تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 1165 · printed p. 336
( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ( 16 ) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ( 17 ) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ( 18 ) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ( 19 ) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ( 20 ) ) .
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ، أَيْ : بِالْعَدْلِ وَالْقِسْطِ ، ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) [ النَّجْمِ : 31 ] ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ ذَلِكَ عَبَثًا وَلَا لَعِبًا ، كَمَا قَالَ : ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ) [ ص : 27 ]
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ) قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا ) يَعْنِي : مِنْ عِنْدِنَا ، يَقُولُ : وَمَا خَلَقْنَا جَنَّةً وَلَا نَارًا ، وَلَا مَوْتًا ، وَلَا بَعْثًا ، وَلَا حِسَابًا .
وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُمَا : ( لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ) اللَّهْوُ : الْمَرْأَةُ بِلِسَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ .
336 وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : ( لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ ) مِنَ الْحُورِ الْعِينِ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ : الْمُرَادُ بِاللَّهْوِ هَاهُنَا : الْوَلَدُ .
وَهَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ مُتَلَازِمَانِ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ ) [ الزُّمَرِ : 4 ] ، فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ اتِّخَاذِ الْوَلَدِ مُطْلَقًا ، لَا سِيَّمَا عَمَّا يَقُولُونَ مِنَ الْإِفْكِ وَالْبَاطِلِ ، مِنَ اتِّخَاذِ عِيسَى ، أَوِ الْعُزَيْرِ أَوْ الْمَلَائِكَةِ ، ( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 43 ] .
وَقَوْلُهُ : ( إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ) قَالَ قَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَمُغِيرَةُ بْنُ مِقْسَمٍ ، أَيْ : مَا كُنَّا فَاعِلِينَ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ " إِنْ " فَهُوَ إِنْكَارٌ .
وَقَوْلُهُ : ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ ) أَيْ : نُبَيِّنُ الْحَقَّ فَيَدْحَضُ الْبَاطِلَ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) أَيْ : ذَاهِبٌ مُضْمَحِلٌّ ، ( وَلَكُمُ الْوَيْلُ ) أَيْ : أَيْهَا الْقَائِلُونَ : لِلَّهِ وَلَدٌ ، ( مِمَّا تَصِفُونَ ) أَيْ : تَقُولُونَ وَتَفْتَرُونَ .
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ عُبُودِيَّةِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ ، وَدَأْبِهِمْ فِي طَاعَتِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا ، فَقَالَ : ( وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ ) يَعْنِي : الْمَلَائِكَةَ ، ( لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ) أَيْ : لَا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْهَا ، كَمَا قَالَ : ( لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ) [ النِّسَاءِ : 172 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ) أَيْ : لَا يَتْعَبُونَ وَلَا يَمَلُّونَ .
( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ) فَهُمْ دَائِبُونَ فِي الْعَمَلِ لَيْلًا وَنَهَارًا ، مُطِيعُونَ قَصْدًا وَعَمَلًا قَادِرُونَ عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) [ التَّحْرِيمِ : 6 ] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي دُلَامَةَ الْبَغْدَادِيِّ ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ : ۝ بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ، إِذْ قَالَ لَهُمْ : " هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ " قَالُوا : مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي لِأَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ ، وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئِطَّ ، وَمَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ " . غَرِيبٌ وَلَمْ يُخْرِجُوهُ .
ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا .
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ مُخَارِقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ : جَلَسْتُ إِلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَأَنَا غُلَامٌ ، فَقُلْتُ لَهُ : أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ [ لِلْمَلَائِكَةِ ] ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ) 337 أَمَا يَشْغَلُهُمْ عَنِ التَّسْبِيحِ الْكَلَامُ وَالرِّسَالَةُ وَالْعَمَلُ؟ . فَقَالَ : فَمَنْ هَذَا الْغُلَامُ؟ فَقَالُوا : مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، قَالَ : فَقَبَّلَ رَأْسِي ، ثُمَّ قَالَ لِي : يَا بُنَيَّ ، إِنَّهُ جَعَلَ لَهُمُ التَّسْبِيحَ ، كَمَا جَعَلَ لَكُمُ النَّفَسَ ، أَلَيْسَ تَتَكَلَّمُ وَأَنْتَ تَتَنَفَّسُ وَتَمْشِي وَأَنْتَ تَتَنَفَّسُ؟ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith