تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
( وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 37 ) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 38 ) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 39 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ( 40 ) )
هَذَا بَيَانٌ لِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الْبَشَرُ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ ، وَلَا بِعَشْرِ سُوَرٍ ، وَلَا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ، لِأَنَّهُ بِفَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ وَوَجَازَتِهِ وَحَلَاوَتِهِ ، وَاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَعَانِي الْعَزِيزَةِ [ لِلْعَزِيزَةِ ] النَّافِعَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ فِي ذَاتِهِ وَلَا صِفَاتِهِ ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ ، فَكَلَامُهُ لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْمَخْلُوقِينَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ) أَيْ : مِثْلُ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا كَلَامَ الْبَشَرِ ، ( وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) أَيْ : مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهَا ، وَمُبَيِّنًا لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ وَالتَّبْدِيلِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) أَيْ : وَبَيَانُ الْأَحْكَامِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، بَيَانًا 269 شَافِيًا كَافِيًا حَقًّا لَا مِرْيَةَ فِيهِ مِنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : " فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ ، وَنَبَأُ مَا بَعْدَكُمْ ، وَفَصْلُ مَا بَيْنَكُمْ " ، أَيْ : خَبَرٌ عَمَّا سَلَفَ وَعَمَّا سَيَأْتِي ، وَحُكْمٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ بِالشَّرْعِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ .
وَقَوْلُهُ : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) أَيْ : إِنِ ادَّعَيْتُمْ وَافْتَرَيْتُمْ وَشَكَكْتُمْ فِي أَنَّ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَقُلْتُمْ كَذِبًا وَمَيْنًا : " إِنَّ هَذَا مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدٍ " ، فَمُحَمَّدٌ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ، وَقَدْ جَاءَ فِيمَا زَعَمْتُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ ، فَأْتُوا أَنْتُمْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ، أَيْ : مِنْ جِنْسِ الْقُرْآنِ ، وَاسْتَعِينُوا عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ مَنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ إِنْسٍ وَجَانٍّ .
وَهَذَا هُوَ الْمَقَامُ الثَّالِثُ فِي التَّحَدِّي ، فَإِنَّهُ تَعَالَى تَحَدَّاهُمْ وَدَعَاهُمْ ، إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي دَعْوَاهُمْ ، أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدٍ ، فَلْتُعَارِضُوهُ بِنَظِيرِ مَا جَاءَ بِهِ وَحْدَهُ وَاسْتَعِينُوا بِمَنْ شِئْتُمْ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَيْهِ ، فَقَالَ تَعَالَى : ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 88 ] ، ثُمَّ تَقَاصَرَ مَعَهُمْ إِلَى عَشْرِ سُورٍ مِنْهُ ، فَقَالَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ هُودٍ : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) [ هُودٍ : 13 ] ، ثُمَّ تَنَازَلَ إِلَى سُورَةٍ ، فَقَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) وَكَذَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ - وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ - تَحَدَّاهُمْ بِسُورَةٍ مِنْهُ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ أَبَدًا ، فَقَالَ : ( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ ) الْآيَةَ : [ الْبَقَرَةِ : 24 ] .
هَذَا وَقَدْ كَانَتِ الْفَصَاحَةُ مِنْ سَجَايَاهُمْ ، وَأَشْعَارِهِمْ وَمُعَلَّقَاتِهِمْ إِلَيْهَا الْمُنْتَهَى فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلَكِنْ جَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَا قِبَلَ لِأَحَدٍ بِهِ ، وَلِهَذَا آمَنَ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِمَا عَرَفَ مِنْ بَلَاغَةِ هَذَا الْكَلَامِ وَحَلَاوَتِهِ ، وَجَزَالَتِهِ وَطَلَاوَتِهِ ، وَإِفَادَتِهِ وَبَرَاعَتِهِ ، فَكَانُوا أَعْلَمَ النَّاسِ بِهِ ، وَأَفْهَمَهُمْ لَهُ ، وَأَتْبَعَهُمْ لَهُ وَأَشَدَّهُمْ لَهُ انْقِيَادًا ، كَمَا عَرَفَ السَّحَرَةُ ، لِعِلْمِهِمْ بِفُنُونِ السِّحْرِ ، أَنَّ هَذَا الَّذِي فَعَلَهُ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ مُؤَيَّدٍ مُسَدَّدٍ مُرْسَلٍ مِنَ اللَّهِ ، وَأَنَّ هَذَا لَا يُسْتَطَاعُ لِبَشَرٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ . وَكَذَلِكَ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بُعِثَ فِي زَمَانِ عُلَمَاءِ الطِّبِّ وَمُعَالَجَةِ الْمَرْضَى ، فَكَانَ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ، وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا مَدْخَلَ لِلْعِلَاجِ وَالدَّوَاءِ فِيهِ ، فَعَرَفَ مَنْ عَرَفَ مِنْهُمْ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا . 270
وَقَوْلُهُ : ( بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) يَقُولُ : بَلْ كَذَّبَ هَؤُلَاءِ بِالْقُرْآنِ ، وَلَمْ يَفْهَمُوهُ وَلَا عَرَفُوهُ ، ( وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) أَيْ : وَلَمْ يُحَصِّلُوا مَا فِيهِ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ إِلَى حِينِ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ جَهْلًا وَسَفَهًا ( كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) أَيْ : مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ ( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) أَيْ : فَانْظُرْ كَيْفَ أَهْلَكْنَاهُمْ بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَنَا ظُلْمًا وَعُلُوًّا ، وَكُفْرًا وَعِنَادًا وَجَهْلًا فَاحْذَرُوا أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ) أَيْ : وَمِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بُعِثْتَ إِلَيْهِمْ يَا مُحَمَّدُ مَنْ يُؤْمِنُ بِهَذَا الْقُرْآنِ ، وَيَتَّبِعُكَ وَيَنْتَفِعُ بِمَا أُرْسِلْتَ بِهِ ، ( وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ ) بَلْ يَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ وَيُبْعَثُ عَلَيْهِ ، ( وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ) أَيْ : وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ فَيَهْدِيهِ ، وَمَنْ يَسْتَحِقُّ الضَّلَالَةَ فَيُضِلُّهُ ، وَهُوَ الْعَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ ، بَلْ يُعْطِي كُلًّا مَا يَسْتَحِقُّهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ .
هَذَا بَيَانٌ لِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الْبَشَرُ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ ، وَلَا بِعَشْرِ سُوَرٍ ، وَلَا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ، لِأَنَّهُ بِفَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ وَوَجَازَتِهِ وَحَلَاوَتِهِ ، وَاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَعَانِي الْعَزِيزَةِ [ لِلْعَزِيزَةِ ] النَّافِعَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ فِي ذَاتِهِ وَلَا صِفَاتِهِ ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ ، فَكَلَامُهُ لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْمَخْلُوقِينَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ) أَيْ : مِثْلُ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا كَلَامَ الْبَشَرِ ، ( وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) أَيْ : مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهَا ، وَمُبَيِّنًا لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ وَالتَّبْدِيلِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) أَيْ : وَبَيَانُ الْأَحْكَامِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، بَيَانًا 269 شَافِيًا كَافِيًا حَقًّا لَا مِرْيَةَ فِيهِ مِنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : " فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ ، وَنَبَأُ مَا بَعْدَكُمْ ، وَفَصْلُ مَا بَيْنَكُمْ " ، أَيْ : خَبَرٌ عَمَّا سَلَفَ وَعَمَّا سَيَأْتِي ، وَحُكْمٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ بِالشَّرْعِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ .
وَقَوْلُهُ : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) أَيْ : إِنِ ادَّعَيْتُمْ وَافْتَرَيْتُمْ وَشَكَكْتُمْ فِي أَنَّ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَقُلْتُمْ كَذِبًا وَمَيْنًا : " إِنَّ هَذَا مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدٍ " ، فَمُحَمَّدٌ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ، وَقَدْ جَاءَ فِيمَا زَعَمْتُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ ، فَأْتُوا أَنْتُمْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ، أَيْ : مِنْ جِنْسِ الْقُرْآنِ ، وَاسْتَعِينُوا عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ مَنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ إِنْسٍ وَجَانٍّ .
وَهَذَا هُوَ الْمَقَامُ الثَّالِثُ فِي التَّحَدِّي ، فَإِنَّهُ تَعَالَى تَحَدَّاهُمْ وَدَعَاهُمْ ، إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي دَعْوَاهُمْ ، أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدٍ ، فَلْتُعَارِضُوهُ بِنَظِيرِ مَا جَاءَ بِهِ وَحْدَهُ وَاسْتَعِينُوا بِمَنْ شِئْتُمْ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَيْهِ ، فَقَالَ تَعَالَى : ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 88 ] ، ثُمَّ تَقَاصَرَ مَعَهُمْ إِلَى عَشْرِ سُورٍ مِنْهُ ، فَقَالَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ هُودٍ : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) [ هُودٍ : 13 ] ، ثُمَّ تَنَازَلَ إِلَى سُورَةٍ ، فَقَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) وَكَذَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ - وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ - تَحَدَّاهُمْ بِسُورَةٍ مِنْهُ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ أَبَدًا ، فَقَالَ : ( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ ) الْآيَةَ : [ الْبَقَرَةِ : 24 ] .
هَذَا وَقَدْ كَانَتِ الْفَصَاحَةُ مِنْ سَجَايَاهُمْ ، وَأَشْعَارِهِمْ وَمُعَلَّقَاتِهِمْ إِلَيْهَا الْمُنْتَهَى فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلَكِنْ جَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَا قِبَلَ لِأَحَدٍ بِهِ ، وَلِهَذَا آمَنَ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِمَا عَرَفَ مِنْ بَلَاغَةِ هَذَا الْكَلَامِ وَحَلَاوَتِهِ ، وَجَزَالَتِهِ وَطَلَاوَتِهِ ، وَإِفَادَتِهِ وَبَرَاعَتِهِ ، فَكَانُوا أَعْلَمَ النَّاسِ بِهِ ، وَأَفْهَمَهُمْ لَهُ ، وَأَتْبَعَهُمْ لَهُ وَأَشَدَّهُمْ لَهُ انْقِيَادًا ، كَمَا عَرَفَ السَّحَرَةُ ، لِعِلْمِهِمْ بِفُنُونِ السِّحْرِ ، أَنَّ هَذَا الَّذِي فَعَلَهُ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ مُؤَيَّدٍ مُسَدَّدٍ مُرْسَلٍ مِنَ اللَّهِ ، وَأَنَّ هَذَا لَا يُسْتَطَاعُ لِبَشَرٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ . وَكَذَلِكَ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بُعِثَ فِي زَمَانِ عُلَمَاءِ الطِّبِّ وَمُعَالَجَةِ الْمَرْضَى ، فَكَانَ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ، وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا مَدْخَلَ لِلْعِلَاجِ وَالدَّوَاءِ فِيهِ ، فَعَرَفَ مَنْ عَرَفَ مِنْهُمْ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا . 270
وَقَوْلُهُ : ( بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) يَقُولُ : بَلْ كَذَّبَ هَؤُلَاءِ بِالْقُرْآنِ ، وَلَمْ يَفْهَمُوهُ وَلَا عَرَفُوهُ ، ( وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) أَيْ : وَلَمْ يُحَصِّلُوا مَا فِيهِ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ إِلَى حِينِ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ جَهْلًا وَسَفَهًا ( كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) أَيْ : مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ ( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) أَيْ : فَانْظُرْ كَيْفَ أَهْلَكْنَاهُمْ بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَنَا ظُلْمًا وَعُلُوًّا ، وَكُفْرًا وَعِنَادًا وَجَهْلًا فَاحْذَرُوا أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ) أَيْ : وَمِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بُعِثْتَ إِلَيْهِمْ يَا مُحَمَّدُ مَنْ يُؤْمِنُ بِهَذَا الْقُرْآنِ ، وَيَتَّبِعُكَ وَيَنْتَفِعُ بِمَا أُرْسِلْتَ بِهِ ، ( وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ ) بَلْ يَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ وَيُبْعَثُ عَلَيْهِ ، ( وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ) أَيْ : وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ فَيَهْدِيهِ ، وَمَنْ يَسْتَحِقُّ الضَّلَالَةَ فَيُضِلُّهُ ، وَهُوَ الْعَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ ، بَلْ يُعْطِي كُلًّا مَا يَسْتَحِقُّهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith