تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1807 · printed p. 526
( وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ( 27 ) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ( 28 ) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ( 29 ) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ( 30 ) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ ( 31 ) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ( 32 ) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ ( 33 ) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ( 34 ) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ( 35 ) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ( 36 ) عُرُبًا أَتْرَابًا ( 37 ) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ( 38 ) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 39 ) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ ( 40 ) ) .
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السَّابِقِينَ - وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ - عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ - وَهُمُ الْأَبْرَارُ - كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ : أَصْحَابُ الْيَمِينِ مَنْزِلَةٌ دُونَ الْمُقَرَّبِينَ ، فَقَالَ : ( وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ) أَيْ : أَيُّ شَيْءٍ أَصْحَابُ الْيَمِينِ ؟ وَمَا حَالُهُمْ ؟ وَكَيْفَ مَآلُهُمْ ؟ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ : ( فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ) . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ ، وَقُسَامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ ، وَالسَّفَرُ بْنُ نُسَيْرٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَأَبُو حَرْزَةَ ، وَغَيْرُهُمْ : هُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هُوَ الْمُوَقَرُ بِالثَّمَرِ . وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا : كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهُ الْمُوقَرُ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا وَهَذَا فَإِنَّ سِدْرَ الدُّنْيَا كَثِيرُ الشَّوْكِ قَلِيلُ الثَّمَرِ ، وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى عَكْسٍ مِنْ هَذَا لَا شَوْكَ فِيهِ ، وَفِيهِ الثَّمَرُ الْكَثِيرُ الَّذِي قَدْ أَثْقَلَ أَصْلَهُ ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْبَغَوِيُّ ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبَّاسٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ : ۝ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ : إِنَّ اللَّهَ لَيَنْفَعُنَا بِالْأَعْرَابِ وَمَسَائِلِهِمْ ; قَالَ : أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ يَوْمًا فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صَاحِبَهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " وَمَا هِيَ ؟ " . قَالَ : السِّدْرُ ، فَإِنَّ لَهُ شَوْكًا مُوذِيًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ : ( فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ) ، خَضَدَ اللَّهُ شَوْكَهُ ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً ، فَإِنَّهَا لَتُنْبِتُ ثَمَرًا تَفَتَّقُ الثَّمَرَةُ مِنْهَا عَنِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ ، مَا فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ الْآخَرَ " .
طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي دَاوُدَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ 526 قَالَ : ۝ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَسْمَعُكَ تَذْكُرُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً لَا أَعْلَمَ شَجَرَةً أَكْثَرَ شَوْكًا مِنْهَا ؟ يَعْنِي : الطَّلْحَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ مِنْهَا ثَمَرَةً مِثْلَ خُصْوَةِ التَّيْسِ الْمَلْبُودِ ، فِيهَا سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ ، لَا يُشْبِهُ لَوْنٌ آخَرَ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ) : الطَّلْحُ : شَجَرٌ عِظَامٌ يَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ ، مِنْ شَجَرِ الْعِضَاةِ ، وَاحِدَتُهُ طَلْحَةٌ ، وَهُوَ شَجَرٌ كَثِيرُ الشَّوْكِ ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِبَعْضِ الْحُدَاةِ :
﴿﴾ بَشَّرَهَا دَلِيلُهَا وَقَالَا ﴿﴾ ﴿﴾ غَدًا تَرَيْنَ الطَّلْحَ وَالْجِبَالَا ﴿﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( مَنْضُودٍ ) أَيْ : مُتَرَاكِمُ الثَّمَرِ ، يُذَكِّرُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْجَبُونَ مِنْ وَجٍّ ، وَظِلَالِهِ مِنْ طَلْحٍ وَسِدْرٍ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( مَنْضُودٍ ) : مَصْفُوفٌ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيَا ، وَلَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَالطَّلْحُ لُغَةٌ فِي الطَّلْعِ .
قُلْتُ : وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ : هَذَا الْحَرْفُ فِي ( وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ) قَالَ : طَلْعٌ مَنْضُودٌ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ صِفَةِ السِّدْرِ ، فَكَأَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَخْضُودٌ وَهُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ لَهُ ، وَأَنَّ طَلْعَهُ مَنْضُودٌ ، وَهُوَ كَثْرَةُ ثَمَرِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ إِدْرِيسَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : ( وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ) قَالَ : الْمَوْزُ . قَالَ : وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَقُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ ، وقَتَادَةَ ، وَأَبِي حَزْرَةَ ، مِثْلُ ذَلِكَ ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ - وَزَادَ فَقَالَ : أَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْمَوْزَ الطَّلْحَ . وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) : قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " ۝ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : ( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ ، بِهِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُرَيْجٌ ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : ( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) .
527 وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ ، عَنْ فُلَيْحٍ بِهِ ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَوْفٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [ بِهِ ] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، سَمِعْتُ أَبَا الضَّحَّاكِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " ۝ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ ، أَوْ مِائَةَ سَنَةٍ ، هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ : " ۝ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا ، وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : ( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) .
إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ عَبْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، بِهِ . وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ زِيَادٍ - مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ۝ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : ( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) . فَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ : صَدَقَ ، وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ ، لَوْ أَنَّ رَجُلَا رَكِبَ حِقَّةً أَوْ جَذَعَةً ، ثُمَّ دَارَ حَوْلَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَا بَلَغَهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرِمًا ، إِنَّ اللَّهَ غَرَسَهَا بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ ، وَإِنَّ أَفْنَانَهَا لَمِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ نَهْرٌ إِلَّا وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، ۝ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) ، قَالَ : " فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا " .
وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ 528 الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ عِمَرَانَ بْنِ دَاوَرَ الْقَطَّانِ ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ . وَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، وَأَبُو هِلَالٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، بِهِ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " ۝ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا " .
فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ النُّقَّادِ ، لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ ، وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ ، وَثِقَةِ رِجَالِهِ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُصَيْنٍ قَالَ : كُنَّا عَلَى بَابٍ فِي مَوْضِعٍ ، وَمَعَنَا أَبُو صَالِحٍ وَشَقِيقٌ - يَعْنِي : الضَّبِّيَّ - فَحَدَثَّ أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا . قَالَ أَبُو صَالِحٍ : أَتُكَذِّبُ أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : مَا أُكَذِّبُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَلَكِنِّي أُكَذِّبُكَ أَنْتَ . فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْقُرَّاءِ يَوْمَئِذٍ .
قُلْتُ : فَقَدْ أَبْطَلَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، مَعَ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ وَرَفْعِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْفُرَاتِ الْقَزَّازُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ " . ثُمَّ قَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الظِّلُّ الْمَمْدُودُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ عَلَى سَاقٍ ظِلُّهَا قَدْرُ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي نَوَاحِيهَا مِائَةَ عَامٍ . قَالَ : فَيَخْرُجُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ ; أَهْلُ الْغُرَفِ وَغَيْرُهُمْ ، فَيَتَحَدَّثُونَ فِي ظِلِّهَا . قَالَ : فَيَشْتَهِي بَعْضُهُمْ وَيَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيَا ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَحَرَّكَ تِلْكَ الشَّجَرَةُ بِكُلِّ لَهْوٍ فِي الدُّنْيَا .
هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ حَسَنٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) قَالَ : سَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ بُنْدَارٍ ، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، مِثْلَهُ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ : ( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) قَالَ : خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نَافِعٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) قَالَ : فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ لَا يَقْطَعُهَا .
529 وَقَالَ عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " ۝ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا " . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ شَبِيبٌ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فِي الْجَنَّةِ شَجَرٌ لَا يَحْمِلُ ، يُسْتَظَلُّ بِهِ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَأَبُو حَرْزَةَ فِي قَوْلِهِ : ( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) لَا يَنْقَطِعُ ، لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا حَرٌّ ، مِثْلُ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : الْجَنَّةُ سَجْسَجٌ ، كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْآيَاتُ كَقَوْلِهِ : ( وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ) [ النِّسَاءِ : 57 ] ، وَقَوْلِهِ : ( أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ) [ الرَّعْدِ : 35 ] ، وَقَوْلِهِ : ( فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ ) [ الْمُرْسَلَاتِ : 41 ] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ ) قَالَ الثَّوْرِيُّ : [ يَعْنِي ] يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) الْآيَةَ [ مُحَمَّدٍ : 15 ] ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ ) أَيْ : وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْفَوَاكِهِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي الْأَلْوَانِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، ( كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ) [ الْبَقَرَةِ : 25 ] أَيْ : يُشْبِهُ الشَّكْلُ الشَّكْلَ ، وَلَكِنَّ الطَّعْمَ غَيْرُ الطَّعْمِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى قَالَ : ۝ " فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَنَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ " .
وَفِيهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ۝ خُسِفَتِ الشَّمْسُ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ مَعَهُ ، فَذَكَرَ الصَّلَاةَ . وَفِيهِ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ . قَالَ : " إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا ، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا " .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَقِيلٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : ۝ بَيْنَا نَحْنُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ ، إِذْ تَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَقَدَّمْنَا مَعَهُ ، ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا لِيَأْخُذَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صَنَعْتَ الْيَوْمَ 530 فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ ؟ قَالَ : " إِنَّهُ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ ، وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَةِ وَالنُّضْرَةِ ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ لِآتِيَكُمْ بِهِ ، فَحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُنْقِصُونَهُ " .
وَرَوَى مُسْلِمٌ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، نَحْوَهُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ زَيْدٍ الْبَكَالِيِّ : أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ : ۝ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ ، ثُمَّ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ : فِيهَا فَاكِهَةٌ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، وَفِيهَا شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى " فَذَكَرَ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ ، قَالَ : أَيُّ شَجَرِ أَرْضِنَا تُشْبِهُ ؟ قَالَ : " لَيْسَتْ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِكَ " . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَتَيْتَ الشَّامَ ؟ " قَالَ : لَا . قَالَ : " تُشْبِهُ شَجَرَةً بِالشَّامِ تُدْعَى الْجَوْزَةَ ، تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدٍ ، وَيَنْفَرِشُ أَعْلَاهَا " . قَالَ : مَا عِظَمُ أَصْلِهَا ؟ قَالَ : " لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذَعَةٌ مِنْ إِبِلِ أَهْلِكَ مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا " . قَالَ : فِيهَا عِنَبٌ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ : فَمَا عِظَمُ الْعُنْقُودِ ؟ قَالَ : " مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْغُرَابِ الْأَبْقَعِ ، وَلَا يَفْتُرُ " . قَالَ : فَمَا عِظَمُ الْحَبَّةِ ؟ قَالَ : " هَلْ ذَبَحَ أَبُوكَ تَيْسًا مِنْ غَنَمِهِ قَطُّ عَظِيمًا ؟ " قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : " فَسَلَخَ إِهَابَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّكَ ، فَقَالَ : اتَّخِذِي لَنَا مِنْهُ دَلْوًا ؟ " قَالَ : نَعَمْ . قَالَ الْأَعْرَابِيُّ : فَإِنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لَتُشْبِعُنِي وَأَهْلَ بَيْتِي ؟ قَالَ : " نَعَمْ وَعَامَّةَ عَشِيرَتِكَ " .
وَقَوْلُهُ : ( لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ ) أَيْ : لَا تَنْقَطِعُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا ، بَلْ أُكُلُهَا دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا ، مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا ، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ شَيْءٌ .
قَالَ قَتَادَةُ : لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا عُودٌ وَلَا شَوْكٌ وَلَا بُعْدٌ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ : " ۝ إِذَا تَنَاوَلَ الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى " .
وَقَوْلُهُ : ( وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ) أَيْ : عَالِيَةٌ وَطِيئَةٌ نَاعِمَةٌ .
قَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، ۝ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ : ( وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ) قَالَ : " ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَمَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ " .
ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ . قَالَ : وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ : ارْتِفَاعُ الْفُرُشِ فِي الدَّرَجَاتِ ، وَبُعْدُ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ .
531 هَكَذَا قَالَ : إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ ، وَهُوَ الْمِصْرِيُّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ رِشْدِينَ . ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، فَذَكَرَهُ . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ . وَأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ حَدِيثِ حَرْمَلَةَ عَنِ بْنِ وَهْبٍ ، بِهِ مِثْلَهُ . وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ ، فَذَكَرَهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنْ أَبِي سَهْلٍ - يَعْنِي : كَثِيرَ بْنَ زِيَادٍ - عَنِ الْحَسَنِ : : ( وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ) قَالَ : ارْتِفَاعُ فِرَاشِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ) جَرَى الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ . لَكَنْ لَمَّا دَلَّ السِّيَاقُ ، وَهُوَ ذِكْرُ الْفُرُشِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي يُضَاجِعْنَ فِيهَا ، اكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِنَّ ، وَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِنَّ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : ( إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) [ ص : 31 ، 32 ] يَعْنِي : الشَّمْسَ ، عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ .
قَالَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ) أَضَمَرَهُنَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : ذُكِرْنَ فِي قَوْلِهِ : ( وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ) [ الْوَاقِعَةِ : 22 ، 23 ] .
فَقَوْلُهُ : ( إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ ) أَيْ : أَعَدْنَاهُنَّ فِي النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ بَعْدَمَا كُنَّ عَجَائِزَ رُمْصًا ، صِرْنَ أَبْكَارًا عُرُبًا ، أَيْ : بَعْدَ الثِّيُوبَةِ عُدْنَ أَبْكَارًا عُرُبًا ، أَيْ : مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالْحَلَاوَةِ وَالظَّرَافَةِ وَالْمَلَاحَةِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : ( عُرُبًا ) أَيْ : غَنِجَاتٍ .
قَالَ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : ۝ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ) قَالَ : " نِسَاءٌ عَجَائِزُ كُنَّ فِي الدُّنْيَا عُمْشًا رُمْصًا " . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : غَرِيبٌ ، وَمُوسَى وَيَزِيدُ ضَعِيفَانِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ ، حَدَّثَنَا آدَمُ - يَعْنِي : ابْنَ أَبِي إِيَاسٍ - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : ۝ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ) يَعْنِي : " الثَّيِّبَ وَالْأَبْكَارَ اللَّاتِي كُنَّ فِي الدُّنْيَا " .
532 وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ : حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : ۝ أَتَتْ عَجُوزٌ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ . فَقَالَ : " يَا أُمَّ فُلَانٍ ، إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ " . قَالَ : فَوَلَّتْ تَبْكِي ، قَالَ : " أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : ( إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا )
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ .
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : ۝ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ( وَحُورٌ عِينٌ ) [ الْوَاقِعَةِ : 22 ] ، قَالَ : " حُورٌ : بِيضٌ ، عِينٌ : ضِخَامُ الْعُيُونِ ، شُفْرُ الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ " . قُلْتُ : أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ : ( كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ) [ الْوَاقِعَةِ : 23 ] ، قَالَ : " صَفَاؤُهُنَّ صَفَاءُ الدَّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ ، الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الْأَيْدِي " . قُلْتُ : أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ : ( فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ) [ الرَّحْمَنِ : 70 ] . قَالَ : " خَيِّرَاتُ الْأَخْلَاقِ ، حِسَانُ الْوُجُوهِ " . قُلْتُ : أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ : ( كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ) [ الصَّافَّاتِ : 49 ] ، قَالَ : " رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتَ فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِمَّا يَلِي الْقِشْرَ ، وَهُوَ : الْغِرْقِئُ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ : ( عُرُبًا أَتْرَابًا ) . قَالَ : " هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمْطًا ، خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى عُرُبًا مُتَعَشِّقَاتٍ مُحَبَّبَاتٍ ، أَتْرَابًا عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَمِ الْحُورُ الْعِينِ ؟ قَالَ : " بَلْ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ ، كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَبِمَ ذَاكَ ؟ قَالَ : " بِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ وَعِبَادَتِهِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، أَلْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ ، وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرَ ، بِيضُ الْأَلْوَانِ ، خُضْرُ الثِّيَابِ ، صُفْرُ الْحُلِيِّ ، مَجَامِرُهُنَّ الدُّرُّ ، وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ ، يَقُلْنَ : نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا ، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا ، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا ، أَلَا وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا ، طُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَانَ لَنَا " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الْمَرْأَةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ زَوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا ، مَنْ يَكُونُ زَوْجَهَا ؟ قَالَ : " يَا أُمَّ سَلَمَةَ ، إِنَّهَا تُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا ، فَتَقُولُ : يَا رَبِّ ، إِنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَ خُلُقًا مَعِي فَزَوِّجْنِيهِ ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " .
وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْفَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ : قَدْ شَفَّعْتُكَ وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا . فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " ۝ وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ ، مَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَعْرَفَ بِأَزْوَاجِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِأَزْوَاجِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ ، 533 فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً ، سَبْعِينَ مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ ، وَثِنْتَيْنِ مِنْ وَلَدِ آدَمَ لَهُمَا فَضْلٌ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ اللَّهُ ، بِعِبَادَتِهِمَا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا ، يَدْخُلُ عَلَى الْأُولَى مِنْهُمَا فِي غُرْفَةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ ، عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٍ بِاللُّؤْلُؤِ ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ وَإِنَّهُ لَيَضَعُ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهَا ، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ مِنْ صَدْرِهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدِهَا وَلَحْمِهَا ، وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى مُخِّ سَاقِهَا كَمَا يَنْظُرُ أَحَدُكُمْ إِلَى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوتِ ، كَبِدُهُ لَهَا مِرْآةٌ - يَعْنِي : وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ - فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ ، وَلَا يَأْتِيهَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ ، مَا يَفْتُرُ ذَكَرُهُ ، وَلَا تَشْتَكِي قُبُلَهَا إِلَّا أَنَّهُ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنِيَّةَ ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ نُودِيَ : إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لَا تَمَلُّ وَلَا تُمَلُّ ، إِلَّا أَنَّ لَكَ أَزْوَاجًا غَيْرَهَا ، فَيَخْرُجُ ، فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً ، كُلَّمَا جَاءَ وَاحِدَةً قَالَتْ : وَاللَّهِ مَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِنْكَ ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ " .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ۝ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : أَنَطَأُ فِي الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ دَحْمًا دَحْمًا ، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا رَجَعَتْ مُطَهَّرَةً بِكْرًا " .
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ الْفَقِيهُ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقُ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ " إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدْنَ أَبْكَارًا " . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ : حَدَّثَنَا عِمْرَانُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا فِي النِّسَاءِ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَيُطِيقُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : " يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ " .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ : صَحِيحٌ غَرِيبٌ .
وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُعَفِيِّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ۝ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : " إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي الْيَوْمِ إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ " .
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( عُرُبًا ) قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يَعْنِي مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّاقَةِ الضُّبَعَةِ ، هِيَ كَذَلِكَ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْعُرُبُ : الْعَوَاشِقُ لِأَزْوَاجِهِنَّ ، وَأَزْوَاجُهُنَّ لَهُنَّ عَاشِقُونَ . وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، وَعَطِيَّةُ ، 534 وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ : ( عُرُبًا ) قَالَ : هِيَ الْمَلِقَةُ لِزَوْجِهَا .
وَقَالَ شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : هِيَ الْغَنِجَةُ .
وَقَالَ الْأَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : هِيَ الشَّكِلَةُ .
وَقَالَ صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : ( عُرُبًا ) قَالَ : الشِّكِلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَالْغَنِجَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .
وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ : هِيَ حُسْنُ التَّبَعُّلِ .
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : الْعُرُبُ : حَسِنَاتُ الْكَلَامِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذُكِرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ : حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : ۝ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( عُرُبًا ) قَالَ : " كَلَامُهُنَّ عَرَبِيٌّ " .
وَقَوْلُهُ : ( أَتْرَابًا ) قَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي : فِي سِنٍّ وَاحِدَةٍ ، ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْأَتْرَابُ : الْمُسْتَوِيَاتُ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : الْأَمْثَالُ . وَقَالَ عَطِيَّةُ : الْأَقْرَانُ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( أَتْرَابًا ) أَيْ : فِي الْأَخْلَاقِ ، الْمُتَوَاخِيَاتُ بَيْنَهُنَّ ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ تَبَاغُضٌ وَلَا تَحَاسُدٌ ، يَعْنِي : لَا كَمَا كُنَّ ضَرَائِرَ [ فِي الدُّنْيَا ] ضَرَائِرَ مُتَعَادِيَاتٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْكَهْفِ ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ : ( عُرُبًا أَتْرَابًا ) قَالَا : الْمُسْتَوَيَاتُ الْأَسْنَانِ ، يَأْتَلِفْنَ جَمِيعًا ، وَيَلْعَبْنَ جَمِيعًا .
وَقَدْ رَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ ، يَرْفَعْنَ أَصْوَاتًا لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهَا ، يَقُلْنَ : نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَبِيدُ ، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وَكُنَّا لَهُ " . ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ فُلَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " ۝ إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ لَيُغَنِّينَ فِي الْجَنَّةِ ، يَقُلْنَ نَحْنُ خَيِّرَاتٌ حِسَانٌ ، خُبِّئْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ " .
535 قُلْتُ : إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ هَذَا هُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُلَقَّبُ بِدُحَيْمٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنِ ابْنٍ لَأَنَسٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ فِي الْجَنَّةِ : نَحْنُ الْجِوَارُ الْحِسَانُ ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ " .
وَقَوْلُهُ : ( لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ) أَيْ : خُلِقْنَا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ، أَوِ : ادُّخِرْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ، أَوْ : زُوِّجْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ . وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ : ( إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ) فَتَقْدِيرُهُ : أَنْشَأْنَاهُنَّ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ . وَهَذَا تَوْجِيهُ ابْنِ جَرِيرٍ .
رُوِيَ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : صَلَّيْتُ لَيْلَةً ، ثُمَّ جَلَسْتُ أَدْعُو ، وَكَانَ الْبَرْدُ شَدِيدًا ، فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ ، فَأَخَذَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ ، فَرَأَيْتُ حَوْرَاءَ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا وَهِيَ تَقُولُ : يَا أَبَا سُلَيْمَانَ ، أَتَدْعُو بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَا أُغَذَّى لَكَ فِي النَّعِيمِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ !
قُلْتُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : ( لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ) مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ( أَتْرَابًا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ) أَيْ : فِي أَسْنَانِهِمْ . كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى ضَوْءِ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً ، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ ، وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ ، أَخْلَاقُهُمْ عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ " .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ - وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ ، وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ " يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا بِيضًا جِعَادًا مُكَحَّلِينَ ، أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ ، وَهُمْ عَلَى خَلْقِ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ " .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ عِمَرَانَ الْقَطَّانِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " ۝ يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ ، أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً " . ثُمَّ قَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ
536 وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ ، يُرَدُّونَ بَنِي ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ " .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ نَصْرٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، بِهِ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى طُولِ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْمَلِكِ ! عَلَى حُسْنِ يُوسُفَ ، وَعَلَى مِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً ، وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ، جُرْدٌ مُرْدٌ مُكَحَّلُونَ " .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي دَاوُدَ : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا : " حَدَّثَنَا عُمَرُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ يُبْعَثُ أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فِي مِيلَادِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ ، جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ ، ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ فَيُكْسَوْنَ مِنْهَا ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ " .
وَقَوْلُهُ : ( ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ ) أَيْ : جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْآخَرِينَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - قَالَ : وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ عَنْ بَعْضٍ - قَالَ : ۝ أَكْرَيْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ غَدَوْنَا عَلَيْهِ ، فَقَالَ : " عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهَا بِأُمَمِهَا ، فَيَمُرُّ عَلَيَّ النَّبِيُّ ، وَالنَّبِيُّ فِي الْعِصَابَةِ ، وَالنَّبِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ - وَتَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ : ( أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ) [ هُودٍ : 78 ] - قَالَ : حَتَّى مَرَّ عَلَيَّ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ " . قَالَ : " قُلْتُ : رَبِّي مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ " . قَالَ : " قُلْتُ : رَبِّ فَأَيْنَ أُمَّتِي ؟ قَالَ : انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ فِي الظِّرَابِ . قَالَ : " فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ " . قَالَ : " قَالَ : أَرَضِيتَ ؟ " قَالَ : قُلْتُ : " قَدْ رَضِيتُ ، رَبِّ " . قَالَ : انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ عَنْ يَسَارِكَ فَإِذَا وُجُوهُ الرِّجَالِ . قَالَ : أَرَضِيتَ ؟ قُلْتُ : " رَضِيتُ ، رَبِّ " . قَالَ : فَإِنَّ مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا ، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ " . قَالَ : وَأَنْشَأَ عُكَّاشَةُ بْنُ مُحْصَنٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ - قَالَ سَعِيدٌ : وَكَانَ بَدْرِيًّا - قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ . قَالَ : فَقَالَ : " اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ " . قَالَ : أَنْشَأَ رَجُلٌ آخَرُ ، قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، ادْعُ اللَّهَ 537 أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ . فَقَالَ : " سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ " قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ - فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي - أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّبْعِينَ فَافْعَلُوا وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الظِّرَابِ ، وَإِلَّا فَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْأُفُقِ ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ نَاسًا كَثِيرًا قَدْ تَأَشَّبُوا حَوْلَهُ " . ثُمَّ قَالَ : " إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ " . فَكَبَّرْنَا ، ثُمَّ قَالَ : " إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ " . قَالَ : فَكَبَّرْنَا ، قَالَ : " إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ " . قَالَ : فَكَبَّرْنَا . ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْآيَةَ : ( ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ ) قَالَ : فَقُلْنَا بَيْنَنَا : مَنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ أَلْفًا ؟ فَقُلْنَا : هُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ ، وَلَمْ يُشْرِكُوا . قَالَ : فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ : " بَلْ هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " .
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ ، بِهِ نَحْوَهُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، ۝ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ ) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " هُمَا جَمِيعًا مِنْ أُمَّتِي " .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith