَا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ كَبَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَقَيْنُقَاعَ وَطُلِبَ مِنِّي بِالشَّامِ مَنْعُهُمْ مِنْ الذَّبَائِحِ فَأَبَيْتُ لِأَنَّ يَدَهُمْ عَلَى ذَبِيحَتِهِمْ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ ، وَمَنَعَهُمْ قَبْلِي مُحْتَسِبٌ بِفَتْوَى بَعْضِهِمْ وَلَا بَأْسَ بِالْمَنْعِ وَأَمَّا الْفَتْوَى بِهِ فَجَهْلٌ وَاشْتِبَاهٌ عَلَى مَنْ أَفْتَى بِهِ ا هـ مُلَخَّصًا ضَعِيفٌ عَلَى أَنَّ فِيهِ مُنَاقَشَاتٍ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِهَا أَمَّا الْإِسْرَائِيلِيَّة يَقِينًا بِالتَّوَاتُرِ أَوْ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ لَا الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَمَا مَرَّ بِمَا فِيهِ فَتَحِلُّ مُطْلَقًا لِشَرَفِ نَسَبِهَا مَا لَمْ يُتَيَقَّنْ دُخُولُ أَوَّلِ آبَائِهَا فِي ذَلِكَ الدِّينِ بَعْدَ بَعْثَةٍ تَنْسَخُهُ لِسُقُوطِ فَضِيلَتِهِ بِنَسْخِهِ وَهِيَ بَعْثَةُ عِيسَى أَوْ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ لَا بَعْثَةُ مَنْ بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ أُرْسِلُوا بِالتَّوْرَاةِ ، وَزَبُورُ دَاوُد قَدْ مَرَّ أَنَّهُ حِكَمٌ وَمَوَاعِظُ وَلَا يُؤَثِّرُ هُنَا تَمَسُّكُهُمْ بِالْمُحَرَّفِ قَبْلَ النَّسْخِ لِمَا ذُكِرَ وَاقْتِضَاءُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ أَنَّ الْإِسْرَائِيلِيَّة وَلَوْ يَهُودِيَّةً لَا تُحَرَّمُ إلَّا إنْ كَانَ تَهَوَّدَ أَوَّلُ أُصُولِهَا بَعْدَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَرَّ أَنَّ بَعْثَةَ عِيسَى غَيْرُ نَاسِخَةٍ وَقَدْ يُجَابُ بِمَنْعِ الْبِنَاءِ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ شَرَفَهُمْ اقْتَضَى أَنْ لَا يُحَرَّمُوا إلَّا بَعْدَ بَعْثَةٍ نَاسِخَةٍ قَطْعًا لِقُوَّتِهَا فَلَا شُبْهَةَ بِخِلَافِ الْمُحْتَمَلَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ .
( تَنْبِيهٌ ) :
يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي مِنْ حُرْمَةِ الْمُتَوَلِّدَةِ بَيْنَ مَنْ تَحِلُّ وَمَنْ لَا تَحِلُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ هُنَا فِي الْإِسْرَائِيلِيَّة وَغَيْرِهَا " أَوَّلُ آبَائِهَا " أَوَّلُ الْمُنْتَقِلِينَ مِنْهُمْ وَأَنَّهُ يَكْفِي فِي تَحْرِيمِهَا دُخُولُ وَاحِدٍ مِنْ آبَائِهَا بَعْدَ النَّسْخِ أَوْ التَّحْرِيفِ عَلَى مَا مَرَّ وَإِنْ لَمْ يَنْتَقِلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ غَيْرُهُ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ صَارَتْ مُتَوَلِّدَةً بَيْنَ مَنْ يَحِلُّ وَمَنْ تُحَرَّمُ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَكْفِي هُنَا بَعْضُ آبَائِهَا مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ نَظِيرَ مَا يَأْتِي ثَمَّ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث