تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
( وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ( 44 ) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ( 45 ) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ( 46 ) ) 516
وَلِشِدَّةِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى [ بِهِ ] عَنْهُمْ ، قَالَ لِرَسُولِهِ : ( وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ : ( رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ) كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 99 ، 100 ] . وَقَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ) [ الْمُنَافِقُونَ : 9 ، 10 ] وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ فِي حَالِ مَحْشَرِهِمْ : ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ) [ السَّجْدَةِ : 12 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) [ الْأَنْعَامِ : 27 ، 28 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ) [ فَاطِرٍ : 37 ] .
وَقَالَ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا : ( أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ) أَيْ : أَوَلَمْ تَكُونُوا تَحْلِفُونَ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْحَالِ : أَنَّهُ لَا زَوَالَ لَكُمْ عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ ، وَأَنَّهُ لَا مَعَادَ وَلَا جَزَاءَ ، فَذُوقُوا هَذَا بِذَاكَ .
قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ : ( مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ) أَيْ : مَا لَكَمْ مِنِ انْتِقَالٍ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ تَعَالَى : ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ) [ النَّحْلِ : 38 ] .
( وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ) أَيْ : قَدْ رَأَيْتُمْ وَبَلَغَكُمْ مَا أَحْلَلْنَا بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ قَبْلَكُمْ ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَكُمْ فِيهِمْ مُعْتَبَرٌ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا أَوْقَعْنَا بِهِمْ مُزْدَجَرٌ لَكُمْ ( حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ) [ الْقَمَرِ : 5 ] .
وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [ بْنِ دَابِيلَ ] أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) قَالَ : أَخَذَ ذَاكَ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمُ فِي رَبِّهِ نَسْرَيْنِ صَغِيرَيْنِ ، فَرَبَّاهُمَا حَتَّى اسْتَغْلَظَا وَاسْتَعْلَجَا وَشَبَّا .
قَالَ : فَأَوْثَقَ رِجْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوَتَدٍ إِلَى تَابُوتٍ ، وَجَوَّعَهُمَا ، وَقَعَدَ هُوَ وَرَجُلٌ آخَرُ فِي التَّابُوتِ قَالَ : - وَرَفَعَ فِي التَّابُوتِ عَصًا عَلَى رَأْسِهِ اللَّحْمُ - قَالَ : فَطَارَا [ قَالَ ] وَجَعَلَ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ : انْظُرْ مَا تَرَى ؟ قَالَ : أَرَى كَذَا وَكَذَا ، حَتَّى قَالَ : أَرَى الدُّنْيَا كُلَّهَا كَأَنَّهَا ذُبَابٌ . قَالَ : فَقَالَ : صَوِّبِ الْعَصَا ، 517 فَصَوَّبَهَا ، فَهَبَطَا . قَالَ : فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : " وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ " . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : " وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ " .
قُلْتُ : وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا قَرَآ : " وَإِنْ كَادَ " كَمَا قَرَأَ عَلِيٌّ . وَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذُنَانَ عَنْ عَلِيٍّ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ سِيَاقَ هَذِهِ الْقِصَّةِ لِنَمْرُودَ مَلِكِ كَنْعَانَ : أَنَّهُ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ وَالْمَكْرِ ، كَمَا رَامَ ذَلِكَ بَعْدَهُ فِرْعَوْنُ مَلِكُ الْقِبْطِ فِي بِنَاءِ الصَّرْحِ ، فَعَجَزَا وَضَعُفَا . وَهُمَا أَقَلُّ وَأَحْقَرُ ، وَأَصْغَرُ وَأَدْحَرُ .
وَذَكَرَ مُجَاهِدٌ هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنْ بُخْتُنَصَّرَ ، وَأَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ بَصَرُهُ عَنِ الْأَرْضِ وَأَهْلِهَا ، نُودِيَ أَيُّهَا الطَّاغِيَةُ : أَيْنَ تُرِيدُ ؟ فَفَرَقَ ، ثُمَّ سَمِعَ الصَّوْتَ فَوْقَهُ فَصَوَّبَ الرِّمَاحَ ، فَصَوَّبَتِ النُّسُورُ ، فَفَزِعَتِ الْجِبَالُ مِنْ هَدَّتِهَا ، وَكَادَتِ الْجِبَالُ أَنْ تَزُولَ مِنْ حِسِّ ذَلِكَ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ )
وَنَقَلَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا : " لَتَزُولُ مِنْهُ الْجِبَالُ " بِفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى ، وَضَمِّ الثَّانِيَةِ .
وَرَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) يَقُولُ : مَا كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ . وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي فَعَلُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَشِرْكِهِمْ بِهِ ، مَا ضَرَّ ذَلِكَ شَيْئًا مِنَ الْجِبَالِ وَلَا غَيْرِهَا ، وَإِنَّمَا عَادَ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ .
قُلْتُ : وَيُشْبِهُ هَذَا - إِذًا - قَوْلَهُ تَعَالَى : ( وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 37 ] .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي تَفْسِيرِهَا : مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) يَقُولُ شِرْكُهُمْ ، كَقَوْلِهِ : ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ) [ مَرْيَمَ : 90 - 91 ] وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ .
وَلِشِدَّةِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى [ بِهِ ] عَنْهُمْ ، قَالَ لِرَسُولِهِ : ( وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ : ( رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ) كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 99 ، 100 ] . وَقَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ) [ الْمُنَافِقُونَ : 9 ، 10 ] وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ فِي حَالِ مَحْشَرِهِمْ : ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ) [ السَّجْدَةِ : 12 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) [ الْأَنْعَامِ : 27 ، 28 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ) [ فَاطِرٍ : 37 ] .
وَقَالَ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا : ( أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ) أَيْ : أَوَلَمْ تَكُونُوا تَحْلِفُونَ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْحَالِ : أَنَّهُ لَا زَوَالَ لَكُمْ عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ ، وَأَنَّهُ لَا مَعَادَ وَلَا جَزَاءَ ، فَذُوقُوا هَذَا بِذَاكَ .
قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ : ( مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ) أَيْ : مَا لَكَمْ مِنِ انْتِقَالٍ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ تَعَالَى : ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ) [ النَّحْلِ : 38 ] .
( وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ) أَيْ : قَدْ رَأَيْتُمْ وَبَلَغَكُمْ مَا أَحْلَلْنَا بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ قَبْلَكُمْ ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَكُمْ فِيهِمْ مُعْتَبَرٌ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا أَوْقَعْنَا بِهِمْ مُزْدَجَرٌ لَكُمْ ( حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ) [ الْقَمَرِ : 5 ] .
وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [ بْنِ دَابِيلَ ] أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ( وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) قَالَ : أَخَذَ ذَاكَ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمُ فِي رَبِّهِ نَسْرَيْنِ صَغِيرَيْنِ ، فَرَبَّاهُمَا حَتَّى اسْتَغْلَظَا وَاسْتَعْلَجَا وَشَبَّا .
قَالَ : فَأَوْثَقَ رِجْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوَتَدٍ إِلَى تَابُوتٍ ، وَجَوَّعَهُمَا ، وَقَعَدَ هُوَ وَرَجُلٌ آخَرُ فِي التَّابُوتِ قَالَ : - وَرَفَعَ فِي التَّابُوتِ عَصًا عَلَى رَأْسِهِ اللَّحْمُ - قَالَ : فَطَارَا [ قَالَ ] وَجَعَلَ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ : انْظُرْ مَا تَرَى ؟ قَالَ : أَرَى كَذَا وَكَذَا ، حَتَّى قَالَ : أَرَى الدُّنْيَا كُلَّهَا كَأَنَّهَا ذُبَابٌ . قَالَ : فَقَالَ : صَوِّبِ الْعَصَا ، 517 فَصَوَّبَهَا ، فَهَبَطَا . قَالَ : فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : " وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ " . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : " وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ " .
قُلْتُ : وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا قَرَآ : " وَإِنْ كَادَ " كَمَا قَرَأَ عَلِيٌّ . وَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذُنَانَ عَنْ عَلِيٍّ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ سِيَاقَ هَذِهِ الْقِصَّةِ لِنَمْرُودَ مَلِكِ كَنْعَانَ : أَنَّهُ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ وَالْمَكْرِ ، كَمَا رَامَ ذَلِكَ بَعْدَهُ فِرْعَوْنُ مَلِكُ الْقِبْطِ فِي بِنَاءِ الصَّرْحِ ، فَعَجَزَا وَضَعُفَا . وَهُمَا أَقَلُّ وَأَحْقَرُ ، وَأَصْغَرُ وَأَدْحَرُ .
وَذَكَرَ مُجَاهِدٌ هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنْ بُخْتُنَصَّرَ ، وَأَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ بَصَرُهُ عَنِ الْأَرْضِ وَأَهْلِهَا ، نُودِيَ أَيُّهَا الطَّاغِيَةُ : أَيْنَ تُرِيدُ ؟ فَفَرَقَ ، ثُمَّ سَمِعَ الصَّوْتَ فَوْقَهُ فَصَوَّبَ الرِّمَاحَ ، فَصَوَّبَتِ النُّسُورُ ، فَفَزِعَتِ الْجِبَالُ مِنْ هَدَّتِهَا ، وَكَادَتِ الْجِبَالُ أَنْ تَزُولَ مِنْ حِسِّ ذَلِكَ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ )
وَنَقَلَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا : " لَتَزُولُ مِنْهُ الْجِبَالُ " بِفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى ، وَضَمِّ الثَّانِيَةِ .
وَرَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) يَقُولُ : مَا كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ . وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي فَعَلُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَشِرْكِهِمْ بِهِ ، مَا ضَرَّ ذَلِكَ شَيْئًا مِنَ الْجِبَالِ وَلَا غَيْرِهَا ، وَإِنَّمَا عَادَ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ .
قُلْتُ : وَيُشْبِهُ هَذَا - إِذًا - قَوْلَهُ تَعَالَى : ( وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 37 ] .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي تَفْسِيرِهَا : مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) يَقُولُ شِرْكُهُمْ ، كَقَوْلِهِ : ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ) [ مَرْيَمَ : 90 - 91 ] وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith