تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1647 · printed p. 143
( وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ( 30 ) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ( 31 ) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ( 32 ) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ( 33 ) )
( وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ( 34 ) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ( 35 ) )
هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ ، مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ : أَنَّهُ حَذَّرَ قَوْمَهُ بَأْسَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَالَ : ( يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ) أَيِ : الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَ اللَّهِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ ، كَقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ، وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ ، كَيْفَ حَلَّ بِهِمْ بَأْسُ اللَّهِ ، وَمَا رَدَّهُ عَنْهُمْ رَادٌّ ، وَلَا صَدَّهُ عَنْهُمْ صَادٌّ .
143
( وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ) أَيْ : إِنَّمَا أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ ، وَمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَهُ . فَأَنْفَذَ فِيهِمْ قَدَرَهُ ، ثُمَّ قَالَ : ( وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ) يَعْنِي : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ : لَمَّا جَاءَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ : إِنَّ الْأَرْضَ إِذَا زُلْزِلَتْ وَانْشَقَّتْ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ ، وَمَاجَتْ وَارْتَجَّتْ ، فَنَظَرَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ ذَهَبُوا هَارِبِينَ يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ : بَلْ ذَلِكَ إِذَا جِيءَ بِجَهَنَّمَ ، ذَهَبَ النَّاسُ هِرَابًا ، فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَتَرُدُّهُمْ إِلَى مَقَامِ الْمَحْشَرِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ) [ الْحَاقَّةِ : 17 ] ، وَقَوْلُهُ ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ) [ الرَّحْمَنِ : 33 ] .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالضَّحَّاكِ : أَنَّهُمْ قَرَؤُوا : " يَوْمَ التَّنَادِّ " بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ مِنْ نَدَّ الْبَعِيرُ : إِذَا شَرَدَ وَذَهَبَ .
وَقِيلَ : لِأَنَّ الْمِيزَانَ عِنْدَهُ مَلَكٌ ، وَإِذَا وَزَنَ عَمَلَ الْعَبْدِ فَرَجَحَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ : أَلَا قَدْ سَعِدَ فَلَانُ بْنُ فُلَانٍ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا . وَإِنْ خَفَّ عَمَلُهُ نَادَى : أَلَا قَدْ شَقِيَ فَلَانُ بْنُ فُلَانٍ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : يُنَادَى كُلُّ قَوْمٍ بِأَعْمَالِهِمْ : يُنَادَى أَهْلُ الْجَنَّةِ : أَهْلَ الْجَنَّةِ ، وَأَهْلُ النَّارِ : أَهْلَ النَّارِ .
وَقِيلَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُنَادَاةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ : ( أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ ) [ الْأَعْرَافِ : 44 ] . وَمُنَادَاةُ أَهْلِ النَّارِ أَهْلَ الْجَنَّةِ : ( أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ) [ الْأَعْرَافِ : 50 ] ، وَلِمُنَادَاةِ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ أَهْلَ الْجَنَّةِ وَأَهْلَ النَّارِ ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ .
وَاخْتَارَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ : أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَجْمُوعِ ذَلِكَ . وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ جَيِّدٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ) أَيْ : ذَاهِبِينَ هَارِبِينَ ، ( كَلَّا لَا وَزَرَ . إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ) [ الْقِيَامَةِ : 11 ، 12 ] وَلِهَذَا قَالَ : ( مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ) أَيْ : مَا لَكُمْ مَانِعٌ يَمْنَعُكُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ ، ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) أَيْ : مَنْ أَضَلَّهُ [ اللَّهُ ] فَلَا هَادِيَ لَهُ غَيْرُهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ ) يَعْنِي : أَهْلَ مِصْرَ ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ قَبْلِ مُوسَى ، وَهُوَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ عَزِيزَ أَهْلِ مِصْرَ ، وَكَانَ رَسُولًا يَدْعُو إِلَى اللَّهِ أُمَّتَهُ الْقِبْطَ ، فَمَا أَطَاعُوهُ تِلْكَ السَّاعَةَ إِلَّا لِمُجَرَّدِ الْوِزَارَةِ وَالْجَاهِ الدُّنْيَوِيِّ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا ) أَيْ : يَئِسْتُمْ فَقُلْتُمْ طَامِعِينَ : ( لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا ) وَذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ ( كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ) أَيْ : كَحَالِكُمْ هَذَا .
144
ثُمَّ قَالَ : ( الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ) أَيِ : الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ، وَيُجَادِلُونَ الْحُجَجَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَحُجَّةٍ مَعَهُمْ مِنَ اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ أَشَدَّ الْمَقْتِ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا ) أَيْ : وَالْمُؤْمِنُونَ أَيْضًا يُبْغِضُونَ مَنْ تَكُونُ هَذِهِ صِفَتَهُ ، فَإِنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ ، يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ ، فَلَا يَعْرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا ، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا ; وَلِهَذَا قَالَ : ( كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ ) أَيْ : عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ ) جَبَّارٍ ) .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ - وَحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ - أَنَّهُمَا قَالَا : لَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ جَبَّارًا حَتَّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ .
وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ وَقَتَادَةُ : آيَةُ الْجَبَابِرَةِ الْقَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith