تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ( 73 ) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ( 74 ) ) .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْكُفَّارِ حِينَ تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ اللَّهِ ظَاهِرَةَ الدَّلَالَةِ بَيِّنَةَ الْحُجَّةِ وَاضِحَةَ الْبُرْهَانِ : أَنَّهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ ذَلِكَ ، وَيُعْرِضُونَ وَيَقُولُونَ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا مُفْتَخِرِينَ عَلَيْهِمْ وَمُحْتَجِّينَ عَلَى صِحَّةِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الْبَاطِلِ بِأَنَّهُمْ : ( خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) أَيْ : أَحْسَنُ مَنَازِلَ وَأَرْفَعُ دُوْرًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ، وَهُوَ مَجْمَعُ الرِّجَالِ لِلْحَدِيثِ ، أَيْ : نَادِيهِمْ أَعْمَرُ وَأَكْثَرُ وَارِدًا وَطَارِقًا ، يَعْنُونَ : فَكَيْفَ نَكُونُ وَنَحْنُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ عَلَى بَاطِلٍ ، وَأُولَئِكَ الَّذِينَ هُمْ مُخْتَفُونَ مُسْتَتِرُونَ فِي دَارِ الْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ وَنَحْوِهَا مِنَ الدُّورِ عَلَى الْحَقِّ ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ) [ الْأَحْقَافِ : 11 ] . وَقَالَ قَوْمُ نُوحٍ : ( أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 111 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ) [ الْأَنْعَامِ : 53 ] ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ شُبْهَتَهُمْ : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ ) أَيْ : وَكَمْ مِنْ أُمَّةٍ وَقَرْنٍ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ قَدْ أَهْلَكْنَاهُمْ بِكُفْرِهِمْ ، ( هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ) أَيْ : كَانُوا أَحْسَنَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَمْوَالًا وَأَمْتِعَةً وَمَنَاظِرَ وَأَشْكَالًا .
وقَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) قَالَ : الْمَقَامُ الْمَنْزِلُ ، وَالنَّدِيُّ الْمَجْلِسُ ، وَالْأَثَاثُ الْمَتَاعُ ، وَالرِّئْيُ الْمَنْظَرُ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْمَقَامُ الْمَسْكَنُ ، وَالنَّدِيُّ الْمَجْلِسُ وَالنِّعْمَةُ وَالْبَهْجَةُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا ، وَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ حِينَ أَهْلَكَهُمْ وَقَصَّ شَأْنَهُمْ فِي الْقُرْآنِ : ( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ) [ الدُّخَانِ : 25 ، 26 ] ، فَالْمَقَامُ الْمَسْكَنُ وَالنَّعِيمُ ، وَالنَّدِيُّ الْمَجْلِسُ وَالْمَجْمَعُ الَّذِي كَانُوا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ ، وَقَالَ اللَّهُ فِيمَا قَصَّ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَمْرِ قَوْمِ لُوطٍ : ( وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ) [ الْعَنْكَبُوتِ : 29 ] ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْمَجْلِسَ : النَّادِي .
وَقَالَ قَتَادَةُ : لَمَّا رَأَوْا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَيْشِهِمْ خُشُونَةٌ ، وَفِيهِمْ قَشَافَةٌ ، تَعَرَّضَ أَهْلُ الشِّرْكِ بِمَا تَسْمَعُونَ : ( أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي الْأَثَاثِ : هُوَ الْمَالُ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْمَتَاعُ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الثِّيَابُ ، وَالرِّئْيُ : الْمَنْظَرُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ .
258
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : يَعْنِي الصُّوَرَ ، وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ : ( أَثَاثًا وَرِئْيًا ) : أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَحْسَنُ صُوَرًا . وَالْكُلُّ مُتَقَارِبٌ صَحِيحٌ .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْكُفَّارِ حِينَ تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ اللَّهِ ظَاهِرَةَ الدَّلَالَةِ بَيِّنَةَ الْحُجَّةِ وَاضِحَةَ الْبُرْهَانِ : أَنَّهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ ذَلِكَ ، وَيُعْرِضُونَ وَيَقُولُونَ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا مُفْتَخِرِينَ عَلَيْهِمْ وَمُحْتَجِّينَ عَلَى صِحَّةِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الْبَاطِلِ بِأَنَّهُمْ : ( خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) أَيْ : أَحْسَنُ مَنَازِلَ وَأَرْفَعُ دُوْرًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ، وَهُوَ مَجْمَعُ الرِّجَالِ لِلْحَدِيثِ ، أَيْ : نَادِيهِمْ أَعْمَرُ وَأَكْثَرُ وَارِدًا وَطَارِقًا ، يَعْنُونَ : فَكَيْفَ نَكُونُ وَنَحْنُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ عَلَى بَاطِلٍ ، وَأُولَئِكَ الَّذِينَ هُمْ مُخْتَفُونَ مُسْتَتِرُونَ فِي دَارِ الْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ وَنَحْوِهَا مِنَ الدُّورِ عَلَى الْحَقِّ ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ) [ الْأَحْقَافِ : 11 ] . وَقَالَ قَوْمُ نُوحٍ : ( أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 111 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ) [ الْأَنْعَامِ : 53 ] ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ شُبْهَتَهُمْ : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ ) أَيْ : وَكَمْ مِنْ أُمَّةٍ وَقَرْنٍ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ قَدْ أَهْلَكْنَاهُمْ بِكُفْرِهِمْ ، ( هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ) أَيْ : كَانُوا أَحْسَنَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَمْوَالًا وَأَمْتِعَةً وَمَنَاظِرَ وَأَشْكَالًا .
وقَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) قَالَ : الْمَقَامُ الْمَنْزِلُ ، وَالنَّدِيُّ الْمَجْلِسُ ، وَالْأَثَاثُ الْمَتَاعُ ، وَالرِّئْيُ الْمَنْظَرُ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْمَقَامُ الْمَسْكَنُ ، وَالنَّدِيُّ الْمَجْلِسُ وَالنِّعْمَةُ وَالْبَهْجَةُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا ، وَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ حِينَ أَهْلَكَهُمْ وَقَصَّ شَأْنَهُمْ فِي الْقُرْآنِ : ( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ) [ الدُّخَانِ : 25 ، 26 ] ، فَالْمَقَامُ الْمَسْكَنُ وَالنَّعِيمُ ، وَالنَّدِيُّ الْمَجْلِسُ وَالْمَجْمَعُ الَّذِي كَانُوا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ ، وَقَالَ اللَّهُ فِيمَا قَصَّ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَمْرِ قَوْمِ لُوطٍ : ( وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ) [ الْعَنْكَبُوتِ : 29 ] ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْمَجْلِسَ : النَّادِي .
وَقَالَ قَتَادَةُ : لَمَّا رَأَوْا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَيْشِهِمْ خُشُونَةٌ ، وَفِيهِمْ قَشَافَةٌ ، تَعَرَّضَ أَهْلُ الشِّرْكِ بِمَا تَسْمَعُونَ : ( أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي الْأَثَاثِ : هُوَ الْمَالُ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْمَتَاعُ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الثِّيَابُ ، وَالرِّئْيُ : الْمَنْظَرُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ .
258
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : يَعْنِي الصُّوَرَ ، وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ : ( أَثَاثًا وَرِئْيًا ) : أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَحْسَنُ صُوَرًا . وَالْكُلُّ مُتَقَارِبٌ صَحِيحٌ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith