تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
الصفحة 1520 · ص. المطبوع 517
517 ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ( 24 ) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 25 ) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ( 26 ) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 27 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُقَرِّرًا تَفَرُّدَهُ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ ، وَانْفِرَادَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ أَيْضًا ، فَكَمَا كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ لَا يَرْزُقُهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ - أَيْ : بِمَا يُنْزِلُ مِنَ الْمَطَرِ وَيُنْبِتُ مِنَ الزَّرْعِ - إِلَّا اللَّهُ ، فَكَذَلِكَ فَلْيَعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) : هَذَا مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ ، أَيْ : وَاحِدٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مُبْطِلٌ ، وَالْآخَرُ مُحِقٌّ ، لَا سَبِيلَ إِلَى أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ وَنَحْنُ عَلَى الْهُدَى أَوْ عَلَى الضَّلَالِ ، بَلْ وَاحِدٌ مِنَّا مُصِيبٌ ، وَنَحْنُ قَدْ أَقَمْنَا الْبُرْهَانَ عَلَى التَّوْحِيدِ ، فَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) .
قَالَ قَتَادَةُ : قَدْ قَالَ ذَلِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُشْرِكِينَ : وَاللَّهِ مَا نَحْنُ وَإِيَّاكُمْ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ ، إِنَّ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ لَمُهْتَدٍ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَزِيَادُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ : مَعْنَاهُ : إِنَّا نَحْنُ لَعَلَى هُدًى ، وَإِنَّكُمْ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ .
وَقَوْلُهُ : ( قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) : مَعْنَاهُ التَّبَرِّي مِنْهُمْ ، أَيْ : لَسْتُمْ مِنَّا وَلَا نَحْنُ مِنْكُمْ ، بَلْ نَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى تَوْحِيدِهِ وَإِفْرَادِ الْعِبَادَةِ لَهُ ، فَإِنْ أَجَبْتُمْ فَأَنْتُمْ مِنَّا وَنَحْنُ مِنْكُمْ ، وَإِنْ كَذَّبْتُمْ فَنَحْنُ بُرَآءُ مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ بُرَآءُ مِنَّا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) [ يُونُسَ : 41 ] ، وَقَالَ : ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) [ سُورَةُ الْكَافِرُونَ ] .
وَقَوْلُهُ : ( قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَجْمَعُ [ بَيْنَ ] الْخَلَائِقِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ ، أَيْ : يَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ ، فَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ . وَسَتَعْلَمُونَ يَوْمَئِذٍ لِمَنِ الْعِزَّةُ وَالنُّصْرَةُ وَالسَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ) [ الرُّومِ : 14 - 16 ] ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ) أَيِ : الْحَاكِمُ الْعَادِلُ الْعَالِمُ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ .
وَقَوْلُهُ : ( قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ ) أَيْ : أَرَوْنِي هَذِهِ الْآلِهَةِ الَّتِي جَعَلْتُمُوهَا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَصَيَّرْتُمُوهَا لَهُ عَدْلًا . ) كَلَّا ) أَيْ : لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ وَلَا نَدِيدٌ ، وَلَا شَرِيكٌ وَلَا عَدِيلٌ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( بَلْ هُوَ اللَّهُ ) : أَيِ : الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ ) الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) أَيْ : ذُو الْعِزَّةِ الَّتِي قَدْ قَهَرَ 518 بِهَا كُلَّ شَيْءٍ ، وَغَلَبَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، الْحَكِيمُ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ ، وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث