تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
529 ( أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ( 191 ) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ( 192 ) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ( 193 ) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 194 ) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ ( 195 ) )
( إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ( 196 ) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ( 197 ) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ( 198 ) )
هَذَا إِنْكَارٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ ، مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ ، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ مَرْبُوبَةٌ مَصْنُوعَةٌ ، لَا تَمْلِكُ شَيْئًا مِنَ الْأَمْرِ ، وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، [ وَلَا تَنْصُرُ ] وَلَا تَنْتَصِرُ لِعَابِدِيهَا ، بَلْ هِيَ جَمَادٌ لَا تَتَحَرَّكُ وَلَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ ، وَعَابِدُوهَا أَكَمُلُ مِنْهَا بِسَمْعِهِمْ وَبَصَرِهِمْ وَبَطْشِهِمْ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) أَيْ : أَتُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الْمَعْبُودَاتِ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) [ الْحَجِّ : 73 ، 74 ] أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَتْ آلِهَتُهُمْ كُلُّهَا ، مَا اسْتَطَاعُوا خَلْقَ ذُبَابَةٍ ، بَلْ لَوِ اسْتَلَبَتْهُمُ الذُّبَابَةُ شَيْئًا مِنْ حَقِيرِ الْمَطَاعِمِ وَطَارَتْ ، لَمَا اسْتَطَاعُوا إِنْقَاذَ ذَلِكَ مِنْهَا ، فَمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ وَحَالُهُ ، كَيْفَ يُعْبَدُ لِيَرْزُقَ وَيُسْتَنْصَرُ ؟ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) أَيْ : بَلْ هُمْ مَخْلُوقُونَ مَصْنُوعُونَ كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ : ( قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ [ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ] ) [ الصَّافَّاتِ : 95 ، 96 ]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا ) أَيْ : لِعَابِدِيهِمْ ( وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ) يَعْنِي : وَلَا لِأَنْفُسِهِمْ يَنْصُرُونَ مِمَّنْ أَرَادَهُمْ بِسُوءٍ ، كَمَا كَانَ الْخَلِيلُ ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، يَكْسِرُ أَصْنَامَ قَوْمِهِ وَيُهِينُهَا غَايَةَ الْإِهَانَةِ ، كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُ فِي قَوْلِهِ : ( فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ) [ الصَّافَّاتِ : 93 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 58 ] وَكَمَا كَانَ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَكَانَا شَابَّيْنِ قَدْ أَسْلَمَا لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ - فَكَانَا يَعْدُوَانِ فِي اللَّيْلِ عَلَى أَصْنَامِ الْمُشْرِكِينَ يَكْسِرَانِهَا وَيُتْلِفَانِهَا وَيَتَّخِذَانِهَا حَطَبًا لِلْأَرَامِلِ ، لِيَعْتَبِرَ قَوْمُهُمَا بِذَلِكَ ، وَيَرْتَئُوا لِأَنْفُسِهِمْ ، فَكَانَ لِعَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ - وَكَانَ سَيِّدًا فِي قَوْمِهِ - كَانَ لَهُ صَنَمٌ يَعْبُدُهُ وَيُطَيِّبُهُ ، فَكَانَا يَجِيئَانِ فِي اللَّيْلِ فَيُنَكِّسَانِهِ عَلَى رَأْسِهِ ، وَيُلَطِّخَانِهِ بِالْعَذِرَةِ ، فَيَجِيءُ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ فَيَرَى مَا صُنِعَ بِهِ فَيَغْسِلُهُ وَيُطَيِّبُهُ وَيَضَعُ عِنْدَهُ سَيْفًا ، وَيَقُولُ لَهُ : " انْتَصَرَ " . [ ثُمَّ ] يَعُودَانِ لِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَيَعُودُ إِلَى صَنِيعِهِ أَيْضًا ، حَتَّى أَخَذَاهُ مَرَّةً فَقَرَنَا مَعَهُ جَرْوَ كَلْبٍ مَيِّتٍ ، وَدَلَّيَاهُ فِي حَبْلٍ فِي بِئْرٍ هُنَاكَ ، فَلَمَّا جَاءَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ وَرَأَى ذَلِكَ ، نَظَرَ فَعَلِمَ أَنَّ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ بَاطِلٌ ، وَقَالَ :
﴿﴾ تَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ إِلَهًا مُسْتَدَنْ ﴿﴾ ﴿﴾ لَمْ تَكُ وَالْكَلْبُ جَمِيعًا فِي قَرَنْ
﴿﴾ ثُمَّ أَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ، وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ ، وَجَعَلَ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ [ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ] ) يَعْنِي : أَنَّ هَذِهِ الْأَصْنَامَ لَا تَسْمَعُ دُعَاءَ مَنْ دَعَاهَا ، وَسَوَاءٌ لَدَيْهَا مَنْ دَعَاهَا وَمَنْ دَحَاهَا ، كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ : ( يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ) [ مَرْيَمَ : 42 ] ؟
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهَا عَبِيدٌ مِثْلَ عَابِدِيهَا ، أَيْ : مَخْلُوقَاتٌ مِثْلُهُمْ ، بَلِ الْأَنَاسِيَّ أَكْمَلُ مِنْهَا ، لِأَنَّهَا 530 تَسْمَعُ وَتُبْصِرُ وَتَبْطِشُ ، وَتِلْكَ لَا تَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ ) أَيِ : اسْتَنْصِرُوا بِهَا عَلَيَّ ، فَلَا تُؤَخِّرُونِي طَرْفَةَ عَيْنٍ ، وَاجْهَدُوا جُهْدَكُمْ ! ( إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) أَيِ : اللَّهُ حَسْبِي وَكَافِيَّ ، وَهُوَ نَصِيرِي وَعَلَيْهِ مُتَّكَلِي ، وَإِلَيْهِ أَلْجَأُ ، وَهُوَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ صَالِحٍ بَعْدِي . وَهَذَا كَمَا قَالَ هُودٌ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمَّا قَالَ لَهُ قَوْمُهُ : ( إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [ هُودٍ : 54 - 56 ] وَكَقَوْلِ الْخَلِيلِ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] ( أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ] ) [ الشُّعَرَاءِ : 75 - 80 ] الْآيَاتِ ، وَكَقَوْلِهِ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ( إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) [ الزُّخْرُفِ : 26 - 28 ]
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، مُؤَكِّدٌ لِمَا تَقَدَّمَ ، إِلَّا أَنَّهُ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ ، وَذَلِكَ بِصِيغَةِ الْغَيْبَةِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ )
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ [ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ] ) [ فَاطِرٍ : 14 ]
وَقَوْلُهُ : ( وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ) إِنَّمَا قَالَ : ( يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ) أَيْ : يُقَابِلُونَكَ بِعُيُونٍ مُصَوَّرَةٍ كَأَنَّهَا نَاظِرَةٌ ، وَهِيَ جَمَادٌ ; وَلِهَذَا عَامَلَهُمْ مُعَامَلَةَ مَنْ يَعْقِلُ ; لِأَنَّهَا عَلَى صُوَرٍ مُصَوَّرَةٍ كَالْإِنْسَانِ ، [ فَقَالَ ] ( وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ) فَعَبَّرَ عَنْهَا بِضَمِيرِ مَنْ يَعْقِلُ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : الْمُرَادُ بِهَذَا الْمُشْرِكُونَ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ . وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ ، وَقَالَهُ قَتَادَةُ .
( إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ( 196 ) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ( 197 ) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ( 198 ) )
هَذَا إِنْكَارٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ ، مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ ، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ مَرْبُوبَةٌ مَصْنُوعَةٌ ، لَا تَمْلِكُ شَيْئًا مِنَ الْأَمْرِ ، وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، [ وَلَا تَنْصُرُ ] وَلَا تَنْتَصِرُ لِعَابِدِيهَا ، بَلْ هِيَ جَمَادٌ لَا تَتَحَرَّكُ وَلَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ ، وَعَابِدُوهَا أَكَمُلُ مِنْهَا بِسَمْعِهِمْ وَبَصَرِهِمْ وَبَطْشِهِمْ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) أَيْ : أَتُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الْمَعْبُودَاتِ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) [ الْحَجِّ : 73 ، 74 ] أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَتْ آلِهَتُهُمْ كُلُّهَا ، مَا اسْتَطَاعُوا خَلْقَ ذُبَابَةٍ ، بَلْ لَوِ اسْتَلَبَتْهُمُ الذُّبَابَةُ شَيْئًا مِنْ حَقِيرِ الْمَطَاعِمِ وَطَارَتْ ، لَمَا اسْتَطَاعُوا إِنْقَاذَ ذَلِكَ مِنْهَا ، فَمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ وَحَالُهُ ، كَيْفَ يُعْبَدُ لِيَرْزُقَ وَيُسْتَنْصَرُ ؟ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) أَيْ : بَلْ هُمْ مَخْلُوقُونَ مَصْنُوعُونَ كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ : ( قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ [ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ] ) [ الصَّافَّاتِ : 95 ، 96 ]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا ) أَيْ : لِعَابِدِيهِمْ ( وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ) يَعْنِي : وَلَا لِأَنْفُسِهِمْ يَنْصُرُونَ مِمَّنْ أَرَادَهُمْ بِسُوءٍ ، كَمَا كَانَ الْخَلِيلُ ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، يَكْسِرُ أَصْنَامَ قَوْمِهِ وَيُهِينُهَا غَايَةَ الْإِهَانَةِ ، كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُ فِي قَوْلِهِ : ( فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ) [ الصَّافَّاتِ : 93 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 58 ] وَكَمَا كَانَ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَكَانَا شَابَّيْنِ قَدْ أَسْلَمَا لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ - فَكَانَا يَعْدُوَانِ فِي اللَّيْلِ عَلَى أَصْنَامِ الْمُشْرِكِينَ يَكْسِرَانِهَا وَيُتْلِفَانِهَا وَيَتَّخِذَانِهَا حَطَبًا لِلْأَرَامِلِ ، لِيَعْتَبِرَ قَوْمُهُمَا بِذَلِكَ ، وَيَرْتَئُوا لِأَنْفُسِهِمْ ، فَكَانَ لِعَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ - وَكَانَ سَيِّدًا فِي قَوْمِهِ - كَانَ لَهُ صَنَمٌ يَعْبُدُهُ وَيُطَيِّبُهُ ، فَكَانَا يَجِيئَانِ فِي اللَّيْلِ فَيُنَكِّسَانِهِ عَلَى رَأْسِهِ ، وَيُلَطِّخَانِهِ بِالْعَذِرَةِ ، فَيَجِيءُ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ فَيَرَى مَا صُنِعَ بِهِ فَيَغْسِلُهُ وَيُطَيِّبُهُ وَيَضَعُ عِنْدَهُ سَيْفًا ، وَيَقُولُ لَهُ : " انْتَصَرَ " . [ ثُمَّ ] يَعُودَانِ لِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَيَعُودُ إِلَى صَنِيعِهِ أَيْضًا ، حَتَّى أَخَذَاهُ مَرَّةً فَقَرَنَا مَعَهُ جَرْوَ كَلْبٍ مَيِّتٍ ، وَدَلَّيَاهُ فِي حَبْلٍ فِي بِئْرٍ هُنَاكَ ، فَلَمَّا جَاءَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ وَرَأَى ذَلِكَ ، نَظَرَ فَعَلِمَ أَنَّ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ بَاطِلٌ ، وَقَالَ :
﴿﴾ تَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ إِلَهًا مُسْتَدَنْ ﴿﴾ ﴿﴾ لَمْ تَكُ وَالْكَلْبُ جَمِيعًا فِي قَرَنْ
﴿﴾ ثُمَّ أَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ، وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ ، وَجَعَلَ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ [ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ] ) يَعْنِي : أَنَّ هَذِهِ الْأَصْنَامَ لَا تَسْمَعُ دُعَاءَ مَنْ دَعَاهَا ، وَسَوَاءٌ لَدَيْهَا مَنْ دَعَاهَا وَمَنْ دَحَاهَا ، كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ : ( يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ) [ مَرْيَمَ : 42 ] ؟
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهَا عَبِيدٌ مِثْلَ عَابِدِيهَا ، أَيْ : مَخْلُوقَاتٌ مِثْلُهُمْ ، بَلِ الْأَنَاسِيَّ أَكْمَلُ مِنْهَا ، لِأَنَّهَا 530 تَسْمَعُ وَتُبْصِرُ وَتَبْطِشُ ، وَتِلْكَ لَا تَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ ) أَيِ : اسْتَنْصِرُوا بِهَا عَلَيَّ ، فَلَا تُؤَخِّرُونِي طَرْفَةَ عَيْنٍ ، وَاجْهَدُوا جُهْدَكُمْ ! ( إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) أَيِ : اللَّهُ حَسْبِي وَكَافِيَّ ، وَهُوَ نَصِيرِي وَعَلَيْهِ مُتَّكَلِي ، وَإِلَيْهِ أَلْجَأُ ، وَهُوَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ صَالِحٍ بَعْدِي . وَهَذَا كَمَا قَالَ هُودٌ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمَّا قَالَ لَهُ قَوْمُهُ : ( إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [ هُودٍ : 54 - 56 ] وَكَقَوْلِ الْخَلِيلِ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] ( أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ] ) [ الشُّعَرَاءِ : 75 - 80 ] الْآيَاتِ ، وَكَقَوْلِهِ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ( إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) [ الزُّخْرُفِ : 26 - 28 ]
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، مُؤَكِّدٌ لِمَا تَقَدَّمَ ، إِلَّا أَنَّهُ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ ، وَذَلِكَ بِصِيغَةِ الْغَيْبَةِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ )
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ [ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ] ) [ فَاطِرٍ : 14 ]
وَقَوْلُهُ : ( وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ) إِنَّمَا قَالَ : ( يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ) أَيْ : يُقَابِلُونَكَ بِعُيُونٍ مُصَوَّرَةٍ كَأَنَّهَا نَاظِرَةٌ ، وَهِيَ جَمَادٌ ; وَلِهَذَا عَامَلَهُمْ مُعَامَلَةَ مَنْ يَعْقِلُ ; لِأَنَّهَا عَلَى صُوَرٍ مُصَوَّرَةٍ كَالْإِنْسَانِ ، [ فَقَالَ ] ( وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ) فَعَبَّرَ عَنْهَا بِضَمِيرِ مَنْ يَعْقِلُ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : الْمُرَادُ بِهَذَا الْمُشْرِكُونَ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ . وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ ، وَقَالَهُ قَتَادَةُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith