تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 1120 · printed p. 253
( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ( 71 ) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ( 72 ) ) .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ البُرْسَانِيِّ ، عَنْ أَبِي سُمَيَّةَ قَالَ : اخْتَلَفْنَا فِي الْوُرُودِ ، فَقَالَ بَعْضُنَا : لَا يَدْخُلُهَا مُؤْمِنٌ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَدْخُلُونَهَا جَمِيعًا ، ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا . فَلَقِيتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّا اخْتَلَفْنَا فِي الْوُرُودِ ، فَقَالَ : يَرِدُونَهَا جَمِيعًا - وَقَالَ سُلَيْمَانُ مَرَّةً يَدْخُلُونَهَا جَمِيعًا - وَأَهْوَى بِأُصْبُعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ ، وَقَالَ : صَمْتًا ، إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ۝ " لَا يَبْقَى بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا ، فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِ بَرْدًا وَسَلَامًا ، كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، حَتَّى إِنَّ لِلنَّارِ ضَجِيجًا مِنْ بَرْدِهِمْ ، ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا ، وَيَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا " غَرِيبٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ .
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ : حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ بَكَّارِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ : قَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْدَمَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ : أَلَمْ يَعِدْنَا رَبُّنَا الْوُرُودَ عَلَى النَّارِ ؟ قَالَ : قَدْ مَرَرْتُمْ عَلَيْهَا وَهِيَ خَامِدَةٌ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَاضِعًا رَأْسَهُ فِي حِجْرِ امْرَأَتِهِ ، فَبَكَى ، فَبَكَتِ امْرَأَتُهُ فَقَالَ مَا يُبْكِيكِ ؟ فَقَالَتْ : رَأَيْتُكَ تَبْكِي فَبَكَيْتُ . قَالَ : إِنِّي ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) ، فَلَا أَدْرِي أَنْجُو مِنْهَا أَمْ لَا ؟ وَفِي رِوَايَةٍ : وَكَانَ مَرِيضًا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ : كَانَ أَبُو مَيْسَرَةَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ : يَا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي ثُمَّ يَبْكِي ، فَقِيلَ : مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا مَيْسَرَةَ ؟ فَقَالَ : أُخْبِرْنَا أَنَّا وَارِدُوهَا ، وَلَمْ نُخْبَرْ أَنَّا صَادِرُونَ عَنْهَا .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِأَخِيهِ : هَلْ أَتَاكَ أَنَّكَ وَارِدٌ النَّارَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَهَلْ أَتَاكَ أَنَّكَ صَادِرٌ عَنْهَا ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَفِيمَ الضَّحِكُ ؟ قَالَ : فَمَا رُئِيَ ضَاحِكًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ .
253
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُخَاصِمُ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْوُرُودُ الدُّخُولُ ؟ فَقَالَ نَافِعٌ : لَا ، فَقَرَأَ ابْنَ عَبَّاسٍ : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 98 ] وَرَدُوا أَمْ لَا ؟ وَقَالَ : ( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ) [ هُودٍ : 98 ] أَوَرَدَ هُوَ أَمْ لَا ؟ أَمَّا أَنَا وَأَنْتَ فَسَنَدْخُلُهَا ، فَانْظُرْ هَلْ نَخْرُجُ مِنْهَا أَمْ لَا ؟ وَمَا أَرَى اللَّهَ مُخْرِجَكَ مِنْهَا بِتَكْذِيبِكَ فَضَحِكَ نَافِعٌ .
وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : قَالَ أَبُو رَاشِدٍ الْحَرُورِيُّ - وَهُوَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ - : ( لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 102 ] فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَيْلَكَ : أَمَجْنُونٌ أَنْتَ ؟ أَيْنَ قَوْلُهُ : ( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ) [ هُودٍ : 98 ] ، ( وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ) [ مَرْيَمَ : 86 ] ، ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) ؟ وَاللَّهِ إِنْ كَانَ دُعَاءُ مَنْ مَضَى : اللَّهُمَّ أَخْرِجْنِي مِنَ النَّارِ سَالِمًا ، وَأَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ غَانِمًا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ : أَبُو رَاشِدٍ ، وَهُوَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ) ؟ قَالَ : أَمَّا أَنَا وَأَنْتَ يَا أَبَا رَاشِدٍ فَسَنَرِدُهَا ، فَانْظُرْ : هَلْ نَصْدُرُ عَنْهَا أَمْ لَا .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ : قَالَ شُعْبَةُ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ ، عَمَّنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ : " وَإِنْ مِنْهُمْ إِلَّا وَارِدُهَا " يَعْنِي : الْكُفَّارَ
وَهَكَذَا رَوَى عَمْرُو بْنُ الْوَلِيدِ الشَّنِّيُّ ، أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ : " وَإِنْ مِنْهُمْ إِلَّا وَارِدُهَا " ، قَالَ : وَهُمُ الظَّلَمَةُ . كَذَلِكَ كُنَّا نَقْرَؤُهَا . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ) يَعْنِي : الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ لِفِرْعَوْنَ : ( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) ( وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ) ، فَسَمَّى الْوُرُودَ فِي النَّارِ دُخُولًا وَلَيْسَ بِصَادِرٍ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ كُلُّهُمْ ، ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ " .
254
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنِ السُّدِّيِّ بِهِ . وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا .
هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ هَاهُنَا مَرْفُوعًا . وَقَدْ رَوَاهُ أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : يَرِدُ النَّاسُ جَمِيعًا الصِّرَاطَ ، وَوُرُودُهُمْ قِيَامُهُمْ حَوْلَ النَّارِ ، ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنِ الصِّرَاطِ بِأَعْمَالِهِمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ مِثْلَ الْبَرْقِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ مِثْلَ الرِّيحِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ مِثْلَ الطَّيْرِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَأَجْوَدِ الْخَيْلِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَأَجْوَدِ الْإِبِلِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَعَدْوِ الرَّجُلِ ، حَتَّى إِنَّ آخِرَهُمْ مَرًّا رَجُلٌ نُورُهُ عَلَى مَوْضِعَيْ إِبْهَامَيْ قَدَمَيْهِ ، يَمُرُّ يَتَكَفَّأُ بِهِ الصِّرَاطَ ، وَالصِّرَاطُ دَحْضُ مَزَلَّةٍ ، عَلَيْهِ حَسَكٌ كَحَسَكِ الْقَتَادِ ، حَافَّتَاهُ مَلَائِكَةٌ ، مَعَهُمْ كَلَالِيبُ مِنْ نَارٍ ، يَخْتَطِفُونَ بِهَا النَّاسَ . وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : قَوْلُهُ : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) قَالَ : الصِّرَاطُ عَلَى جَهَنَّمَ مِثْلُ حَدِّ السَّيْفِ ، فَتَمُرُّ الطَّبَقَةُ الْأُولَى كَالْبَرْقِ ، وَالثَّانِيَةُ كَالرِّيحِ ، وَالثَّالِثَةُ كَأَجْوَدِ الْخَيْلِ ، وَالرَّابِعَةُ كَأَجْوَدِ الْبَهَائِمِ ، ثُمَّ يَمُرُّونَ وَالْمَلَائِكَةُ يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ .
وَلِهَذَا شَوَاهِدُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَجَابِرٍ ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابنُ عُلَيَّةَ عَنِ الجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ عَنْ غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ : ذَكَرُوا وُرُودَ النَّارِ ، فَقَالَ كَعْبٌ : تُمْسِكُ النَّارُ لِلنَّاسِ كَأَنَّهَا مَتْنُ إِهَالَةٍ حَتَّى يَسْتَوِيَ عَلَيْهَا أَقْدَامُ الْخَلَائِقِ ، بِرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ ، ثُمَّ يُنَادِيهَا مُنَادٍ : أَنِ امْسِكِي أَصْحَابَكِ ، وَدَعِي أَصْحَابِي ، قَالَ : فَتَخْسِفُ بِكُلِّ وَلِيٍّ لَهَا ، وَلَهِيَ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنَ الرَّجُلِ بِوَلَدِهِ ، وَيَخْرُجُ الْمُؤْمِنُونَ نَدِيَّةٌ ثِيَابُهُمْ . قَالَ كَعْبٌ : مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الْخَازِنِ مِنْ خَزَنَتِهَا مَسِيرَةُ سَنَةٍ ، مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَمُودٌ ذُو شُعْبَتَيْنِ ، يَدْفَعُ بِهِ الدَّفْعَ فَيَصْرَعُ بِهِ فِي النَّارِ سَبْعَمِائَةِ أَلْفٍ .
255
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ ، عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " إِنِّي لَأَرْجُوَ أَلَّا يَدْخُلَ النَّارَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ " قَالَتْ فَقُلْتُ : أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) ؟ قَالَتْ : فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ - امْرَأَةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ - قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ ، فَقَالَ : ۝ " لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ " قَالَتْ حَفْصَةُ : أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ) .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ تَمَسُّهُ النَّارُ ، إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ " .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : قَالَ مَعْمَرٌ : أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ " يَعْنِي الْوُرُودَ .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ : حَدَّثَنَا زَمْعَةُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ۝ " لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ ، تَمَسُّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ " . قَالَ الزُّهْرِيُّ : كَأَنَّهُ يُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ) .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ الْكَلَاعِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ تَمِيمٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : ۝ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَعِكًا ، وَأَنَا مَعَهُ ، ثُمَّ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : هِيَ نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ ; لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ " غَرِيبٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الْحُمَّى حَظُّ كَلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النَّارِ ، ثُمَّ قَرَأَ : " وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا " .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا زَبَّانُ بْنُ فَائِدٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " مَنْ قَرَأَ : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) حَتَّى يَخْتِمَهَا عَشْرَ 256 مَرَّاتٍ ، بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ " . فَقَالَ عُمَرُ : إِذًا نَسْتَكْثِرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَلَّهُ أَكْثَرُ وَأَطْيَبُ " .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " مَنْ قَرَأَ أَلْفَ آيَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، كُتِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَمَنْ حَرَسَ مِنْ وَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُتَطَوِّعًا لَا بِأُجْرَةِ سُلْطَانٍ ، لَمْ يَرَ النَّارَ بِعَيْنَيْهِ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) وَإِنَّ الذِّكْرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُضَعَّفُ فَوْقَ النَّفَقَةِ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ " . وَفِي رِوَايَةٍ : " بِسَبْعِمِائَةِ أَلْفِ ضِعْفٍ "
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ كِلَاهُمَا عَنْ زَبَّانَ ، عَنْ سَهْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ إِنَّ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالذِّكْرَ تُضَاعَفُ عَلَى النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ " .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) قَالَ : هُوَ الْمَمَرُّ عَلَيْهَا .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) ، قَالَ : وُرُودُ الْمُسْلِمِينَ الْمُرُورُ عَلَى الْجِسْرِ بَيْنَ ظَهْرَيْهَا ، وَوُرُودُ الْمُشْرِكِينَ : أَنْ يَدْخُلُوهَا ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ الزَّالُّونَ وَالزَّالَّاتُ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَقَدْ أَحَاطَ بِالْجِسْرِ يَوْمَئِذٍ سِمَاطَانِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، دُعَاؤُهُمْ : يَا أَللَّهُ سَلِّمْ سَلِّمْ " .
وَقَالَ السُّدِّيُّ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ : ( كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ) قَالَ : قَسَمًا وَاجِبًا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : حَتْمًا ، قَالَ : قَضَاءً . وَكَذَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ) أَيْ : إِذَا مَرَّ الْخَلَائِقُ كُلُّهُمْ عَلَى النَّارِ ، وَسَقَطَ فِيهَا مَنْ سَقَطَ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْعُصَاةِ ذَوِي الْمَعَاصِي بِحَسَبِهِمْ ، نَجَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ مِنْهَا بِحَسْبِ أَعْمَالِهِمْ . فَجَوَازُهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ وَسُرْعَتُهُمْ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا ، ثُمَّ يُشَفَّعُونَ فِي أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَيَشْفَعُ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ وَالْمُؤْمِنُونَ ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَكَلَتْهُمُ النَّارُ ، إِلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ - وَهِيَ مَوَاضِعُ السُّجُودِ - وَإِخْرَاجُهُمْ إِيَّاهُمْ مِنَ النَّارِ بِحَسْبِ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ ، فَيُخْرِجُونَ أَوَّلًا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ حَتَّى يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ ثُمَّ يُخْرِجُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ 257 مَنْ قَالَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ ، وَلَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ ، كَمَا وَرَدَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا )
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith