إعلام الموقعين عن رب العالمين
إعلام الموقعين عن رب العالمين · الجزء الأول
فَصْلٌ [ مَثَلٌ مِنْ قِيَاسِ الْعَكْسِ ]
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا 124 يَعْلَمُونَ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } هَذَانِ مَثَلَانِ مُتَضَمِّنَانِ قِيَاسَيْنِ مِنْ قِيَاسِ الْعَكْسِ ، وَهُوَ نَفْيُ الْحُكْمِ لِنَفْيِ عِلَّتِهِ وَمُوجِبِهِ ، فَإِنْ الْقِيَاسَ نَوْعَانِ : قِيَاسُ طَرْدٍ يَقْتَضِي إثْبَاتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ لِثُبُوتِ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِيهِ ; وَقِيَاسُ عَكْسٍ يَقْتَضِي نَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ الْفَرْعِ لِنَفْيِ عِلَّةِ الْحُكْمِ فِيهِ ; فَالْمَثَلُ الْأَوَّلُ مَا ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِنَفْسِهِ وَلِلْأَوْثَانِ ، فَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمَالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُ كَيْف يَشَاءُ عَلَى عَبِيدِهِ سِرًّا وَجَهْرًا وَلَيْلًا وَنَهَارًا يَمِينُهُ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةُ سَحَّاءَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، وَالْأَوْثَانُ مَمْلُوكَةٌ عَاجِزَةٌ لَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ، فَكَيْف يَجْعَلُونَهَا شُرَكَاءَ لِي وَيَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِي مَعَ هَذَا التَّفَاوُتِ الْعَظِيمِ وَالْفَرْقِ الْمُبِينِ ؟
هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ ; وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ فِي الْخَيْرِ الَّذِي عِنْدَهُ ثُمَّ رَزَقَهُ مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ سِرًّا وَجَهْرًا ، وَالْكَافِرُ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ عَاجِزٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ لِأَنَّهُ لَا خَيْرَ عِنْدَهُ ، فَهَلْ يَسْتَوِي الرَّجُلَانِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعُقَلَاءِ ؟ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْبَهَ بِالْمُرَادِ ، فَإِنَّهُ أَظْهَرُ فِي بُطْلَانِ الشِّرْكِ ، وَأَوْضَحُ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ ، وَأَعْظَمُ فِي إقَامَةِ الْحُجَّةِ ، وَأَقْرَبُ نَسَبًا بِقَوْلِهِ : { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنْ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } ثُمَّ قَالَ : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ } وَمِنْ لَوَازِمِ هَذَا الْمِثْلِ وَأَحْكَامِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ الْمُوَحِّدُ كَمِنْ رَزَقَهُ مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ، وَالْكَافِرُ الْمُشْرِكُ كَالْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ، فَهَذَا مِمَّا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمِثْلُ وَأَرْشِدْ إلَيْهِ ، فَذَكَره ابْنُ عَبَّاسٍ مُنَبِّهًا عَلَى إرَادَتِهِ لَا أَنَّ الْآيَةَ اخْتَصَّتْ بِهِ ، فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّك تَجِدْهُ كَثِيرًا فِي كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ فِي فَهْمِ الْقُرْآنِ ، فَيُظَنُّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الْآيَةِ الَّتِي لَا مَعْنَى لَهَا غَيْرُهُ فَيَحْكِيه قَوْلُهُ .
فَصْلٌ .
وَأَمَّا الْمَثَلُ الثَّانِي فَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِنَفْسِهِ وَلِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ أَيْضًا فَالصَّنَمُ الَّذِي يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَبْكَمَ لَا يَعْقِلُ وَلَا يَنْطِقُ ، بَلْ هُوَ أَبْكَمُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ ، قَدْ عَدِمَ النُّطْقَ الْقَلْبِيَّ وَاللِّسَانِيَّ ، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ عَاجِزٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ أَلْبَتَّةَ ، وَمَعَ هَذَا فَأَيْنَمَا أَرَسْلَتَهُ لَا يَأْتِيَك بِخَيْرٍ ، وَلَا يَقْضِي لَك حَاجَةً ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ حَيٌّ قَادِرٌ مُتَكَلِّمٌ ، يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ، وَهُوَ صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ، وَهَذَا وَصْفٌ لَهُ بِغَايَةِ الْكَمَالِ وَالْحَمْدِ ، فَإِنَّ أَمْرَهُ بِالْعَدْلِ - وَهُوَ الْحَقُّ - يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَالَمٌ بِهِ ، مُعَلِّمٌ لَهُ ، رَاضٍ بِهِ ، آمِرٌ لِعِبَادِهِ بِهِ ، مُحِبٌّ لِأَهْلِهِ ، لَا 125 يَأْمُرُ بِسِوَاهُ ، بَلْ تَنَزَّهَ عَنْ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ الْجَوْرُ وَالظُّلْمُ وَالسَّفَهُ وَالْبَاطِلُ ، بَلْ أَمْرُهُ وَشَرْعُهُ عَدْلٌ كُلُّهُ ، وَأَهْلُ الْعَدْلِ هُمْ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَحِبَّاؤُهُ ، وَهُمْ الْمُجَاوِرُونَ لَهُ عَنْ يَمِينِهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ ، وَأَمْرُهُ بِالْعَدْلِ يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ الدِّينِيَّ وَالْأَمْرَ الْقَدَرِيَّ الْكَوْنِيَّ ، وَكِلَاهُمَا عَدْلٌ لَا جَوْرَ فِيهِ بِوَجْهٍ مَا ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُك ابْنُ عَبْدِك ابْنُ أَمَتِك ، نَاصِيَتِي بِيَدِك ، مَاضٍ فِي حُكْمُك ، عَدْلٌ فِي قَضَاؤُك } فَقَضَاؤُهُ هُوَ أَمْرُهُ الْكَوْنِيُّ .
فَإِنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ ، فَلَا يَأْمُرُ إلَّا بِحَقٍّ وَعَدْلٍ ، وَقَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ الْقَائِمُ بِهِ حَقٌّ وَعَدْلٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَقْضِيِّ الْمُقَدَّرِ مَا هُوَ جَوْرٌ وَظُلْمٌ فَالْقَضَاءُ غَيْرُ الْمَقْضِيِّ ، وَالْقَدَرُ غَيْرُ الْمُقَدَّرِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِ رَسُولِهِ شُعَيْبٍ : { إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبُّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } فَقَوْلُهُ : { مَا مِنْ دَابَّةٍ إلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } نَظِيرُ قَوْلِهِ : { نَاصِيَتِي بِيَدِك } وَقَوْلُهُ : { إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } نَظِيرُ قَوْلِهِ : { عَدْلٌ فِي قَضَاؤُك } .
فَالْأَوَّلُ مُلْكُهُ ، وَالثَّانِي حَمْدُهُ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، وَكَوْنُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَقُولُ إلَّا الْحَقَّ ، وَلَا يَأْمُرُ إلَّا بِالْعَدْلِ ، وَلَا يَفْعَلُ إلَّا مَا هُوَ مَصْلَحَةٌ وَرَحْمَةٌ وَحِكْمَةٌ وَعَدْلٌ ; فَهُوَ عَلَى الْحَقِّ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ ; فَلَا يَقْضِي عَلَى الْعَبْدِ بِمَا يَكُونُ ظَالِمًا لَهُ بِهِ ، وَلَا يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ ذَنْبِهِ ، وَلَا يَنْقُصُهُ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْئًا ، وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ غَيْرِهِ الَّتِي لَمْ يَعْمَلْهَا وَلَمْ يَتَسَبَّبْ إلَيْهَا شَيْئًا ، وَلَا يُؤَاخِذُ أَحَدًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ ، وَلَا يَفْعَلُ قَطُّ مَا لَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ ، وَيُثْنَى بِهِ عَلَيْهِ ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهِ الْعَوَاقِبُ الْحَمِيدَةُ ، وَالْغَايَاتُ الْمَطْلُوبَةُ ، فَإِنَّ كَوْنَهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ يَأْبَى ذَلِكَ كُلَّهُ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : وَقَوْلُهُ : { إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } يَقُولُ : إنَّ رَبِّي عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ ، يُجَازِي الْمُحْسِنَ مِنْ خَلْقِهِ بِإِحْسَانِهِ ، وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ ، لَا يَظْلِمُ أَحَدًا مِنْهُمْ شَيْئًا ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامَ لَهُ ، وَالْإِيمَانَ بِهِ ، ثُمَّ حَكَى عَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ طَرِيقِ شِبْلِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ : { إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } قَالَ : الْحَقُّ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْهُ .
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ : هِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ : { إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } وَهَذَا اخْتِلَافُ عِبَارَةٍ ، فَإِنَّ كَوْنَهُ بِالْمِرْصَادِ هُوَ مُجَازَاةُ الْمُحْسِنِ بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءِ بِإِسَاءَتِهِ .
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ : فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ ، تَقْدِيرُهُ : إنَّ رَبِّي يَحُثُّكُمْ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَيَحُضُّكُمْ عَلَيْهِ ; وَهَؤُلَاءِ إنْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ الَّتِي أُرِيدَ بِهَا فَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى هَذَا الْمُقَدَّرِ ، وَقَدْ فَرَّقَ سُبْحَانَهُ بَيْنَ كَوْنِهِ آمِرًا بِالْعَدْلِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ عَلَى صِرَاطٍ 126 مُسْتَقِيمٍ ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ حَثَّهُ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ مِنْ جُمْلَةِ كَوْنِهِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَقَدْ أَصَابُوا .
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى : مَعْنَى كَوْنِهِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أَنَّ مَرَدَّ الْعِبَادِ وَالْأُمُورِ كُلِّهَا إلَى اللَّهِ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنْهَا ، وَهَؤُلَاءِ إنْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا مِنْ لَوَازِمِ كَوْنِهِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَمِنْ مُقْتَضَاهُ وَمُوجِبِهِ فَهُوَ حَقٌّ .
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى : مَعْنَاهُ كُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَقَهْرِهِ وَفِي مِلْكِهِ وَقَبْضَتِهِ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ حَقًّا فَلَيْسَ هُوَ مَعْنَى الْآيَةِ ، وَقَدْ فَرَّقَ شُعَيْبٌ بَيْنَ قَوْلِهِ : { مَا مِنْ دَابَّةٍ إلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } وَبَيْنَ قَوْلِهِ : { إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } فَهُمَا مَعْنَيَانِ مُسْتَقِلَّانِ
فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ ، وَلَا تَحْتَمِلُ الْعَرَبِيَّةُ غَيْرَهُ إلَّا عَلَى اسْتِكْرَاهٍ ; وَقَالَ جَرِيرٌ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ : ﴿﴾ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ ﴿﴾ ﴿﴾ إذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمِ ﴿﴾ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يَضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } وَإِذَا كَانَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ رُسُلَهُ وَأَتْبَاعَهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ ، وَإِنْ كَانَ صِرَاطُ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ هُوَ مُوَافَقَةُ أَمْرِهِ ; فَصِرَاطُهُ الَّذِي هُوَ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ هُوَ مَا يَقْتَضِيهِ حَمْدُهُ وَكَمَالُهُ وَمَجْدُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ وَفِعْلِهِ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
فَصْلٌ
وَفِي الْآيَةِ قَوْلٌ ثَانٍ مِثْلُ الْآيَةِ الْأُولَى سَوَاءٌ ، أَنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي هَذَا الْقَوْلِ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى فِي تَشْبِيهِ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ كَلَامِهِ وَتَدَبُّرِهِ : { فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ } شَبَّهَهُمْ فِي إعْرَاضِهِمْ وَنُفُورِهِمْ عَنْ الْقُرْآنِ بِحُمُرٍ رَأَتْ الْأَسَدَ أَوْ الرُّمَاةَ فَفَرَّتْ مِنْهُ ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الْقِيَاسِ وَالتَّمْثِيلِ ، فَإِنَّ الْقَوْمَ فِي جَهْلِهِمْ بِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ كَالْحُمُرِ ، وَهِيَ لَا تَعْقِلُ شَيْئًا ، فَإِذَا سَمِعَتْ صَوْتَ الْأَسَدِ أَوْ الرَّمْيِ نَفَرَتْ مِنْهُ أَشَدَّ النُّفُورِ ، وَهَذَا غَايَةُ الذَّمِّ لِهَؤُلَاءِ ، فَإِنَّهُمْ نَفَرُوا عَنْ الْهُدَى الَّذِي فِيهِ سَعَادَتُهُمْ وَحَيَاتُهُمْ كَنُفُورِ الْحُمُرِ عَنْ مَا يُهْلِكُهَا وَيَعْقِرُهَا ، وَتَحْتَ 127 الْمُسْتَنْفِرَةِ مَعْنًى أَبْلَغُ مِنْ النَّافِرَةِ ; فَإِنَّهَا لِشِدَّةِ نُفُورِهَا قَدْ اسْتَنْفَرَ بَعْضُهَا بَعْضًا وَحَضَّهُ عَلَى النُّفُورِ ، فَإِنَّ فِي الِاسْتِفْعَالِ مِنْ الطَّلَبِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْفِعْلِ الْمُجَرَّدِ فَكَأَنَّهَا تَوَاصَتْ بِالنُّفُورِ ، وَتَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِفَتْحِ الْفَاءِ فَالْمَعْنَى أَنَّ الْقَسْوَرَةَ اسْتَنْفَرَهَا وَحَمَلَهَا عَلَى النُّفُورِ بِبَأْسِهِ وَشِدَّتِهِ .
فَصْلٌ .
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى : { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } فَقَاسَ مَنْ حَمَّلَهُ سُبْحَانَهُ كِتَابَهُ لِيُؤْمِنَ بِهِ وَيَتَدَبَّرَهُ وَيَعْمَلَ بِهِ وَيَدْعُوَ إلَيْهِ ثُمَّ خَالَفَ ذَلِكَ وَلَمْ يَحْمِلْهُ إلَّا عَلَى ظَهْرِ قَلْبٍ ، فَقِرَاءَتُهُ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ وَلَا تَفَهُّمٍ وَلَا اتِّبَاعٍ وَلَا تَحْكِيمٍ لَهُ وَعَمَلٍ بِمُوجِبِهِ ، كَحِمَارٍ عَلَى ظَهْرِهِ زَامِلَةُ أَسْفَارٍ لَا يَدْرِي مَا فِيهَا ، وَحَظُّهُ مِنْهَا حَمْلُهَا عَلَى ظَهْرِهِ لَيْسَ إلَّا ; فَحَظُّهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَحَظِّ هَذَا الْحِمَارِ مِنْ الْكُتُبِ الَّتِي عَلَى ظَهْرِهِ ; فَهَذَا الْمَثَلُ وَإِنْ كَانَ قَدْ ضُرِبَ لِلْيَهُودِ فَهُوَ مُتَنَاوِلٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِمَنْ حَمَلَ الْقُرْآنَ فَتَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ ، وَلَمْ يُؤَدِّ حَقَّهُ ، وَلَمْ يَرْعَهُ حَقَّ رِعَايَتِهِ .
فَصْلٌ .
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فَشَبَّهَ سُبْحَانَهُ مَنْ آتَاهُ كِتَابَهُ وَعَلَّمَهُ الْعِلْمَ الَّذِي مَنَعَهُ غَيْرَهُ ، فَتَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ ، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَآثَرَ سَخَطَ اللَّهِ عَلَى رِضَاهُ ، وَدُنْيَاهُ عَلَى آخِرَتِهِ ، وَالْمَخْلُوقَ عَلَى الْخَالِقِ ; بِالْكَلْبِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَخْبَثِ الْحَيَوَانَاتِ ، وَأَوْضَعِهَا قَدْرًا ، وَأَخَسِّهَا نَفْسًا ، وَهِمَّتُهُ لَا تَتَعَدَّى بَطْنُهُ ، وَأَشَدُّهَا شَرُّهَا وَحِرْصًا ، وَمِنْ حِرْصِهِ أَنَّهُ لَا يَمْشِي إلَّا وَخَطْمُهُ فِي الْأَرْضِ يَتَشَمَّمُ وَيَسْتَرْوِحُ حِرْصًا وَشَرَهًا ، وَلَا يَزَالُ يَشُمُّ دُبُرَهُ دُونَ سَائِرِ أَجْزَائِهِ ، وَإِذَا رَمَيْت إلَيْهِ بِحَجَرٍ رَجَعَ إلَيْهِ لِيَعَضَّهُ مِنْ فَرَطَ نَهْمَتِهِ ، وَهُوَ مِنْ أَمْهَنِ الْحَيَوَانَاتِ ، وَأَحْمَلِهَا لِلْهَوَانِ ، وَأَرْضَاهَا بِالدَّنَايَا ، وَالْجِيَفُ الْقَذِرَةُ الْمُرَوِّحَةُ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ اللَّحْمِ الطَّرِيِّ ، وَالْعُذْرَةُ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ الْحَلْوَى ، وَإِذَا ظَفِرَ بِمَيْتَةٍ تَكْفِي مِائَةَ كَلْبٍ لَمْ يَدَعْ كَلْبًا وَاحِدًا يَتَنَاوَلُ 128 مِنْهَا شَيْئًا إلَّا هَرَّ عَلَيْهِ وَقَهَرَهُ لِحِرْصِهِ وَبُخْلِهِ وَشَرَهِهِ ، وَمِنْ عَجِيبِ أَمْرِهِ وَحِرْصِهِ أَنَّهُ إذَا رَأَى ذَا هَيْئَةٍ رَثَّةٍ وَثِيَابٍ دَنِيَّةٍ وَحَالٍ زَرِيَّةٍ نَبَحَهُ وَحَمَلَ عَلَيْهِ ، كَأَنَّهُ يَتَصَوَّرُ مُشَارَكَتَهُ لَهُ وَمُنَازَعَتَهُ فِي قَوْلَتِهِ ، وَإِذَا رَأَى ذَا هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ وَثِيَابٍ جَمِيلَةٍ وَرِيَاسَةٍ وَضَعَ لَهُ خَطْمَهُ بِالْأَرْضِ ، وَخَضَعَ لَهُ ، وَلَمْ يَرْفَعْ إلَيْهِ رَأْسَهُ .
وَفِي تَشْبِيهِ مَنْ آثَرَ الدُّنْيَا وَعَاجِلَهَا عَلَى اللَّهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ مَعَ وُفُورِ عِلْمِهِ بِالْكَلْبِ فِي حَالِ لَهَثِهِ سِرٌّ بَدِيعٌ ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الَّذِي حَالُهُ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنْ انْسِلَاخِهِ مِنْ آيَاتِهِ وَاتِّبَاعِهِ هَوَاهُ إنَّمَا كَانَ لِشِدَّةِ لَهَفِهِ عَلَى الدُّنْيَا لِانْقِطَاعِ قَلْبِهِ عَنْ اللَّهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ فَهُوَ شَدِيدُ اللَّهَفِ عَلَيْهَا ، وَلَهَفُهُ نَظِيرُ لَهَفِ الْكَلْبِ الدَّائِمِ فِي حَالِ إزْعَاجِهِ وَتَرْكِهِ ، وَاللَّهَفُ وَاللَّهَثُ شَقِيقَانِ وَأَخَوَانِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : الْكَلْبُ مُنْقَطِعُ الْفُؤَادِ ، لَا فُؤَادَ لَهُ ، إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ، فَهُوَ مَثَلُ الَّذِي يَتْرُكُ الْهُدَى ، لَا فُؤَادَ لَهُ ، إنَّمَا فُؤَادُهُ مُنْقَطِعٌ ; قُلْت : مُرَادُهُ بِانْقِطَاعِ فُؤَادِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فُؤَادٌ يَحْمِلُهُ عَلَى الصَّبْرِ وَتَرْكِ اللَّهَثِ ; وَهَكَذَا الَّذِي انْسَلَخَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، لَمْ يَبْقَ مَعَهُ فُؤَادٌ يَحْمِلُهُ عَلَى الصَّبْرِ عَنْ الدُّنْيَا وَتَرْكِ اللَّهَفِ عَلَيْهَا ، فَهَذَا يَلْهَفُ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ قِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْهَا ، وَهَذَا يَلْهَثُ مِنْ قِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْ الْمَاءِ ، فَالْكَلْبُ مِنْ أَقَلِّ الْحَيَوَانَاتِ صَبْرًا عَنْ الْمَاءِ ، وَإِذَا عَطِشَ أَكَلَ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ صَبْرٌ عَلَى الْجُوعِ ; وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ مِنْ أَشَدِّ الْحَيَوَانَاتِ لَهَثًا ، يَلْهَثُ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَمَاشِيًا وَوَاقِفًا ، وَذَلِكَ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ ; فَحَرَارَةُ الْحِرْصِ فِي كَبِدِهِ تُوجِبُ لَهُ دَوَامَ اللَّهَثِ ، فَهَكَذَا مُشْبِهُهُ شِدَّةُ الْحِرْصِ وَحَرَارَةُ الشَّهْوَةِ فِي قَلْبِهِ تُوجِبُ لَهُ دَوَامَ اللَّهَفِ ، فَإِنْ حَمَلْت عَلَيْهِ الْمَوْعِظَةَ وَالنَّصِيحَةَ فَهُوَ يَلْهَفُ ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ وَلَمْ تَعِظْهُ فَهُوَ يَلْهَفُ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : وَذَلِكَ مَثَلُ الَّذِي أُوتِيَ الْكِتَابَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ الْحِكْمَةَ لَمْ يَحْمِلْهَا ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَهْتَدِ إلَى خَيْرٍ ، كَالْكَلْبِ إنْ كَانَ رَابِضًا لَهَثَ وَإِنْ طُرِدَ لَهَثَ ، وَقَالَ الْحَسَنُ : هُوَ الْمُنَافِقُ لَا يَثْبُتُ عَلَى الْحَقِّ ، دُعِيَ أَوْ لَمْ يُدْعَ ، وُعِظَ أَوْ لَمْ يُوعَظْ ، كَالْكَلْبِ يَلْهَثُ طُرِدَ أَوْ تُرِكَ .
وَقَالَ عَطَاءٌ : يَنْبَحُ إنْ حَمَلْت عَلَيْهِ أَوْ لَمْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ : كُلُّ شَيْءٍ يَلْهَثُ فَإِنَّمَا يَلْهَثُ مِنْ إعْيَاءٍ أَوْ عَطَشٍ إلَّا الْكَلْبَ فَإِنَّهُ يَلْهَثُ فِي حَالِ الْكَلَالِ وَحَالِ الرَّاحَةِ وَحَالِ الصِّحَّةِ وَحَالِ الْمَرَضِ وَالْعَطَشِ ، فَضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِمَنْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ، وَقَالَ : إنْ وَعَظْتَهُ فَهُوَ ضَالٌّ وَإِنْ تَرَكْتَهُ فَهُوَ ضَالٌّ كَالْكَلْبِ إنْ طَرَدْتَهُ لَهَثَ وَإِنْ تَرَكْتَهُ عَلَى حَالِهِ لَهَثَ ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ } 129
وَتَأَمَّلْ مَا فِي هَذَا الْمَثَلِ مِنْ الْحُكْمِ وَالْمَعْنَى : فَمِنْهَا قَوْلُهُ : { آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا } فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي آتَاهُ آيَاتِهِ ، فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ ، وَاَللَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ ، فَأَضَافَهَا إلَى نَفْسِهِ ، ثُمَّ قَالَ : { فَانْسَلَخَ مِنْهَا } أَيْ خَرَجَ مِنْهَا كَمَا تَنْسَلِخُ الْحَيَّةُ مِنْ جِلْدِهَا ، وَفَارَقَهَا فِرَاقَ الْجِلْدِ يُسْلَخُ عَنْ اللَّحْمِ ، وَلَمْ يَقُلْ فَسَلَخْنَاهُ مِنْهَا لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تَسَبَّبَ إلَى انْسِلَاخِهِ مِنْهَا بِاتِّبَاعِ هَوَاهُ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ } أَيْ لَحِقَهُ وَأَدْرَكَهُ كَمَا قَالَ فِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ : { فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ } وَكَانَ مَحْفُوظًا مَحْرُوسًا بِآيَاتِ اللَّهِ ، مَحْمِيَّ الْجَانِبِ بِهَا مِنْ الشَّيْطَانِ ، لَا يَنَالُ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا عَلَى غِرَّةٍ وَخَطْفَةٍ ، فَلَمَّا انْسَلَخَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ظَفِرَ بِهِ الشَّيْطَانُ ظَفْرَ الْأَسَدِ بِفَرِيسَتِهِ ، فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ الْعَامِلِينَ بِخِلَافِ عَمَلِهِمْ ، الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَيَعْمَلُونَ بِخِلَافِهِ ، كَعُلَمَاءِ السُّوءِ ، وَمِنْهَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ : { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الرِّفْعَةَ عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ ، فَإِنَّ هَذَا كَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَإِنَّمَا هِيَ بِاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَإِيثَارِهِ وَقَصْدِ مَرْضَاةِ اللَّهِ .
فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ أَعْلَمْ أَهْلِ زَمَانِهِ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَنْفَعْهُ بِهِ فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ عَبْدَهُ إذَا شَاءَ بِمَا آتَاهُ مِنْ الْعِلْمِ ، وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ اللَّهُ فَهُوَ مَوْضُوعٌ لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ بِهِ رَأْسًا ، فَإِنَّ الْخَافِضَ الرَّافِعَ سُبْحَانَهُ خَفَضَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ ، وَالْمَعْنَى لَوْ شِئْنَا فَضَّلْنَاهُ وَشَرَّفْنَاهُ وَرَفَعْنَا قَدْرَهُ وَمَنْزِلَتَهُ بِالْآيَاتِ الَّتِي آتَيْنَاهُ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِعَمَلِهِ بِهَا ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ : { لَرَفَعْنَاهُ } عَائِدٌ عَلَى الْكُفْرِ ، وَالْمَعْنَى لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَا عَنْهُ الْكُفْرَ بِمَا مَعَهُ مِنْ آيَاتِنَا ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ : لَرَفَعْنَا عَنْهُ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ وَعَصَمْنَاهُ ; وَهَذَا الْمَعْنَى حَقٌّ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ مُرَادُ الْآيَةِ ، وَهَذَا مِنْ لَوَازِمِ الْمُرَادِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السَّلَفَ كَثِيرًا مَا يُنَبِّهُونَ عَلَى لَازِمِ مَعْنَى الْآيَةِ فَيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْهَا : وَقَوْلُهُ : { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الْأَرْضِ } قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : رَكَنَ إلَى الْأَرْضِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : سَكَنَ ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ : رَضِيَ بِالدُّنْيَا ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : لَزِمَهَا وَأَبْطَأَ ، وَالْمُخْلِدُ مِنْ الرِّجَالِ : هُوَ الَّذِي يُبْطِئُ مِشْيَتَهُ ، وَمِنْ الدَّوَابِّ : الَّتِي تَبْقَى ثَنَايَاهُ إلَى أَنْ تَخْرُجَ رُبَاعِيَّتُهُ ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ : خَلَدَ وَأَخْلَدَ ، وَأَصْلُهُ مِنْ الْخُلُودِ وَهُوَ الدَّوَامُ وَالْبَقَاءُ ، وَيُقَالُ : أَخْلَدَ فُلَانٌ بِالْمَكَانِ ، إذَا أَقَامَ بِهِ ، قَالَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ : ﴿﴾ بِأَبْنَاءِ حَيٍّ مِنْ قَبَائِلِ مَالِكٍ ﴿﴾ ﴿﴾ وَعَمْرِو بْنِ يَرْبُوعٍ أَقَامُوا فَأَخْلَدُوا ﴿﴾ قُلْت : وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ } أَيْ قَدْ خُلِقُوا لِلْبَقَاءِ ; لِذَلِكَ لَا يَتَغَيَّرُونَ وَلَا يَكْبَرُونَ ، وَهُمْ عَلَى سِنٍّ وَاحِدٍ أَبَدًا ; وَقِيلَ : هُمْ الْمُقَرَّطُونَ فِي آذَانِهِمْ وَالْمُسَوَّرُونَ فِي أَيْدِيهِمْ ، وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ فَسَّرُوا اللَّفْظَةَ بِبَعْضِ 130 لَوَازِمِهَا ، وَذَلِكَ أَمَارَةُ التَّخْلِيدِ عَلَى ذَلِكَ السِّنِّ ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ .
وَقَوْلُهُ : { وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } قَالَ الْكَلْبِيُّ : اتَّبَعَ مَسَافِلَ الْأُمُورِ وَتَرَكَ مَعَالِيَهَا ، وَقَالَ أَبُو وَرَقٍ : اخْتَارَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ ، وَقَالَ عَطَاءٌ : أَرَادَ الدُّنْيَا وَأَطَاعَ شَيْطَانَهُ ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : كَانَ هَوَاهُ مَعَ الْقَوْمِ يَعْنِي الَّذِينَ حَارَبُوا مُوسَى وَقَوْمَهُ ، وَقَالَ يَمَانٌ : اتَّبَعَ امْرَأَتَهُ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي حَمَلَتْهُ عَلَى مَا فَعَلَ .
فَإِنْ قِيلَ : الِاسْتِدْرَاكُ بِلَكِنَّ يَقْتَضِي أَنْ يُثْبِتَ بَعْدَهَا مَا نَفَى قَبْلَهَا ، أَوْ يَنْفِيَ مَا أَثْبَتَ ، كَمَا تَقُولُ : لَوْ شِئْت لَأَعْطَيْتُهُ لَكِنِّي لَمْ أُعْطِهِ ، وَلَوْ شِئْت لَمَا فَعَلْت كَذَا لَكِنِّي فَعَلْتُهُ ; فَالِاسْتِدْرَاكُ يَقْتَضِي وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّا لَمْ نَشَأْ أَوْ لَمْ نَرْفَعْ ، فَكَيْفَ اسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ : { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الْأَرْضِ } بَعْدَ قَوْلِهِ : { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } ؟ قِيلَ : هَذَا مِنْ الْكَلَامِ الْمَلْحُوظِ فِيهِ جَانِبُ الْمَعْنَى الْمَعْدُولِ فِيهِ عَنْ مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ إلَى الْمَعَانِي ، وَذَلِكَ أَنَّ مَضْمُونَ قَوْلِهِ : { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } أَنَّهُ لَمْ يَتَعَاطَ الْأَسْبَابَ الَّتِي تَقْتَضِي رَفْعَهُ بِالْآيَاتِ مِنْ إيثَارِ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ عَلَى هَوَاهُ ، وَلَكِنَّهُ آثَرَ الدُّنْيَا وَأَخْلَدَ إلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : الْمَعْنَى وَلَوْ لَزِمَ آيَاتِنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ، فَذَكَرَ الْمَشِيئَةَ وَالْمُرَادُ مَا هِيَ تَابِعَةٌ لَهُ وَمُسَبَّبَةٌ عَنْهُ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : وَلَوْ لَزِمَهَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ، قَالَ : أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ : { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ } فَاسْتَدْرَكَ الْمَشِيئَةَ بِإِخْلَادِهِ الَّذِي هُوَ فِعْلُهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ { وَلَوْ شِئْنَا } فِي مَعْنَى مَا هُوَ فِعْلُهُ ، وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ : لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ ، وَلَكِنَّا لَمْ نَشَأْ ، فَهَذَا مِنْهُ شِنْشِنَةٌ نَعْرِفُهَا مِنْ قَدَرِيٍّ نَافٍ لِلْمَشِيئَةِ الْعَامَّةِ مُبْعِدٍ لِلنُّجْعَةِ فِي جَعْلِ كَلَامِ اللَّهِ مُعْتَزِلِيًّا قَدَرِيًّا ، فَأَيْنَ قَوْلُهُ : { وَلَوْ شِئْنَا } مِنْ قَوْلِهِ : " وَلَوْ لَزِمَهَا " ثُمَّ إذَا كَانَ اللُّزُومُ لَهَا مَوْقُوفًا عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ وَهُوَ الْحَقُّ بَطَلَ أَصْلُهُ .
وَقَوْلُهُ : " إنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَابِعَةٌ لِلُزُومِهِ الْآيَاتِ " مِنْ أَفْسَدِ الْكَلَامِ وَأَبْطَلَهُ ، بَلْ لُزُومُهُ لِآيَاتِهِ تَابِعٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ ، فَمَشِيئَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مَتْبُوعَةٌ ، لَا تَابِعَةٌ ، وَسَبَبٌ لَا مُسَبَّبٌ ، وَمُوجِبٌ مُقْتَضٍ لَا مُقْتَضًى ، فَمَا شَاءَ اللَّهُ وَجَبَ وُجُودُهُ ، وَمَا لَمْ يَشَأْ امْتَنَعَ وُجُودُهُ
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا 124 يَعْلَمُونَ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } هَذَانِ مَثَلَانِ مُتَضَمِّنَانِ قِيَاسَيْنِ مِنْ قِيَاسِ الْعَكْسِ ، وَهُوَ نَفْيُ الْحُكْمِ لِنَفْيِ عِلَّتِهِ وَمُوجِبِهِ ، فَإِنْ الْقِيَاسَ نَوْعَانِ : قِيَاسُ طَرْدٍ يَقْتَضِي إثْبَاتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ لِثُبُوتِ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِيهِ ; وَقِيَاسُ عَكْسٍ يَقْتَضِي نَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ الْفَرْعِ لِنَفْيِ عِلَّةِ الْحُكْمِ فِيهِ ; فَالْمَثَلُ الْأَوَّلُ مَا ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِنَفْسِهِ وَلِلْأَوْثَانِ ، فَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمَالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُ كَيْف يَشَاءُ عَلَى عَبِيدِهِ سِرًّا وَجَهْرًا وَلَيْلًا وَنَهَارًا يَمِينُهُ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةُ سَحَّاءَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، وَالْأَوْثَانُ مَمْلُوكَةٌ عَاجِزَةٌ لَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ، فَكَيْف يَجْعَلُونَهَا شُرَكَاءَ لِي وَيَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِي مَعَ هَذَا التَّفَاوُتِ الْعَظِيمِ وَالْفَرْقِ الْمُبِينِ ؟
هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ ; وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ فِي الْخَيْرِ الَّذِي عِنْدَهُ ثُمَّ رَزَقَهُ مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ سِرًّا وَجَهْرًا ، وَالْكَافِرُ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ عَاجِزٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ لِأَنَّهُ لَا خَيْرَ عِنْدَهُ ، فَهَلْ يَسْتَوِي الرَّجُلَانِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعُقَلَاءِ ؟ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْبَهَ بِالْمُرَادِ ، فَإِنَّهُ أَظْهَرُ فِي بُطْلَانِ الشِّرْكِ ، وَأَوْضَحُ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ ، وَأَعْظَمُ فِي إقَامَةِ الْحُجَّةِ ، وَأَقْرَبُ نَسَبًا بِقَوْلِهِ : { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنْ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } ثُمَّ قَالَ : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ } وَمِنْ لَوَازِمِ هَذَا الْمِثْلِ وَأَحْكَامِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ الْمُوَحِّدُ كَمِنْ رَزَقَهُ مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ، وَالْكَافِرُ الْمُشْرِكُ كَالْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ، فَهَذَا مِمَّا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمِثْلُ وَأَرْشِدْ إلَيْهِ ، فَذَكَره ابْنُ عَبَّاسٍ مُنَبِّهًا عَلَى إرَادَتِهِ لَا أَنَّ الْآيَةَ اخْتَصَّتْ بِهِ ، فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّك تَجِدْهُ كَثِيرًا فِي كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ فِي فَهْمِ الْقُرْآنِ ، فَيُظَنُّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الْآيَةِ الَّتِي لَا مَعْنَى لَهَا غَيْرُهُ فَيَحْكِيه قَوْلُهُ .
فَصْلٌ .
وَأَمَّا الْمَثَلُ الثَّانِي فَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِنَفْسِهِ وَلِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ أَيْضًا فَالصَّنَمُ الَّذِي يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَبْكَمَ لَا يَعْقِلُ وَلَا يَنْطِقُ ، بَلْ هُوَ أَبْكَمُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ ، قَدْ عَدِمَ النُّطْقَ الْقَلْبِيَّ وَاللِّسَانِيَّ ، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ عَاجِزٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ أَلْبَتَّةَ ، وَمَعَ هَذَا فَأَيْنَمَا أَرَسْلَتَهُ لَا يَأْتِيَك بِخَيْرٍ ، وَلَا يَقْضِي لَك حَاجَةً ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ حَيٌّ قَادِرٌ مُتَكَلِّمٌ ، يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ، وَهُوَ صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ، وَهَذَا وَصْفٌ لَهُ بِغَايَةِ الْكَمَالِ وَالْحَمْدِ ، فَإِنَّ أَمْرَهُ بِالْعَدْلِ - وَهُوَ الْحَقُّ - يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَالَمٌ بِهِ ، مُعَلِّمٌ لَهُ ، رَاضٍ بِهِ ، آمِرٌ لِعِبَادِهِ بِهِ ، مُحِبٌّ لِأَهْلِهِ ، لَا 125 يَأْمُرُ بِسِوَاهُ ، بَلْ تَنَزَّهَ عَنْ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ الْجَوْرُ وَالظُّلْمُ وَالسَّفَهُ وَالْبَاطِلُ ، بَلْ أَمْرُهُ وَشَرْعُهُ عَدْلٌ كُلُّهُ ، وَأَهْلُ الْعَدْلِ هُمْ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَحِبَّاؤُهُ ، وَهُمْ الْمُجَاوِرُونَ لَهُ عَنْ يَمِينِهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ ، وَأَمْرُهُ بِالْعَدْلِ يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ الدِّينِيَّ وَالْأَمْرَ الْقَدَرِيَّ الْكَوْنِيَّ ، وَكِلَاهُمَا عَدْلٌ لَا جَوْرَ فِيهِ بِوَجْهٍ مَا ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُك ابْنُ عَبْدِك ابْنُ أَمَتِك ، نَاصِيَتِي بِيَدِك ، مَاضٍ فِي حُكْمُك ، عَدْلٌ فِي قَضَاؤُك } فَقَضَاؤُهُ هُوَ أَمْرُهُ الْكَوْنِيُّ .
فَإِنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ ، فَلَا يَأْمُرُ إلَّا بِحَقٍّ وَعَدْلٍ ، وَقَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ الْقَائِمُ بِهِ حَقٌّ وَعَدْلٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَقْضِيِّ الْمُقَدَّرِ مَا هُوَ جَوْرٌ وَظُلْمٌ فَالْقَضَاءُ غَيْرُ الْمَقْضِيِّ ، وَالْقَدَرُ غَيْرُ الْمُقَدَّرِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِ رَسُولِهِ شُعَيْبٍ : { إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبُّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } فَقَوْلُهُ : { مَا مِنْ دَابَّةٍ إلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } نَظِيرُ قَوْلِهِ : { نَاصِيَتِي بِيَدِك } وَقَوْلُهُ : { إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } نَظِيرُ قَوْلِهِ : { عَدْلٌ فِي قَضَاؤُك } .
فَالْأَوَّلُ مُلْكُهُ ، وَالثَّانِي حَمْدُهُ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، وَكَوْنُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَقُولُ إلَّا الْحَقَّ ، وَلَا يَأْمُرُ إلَّا بِالْعَدْلِ ، وَلَا يَفْعَلُ إلَّا مَا هُوَ مَصْلَحَةٌ وَرَحْمَةٌ وَحِكْمَةٌ وَعَدْلٌ ; فَهُوَ عَلَى الْحَقِّ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ ; فَلَا يَقْضِي عَلَى الْعَبْدِ بِمَا يَكُونُ ظَالِمًا لَهُ بِهِ ، وَلَا يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ ذَنْبِهِ ، وَلَا يَنْقُصُهُ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْئًا ، وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ غَيْرِهِ الَّتِي لَمْ يَعْمَلْهَا وَلَمْ يَتَسَبَّبْ إلَيْهَا شَيْئًا ، وَلَا يُؤَاخِذُ أَحَدًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ ، وَلَا يَفْعَلُ قَطُّ مَا لَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ ، وَيُثْنَى بِهِ عَلَيْهِ ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهِ الْعَوَاقِبُ الْحَمِيدَةُ ، وَالْغَايَاتُ الْمَطْلُوبَةُ ، فَإِنَّ كَوْنَهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ يَأْبَى ذَلِكَ كُلَّهُ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : وَقَوْلُهُ : { إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } يَقُولُ : إنَّ رَبِّي عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ ، يُجَازِي الْمُحْسِنَ مِنْ خَلْقِهِ بِإِحْسَانِهِ ، وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ ، لَا يَظْلِمُ أَحَدًا مِنْهُمْ شَيْئًا ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامَ لَهُ ، وَالْإِيمَانَ بِهِ ، ثُمَّ حَكَى عَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ طَرِيقِ شِبْلِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ : { إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } قَالَ : الْحَقُّ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْهُ .
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ : هِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ : { إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } وَهَذَا اخْتِلَافُ عِبَارَةٍ ، فَإِنَّ كَوْنَهُ بِالْمِرْصَادِ هُوَ مُجَازَاةُ الْمُحْسِنِ بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءِ بِإِسَاءَتِهِ .
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ : فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ ، تَقْدِيرُهُ : إنَّ رَبِّي يَحُثُّكُمْ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَيَحُضُّكُمْ عَلَيْهِ ; وَهَؤُلَاءِ إنْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ الَّتِي أُرِيدَ بِهَا فَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى هَذَا الْمُقَدَّرِ ، وَقَدْ فَرَّقَ سُبْحَانَهُ بَيْنَ كَوْنِهِ آمِرًا بِالْعَدْلِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ عَلَى صِرَاطٍ 126 مُسْتَقِيمٍ ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ حَثَّهُ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ مِنْ جُمْلَةِ كَوْنِهِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَقَدْ أَصَابُوا .
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى : مَعْنَى كَوْنِهِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أَنَّ مَرَدَّ الْعِبَادِ وَالْأُمُورِ كُلِّهَا إلَى اللَّهِ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنْهَا ، وَهَؤُلَاءِ إنْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا مِنْ لَوَازِمِ كَوْنِهِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَمِنْ مُقْتَضَاهُ وَمُوجِبِهِ فَهُوَ حَقٌّ .
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى : مَعْنَاهُ كُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَقَهْرِهِ وَفِي مِلْكِهِ وَقَبْضَتِهِ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ حَقًّا فَلَيْسَ هُوَ مَعْنَى الْآيَةِ ، وَقَدْ فَرَّقَ شُعَيْبٌ بَيْنَ قَوْلِهِ : { مَا مِنْ دَابَّةٍ إلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } وَبَيْنَ قَوْلِهِ : { إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } فَهُمَا مَعْنَيَانِ مُسْتَقِلَّانِ
فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ ، وَلَا تَحْتَمِلُ الْعَرَبِيَّةُ غَيْرَهُ إلَّا عَلَى اسْتِكْرَاهٍ ; وَقَالَ جَرِيرٌ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ : ﴿﴾ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ ﴿﴾ ﴿﴾ إذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمِ ﴿﴾ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يَضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } وَإِذَا كَانَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ رُسُلَهُ وَأَتْبَاعَهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ ، وَإِنْ كَانَ صِرَاطُ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ هُوَ مُوَافَقَةُ أَمْرِهِ ; فَصِرَاطُهُ الَّذِي هُوَ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ هُوَ مَا يَقْتَضِيهِ حَمْدُهُ وَكَمَالُهُ وَمَجْدُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ وَفِعْلِهِ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
فَصْلٌ
وَفِي الْآيَةِ قَوْلٌ ثَانٍ مِثْلُ الْآيَةِ الْأُولَى سَوَاءٌ ، أَنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي هَذَا الْقَوْلِ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى فِي تَشْبِيهِ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ كَلَامِهِ وَتَدَبُّرِهِ : { فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ } شَبَّهَهُمْ فِي إعْرَاضِهِمْ وَنُفُورِهِمْ عَنْ الْقُرْآنِ بِحُمُرٍ رَأَتْ الْأَسَدَ أَوْ الرُّمَاةَ فَفَرَّتْ مِنْهُ ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الْقِيَاسِ وَالتَّمْثِيلِ ، فَإِنَّ الْقَوْمَ فِي جَهْلِهِمْ بِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ كَالْحُمُرِ ، وَهِيَ لَا تَعْقِلُ شَيْئًا ، فَإِذَا سَمِعَتْ صَوْتَ الْأَسَدِ أَوْ الرَّمْيِ نَفَرَتْ مِنْهُ أَشَدَّ النُّفُورِ ، وَهَذَا غَايَةُ الذَّمِّ لِهَؤُلَاءِ ، فَإِنَّهُمْ نَفَرُوا عَنْ الْهُدَى الَّذِي فِيهِ سَعَادَتُهُمْ وَحَيَاتُهُمْ كَنُفُورِ الْحُمُرِ عَنْ مَا يُهْلِكُهَا وَيَعْقِرُهَا ، وَتَحْتَ 127 الْمُسْتَنْفِرَةِ مَعْنًى أَبْلَغُ مِنْ النَّافِرَةِ ; فَإِنَّهَا لِشِدَّةِ نُفُورِهَا قَدْ اسْتَنْفَرَ بَعْضُهَا بَعْضًا وَحَضَّهُ عَلَى النُّفُورِ ، فَإِنَّ فِي الِاسْتِفْعَالِ مِنْ الطَّلَبِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْفِعْلِ الْمُجَرَّدِ فَكَأَنَّهَا تَوَاصَتْ بِالنُّفُورِ ، وَتَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِفَتْحِ الْفَاءِ فَالْمَعْنَى أَنَّ الْقَسْوَرَةَ اسْتَنْفَرَهَا وَحَمَلَهَا عَلَى النُّفُورِ بِبَأْسِهِ وَشِدَّتِهِ .
فَصْلٌ .
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى : { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } فَقَاسَ مَنْ حَمَّلَهُ سُبْحَانَهُ كِتَابَهُ لِيُؤْمِنَ بِهِ وَيَتَدَبَّرَهُ وَيَعْمَلَ بِهِ وَيَدْعُوَ إلَيْهِ ثُمَّ خَالَفَ ذَلِكَ وَلَمْ يَحْمِلْهُ إلَّا عَلَى ظَهْرِ قَلْبٍ ، فَقِرَاءَتُهُ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ وَلَا تَفَهُّمٍ وَلَا اتِّبَاعٍ وَلَا تَحْكِيمٍ لَهُ وَعَمَلٍ بِمُوجِبِهِ ، كَحِمَارٍ عَلَى ظَهْرِهِ زَامِلَةُ أَسْفَارٍ لَا يَدْرِي مَا فِيهَا ، وَحَظُّهُ مِنْهَا حَمْلُهَا عَلَى ظَهْرِهِ لَيْسَ إلَّا ; فَحَظُّهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَحَظِّ هَذَا الْحِمَارِ مِنْ الْكُتُبِ الَّتِي عَلَى ظَهْرِهِ ; فَهَذَا الْمَثَلُ وَإِنْ كَانَ قَدْ ضُرِبَ لِلْيَهُودِ فَهُوَ مُتَنَاوِلٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِمَنْ حَمَلَ الْقُرْآنَ فَتَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ ، وَلَمْ يُؤَدِّ حَقَّهُ ، وَلَمْ يَرْعَهُ حَقَّ رِعَايَتِهِ .
فَصْلٌ .
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فَشَبَّهَ سُبْحَانَهُ مَنْ آتَاهُ كِتَابَهُ وَعَلَّمَهُ الْعِلْمَ الَّذِي مَنَعَهُ غَيْرَهُ ، فَتَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ ، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَآثَرَ سَخَطَ اللَّهِ عَلَى رِضَاهُ ، وَدُنْيَاهُ عَلَى آخِرَتِهِ ، وَالْمَخْلُوقَ عَلَى الْخَالِقِ ; بِالْكَلْبِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَخْبَثِ الْحَيَوَانَاتِ ، وَأَوْضَعِهَا قَدْرًا ، وَأَخَسِّهَا نَفْسًا ، وَهِمَّتُهُ لَا تَتَعَدَّى بَطْنُهُ ، وَأَشَدُّهَا شَرُّهَا وَحِرْصًا ، وَمِنْ حِرْصِهِ أَنَّهُ لَا يَمْشِي إلَّا وَخَطْمُهُ فِي الْأَرْضِ يَتَشَمَّمُ وَيَسْتَرْوِحُ حِرْصًا وَشَرَهًا ، وَلَا يَزَالُ يَشُمُّ دُبُرَهُ دُونَ سَائِرِ أَجْزَائِهِ ، وَإِذَا رَمَيْت إلَيْهِ بِحَجَرٍ رَجَعَ إلَيْهِ لِيَعَضَّهُ مِنْ فَرَطَ نَهْمَتِهِ ، وَهُوَ مِنْ أَمْهَنِ الْحَيَوَانَاتِ ، وَأَحْمَلِهَا لِلْهَوَانِ ، وَأَرْضَاهَا بِالدَّنَايَا ، وَالْجِيَفُ الْقَذِرَةُ الْمُرَوِّحَةُ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ اللَّحْمِ الطَّرِيِّ ، وَالْعُذْرَةُ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ الْحَلْوَى ، وَإِذَا ظَفِرَ بِمَيْتَةٍ تَكْفِي مِائَةَ كَلْبٍ لَمْ يَدَعْ كَلْبًا وَاحِدًا يَتَنَاوَلُ 128 مِنْهَا شَيْئًا إلَّا هَرَّ عَلَيْهِ وَقَهَرَهُ لِحِرْصِهِ وَبُخْلِهِ وَشَرَهِهِ ، وَمِنْ عَجِيبِ أَمْرِهِ وَحِرْصِهِ أَنَّهُ إذَا رَأَى ذَا هَيْئَةٍ رَثَّةٍ وَثِيَابٍ دَنِيَّةٍ وَحَالٍ زَرِيَّةٍ نَبَحَهُ وَحَمَلَ عَلَيْهِ ، كَأَنَّهُ يَتَصَوَّرُ مُشَارَكَتَهُ لَهُ وَمُنَازَعَتَهُ فِي قَوْلَتِهِ ، وَإِذَا رَأَى ذَا هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ وَثِيَابٍ جَمِيلَةٍ وَرِيَاسَةٍ وَضَعَ لَهُ خَطْمَهُ بِالْأَرْضِ ، وَخَضَعَ لَهُ ، وَلَمْ يَرْفَعْ إلَيْهِ رَأْسَهُ .
وَفِي تَشْبِيهِ مَنْ آثَرَ الدُّنْيَا وَعَاجِلَهَا عَلَى اللَّهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ مَعَ وُفُورِ عِلْمِهِ بِالْكَلْبِ فِي حَالِ لَهَثِهِ سِرٌّ بَدِيعٌ ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الَّذِي حَالُهُ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنْ انْسِلَاخِهِ مِنْ آيَاتِهِ وَاتِّبَاعِهِ هَوَاهُ إنَّمَا كَانَ لِشِدَّةِ لَهَفِهِ عَلَى الدُّنْيَا لِانْقِطَاعِ قَلْبِهِ عَنْ اللَّهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ فَهُوَ شَدِيدُ اللَّهَفِ عَلَيْهَا ، وَلَهَفُهُ نَظِيرُ لَهَفِ الْكَلْبِ الدَّائِمِ فِي حَالِ إزْعَاجِهِ وَتَرْكِهِ ، وَاللَّهَفُ وَاللَّهَثُ شَقِيقَانِ وَأَخَوَانِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : الْكَلْبُ مُنْقَطِعُ الْفُؤَادِ ، لَا فُؤَادَ لَهُ ، إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ، فَهُوَ مَثَلُ الَّذِي يَتْرُكُ الْهُدَى ، لَا فُؤَادَ لَهُ ، إنَّمَا فُؤَادُهُ مُنْقَطِعٌ ; قُلْت : مُرَادُهُ بِانْقِطَاعِ فُؤَادِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فُؤَادٌ يَحْمِلُهُ عَلَى الصَّبْرِ وَتَرْكِ اللَّهَثِ ; وَهَكَذَا الَّذِي انْسَلَخَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، لَمْ يَبْقَ مَعَهُ فُؤَادٌ يَحْمِلُهُ عَلَى الصَّبْرِ عَنْ الدُّنْيَا وَتَرْكِ اللَّهَفِ عَلَيْهَا ، فَهَذَا يَلْهَفُ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ قِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْهَا ، وَهَذَا يَلْهَثُ مِنْ قِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْ الْمَاءِ ، فَالْكَلْبُ مِنْ أَقَلِّ الْحَيَوَانَاتِ صَبْرًا عَنْ الْمَاءِ ، وَإِذَا عَطِشَ أَكَلَ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ صَبْرٌ عَلَى الْجُوعِ ; وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ مِنْ أَشَدِّ الْحَيَوَانَاتِ لَهَثًا ، يَلْهَثُ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَمَاشِيًا وَوَاقِفًا ، وَذَلِكَ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ ; فَحَرَارَةُ الْحِرْصِ فِي كَبِدِهِ تُوجِبُ لَهُ دَوَامَ اللَّهَثِ ، فَهَكَذَا مُشْبِهُهُ شِدَّةُ الْحِرْصِ وَحَرَارَةُ الشَّهْوَةِ فِي قَلْبِهِ تُوجِبُ لَهُ دَوَامَ اللَّهَفِ ، فَإِنْ حَمَلْت عَلَيْهِ الْمَوْعِظَةَ وَالنَّصِيحَةَ فَهُوَ يَلْهَفُ ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ وَلَمْ تَعِظْهُ فَهُوَ يَلْهَفُ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : وَذَلِكَ مَثَلُ الَّذِي أُوتِيَ الْكِتَابَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ الْحِكْمَةَ لَمْ يَحْمِلْهَا ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَهْتَدِ إلَى خَيْرٍ ، كَالْكَلْبِ إنْ كَانَ رَابِضًا لَهَثَ وَإِنْ طُرِدَ لَهَثَ ، وَقَالَ الْحَسَنُ : هُوَ الْمُنَافِقُ لَا يَثْبُتُ عَلَى الْحَقِّ ، دُعِيَ أَوْ لَمْ يُدْعَ ، وُعِظَ أَوْ لَمْ يُوعَظْ ، كَالْكَلْبِ يَلْهَثُ طُرِدَ أَوْ تُرِكَ .
وَقَالَ عَطَاءٌ : يَنْبَحُ إنْ حَمَلْت عَلَيْهِ أَوْ لَمْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ : كُلُّ شَيْءٍ يَلْهَثُ فَإِنَّمَا يَلْهَثُ مِنْ إعْيَاءٍ أَوْ عَطَشٍ إلَّا الْكَلْبَ فَإِنَّهُ يَلْهَثُ فِي حَالِ الْكَلَالِ وَحَالِ الرَّاحَةِ وَحَالِ الصِّحَّةِ وَحَالِ الْمَرَضِ وَالْعَطَشِ ، فَضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِمَنْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ، وَقَالَ : إنْ وَعَظْتَهُ فَهُوَ ضَالٌّ وَإِنْ تَرَكْتَهُ فَهُوَ ضَالٌّ كَالْكَلْبِ إنْ طَرَدْتَهُ لَهَثَ وَإِنْ تَرَكْتَهُ عَلَى حَالِهِ لَهَثَ ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ } 129
وَتَأَمَّلْ مَا فِي هَذَا الْمَثَلِ مِنْ الْحُكْمِ وَالْمَعْنَى : فَمِنْهَا قَوْلُهُ : { آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا } فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي آتَاهُ آيَاتِهِ ، فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ ، وَاَللَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ ، فَأَضَافَهَا إلَى نَفْسِهِ ، ثُمَّ قَالَ : { فَانْسَلَخَ مِنْهَا } أَيْ خَرَجَ مِنْهَا كَمَا تَنْسَلِخُ الْحَيَّةُ مِنْ جِلْدِهَا ، وَفَارَقَهَا فِرَاقَ الْجِلْدِ يُسْلَخُ عَنْ اللَّحْمِ ، وَلَمْ يَقُلْ فَسَلَخْنَاهُ مِنْهَا لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تَسَبَّبَ إلَى انْسِلَاخِهِ مِنْهَا بِاتِّبَاعِ هَوَاهُ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ } أَيْ لَحِقَهُ وَأَدْرَكَهُ كَمَا قَالَ فِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ : { فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ } وَكَانَ مَحْفُوظًا مَحْرُوسًا بِآيَاتِ اللَّهِ ، مَحْمِيَّ الْجَانِبِ بِهَا مِنْ الشَّيْطَانِ ، لَا يَنَالُ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا عَلَى غِرَّةٍ وَخَطْفَةٍ ، فَلَمَّا انْسَلَخَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ظَفِرَ بِهِ الشَّيْطَانُ ظَفْرَ الْأَسَدِ بِفَرِيسَتِهِ ، فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ الْعَامِلِينَ بِخِلَافِ عَمَلِهِمْ ، الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَيَعْمَلُونَ بِخِلَافِهِ ، كَعُلَمَاءِ السُّوءِ ، وَمِنْهَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ : { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الرِّفْعَةَ عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ ، فَإِنَّ هَذَا كَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَإِنَّمَا هِيَ بِاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَإِيثَارِهِ وَقَصْدِ مَرْضَاةِ اللَّهِ .
فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ أَعْلَمْ أَهْلِ زَمَانِهِ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَنْفَعْهُ بِهِ فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ عَبْدَهُ إذَا شَاءَ بِمَا آتَاهُ مِنْ الْعِلْمِ ، وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ اللَّهُ فَهُوَ مَوْضُوعٌ لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ بِهِ رَأْسًا ، فَإِنَّ الْخَافِضَ الرَّافِعَ سُبْحَانَهُ خَفَضَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ ، وَالْمَعْنَى لَوْ شِئْنَا فَضَّلْنَاهُ وَشَرَّفْنَاهُ وَرَفَعْنَا قَدْرَهُ وَمَنْزِلَتَهُ بِالْآيَاتِ الَّتِي آتَيْنَاهُ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِعَمَلِهِ بِهَا ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ : { لَرَفَعْنَاهُ } عَائِدٌ عَلَى الْكُفْرِ ، وَالْمَعْنَى لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَا عَنْهُ الْكُفْرَ بِمَا مَعَهُ مِنْ آيَاتِنَا ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ : لَرَفَعْنَا عَنْهُ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ وَعَصَمْنَاهُ ; وَهَذَا الْمَعْنَى حَقٌّ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ مُرَادُ الْآيَةِ ، وَهَذَا مِنْ لَوَازِمِ الْمُرَادِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السَّلَفَ كَثِيرًا مَا يُنَبِّهُونَ عَلَى لَازِمِ مَعْنَى الْآيَةِ فَيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْهَا : وَقَوْلُهُ : { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الْأَرْضِ } قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : رَكَنَ إلَى الْأَرْضِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : سَكَنَ ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ : رَضِيَ بِالدُّنْيَا ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : لَزِمَهَا وَأَبْطَأَ ، وَالْمُخْلِدُ مِنْ الرِّجَالِ : هُوَ الَّذِي يُبْطِئُ مِشْيَتَهُ ، وَمِنْ الدَّوَابِّ : الَّتِي تَبْقَى ثَنَايَاهُ إلَى أَنْ تَخْرُجَ رُبَاعِيَّتُهُ ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ : خَلَدَ وَأَخْلَدَ ، وَأَصْلُهُ مِنْ الْخُلُودِ وَهُوَ الدَّوَامُ وَالْبَقَاءُ ، وَيُقَالُ : أَخْلَدَ فُلَانٌ بِالْمَكَانِ ، إذَا أَقَامَ بِهِ ، قَالَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ : ﴿﴾ بِأَبْنَاءِ حَيٍّ مِنْ قَبَائِلِ مَالِكٍ ﴿﴾ ﴿﴾ وَعَمْرِو بْنِ يَرْبُوعٍ أَقَامُوا فَأَخْلَدُوا ﴿﴾ قُلْت : وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ } أَيْ قَدْ خُلِقُوا لِلْبَقَاءِ ; لِذَلِكَ لَا يَتَغَيَّرُونَ وَلَا يَكْبَرُونَ ، وَهُمْ عَلَى سِنٍّ وَاحِدٍ أَبَدًا ; وَقِيلَ : هُمْ الْمُقَرَّطُونَ فِي آذَانِهِمْ وَالْمُسَوَّرُونَ فِي أَيْدِيهِمْ ، وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ فَسَّرُوا اللَّفْظَةَ بِبَعْضِ 130 لَوَازِمِهَا ، وَذَلِكَ أَمَارَةُ التَّخْلِيدِ عَلَى ذَلِكَ السِّنِّ ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ .
وَقَوْلُهُ : { وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } قَالَ الْكَلْبِيُّ : اتَّبَعَ مَسَافِلَ الْأُمُورِ وَتَرَكَ مَعَالِيَهَا ، وَقَالَ أَبُو وَرَقٍ : اخْتَارَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ ، وَقَالَ عَطَاءٌ : أَرَادَ الدُّنْيَا وَأَطَاعَ شَيْطَانَهُ ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : كَانَ هَوَاهُ مَعَ الْقَوْمِ يَعْنِي الَّذِينَ حَارَبُوا مُوسَى وَقَوْمَهُ ، وَقَالَ يَمَانٌ : اتَّبَعَ امْرَأَتَهُ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي حَمَلَتْهُ عَلَى مَا فَعَلَ .
فَإِنْ قِيلَ : الِاسْتِدْرَاكُ بِلَكِنَّ يَقْتَضِي أَنْ يُثْبِتَ بَعْدَهَا مَا نَفَى قَبْلَهَا ، أَوْ يَنْفِيَ مَا أَثْبَتَ ، كَمَا تَقُولُ : لَوْ شِئْت لَأَعْطَيْتُهُ لَكِنِّي لَمْ أُعْطِهِ ، وَلَوْ شِئْت لَمَا فَعَلْت كَذَا لَكِنِّي فَعَلْتُهُ ; فَالِاسْتِدْرَاكُ يَقْتَضِي وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّا لَمْ نَشَأْ أَوْ لَمْ نَرْفَعْ ، فَكَيْفَ اسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ : { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الْأَرْضِ } بَعْدَ قَوْلِهِ : { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } ؟ قِيلَ : هَذَا مِنْ الْكَلَامِ الْمَلْحُوظِ فِيهِ جَانِبُ الْمَعْنَى الْمَعْدُولِ فِيهِ عَنْ مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ إلَى الْمَعَانِي ، وَذَلِكَ أَنَّ مَضْمُونَ قَوْلِهِ : { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } أَنَّهُ لَمْ يَتَعَاطَ الْأَسْبَابَ الَّتِي تَقْتَضِي رَفْعَهُ بِالْآيَاتِ مِنْ إيثَارِ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ عَلَى هَوَاهُ ، وَلَكِنَّهُ آثَرَ الدُّنْيَا وَأَخْلَدَ إلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : الْمَعْنَى وَلَوْ لَزِمَ آيَاتِنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ، فَذَكَرَ الْمَشِيئَةَ وَالْمُرَادُ مَا هِيَ تَابِعَةٌ لَهُ وَمُسَبَّبَةٌ عَنْهُ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : وَلَوْ لَزِمَهَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ، قَالَ : أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ : { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ } فَاسْتَدْرَكَ الْمَشِيئَةَ بِإِخْلَادِهِ الَّذِي هُوَ فِعْلُهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ { وَلَوْ شِئْنَا } فِي مَعْنَى مَا هُوَ فِعْلُهُ ، وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ : لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ ، وَلَكِنَّا لَمْ نَشَأْ ، فَهَذَا مِنْهُ شِنْشِنَةٌ نَعْرِفُهَا مِنْ قَدَرِيٍّ نَافٍ لِلْمَشِيئَةِ الْعَامَّةِ مُبْعِدٍ لِلنُّجْعَةِ فِي جَعْلِ كَلَامِ اللَّهِ مُعْتَزِلِيًّا قَدَرِيًّا ، فَأَيْنَ قَوْلُهُ : { وَلَوْ شِئْنَا } مِنْ قَوْلِهِ : " وَلَوْ لَزِمَهَا " ثُمَّ إذَا كَانَ اللُّزُومُ لَهَا مَوْقُوفًا عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ وَهُوَ الْحَقُّ بَطَلَ أَصْلُهُ .
وَقَوْلُهُ : " إنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَابِعَةٌ لِلُزُومِهِ الْآيَاتِ " مِنْ أَفْسَدِ الْكَلَامِ وَأَبْطَلَهُ ، بَلْ لُزُومُهُ لِآيَاتِهِ تَابِعٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ ، فَمَشِيئَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مَتْبُوعَةٌ ، لَا تَابِعَةٌ ، وَسَبَبٌ لَا مُسَبَّبٌ ، وَمُوجِبٌ مُقْتَضٍ لَا مُقْتَضًى ، فَمَا شَاءَ اللَّهُ وَجَبَ وُجُودُهُ ، وَمَا لَمْ يَشَأْ امْتَنَعَ وُجُودُهُ
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith