تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ( 68 ) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ( 69 ) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ( 70 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ وَالزَّلَازِلِ الْهَائِلَةِ ، فَقَوْلُهُ : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) ، هَذِهِ النَّفْخَةُ هِيَ الثَّانِيَةُ ، وَهِيَ نَفْخَةُ الصَّعْقِ ، وَهِيَ الَّتِي يَمُوتُ بِهَا الْأَحْيَاءُ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ الصُّورِ الْمَشْهُورِ . ثُمَّ يَقْبِضُ أَرْوَاحَ الْبَاقِينَ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ مَنْ يَمُوتُ مَلَكَ الْمَوْتِ ، وَيَنْفَرِدُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي كَانَ أَوَّلًا وَهُوَ الْبَاقِي آخِرًا بِالدَّيْمُومَةِ وَالْبَقَاءِ ، وَيَقُولُ : ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) [ غَافِرٍ : 16 ] ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . ثُمَّ يُجِيبُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ فَيَقُولُ : ( لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) أَيِ : الَّذِي هُوَ وَاحِدٌ وَقَدْ قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَحَكَمَ بِالْفَنَاءِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ . ثُمَّ يُحْيِي أَوَّلَ مَنْ يُحْيِي إِسْرَافِيلَ ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يُنْفَخَ فِي الصُّورِ أُخْرَى ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّالِثَةُ نَفْخَةُ الْبَعْثِ ، قَالَ تَعَالَى : ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) أَيْ : أَحْيَاءٌ بَعْدَ مَا كَانُوا عِظَامًا وَرُفَاتًا ، صَارُوا أَحْيَاءً يَنْظُرُونَ إِلَى أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ) [ النَّازِعَاتِ : 14 ، 13 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 52 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ) [ الرُّومِ : 25 ] .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ 117 يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : إِنَّكَ تَقُولُ : السَّاعَةُ تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَّا أُحَدِّثَكُمْ شَيْئًا ، إِنَّمَا قُلْتُ : سَتَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ أَمْرًا عَظِيمًا . ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي ، فَيَمْكُثُ فِيهِمْ أَرْبَعِينَ - لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً - فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ ، فَيَظْهَرُ فَيُهْلِكُهُ اللَّهُ . ثُمَّ يَلْبَثُ النَّاسُ بَعْدَهُ سِنِينَ سَبْعًا لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْ عَلَيْهِ " . قَالَ : سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ ، وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا ، وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا " . قَالَ : " فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ : أَلَا تَسْتَجِيبُونَ ؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِالْأَوْثَانِ فَيَعْبُدُونَهَا ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارَّةٌ أَرْزَاقُهُمْ ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ . ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لَهُ ، وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَهُ ، فَيُصْعَقُ ، ثُمَّ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا صُعِقَ . ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ - أَوْ : يُنْزِلُ اللَّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ - أَوِ الظِّلُّ شَكَّ نُعْمَانُ - فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ . ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ، ثُمَّ يُقَالُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ : ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) [ الصَّافَّاتِ : 24 ] ، قَالَ : " ثُمَّ يُقَالُ : أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ " . قَالَ : " فَيُقَالُ : كَمْ ؟ فَيُقَالُ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَيَوْمَئِذٍ تُبْعَثُ الْوِلْدَانُ شِيبًا ، وَيَوْمَئِذٍ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ " .
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ " . قَالُوا : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، أَرْبَعُونَ يَوْمًا ؟ قَالَ : أَبَيْتُ ، قَالُوا : أَرْبَعُونَ سَنَةً ؟ قَالَ : أَبَيْتُ ، قَالُوا : أَرْبَعُونَ شَهْرًا ؟ قَالَ : أَبَيْتُ ، وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبَ ذَنَبِهِ فِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ .
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " سَأَلْتُ جِبْرِيلَ ، - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) مَنِ الَّذِينَ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ أَنْ يَصْعَقَهُمْ ؟ قَالَ : هُمُ الشُّهَدَاءُ ، مُقَلِّدُونَ أَسْيَافَهُمْ حَوْلَ عَرْشِهِ ، تَتَلَقَّاهُمْ مَلَائِكَةُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَى الْمَحْشَرِ بِنَجَائِبَ مِنْ يَاقُوتٍ نِمَارُهَا أَلْيَنُ مِنَ الْحَرِيرِ ، مَدُّ خُطَاهَا مَدُّ أَبْصَارِ الرِّجَالِ ، يَسِيرُونَ فِي الْجَنَّةِ يَقُولُونَ عِنْدَ طُولِ النُّزْهَةِ : انْطَلَقُوا بِنَا إِلَى رَبِّنَا - عَزَّ وَجَلَّ - لِنَنْظُرَ كَيْفَ يَقْضِي بَيْنَ خَلْقِهِ ، يَضْحَكُ إِلَيْهِمْ إِلَهِي ، وَإِذَا ضَحِكَ إِلَى عَبْدٍ فِي مَوْطِنٍ فَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ " . 118 رِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ إِلَّا شَيْخَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ) أَيْ : أَضَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا تَجَلَّى الْحَقُّ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، لِلْخَلَائِقِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ ، ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ ) قَالَ قَتَادَةُ : كِتَابُ الْأَعْمَالِ ، ( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَشْهَدُونَ عَلَى الْأُمَمِ بِأَنَّهُمْ بَلَّغُوهُمْ رِسَالَاتِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ ، ( وَالشُّهَدَاءِ ) أَيِ : الشُّهَدَاءِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْحَفَظَةِ عَلَى أَعْمَالِ الْعِبَادِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ، ( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ ) أَيْ : بِالْعَدْلِ ( وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) قَالَ اللَّهُ [ تَعَالَى ] : ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 47 ] ، وَقَالَ [ اللَّهُ ] تَعَالَى : ( وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ) [ النِّسَاءِ : 40 ] ، وَلِهَذَا قَالَ : ( وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ) أَيْ : مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ( وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ )
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ وَالزَّلَازِلِ الْهَائِلَةِ ، فَقَوْلُهُ : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) ، هَذِهِ النَّفْخَةُ هِيَ الثَّانِيَةُ ، وَهِيَ نَفْخَةُ الصَّعْقِ ، وَهِيَ الَّتِي يَمُوتُ بِهَا الْأَحْيَاءُ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ الصُّورِ الْمَشْهُورِ . ثُمَّ يَقْبِضُ أَرْوَاحَ الْبَاقِينَ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ مَنْ يَمُوتُ مَلَكَ الْمَوْتِ ، وَيَنْفَرِدُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي كَانَ أَوَّلًا وَهُوَ الْبَاقِي آخِرًا بِالدَّيْمُومَةِ وَالْبَقَاءِ ، وَيَقُولُ : ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) [ غَافِرٍ : 16 ] ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . ثُمَّ يُجِيبُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ فَيَقُولُ : ( لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) أَيِ : الَّذِي هُوَ وَاحِدٌ وَقَدْ قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَحَكَمَ بِالْفَنَاءِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ . ثُمَّ يُحْيِي أَوَّلَ مَنْ يُحْيِي إِسْرَافِيلَ ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يُنْفَخَ فِي الصُّورِ أُخْرَى ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّالِثَةُ نَفْخَةُ الْبَعْثِ ، قَالَ تَعَالَى : ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) أَيْ : أَحْيَاءٌ بَعْدَ مَا كَانُوا عِظَامًا وَرُفَاتًا ، صَارُوا أَحْيَاءً يَنْظُرُونَ إِلَى أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ) [ النَّازِعَاتِ : 14 ، 13 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 52 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ) [ الرُّومِ : 25 ] .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ 117 يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : إِنَّكَ تَقُولُ : السَّاعَةُ تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَّا أُحَدِّثَكُمْ شَيْئًا ، إِنَّمَا قُلْتُ : سَتَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ أَمْرًا عَظِيمًا . ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي ، فَيَمْكُثُ فِيهِمْ أَرْبَعِينَ - لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً - فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ ، فَيَظْهَرُ فَيُهْلِكُهُ اللَّهُ . ثُمَّ يَلْبَثُ النَّاسُ بَعْدَهُ سِنِينَ سَبْعًا لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْ عَلَيْهِ " . قَالَ : سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ ، وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا ، وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا " . قَالَ : " فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ : أَلَا تَسْتَجِيبُونَ ؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِالْأَوْثَانِ فَيَعْبُدُونَهَا ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارَّةٌ أَرْزَاقُهُمْ ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ . ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لَهُ ، وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَهُ ، فَيُصْعَقُ ، ثُمَّ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا صُعِقَ . ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ - أَوْ : يُنْزِلُ اللَّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ - أَوِ الظِّلُّ شَكَّ نُعْمَانُ - فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ . ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ، ثُمَّ يُقَالُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ : ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) [ الصَّافَّاتِ : 24 ] ، قَالَ : " ثُمَّ يُقَالُ : أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ " . قَالَ : " فَيُقَالُ : كَمْ ؟ فَيُقَالُ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَيَوْمَئِذٍ تُبْعَثُ الْوِلْدَانُ شِيبًا ، وَيَوْمَئِذٍ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ " .
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ " . قَالُوا : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، أَرْبَعُونَ يَوْمًا ؟ قَالَ : أَبَيْتُ ، قَالُوا : أَرْبَعُونَ سَنَةً ؟ قَالَ : أَبَيْتُ ، قَالُوا : أَرْبَعُونَ شَهْرًا ؟ قَالَ : أَبَيْتُ ، وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبَ ذَنَبِهِ فِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ .
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " سَأَلْتُ جِبْرِيلَ ، - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) مَنِ الَّذِينَ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ أَنْ يَصْعَقَهُمْ ؟ قَالَ : هُمُ الشُّهَدَاءُ ، مُقَلِّدُونَ أَسْيَافَهُمْ حَوْلَ عَرْشِهِ ، تَتَلَقَّاهُمْ مَلَائِكَةُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَى الْمَحْشَرِ بِنَجَائِبَ مِنْ يَاقُوتٍ نِمَارُهَا أَلْيَنُ مِنَ الْحَرِيرِ ، مَدُّ خُطَاهَا مَدُّ أَبْصَارِ الرِّجَالِ ، يَسِيرُونَ فِي الْجَنَّةِ يَقُولُونَ عِنْدَ طُولِ النُّزْهَةِ : انْطَلَقُوا بِنَا إِلَى رَبِّنَا - عَزَّ وَجَلَّ - لِنَنْظُرَ كَيْفَ يَقْضِي بَيْنَ خَلْقِهِ ، يَضْحَكُ إِلَيْهِمْ إِلَهِي ، وَإِذَا ضَحِكَ إِلَى عَبْدٍ فِي مَوْطِنٍ فَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ " . 118 رِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ إِلَّا شَيْخَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ) أَيْ : أَضَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا تَجَلَّى الْحَقُّ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، لِلْخَلَائِقِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ ، ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ ) قَالَ قَتَادَةُ : كِتَابُ الْأَعْمَالِ ، ( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَشْهَدُونَ عَلَى الْأُمَمِ بِأَنَّهُمْ بَلَّغُوهُمْ رِسَالَاتِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ ، ( وَالشُّهَدَاءِ ) أَيِ : الشُّهَدَاءِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْحَفَظَةِ عَلَى أَعْمَالِ الْعِبَادِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ، ( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ ) أَيْ : بِالْعَدْلِ ( وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) قَالَ اللَّهُ [ تَعَالَى ] : ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 47 ] ، وَقَالَ [ اللَّهُ ] تَعَالَى : ( وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ) [ النِّسَاءِ : 40 ] ، وَلِهَذَا قَالَ : ( وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ) أَيْ : مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ( وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ )
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith