الإنصاف
الإنصاف · الجزء الحادي عشر
الصفحة 5491 · ص. المطبوع 50
50 بَابُ جَامِعِ الْأَيْمَانِ
قَوْلُهُ ( يُرْجَعُ فِي الْأَيْمَانِ إلَى النِّيَّةِ ) . هَذَا الْمَذْهَبُ . وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ . وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ . وَقَالَ الْقَاضِي : يُقَدَّمُ عُمُومُ لَفْظِهِ عَلَى النِّيَّةِ احْتِيَاطًا .
تَنْبِيهٌ : قَوْلُهُ " يَرْجِعُ فِي الْأَيْمَانِ إلَى النِّيَّةِ " مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ بِهَا غَيْرَ ظَالِمٍ . نَصَّ عَلَيْهِ . عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَأَنْ يَحْتَمِلَهَا لَفْظُهُ مُطْلَقًا . عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ . قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ . وَجَزَمَ بِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ . وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ . وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ ، وَجَمَاعَةٌ : وَيُقْبَلُ مِنْهُ فِي الْحُكْمِ إذَا قَرُبَ الِاحْتِمَالُ ، وَإِنْ قَوِيَ بُعْدُهُ مِنْهُ : لَمْ يُقْبَلْ . وَإِنْ تَوَسَّطَ : فَرِوَايَتَانِ . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ . وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ " بَابِ التَّأْوِيلِ فِي الْحَلِفِ " . وَتَقَدَّمَ تَصْوِيرُ بَعْضِ مَسَائِلَ مِنْ ذَلِكَ ، وَذِكْرُ الْخُرُوجِ مِنْ مَضَايِقِ الْأَيْمَانِ مُسْتَوْفًى فِي " بَابِ التَّأْوِيلِ فِي الْحَلِفِ " فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ فَلْيُرَاجَعْ . قَوْلُهُ ( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ : رَجَعَ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ . وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ . وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ ، وَالْوَجِيزُ ، وَتَذْكِرَةُ ابْنِ عَبْدُوسٍ ، وَالْمُنَوِّرُ ، وَمُنْتَخَبُ الَأَدَمِيِّ ، وَغَيْرُهُمْ . وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ ، وَغَيْرِهِ . قَالَ فِي الْفُرُوعِ : وَقَدَّمَ السَّبَبَ عَلَى النِّيَّةِ الْخِرَقِيُّ ، وَالْإِرْشَادُ ، وَالْمُبْهِجُ .
51 وَحَكَى رِوَايَةً . وَقَدَّمَهُ الْقَاضِي بِمُوَافَقَتِهِ لِلْوَضْعِ . وَعَنْهُ : يُقَدَّمُ عُمُومُ لَفْظِهِ عَلَى سَبَبِ الْيَمِينِ احْتِيَاطًا . وَذَكَرَ الْقَاضِي : وَعَلَى النِّيَّةِ أَيْضًا . انْتَهَى . وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ : اعْتَمَدَ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ تَقْدِيمَ النِّيَّةِ عَلَى السَّبَبِ . وَعَكَسَ ذَلِكَ الشِّيرَازِيُّ . فَقَدَّمَ السَّبَبَ عَلَى النِّيَّةِ . انْتَهَى . قُلْت : وَقَطَعَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ . وَقَوْلُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ " وَقَدَّمَ الْخِرَقِيُّ السَّبَبَ عَلَى النِّيَّةِ " غَيْرُ مُسَلَّمٍ . وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ أَيْضًا لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ : إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَا ظَاهِرَ اللَّفْظِ ، وَلَا غَيْرَ ظَاهِرِهِ رَجَعَ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا ، أَيْ أَثَارَهَا . فَإِذَا حَلَفَ " لَا يَأْوِي مَعَ امْرَأَتِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ " وَكَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ غَيْظًا مِنْ جِهَةِ الدَّارِ لِضَرَرٍ لَحِقَهُ مِنْ جِيرَانِهَا ، أَوْ مِنَّةٍ حَصَلَتْ عَلَيْهِ بِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ : اخْتَصَّتْ يَمِينُهُ بِهَا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ . وَإِنْ كَانَ لِغَيْظٍ مِنْ الْمَرْأَةِ يَقْتَضِي جَفَاءَهَا ، وَلَا أَثَرَ لِلدَّارِ فِيهِ : تَعَدَّى ذَلِكَ إلَى كُلِّ دَارٍ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا بِالنَّصِّ وَمَا عَدَاهَا بِعِلَّةِ الْجَفَاءِ الَّتِي اقْتَضَاهَا السَّبَبُ . وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ ( لَا يَدْخُلُ بَلَدًا ) لِظُلْمٍ رَآهُ فِيهِ ، وَ ( لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا ) لِشُرْبِهِ الْخَمْرَ . فَزَالَ الظُّلْمُ ، وَتَرَكَ زَيْدٌ شُرْبَ الْخَمْرِ : جَازَ لَهُ الدُّخُولُ وَالْكَلَامُ ، لِزَوَالِ الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْيَمِينِ .
وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ اللَّفْظُ خَاصًّا ، وَالسَّبَبُ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ ، كَمَا مَثَّلْنَاهُ أَوَّلًا ، أَوْ كَانَ اللَّفْظُ عَامًا وَالسَّبَبُ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ ، كَمَا مَثَّلْنَاهُ ثَانِيًا . وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ فِيمَا عَلِمْت فِي الرُّجُوعِ إلَى السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِلتَّعْمِيمِ وَاخْتُلِفَ فِي عَكْسِهِ . فَقِيلَ : فِيهِ وَجْهَانِ . 52 وَقِيلَ : رِوَايَتَانِ . وَبِالْجُمْلَةِ : فِيهِ قَوْلَانِ ، أَوْ ثَلَاثَةٌ . أَحَدُهَا : وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ وَفِي غَيْرِهِ ، وَاخْتِيَارُ عَامَّةِ أَصْحَابِهِ : الشَّرِيفِ ، وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا : يُؤْخَذُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ . وَهُوَ مُقْتَضَى نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَذَكَرَهُ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَاخْتِيَارُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ : يُحْمَلُ اللَّفْظُ الْعَامُّ عَلَى السَّبَبِ . وَيَكُونُ ذَلِكَ السَّبَبُ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ الْعَامَّ أُرِيدَ بِهِ خَاصٌّ . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ فِيمَا إذَا حَلَفَ " لَا يَدْخُلُ الْبَلَدَ " لِظُلْمٍ رَآهُ فِيهِ . وَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ فِيمَا إذَا دُعِيَ إلَى غَدَاءٍ ، فَحَلَفَ " لَا يَتَغَدَّى " أَوْ حَلَفَ " لَا يَخْرُجُ عَبْدُهُ وَلَا زَوْجَتُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ " وَالْحَالُ يَقْتَضِي مَا دَامَا كَذَلِكَ . وَقَدْ أَشَارَ الْقَاضِي إلَى هَذَا التَّعْلِيقِ . انْتَهَى كَلَامُ الزَّرْكَشِيّ . وَقَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الرَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ وَتَبِعَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ : هَلْ يُخَصُّ اللَّفْظُ الْعَامُّ بِسَبَبِهِ الْخَاصِّ ، إذَا كَانَ السَّبَبُ هُوَ الْمُقْتَضِي لَهُ ، أَمْ يُقْضَى بِعُمُومِ اللَّفْظِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا : الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ . اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ ، وَالْآمِدِيُّ ، وَأَبُو الْفَتْحِ الْحَلْوَانِيُّ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، وَغَيْرُهُمْ . وَأَخَذُوهُ مِنْ نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ ، فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَصْطَادُ مِنْ نَهْرٍ ، لِظُلْمٍ رَآهُ فِيهِ . ثُمَّ زَالَ الظُّلْمُ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : النَّذْرُ يُوَفِّي بِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : الْعِبْرَةُ بِخُصُوصِ السَّبَبِ ، لَا بِعُمُومِ اللَّفْظِ .
53 وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُغْنِي ، وَالْبُلْغَةِ ، وَالْمُحَرَّرِ . لَكِنَّ الْمَجْدَ اسْتَثْنَى صُورَةَ النَّهْرِ وَمَا أَشْبَهَهَا ، كَمَنْ حَلَفَ " لَا يَدْخُلُ بَلَدًا " لِظُلْمٍ رَآهُ فِيهِ . ثُمَّ زَالَ الظُّلْمُ . فَجَعَلَ الْعِبْرَةَ فِي ذَلِكَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ . وَعَدَّى الْمُصَنِّفُ الْخِلَافَ إلَيْهَا . وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ ، وَقَالَ : هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ . وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمُجَرَّدِ . وَاخْتَارَهُ الشِّيحُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ النَّهْرِ الْمَنْصُوصَةِ ، وَذَكَرَهُ . قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ : وَهَذَا أَحْسَنُ . وَقَدْ يَكُونُ لَحَظَ هَذَا جَدُّهُ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث