الفروع
الفروع · الجزء السادس
الصفحة 5507 · ص. المطبوع 567 · الشرح
وَلَا يُفَسَّقُ الْأَصْحَابُ ، وَلَيْسَ فِي الدِّينِ مُحَابَاةٌ ، وَإِنْ كَفَّرْتُمْ السَّلَفَ بِالِاخْتِلَافِ تَأَسَّيْنَا بِهِمْ ، وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ أَنَّ قَدَرِيَّةَ أَهْلِ الْأَثَرِ كَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ وَالْأَصَمِّ مُبْتَدِعَةٌ ، وَفِي شَهَادَتِهِمْ وَجْهَانِ ، وَأَنَّ الْأَوْلَى لَا تُقْبَلُ ، لِأَنَّ أَقَلَّ مَا فِيهِ الْفِسْقُ .
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ السِّرُّ الْمَصُونُ : رَأَيْت جَمَاعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ أَقْدَمُوا عَلَى تَكْفِيرِ الْمُتَأَوِّلِينَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ بِالْكُفْرِ عَلَى مَنْ خَالَفَ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ وَلَمْ يَحْتَمِلْ حَالُهُ تَأْوِيلًا ، وَأَقْبَحُ حَالًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُكَفِّرِينَ قَوْمٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ كَفَّرُوا عَوَامَّ الْمُسْلِمِينَ وَزَعَمُوا أَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْعَقِيدَةَ بِأَدِلَّتِهَا الْمُحَرَّرَةِ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلشَّرِيعَةِ ، فَإِنَّهَا حَكَمَتْ بِإِسْلَامِ أَجْلَافِ الْعَرَبِ وَالْجُهَّالِ ، انْتَهَى كَلَامُهُ ، وَجَزَمَ فِي 567 الْفُنُونِ فِي مَكَان بِأَنَّ الْإِسْرَاءَ يَقَظَةً ، كَقَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ ، لِأَنَّهُ لَا يُسَبِّحُ نَفْسَهُ إلَّا عِنْدَ كَبِيرَةٍ ، وَالْعَبْدُ لِلرُّوحِ وَالْجَسَدِ ، وَلَا مَعْنَى لِذِكْرِ الْمَسَافَةِ فِي الْمَنَامِ ، وَلِأَنَّ الْمَنَامَ لَا يَحْتَاجُ إلَى سَمْعٍ وَبَصَرٍ ، وَلَوْ كَانَ مَنَامًا لَمْ يُنْكِرُوهُ عَلَيْهِ .
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ فِي خَبَرِ غَيْرِ الدَّاعِيَةِ رِوَايَاتٍ : الثَّالِثَةُ إنْ كَانَتْ مُفَسِّقَةً قُبِلَ .
وَإِنْ كَانَتْ مُكَفِّرَةً رُدَّ ، وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي الْبُغَاةِ ، وَاخْتَارَ شَيْخُنَا لَا يُفَسَّقُ أَحَدٌ ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ فِي الْمُقَلِّدِ ، كَالْفُرُوعِ ، لِأَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا لَيْسَتْ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَلَا تَصِحُّ ، وَإِنْ نَهَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ الْأَخْذِ عَنْهُمْ لِعِلَّةِ الْهَجْرِ ، وَهِيَ تَخْتَلِفُ ، وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِ الْخَلَّالُ عَنْ قَوْمٍ ، لِنَهْيِ الْمَرُّوذِيِّ ، ثُمَّ رَوَى عَنْهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ ، قَالَ : وَجَعَلَ الْقَاضِي الدُّعَاءَ إلَى الْبِدْعَةِ قِسْمًا غَيْرَ دَاخِلٍ فِي مُطْلَقِ الْعَدَالَةِ وَالْبِدْعَةِ الْمُفَسِّقَةِ ، وَعَنْهُ : الدَّاعِيَةُ كَتَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَوْ أَحَدِهِمْ ، أَوْ لَمْ يَرَ مَسْحَ الْخُفِّ أَوْ غَسْلَ الرِّجْلِ ، وَعَنْهُ : لَا يَفْسُقُ مَنْ فَضَّلَ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَيُتَوَجَّهُ فِيهِ وَفِيمَنْ رَأَى الْمَاءَ مِنْ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ التَّسْوِيَةُ ، نَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يُقَدِّمُ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ : إنْ كَانَ جَاهِلًا لَا عِلْمَ لَهُ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ : الصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ لَا تُوجِبُ الْكُفْرَ لَا يَفْسُقُ الْمُقَلِّدُ فِيهَا لِخِفَّتِهَا ، مِثْلُ مَنْ يُفَضِّلُ عَلِيًّا عَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَيَقِفُ عَنْ تَكْفِيرِ مَنْ كَفَّرْنَاهُ مِنْ الْمُبْتَدَعَةِ ، ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَةَ ابْنِ هَانِئٍ 568 الْمَذْكُورَةَ ، وَقَوْلَ الْمَرُّوذِيِّ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إنَّ قَوْمًا يُكَفِّرُونَ مَنْ لَا يُكَفِّرُ فَأَنْكَرَهُ ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ : مَنْ يَجْتَرِئُ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ كَافِرٌ ؟ يَعْنِي مَنْ لَا يَكْفُرُ وَهُوَ يَقُولُ : الْقُرْآنُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ .
قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ : وَالصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ كَفَّرْنَا فِيهَا الدَّاعِيَةَ فَإِنَّا نُفَسِّقُ الْمُقَلِّدَ فِيهَا ، كَمَنْ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ، أَوْ أَنَّ أَلْفَاظَنَا بِهِ مَخْلُوقَةٌ ، أَوْ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ ، أَوْ أَنَّ أَسْمَاءَهُ مَخْلُوقَةٌ ، أَوْ أَنَّهُ لَا يَرَى فِي الْآخِرَةِ ، أَوْ يَسُبَّ الصَّحَابَةَ تَدَيُّنًا ، أَوْ أَنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ الِاعْتِقَادِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَمَنْ كَانَ عَالِمًا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْبِدَعِ يَدْعُو إلَيْهِ وَيُنَاظِرُ عَلَيْهِ فَهُوَ مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ ، نَصَّ أَحْمَدُ صَرِيحًا عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ ، قَالَ : وَاخْتَلَفَ عَنْهُ فِي تَكْفِيرِ الْقَدَرِيَّةِ بِنَفْيِ خَلْقِ الْمَعَاصِي عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَلَهُ فِي الْخَوَارِجِ كَلَامٌ يَقْتَضِي فِي تَكْفِيرِهِمْ رِوَايَتَيْنِ ، نَقَلَ حَرْبٌ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ صَاحِبِ بِدْعَةٍ ، وَلَا شَهَادَةُ قَاذِفِ حَدٍّ أَوْ لَا ، جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ ، لِقَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرَةَ : إنْ تُبْت قُبِلَتْ شَهَادَتُك . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ ،
وَاحْتَجُّوا بِهِ مَعَ اتِّفَاقٍ لِلنَّاسِ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، مَعَ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُ لِعَدَمِ تَوْبَتِهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ الْآيَةَ إنْ تَنَاوَلَتْهُ لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ لِفِسْقِهِ ، وَإِلَّا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، كَرِوَايَتِهِ ، لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ ، وَيُتَوَجَّهُ تَخَرُّجُ رِوَايَةِ : بَقَاءِ عَدَالَتِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ .
وَفِي الْعُدَّةِ لِلْقَاضِي : فَأَمَّا أَبُو بَكْرَةَ وَمَنْ جُلِدَ مَعَهُ فَلَا يُرَدُّ خَبَرُهُمْ ، لِأَنَّهُمْ جَاءُوا مَجِيءَ الشَّهَادَةِ ، وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْقَذْفِ ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ فِيهِ ، وَيُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ ، وَلَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِمَا يَسُوغُ 569 فِيهِ الِاجْتِهَادُ ، وَلِأَنَّ نُقْصَانَ الْعَدَدِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ ، فَلَا يَكُونُ سَبَبًا فِي رَدِّ شَهَادَتِهِ ، وَتَوْبَتُهُ تَكْذِيبُهُ نَفْسَهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، لِكَذِبِهِ حُكْمًا .
وَقَالَ الْقَاضِي وَالتَّرْغِيبُ : إنْ كَانَ شَهَادَةً قَالَ : الْقَذْفُ حَرَامٌ بَاطِلٌ وَلَنْ أَعُودَ إلَى مَا قُلْت ، وَجَزَمَ فِي الْكَافِي أَنَّ الصَّادِقَ يَقُولُ قَذْفِي لِفُلَانٍ بَاطِلٌ نَدِمْتُ عَلَيْهِ ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ فَاسِقٍ بِتَوْبَتِهِ لِحُصُولِ الْمَغْفِرَةِ بِهَا وَهِيَ النَّدَمُ وَالْإِقْلَاعُ وَالْعَزْمُ أَنْ لَا يَعُودَ ، وَقِيلَ : مَعَ قَوْلِ إنِّي تَائِبٌ وَنَحْوِهِ ، وَعَنْهُ : مُجَانَبَةُ قَرِينَةٍ فِيهِ ، وَعَنْهُ : مَعَ صَلَاحِ الْعَمَلِ سَنَةً ، وَقِيلَ فِيمَنْ فِسْقُهُ بِفِعْلٍ ، وَذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ رِوَايَةً ، وَعَنْهُ فِي مُبْتَدِعٍ ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَالْحَلْوَانِيُّ ، لِتَأْجِيلِ عُمَرَ صَبِيغًا ، وَقِيلَ فِي فَاسِقٍ وَقَاذِفٍ مُدَّةً يُعْلَمُ حَالُهُمَا .
وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَامِدٍ : يَجِيءُ عَلَى مَقَالَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا : مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا وُجُودُ أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ لِظَاهِرِ الْآيَةِ { إلَّا مَنْ تَابَ } وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { ۝ مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمَنْ أَسَاءَ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ } .
قَالَ : وَإِنْ عَلَّقَ تَوْبَتَهُ بِشَرْطٍ فَإِنَّهُ غَيْرُ تَائِبٍ حَالًا وَلَا عِنْدَ وُجُودِهِ ، وَيُعْتَبَرُ رَدُّ الْمَظْلِمَةِ وَأَنْ يَسْتَحِلَّهُ أَوْ يَسْتَمْهِلَهُ مُعْسِرٌ ، وَمُبَادَرَتُهُ إلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى حَسَبَ إمْكَانِهِ ، ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ : يُعْتَبَرُ رَدُّ الْمَظْلِمَةِ أَوْ بَدَلِهَا أَوْ نِيَّةُ الرَّدِّ مَتَى قَدَرَ ، وَعَنْهُ : لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ مُبْتَدِعٍ ، اخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث