تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
الصفحة 1338 · ص. المطبوع 166
( فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ( 213 ) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 215 ) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 216 ) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( 217 ) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ( 218 ) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ( 219 ) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 220 ) )
166 يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَمُخْبِرًا أَنَّ مَنْ أَشْرَكَ بِهِ عَذَّبَهُ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى آمِرًا لِرَسُولِهِ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْذِرَ عَشِيرَتَهُ الْأَقْرَبِينَ ، أَيِ : الْأَدْنَيْنَ إِلَيْهِ ، وَأَنَّهُ لَا يُخَلِّصُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا إِيمَانُهُ بِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُلِينَ جَانِبَهُ لِمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ . وَمَنْ عَصَاهُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ فَلْيَتَبَرَّأْ مِنْهُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) . وَهَذِهِ النِّذَارَةُ الْخَاصَّةُ لَا تُنَافِي الْعَامَّةَ ، بَلْ هِيَ فَرْدٌ مِنْ أَجْزَائِهَا ، كَمَا قَالَ : ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) [ يس : 6 ] ، وَقَالَ : ( لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ) [ الشُّورَى : 7 ] ، وَقَالَ : ( وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ) [ الْأَنْعَامِ : 51 ] ، وَقَالَ : ( لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ) [ مَرْيَمَ : 97 ] ، وَقَالَ : ( لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) [ الْأَنْعَامِ : 19 ] ، كَمَا قَالَ : ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ) [ هُودٍ : 17 ] .
وَفِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ : ۝ " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ، ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِي إِلَّا دَخَلَ النَّارَ " .
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ، فَلْنَذْكُرْهَا :
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) ، ۝ أَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّفَا فَصَعِدَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ نَادَى : " يَا صَبَاحَاهُ " . فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ بَيْنَ رَجُلٍ يَجِيءُ إِلَيْهِ ، وَبَيْنَ رَجُلٍ يَبْعَثُ رَسُولَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، يَا بَنِي فِهْرٍ ، يَا بَنِي لُؤَيٍّ ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ ، تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ ، صَدَّقْتُمُونِي ؟ " . قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : " فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ " . فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ : تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ ، أَمَا دَعَوْتَنَا إِلَّا لِهَذَا ؟ وَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) [ الْمَسَدِ : 1 ] .
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ ، مِنْ طُرُقٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، بِهِ .
الْحَدِيثُ الثَّانِي :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَتْ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : ۝ " يَا فَاطِمَةُ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ ، يَا صَفِيَّةُ ابْنَةَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ " . انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ .
167
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ :
قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) ، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ قُرَيْشًا ] ، فَعَمَّ وَخَصَّ ، فَقَالَ : ۝ " يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ . يَا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ . يَا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ . يَا مَعْشَرَ بَنِي هَاشِمٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ . يَا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ . [ يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ ] ، فَإِنِّي - وَاللَّهِ - مَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، إِلَّا أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا " .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبَا هُرَيْرَةَ . وَالْمَوْصُولُ هُوَ الصَّحِيحُ . وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ - عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ " يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ . يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ، اشْتَرِيَا أَنْفُسَكُمَا مِنَ اللَّهِ ، لَا أُغْنِي عَنْكُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، سَلَانِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمَا " .
تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَتَفَرَّدَ بِهِ أَيْضًا ، عَنْ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَحْوِهِ . وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ حَسَنٍ ، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا .
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا ضِمَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ " يَا بَنِي قُصَيٍّ ، يَا بَنِي هَاشِمٍ ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ . أَنَا النَّذِيرُ . وَالْمَوْتُ الْمُغِيرُ . وَالسَّاعَةُ الْمَوْعِدُ " .
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ :
قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ 168 وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَا لَمَّا نَزَلَتْ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَضْمَةً مِنْ جَبَلٍ عَلَى أَعْلَاهَا حَجَرٌ ، فَجَعَلَ يُنَادِي : ۝ " يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَرَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ ، فَذَهَبَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ ، يَخْشَى أَنْ يَسْبِقُوهُ ، فَجَعَلَ يُنَادِي وَيَهْتِفُ : يَا صَبَاحَاهُ " .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ طَرْخَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُلٍّ النَّهْدِيِّ ، عَنْ قَبِيصَةَ وزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو الْهِلَالِيِّ ، بِهِ .
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) جَمَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، فَاجْتَمَعَ ثَلَاثُونَ ، فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا قَالَ : وَقَالَ لَهُمْ : ۝ " مَنْ يَضْمَنُ عَنِّي دَيْنِي وَمَوَاعِيدِي ، وَيَكُونُ مَعِي فِي الْجَنَّةِ ، وَيَكُونُ خَلِيفَتِي فِي أَهْلِي ؟ " . فَقَالَ رَجُلٌ - لَمْ يُسَمِّهِ شَرِيكٌ - يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنْتَ كُنْتَ بَحْرًا مَنْ يَقُومُ بِهَذَا ؟ قَالَ : ثُمَّ قَالَ الْآخَرُ ، قَالَ : فَعَرَضَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : أَنَا .
طَرِيقٌ أُخْرَى بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ : قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِي صَادِقٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ نَاجِذٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَهُمْ رَهْطٌ ، كُلُّهُمْ يَأْكُلُ الْجَذَعَةَ وَيَشْرَبُ الْفَرَقَ - قَالَ : وَصَنَعَ لَهُمْ مُدًّا مِنْ طَعَامٍ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا - قَالَ : وَبَقِيَ الطَّعَامُ كَمَا هُوَ كَأَنَّهُ لَمْ يُمَسَّ . ثُمَّ دَعَا بِغُمَرٍ فَشَرِبُوا حَتَّى رَوُوا ، وَبَقِيَ الشَّرَابُ كَأَنَّهُ لَمْ يُمَسَّ - أَوْ لَمْ يُشْرَبْ - وَقَالَ : ۝ " يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، إِنِّي بُعِثْتُ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً وَإِلَى النَّاسِ عَامَّةً ، وَقَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ مَا رَأَيْتُمْ ، فَأَيُّكُمْ يُبَايِعُنِي عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي وَصَاحِبِي ؟ " . قَالَ : فَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ . قَالَ : فَقُمْتُ إِلَيْهِ - وَكُنْتُ أَصْغَرَ الْقَوْمِ - قَالَ : فَقَالَ : " اجْلِسْ " . ثُمَّ قَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، كُلُّ ذَلِكَ أَقْوَمُ إِلَيْهِ فَيَقُولُ لِيَ : " اجْلِسْ " . حَتَّى كَانَ فِي الثَّالِثَةِ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى يَدِي .
طَرِيقٌ أُخْرَى أَغْرَبُ وَأَبْسَطُ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ بِزِيَادَاتٍ أُخَرَ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ " : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : فَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ - وَاسْتَكْتَمَنِي اسْمَهُ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ، ۝ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " عَرَفْتُ أَنِّي إِنْ بَادَأْتُ بِهَا قَوْمِي ، رَأَيْتُ مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ ، 169 فَصَمَتُّ . فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ بِهِ رَبُّكَ عَذَّبَكَ رَبُّكَ " . قَالَ عَلِيٌّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فَدَعَانِي فَقَالَ : " يَا عَلِيُّ ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَنِي [ أَنْ ] أُنْذِرَ عَشِيرَتِي الْأَقْرَبِينَ ، فَعَرَفْتُ أَنِّي إِنْ بَادَأْتُهُمْ بِذَلِكَ رَأَيْتُ مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ ، فَصَمَتُّ عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ عَذَّبَكَ رَبُّكَ . فَاصْنَعْ لَنَا يَا عَلِيُّ شَاةً عَلَى صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ ، وَأَعِدَّ لَنَا عُسَّ لَبَنٍ ، ثُمَّ اجْمَعْ لِيَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ " . فَفَعَلْتُ فَاجْتَمَعُوا لَهُ ، وَهُمْ يَوْمئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلًا يَزِيدُونَ رَجُلًا أَوْ يَنْقُصُونَ رَجُلًا . فِيهِمْ أَعْمَامُهُ : أَبُو طَالِبٍ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْعَبَّاسُ ، وَأَبُو لَهَبٍ الْكَافِرُ الْخَبِيثُ . فَقَدَّمْتُ إِلَيْهِمْ تِلْكَ الْجَفْنَةَ ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا حِذْيَةً فَشَقَّهَا بِأَسْنَانِهِ ثُمَّ رَمَى بِهَا فِي نَوَاحِيهَا ، وَقَالَ : " كُلُوا بِسْمِ اللَّهِ " . فَأَكَلَ الْقَوْمُ حَتَّى نَهِلُوا عَنْهُ مَا يُرَى إِلَّا آثَارُ أَصَابِعِهِمْ ، وَاللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَيَأْكُلُ مِثْلَهَا . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اسْقِهِمْ يَا عَلِيُّ " . فَجِئْتُ بِذَلِكَ الْقَعْبِ فَشَرِبُوا مِنْهُ حَتَّى نَهِلُوا جَمِيعًا ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَيَشْرَبُ مِثْلَهُ . فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُكَلِّمَهُمْ ، بَدَرَهُ أَبُو لَهَبٍ إِلَى الْكَلَامِ فَقَالَ : لَهَدَّ مَا سَحَّرَكُمْ صَاحِبُكُمْ . فَتَفَرَّقُوا وَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يَا عَلِيُّ ، عُدْ لَنَا بِمِثْلِ الَّذِي كُنْتَ صَنَعْتَ بِالْأَمْسِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ; فَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ بَدَرَنِي إِلَى مَا سَمِعْتَ قَبْلَ أَنْ أُكَلِّمَ الْقَوْمَ " . فَفَعَلْتُ ، ثُمَّ جَمَعْتُهُمْ لَهُ ، فَصَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا صَنَعَ بِالْأَمْسِ ، فَأَكَلُوا حَتَّى نَهِلُوا عَنْهُ ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَيَأْكُلُ مِثْلَهَا . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اسْقِهِمْ يَا عَلِيُّ " . فَجِئْتُ بِذَلِكَ الْقَعْبِ فَشَرِبُوا مِنْهُ حَتَّى نَهِلُوا جَمِيعًا . وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَيَشْرَبُ مِثْلَهُ . فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُكَلِّمَهُمْ بَدَرَهُ أَبُو لَهَبٍ بِالْكَلَامِ فَقَالَ : لَهَدَّ مَا سَحَّرَكُمْ صَاحِبُكُمْ . فَتَفَرَّقُوا وَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يَا عَلِيُّ ، عُدْ لَنَا بِمِثْلِ الَّذِي كُنْتَ صَنَعْتَ لَنَا بِالْأَمْسِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ; فَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ بَدَرَنِي إِلَى مَا سَمِعْتَ قَبْلَ أَنْ أُكَلِّمَ الْقَوْمَ " . فَفَعَلْتُ ، ثُمَّ جَمَعْتُهُمْ لَهُ فَصَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ كَمَا صَنَعَ ] بِالْأَمْسِ ، فَأَكَلُوا حَتَّى نَهِلُوا عَنْهُ ، ثُمَّ سَقَيْتُهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْقَعْبِ حَتَّى نَهِلُوا عَنْهُ ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَيَأْكُلُ مِثْلَهَا وَيَشْرَبُ مِثْلَهَا ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، إِنِّي - وَاللَّهِ - مَا أَعْلَمُ شَابًّا مِنَ الْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلَ مِمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ ، إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِأَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ : بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ الْقَاسِمِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ .
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ سَلَمَةَ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ : ۝ " إِنِّي جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " . ۝ " وَقَدْ أَمَرَنِي اللَّهُ أَنْ أَدْعُوَكُمْ إِلَيْهِ ، فَأَيُّكُمْ يُؤَازِرُنِي عَلَى هَذَا الْأَمْرِ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي ، وَكَذَا وَكَذَا " ؟ قَالَ : فَأَحْجَمَ 170 الْقَوْمُ عَنْهَا جَمِيعًا ، وَقُلْتُ - وَإِنِّي لَأَحْدَثُهُمْ سِنًّا ، وَأَرْمَصُهُمْ عَيْنًا ، وَأَعْظَمُهُمْ بَطْنًا ، وَأَحْمَشُهُمْ سَاقًا . أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَكُونُ وَزِيرَكَ عَلَيْهِ ، فَأَخَذَ يَرْقُبُنِي ثُمَّ قَالَ : ۝ " إِنَّ هَذَا أَخِي ، وَكَذَا وَكَذَا ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا " . قَالَ : فَقَامَ الْقَوْمُ يَضْحَكُونَ وَيَقُولُونَ لِأَبِي طَالِبٍ : قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تَسْمَعَ لِابْنِكَ وَتُطِيعَ .
تَفَرَّدَ بِهَذَا السِّيَاقِ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ الْقَاسِمِ أَبِي مَرْيَمَ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ كَذَّابٌ شِيعِيٌّ ، اتَّهَمَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ ، وَضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ .
طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى بْنِ مَيْسَرَةَ الْحَارِثِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) ، قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ " اصْنَعْ لِي رِجْلَ شَاةٍ بِصَاعٍ مِنْ طَعَامٍ وَإِنَاءً لَبَنًا " . قَالَ : فَفَعَلْتُ ، ثُمَّ قَالَ : ۝ " ادْعُ بَنِي هَاشِمٍ " . قَالَ : فَدَعَوْتُهُمْ وَإِنَّهُمْ يَوْمئِذٍ لَأَرْبَعُونَ غَيْرَ رَجُلٍ - أَوْ : أَرْبَعُونَ وَرَجُلٌ - قَالَ : وَفِيهِمْ عَشَرَةٌ كُلُّهُمْ يَأْكُلُ الْجَذَعَةَ بِإِدَامِهَا . قَالَ : فَلَمَّا أَتَوْا بِالْقَصْعَةِ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذُرْوَتِهَا ثُمَّ قَالَ : ۝ " كُلُوا " ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ، وَهِيَ عَلَى هَيْئَتِهَا لَمْ يَرْزَءُوا مِنْهَا إِلَّا يَسِيرًا ، قَالَ : ثُمَّ أَتَيْتُهُمْ بِالْإِنَاءِ فَشَرِبُوا حَتَّى رَوُوا . قَالَ : وَفَضَلَ فَضْلٌ ، فَلَمَّا فَرَغُوا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَكَلَّمَ ، فَبَدَرُوهُ الْكَلَامَ ، فَقَالُوا : مَا رَأَيْنَا كَالْيَوْمِ فِي السَّحْرِ . فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ : ۝ " اصْنَعْ [ لِي ] رِجْلَ شَاةٍ بِصَاعٍ مِنْ طَعَامٍ " . فَصَنَعْتُ ، قَالَ : فَدَعَاهُمْ ، فَلَمَّا أَكَلُوا وَشَرِبُوا ، قَالَ : فَبَدَرُوهُ فَقَالُوا مِثْلَ مَقَالَتِهِمُ الْأُولَى ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ لِيَ : ۝ " اصْنَعْ [ لِي ] رِجْلَ شَاةٍ بِصَاعٍ مِنْ طَعَامٍ . فَصَنَعْتُ ، قَالَ : فَجَمَعْتُهُمْ ، فَلَمَّا أَكَلُوا وَشَرِبُوا بَدَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكَلَامَ فَقَالَ : ۝ " أَيُّكُمْ يَقْضِي عَنِّي دَيْنِي وَيَكُونُ خَلِيفَتِي فِي أَهْلِي ؟ " . قَالَ : فَسَكَتُوا وَسَكَتَ الْعَبَّاسُ خَشْيَةَ أَنْ يُحِيطَ ذَلِكَ بِمَالِهِ ، قَالَ : وَسَكَتُّ أَنَا لِسِنِّ الْعَبَّاسِ . ثُمَّ قَالَهَا مَرَّةً أُخْرَى فَسَكَتَ الْعَبَّاسُ ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ . [ فَقَالَ : ۝ " أَنْتَ " ] قَالَ : وَإِنِّي يَوْمَئِذٍ لَأَسْوَأُهُمْ هَيْئَةً ، وَإِنِّي لَأَعْمَشُ الْعَيْنَيْنِ ، ضَخْمُ الْبَطْنِ ، حَمْشُ السَّاقَيْنِ .
فَهَذِهِ طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَمَعْنَى سُؤَالِهِ ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَعْمَامِهِ وَأَوْلَادِهِمْ أَنْ يَقْضُوا عَنْهُ دَيْنَهُ ، وَيَخْلُفُوهُ فِي أَهْلِهِ ، يَعْنِي إِنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، كَأَنَّهُ خَشِيَ إِذَا قَامَ بِأَعْبَاءِ الْإِنْذَارِ أَنْ يُقْتَلَ ، وَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) [ الْمَائِدَةِ : 67 ] ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمِنَ .
وَكَانَ أَوَّلًا يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) . وَلَمْ يَكُنْ فِي بَنِي هَاشِمٍ إِذْ ذَاكَ أَشَدُّ إِيمَانًا وَإِيقَانًا وَتَصْدِيقًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ; وَلِهَذَا بَدَرَهُمْ إِلَى الْتِزَامِ مَا طَلَبَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ كَانَ بَعْدَ هَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - دُعَاؤُهُ النَّاسَ جَهْرَةً عَلَى الصَّفَا ، وَإِنْذَارُهُ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ عُمُومًا وَخُصُوصًا ، حَتَّى سَمَّى مَنْ سَمَّى مِنْ أَعْمَامِهِ وَعَمَّاتِهِ وَبَنَاتِهِ ، لِيُنَبِّهَ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى ، أَيْ : إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .
171
وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الدِّمَشْقِيِّ - غَيْرِ مَنْسُوبٍ - مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سَمُرَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ الدِّمَشْقِيِّ قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، يُحَدِّثُ النَّاسَ وَيُفْتِيهِمْ ، وَوَلَدُهُ إِلَى جَنْبِهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ جُلُوسٌ فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ يَتَحَدَّثُونَ ، فَقِيلَ لَهُ : مَا بَالُ النَّاسِ يَرْغَبُونَ فِيمَا عِنْدَكَ مِنَ الْعِلْمِ ، وَأَهْلُ بَيْتِكَ جُلُوسٌ لَاهِينَ ؟ فَقَالَ : لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : ۝ " أَزْهَدُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا الْأَنْبِيَاءُ ، وَأَشَدُّهُمْ عَلَيْهِمُ الْأَقْرَبُونَ " . وَذَلِكَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) ، ثُمَّ قَالَ : ۝ " إِنَّ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الْعَالِمِ أَهْلُهُ حَتَّى يُفَارِقَهُمْ " . وَلِهَذَا قَالَ [ اللَّهُ تَعَالَى ] : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ . وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) .
وَقَوْلُهُ : ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ) أَيْ : فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ ; فَإِنَّهُ مُؤَيِّدُكَ وَنَاصِرُكَ وَحَافِظُكَ وَمُظَفِّرُكَ وَمُعْلٍ كَلِمَتَكَ .
وَقَوْلُهُ : ( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ) أَيْ : هُوَ مُعْتَنٍ بِكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ) [ الطُّورِ : 48 ] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ) يَعْنِي : إِلَى الصَّلَاةِ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ : يَرَى قِيَامَهُ وَرُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ .
وَقَالَ الْحَسَنُ : ( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ) : إِذَا صَلَّيْتَ وَحْدَكَ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ) أَيْ : مِنْ فِرَاشِكَ أَوْ مَجْلِسِكَ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ( الَّذِي يَرَاكَ ) : قَائِمًا وَجَالِسًا وَعَلَى حَالَاتِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) : قَالَ قَتَادَةُ : ( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ . وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) قَالَ : فِي الصَّلَاةِ ، يَرَاكَ وَحْدَكَ وَيَرَاكَ فِي الْجَمْعِ . وَهَذَا قَوْلُ عِكْرِمَةَ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرَى مَنْ خَلْفَهُ كَمَا يَرَى مَنْ أَمَامَهُ ; وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ : ۝ " سَوُّوا صُفُوفَكُمْ ; فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي " .
وَرَوَى الْبَزَّارُ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ طَرِيقَيْنِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : يَعْنِي تَقَلُّبَهُ مِنْ صُلْبِ نَبِيٍّ إِلَى صُلْبِ نَبِيٍّ ، حَتَّى أَخْرَجَهُ نَبِيًّا .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) أَيِ : السَّمِيعُ لِأَقْوَالِ عِبَادِهِ ، الْعَلِيمُ بِحَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ) الْآيَةَ . [ يُونُسَ : 61 ] .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث