تحفة المحتاج في شرح المنهاج
تحفة المحتاج في شرح المنهاج · الجزء التاسع
الصفحة 9871 · ص. المطبوع 223 · الشرح
( وَجَوَابُ سَلَامٍ ) مَسْنُونٌ وَإِنْ كُرِهَتْ صِيغَتُهُ وَلَوْ مَعَ رَسُولٍ أَوْ فِي كِتَابٍ ، لَكِنْ هُنَا يَكْفِي جَوَابُهُ كِتَابَةً ، وَيَجِبُ فِيهَا إنْ لَمْ يُرِدْ لَفْظًا الْفَوْرُ فِيمَا يَظْهَرُ ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ .
وَيُسَنُّ الرَّدُّ عَلَى الْمُبَلِّغِ وَالْبُدَاءَةُ بِهِ ، فَيَقُولُ : وَعَلَيْك وَعَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ فِيهِ 223 مِنْ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ غَيْرِ مُتَحَلِّلٍ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ ( عَلَى جَمَاعَةٍ ) أَيْ : اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ مُكَلَّفِينَ أَوْ سُكَارَى لَهُمْ نَوْعُ تَمْيِيزٍ سَمِعُوهُ ، أَمَّا وُجُوبُهُ فَإِجْمَاعٌ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ إسْقَاطُ الْمُسْلِمِ لِحَقِّهِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى وَفِي الْأَذْكَارِ : يُسَنُّ أَنْ يُحَلِّلَهُ بِنَحْوِ أَبْرَأْته مِنْ حَقِّي فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ ، وَأَمَّا كَوْنُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ فَلِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَلَمْ يُضَعِّفْهُ : يُجْزِئُ عَنْ الْجَمَاعَةِ إذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ ، وَيُجْزِئُ عَنْ الْجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ فِيهِ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْ الْبَاقِينَ وَيَخْتَصُّ بِالثَّوَابِ فَإِنْ رَدُّوا كُلُّهُمْ وَلَوْ مُرَتَّبًا أُثِيبُوا ثَوَابَ الْفَرْضِ كَالْمُصَلِّينَ عَلَى الْجِنَازَةِ .
وَلَوْ رَدَّتْ امْرَأَةٌ عَنْ رَجُلٍ أَجْزَأَ إنْ شُرِعَ السَّلَامُ عَلَيْهَا ، وَإِلَّا فَلَا ، أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ لَمْ يَسْقُطْ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْجِنَازَةِ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ الدُّعَاءُ وَهُوَ مِنْهُ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ ، وَهُنَا إلَّا مَنْ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُجْزِئُ تَشْمِيتُ الصَّبِيِّ عَنْ جَمْعٍ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّبَرُّكُ وَالدُّعَاءُ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ .
وَلَوْ سَلَّمَ جَمْعٌ مُتَرَتِّبُونَ عَلَى وَاحِدٍ فَرَدَّ مَرَّةً قَاصِدًا جَمِيعَهُمْ وَكَذَا لَوْ أُطْلِقَ عَلَى الْأَوْجَهِ إجْزَاءٌ مَا لَمْ يَحْصُلْ فَصْلٌ ضَارٌّ . وَدَخَلَ فِي قَوْلِي : مَسْنُونٌ سَلَامُ امْرَأَةٍ عَلَى امْرَأَةٍ أَوْ نَحْوُ مَحْرَمٍ أَوْ سَيِّدٍ أَوْ زَوْجٍ ، وَكَذَا عَلَى أَجْنَبِيٍّ وَهِيَ عَجُوزٌ لَا تُشْتَهَى ، وَيَلْزَمُهَا فِي هَذِهِ الصُّوَرِ رَدُّ سَلَامِ الرَّجُلِ ، أَمَّا مُشْتَهَاةٌ لَيْسَ مَعَهَا امْرَأَةٌ أُخْرَى فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا رَدُّ سَلَامِ أَجْنَبِيٍّ وَمِثْلُهُ ابْتِدَاؤُهُ ، وَيُكْرَهُ لَهُ رَدُّ سَلَامِهَا وَمِثْلُهُ ابْتِدَاؤُهُ أَيْضًا ، وَالْفَرْقُ أَنَّ رَدَّهَا وَابْتِدَاءَهَا يُطْمِعُهُ فِيهَا أَكْثَرَ بِخِلَافِ ابْتِدَائِهِ وَرَدِّهِ ، وَالْخُنْثَى مَعَ الرَّجُلِ كَامْرَأَةٍ وَمَعَ الْمَرْأَةِ كَرَجُلٍ فِي النَّظَرِ ، فَكَذَا هُنَا .
وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمْعِ نِسْوَةٍ وَجَبَ رَدُّ إحْدَاهُنَّ ، إذْ لَا يُخْشَى فِتْنَةٌ حِينَئِذٍ ، وَمِنْ ثَمَّ حَلَّتْ الْخَلْوَةُ بِامْرَأَتَيْنِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَدَ هُنَا كَالرَّجُلِ 224 ابْتِدَاءً وَرَدًّا .
وَسَلَامُ ذِمِّيٍّ فَيَجِبُ رَدُّهُ بِعَلَيْك كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ ، لَكِنْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ : إنَّهُ يُسَنُّ وَلَا يَجِبُ ، وَسَلَامُ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ مُمَيِّزٍ فَيَجِبُ رَدُّهُ أَيْضًا ، وَكَذَا سَكْرَانَ مُمَيِّزٍ لَمْ يَعْصِ بِسُكْرِهِ .
وَقَوْلُ الْمَجْمُوعِ : لَا يَجِبُ رَدُّ سَلَامِ مَجْنُونٍ أَوْ سَكْرَانَ يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الْمُمَيِّزِ ، وَزَعَمَ أَنَّ الْجُنُونَ وَالسُّكْرَ يُنَافِيَانِ التَّمْيِيزَ غَفْلَةً عَمَّا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ عَدَمِ التَّنَافِي ، أَمَّا الْمُتَعَدِّي فَفَاسِقٌ ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُمَيَّزِ فَلَيْسَ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِلْخِطَابِ كَالْمَجْنُونِ ، وَالْمُلْحَقُ بِالْمُكَلَّفِ إنَّمَا هُوَ الْمُتَعَدِّي ، فَإِنْ قُلْت : قَضِيَّةُ هَذَا وُجُوبُ الرَّدِّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يُمَيِّزْ كَالصَّلَاةِ ، قُلْت : فَائِدَةُ الْوُجُوبِ فِي نَحْوِ الصَّلَاةِ مِنْ انْعِقَادِ السَّبَبِ فِي حَقِّهِ حَتَّى يَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ مُنْتَفِيَةٌ هُنَا ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ لَا يُقْضَى كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَانْدَفَعَ مَا لِلشَّارِحِ هُنَا ، نَعَمْ لَوْ قِيلَ : فَائِدَتُهُ الْإِثْمُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ لَمْ يَبْعُدْ . وَلَعَلَّهُ مُرَادُ ذَلِكَ الشَّارِحِ ، وَخَرَجَ بِهِ السَّلَامُ عَلَى قَاضِي الْحَاجَةِ وَمَنْ مَعَهُ ، فَلَا يَجِبُ رَدُّهُ كَمَا يَأْتِي ، وَإِنَّمَا يُجْزِئُ الرَّدُّ إنْ اتَّصَلَ بِالسَّلَامِ كَاتِّصَالِ قَبُولِ الْبَيْعِ بِإِيجَابِهِ ، وَخَرَجَ بِغَيْرِ مُتَحَلِّلٍ إلَخْ سَلَامُ التَّحَلُّلِ مِنْ الصَّلَاةِ ، إذَا نَوَى الْحَاضِرُ عِنْدَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ عَلَى الْأَوْجَهِ ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَلَامِ التَّلَاقِي بِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ الْأَمْنُ وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالرَّدِّ ، وَهُنَا التَّحَلُّلُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ قَصْدِ الْحَاضِرِ بِهِ لِتَعُودَ عَلَيْهِ بَرَكَتُهُ ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ ، وَإِنَّمَا حَنِثَ بِهِ الْحَالِفُ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ وَالسَّلَامِ ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِيهِمَا عَلَى صِدْقِ الِاسْمِ لَا غَيْرٍ ، وَلَا رَدَّ سَلَامِ فَاسِقٍ أَوْ مُبْتَدِعٍ زَجْرًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ ، وَإِنْ شَرَعَ سَلَامُهُ ، وَخَرَجَ بِجَمَاعَةٍ الْوَاحِدُ فَالرَّدُّ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَيْهِ . وَلَا بُدَّ فِي الِابْتِدَاءِ وَالرَّدِّ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ السَّمَاعُ 225 بِالْفِعْلِ وَلَوْ فِي ثَقِيلِ السَّمْعِ ، نَعَمْ إنْ مَرَّ عَلَيْهِ سَرِيعًا بِحَيْثُ لَمْ يَبْلُغْهُ صَوْتُهُ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الرَّفْعُ وَسِعَهُ دُونَ الْعَدْوِ خَلْفَهُ ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِ جَمِيعِ الصِّيغَةِ ابْتِدَاءً وَرَدًّا ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إجَابَةِ مُؤَذِّنٍ سَمِعَ بَعْضَهُ ظَاهِرٌ ، وَمَرَّ أَنَّهُ لَوْ بَلَّغَهُ رَسُولٌ سَلَامَ الْغَيْرِ ، قَالَ : وَعَلَيْك وَعَلَيْهِ السَّلَامُ ؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ لَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ وَحَيْثُ زَالَتْ الْفَوْرِيَّةُ فَلَا قَضَاءَ ، خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الرُّويَانِيِّ ، وَيَجِبُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْأَصَمِّ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْإِشَارَةِ بِنَحْوِ الْيَدِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ إلَّا إنْ جَمَعَ لَهُ الْمُسَلِّمُ عَلَيْهِ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْإِشَارَةِ ، وَيُغْنِي عَنْ الْإِشَارَةِ فِي الْأَوَّلِ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ الْعِلْمُ بِأَنَّ الْأَخْرَسَ فَهِمَ بِقَرِينَةِ الْحَالِ ، وَالنَّظَرِ إلَى فَمِهِ الرَّدُّ عَلَيْهِ ، وَتَكْفِي إشَارَةُ الْأَخْرَسِ ابْتِدَاءً وَرَدًّا ، وَصِيغَتُهُ ابْتِدَاءً وَجَوَابًا : عَلَيْك السَّلَامُ وَعَكْسُهُ ، وَيَجُوزُ تَنْكِيرُ لَفْظِهِ وَإِنْ حَذَفَ التَّنْوِينَ فِيمَا يَظْهَرُ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ فِي سَلَامِ الصَّلَاةِ حَتَّى عِنْدَ الرَّافِعِيِّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْوَارِدِ بِوَجْهٍ ، وَجَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّهُ يُجْزِئُ سَلَامًا عَلَيْكُمْ ، وَكَذَا سَلَامُ اللَّهِ ، قِيلَ : لَا سَلَامِي وَفِيهِ نَظَرٌ ، بَلْ الْأَوْجَهُ إجْزَاءُ عَلَيْك وَعَكْسُهُ كَمَا بَحَثَ . وَالْأَفْضَلُ فِي الرَّدِّ وَاوٌ قَبْلَهُ ، وَتَضُرُّ فِي الِابْتِدَاءِ كَالِاقْتِصَارِ فِي أَحَدِهِمَا عَلَى أَحَدِ جُزْأَيْ الْجُمْلَةِ إلَّا وَعَلَيْك رَدُّ السَّلَامِ الذِّمِّيِّ ، وَإِنْ نَوَى إضْمَارَ الْآخَرِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْجَوَاهِرِ وَيُسَنُّ عَلَيْكُمْ فِي الْوَاحِدِ نَظَرًا لِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، وَزِيَادَةُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ ، وَلَا تَجِبُ وَإِنْ أَتَى الْمُسَلِّمُ بِهَا ، وَيَظْهَرُ إجْزَاءُ سَلَّمْت عَلَيْك وَأَنَا مُسَلِّمٌ عَلَيْك وَنَحْوُ ذَلِكَ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ يُجْزِئُ فِي صَلَاةِ التَّشَهُّدِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَالصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَنَحْوُهُمَا
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث