تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
( وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 ) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 69 ) )
الْمُرَادُ بِالْوَحْيِ هَاهُنَا : الْإِلْهَامُ وَالْهِدَايَةُ وَالْإِرْشَادُ إِلَى النَّحْلِ أَنْ تَتَّخِذَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا تَأْوِي إِلَيْهَا ، وَمِنَ الشَّجَرِ ، وَمِمَّا يَعْرِشُونَ . ثُمَّ هِيَ مُحْكَمَةٌ فِي غَايَةِ الْإِتْقَانِ فِي تَسْدِيسِهَا وَرَصِّهَا ، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا خَلَلٌ . 582
ثُمَّ أَذِنَ لَهَا تَعَالَى إِذْنًا قَدَرِيًّا تَسْخِيرِيًّا أَنْ تَأْكُلَ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ، وَأَنْ تَسْلُكَ الطُّرُقَ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهَا مُذَلَّلَةً ، أَيْ : سَهْلَةً عَلَيْهَا حَيْثُ شَاءَتْ فِي هَذَا الْجَوِّ الْعَظِيمِ وَالْبَرَارِي الشَّاسِعَةِ ، وَالْأَوْدِيَةِ وَالْجِبَالِ الشَّاهِقَةِ ، ثُمَّ تَعُودُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا إِلَى مَوْضِعِهَا وَبَيْتِهَا ، لَا تَحِيدُ عَنْهُ يُمْنَةً وَلَا يُسْرَةً ، بَلْ إِلَى بَيْتِهَا وَمَا لَهَا فِيهِ مِنْ فِرَاخٍ وَعَسَلٍ ، فَتَبْنِي الشَّمْعَ مِنْ أَجْنِحَتِهَا ، وَتَقِيءُ الْعَسَلَ مِنْ فِيهَا وَتَبِيضُ الْفِرَاخَ مِنْ دُبُرِهَا ، ثُمَّ تُصْبِحُ إِلَى مَرَاعِيهَا .
وَقَالَ قَتَادَةُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : ( فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ) أَيْ : مُطِيعَةً . فَجَعَلَاهُ حَالًا مِنَ السَّالِكَةِ . قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَهُوَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ) [ يس : 72 ] قَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ النَّحْلَ مِنْ بُيُوتِهِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَهُوَ يَصْحَبُهُمْ .
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَهُوَ أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الطَّرِيقِ ، أَيْ : فَاسْلُكِيهَا مُذَلَّلَةً لَكِ ، نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : كِلَا الْقَوْلَيْنِ صَحِيحٌ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، حَدَّثَنَا سُكَيْنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " عُمْرُ الذُّبَابِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا ، وَالذُّبَابُ كُلُّهُ فِي النَّارِ إِلَّا النَّحْلَ " .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ) أَيْ : مَا بَيْنَ أَبْيَضَ وَأَصْفَرَ وَأَحْمَرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْوَانِ الْحَسَنَةِ ، عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاعِيهَا وَمَأْكَلِهَا مِنْهَا .
وَقَوْلُهُ : ( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ) أَيْ : فِي الْعَسَلِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ مِنْ أَدْوَاءٍ تَعْرِضُ لَهُمْ . قَالَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الطِّبِّ النَّبَوِيِّ : لَوْ قَالَ فِيهِ : " الشِّفَاءُ لِلنَّاسِ " لَكَانَ دَوَاءً لِكُلِّ دَاءٍ ، وَلَكِنْ قَالَ ( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ) أَيْ : يَصْلُحُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ أَدْوَاءٍ بَارِدَةٍ ، فَإِنَّهُ حَارٌّ ، وَالشَّيْءُ يُدَاوَى بِضِدِّهِ .
وَقَالَ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ فِي قَوْلِهِ : ( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ) يَعْنِي : الْقُرْآنَ .
وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الظَّاهِرُ هَاهُنَا مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ ; فَإِنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا ذَكَرَ فِيهَا الْعَسَلَ ، وَلَمْ يُتَابَعْ مُجَاهِدٌ عَلَى قَوْلِهِ هَاهُنَا ، وَإِنَّمَا الَّذِي قَالَهُ ذَكَرُوهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) الْآيَةَ [ الْإِسْرَاءِ : 82 ] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) [ يُونُسَ : 57 ] .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ) هُوَ الْعَسَلُ - الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ النَّاجِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ . فَقَالَ : " اسْقِهِ عَسَلًا " . فَسَقَاهُ عَسَلًا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، سَقَيْتُهُ عَسَلًا فَمَا زَادَهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا ، قَالَ : " اذْهَبْ فَاسْقِهِ عَسَلًا " . فَذَهَبَ فَسَقَاهُ ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا زَادَهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا ، فَقَالَ رَسُولُ 583 اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " صَدَقَ اللَّهُ ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ ، اذْهَبْ فَاسْقِهِ عَسَلًا " . فَذَهَبَ فَسَقَاهُ فَبَرِئَ .
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالطِّبِّ : كَانَ هَذَا الرَّجُلُ عِنْدَهُ فَضَلَاتٌ ، فَلَمَّا سَقَاهُ عَسَلًا وَهُوَ حَارٌّ تَحَلَّلَتْ ، فَأَسْرَعَتْ فِي الِانْدِفَاعِ ، فَزَادَ إِسْهَالُهُ ، فَاعْتَقَدَ الْأَعْرَابِيُّ أَنَّ هَذَا يَضُرُّهُ وَهُوَ مَصْلَحَةٌ لِأَخِيهِ ، ثُمَّ سَقَاهُ فَازْدَادَ التَّحْلِيلُ وَالدَّفْعُ ، ثُمَّ سَقَاهُ فَكَذَلِكَ ، فَلَمَّا انْدَفَعَتِ الْفَضَلَاتُ الْفَاسِدَةُ الْمُضِرَّةُ بِالْبَدَنِ اسْتَمْسَكَ بَطْنُهُ ، وَصَلُحَ مِزَاجُهُ ، وَانْدَفَعَتِ الْأَسْقَامُ وَالْآلَامُ بِبَرَكَةِ إِشَارَتِهِ - عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ - .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ . هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ : مِنْ حَدِيثِ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ : فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ " .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ ، أَوْ يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ : فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ " .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ جَابِرٍ بِهِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عَقَبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ثَلَاثٌ إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ شِفَاءٌ : فَشَرْطَةُ مِحْجَمٍ ، أَوْ شَرْبَةُ عَسَلٍ ، أَوْ كَيَّةٌ تُصِيبُ أَلَمًا ، وَأَنَا أَكْرَهُ الْكَيَّ وَلَا أُحِبُّهُ " .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ هَارُونَ بْنِ مَلُولٍ الْمِصْرِيِّ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئِ ، [ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ بِهِ . وَلَفَظُهُ : " إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ شِفَاءٌ : فَشَرْطَةُ مِحْجَمٍ " . . . وَذَكَرَهُ وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ فِي سُنَنِهِ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ 584 - هُوَ اللَّبَقِيُّ - حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ : الْعَسَلُ وَالْقُرْآنُ " .
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ ، تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سُفْيَانَ - هُوَ الثَّوْرِيُّ - بِهِ مَوْقُوفًا : وَلَهُوَ أَشْبَهُ .
وَرُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الشِّفَاءَ فَلْيَكْتُبْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي صَحْفَةٍ ، وَلْيَغْسِلْهَا بِمَاءِ السَّمَاءِ ، وَلْيَأْخُذْ مِنِ امْرَأَتِهِ دِرْهَمًا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهَا ، فَلْيَشْتَرِ بِهِ عَسَلًا فَلْيَشْرَبْهُ بِذَلِكَ ، فَإِنَّهُ شِفَاءٌ . أَيْ : مِنْ وُجُوهٍ ، قَالَ اللَّهُ : ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ ) [ الْإِسْرَاءِ : 82 ] وَقَالَ : ( وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا ) [ ق : 9 ] وَقَالَ : ( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ) [ النِّسَاءِ : 4 ] وَقَالَ فِي الْعَسَلِ : ( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ )
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْقُرَشِيُّ ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَاشِمِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَنْ لَعِقَ الْعَسَلَ ثَلَاثَ غَدَوَاتٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ لَمْ يُصِبْهُ عَظِيمٌ مِنَ الْبَلَاءِ " .
الزُّبَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ مَتْرُوكٌ .
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ سَرْحٍ الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ السَّكْسَكِيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عبْلَةَ . سَمِعْتُ أَبَا أُبَيِّ بْنَ أُمِّ حَرَامٍ - وَكَانَ قَدْ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ - يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " عَلَيْكُمْ بِالسَّنَى وَالسَّنُّوتِ ، فَإِنَّ فِيهِمَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ " . قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا السَّامُ ؟ قَالَ : " الْمَوْتُ " .
قَالَ عَمْرٌو : قَالَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ : " السَّنُّوتُ " : الشَّبَتُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ الْعَسَلُ الَّذِي [ يَكُونُ ] فِي زِقَاقِ السَّمْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
﴿﴾ هُمُ السَّمْنُ بِالسَّنُّوتِ لَا أَلْسَ فِيهِمْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَهُمْ يَمْنَعُونَ الْجَارَ أَنْ يُقَرَّدَا ﴿﴾
كَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ . وَقَوْلُهُ : " لَا أَلْسَ فِيهِمْ " أَيْ : لَا خَلْطَ . وَقَوْلُهُ : " يَمْنَعُونَ الْجَارَ أَنْ يُقَرَّدَا " [ أَيْ يُضْطَهَدَ وَيُظْلَمَ ] .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) أَيْ : إِنَّ فِي إِلْهَامِ اللَّهِ لِهَذِهِ الدَّوَابِّ الضَّعِيفَةِ الْخِلْقَةِ إِلَى السُّلُوكِ فِي هَذِهِ الْمَهَامَةِ وَالِاجْتِنَاءِ مِنْ سَائِرِ الثِّمَارِ ، ثُمَّ جَمْعِهَا لِلشَّمْعِ وَالْعَسَلِ ، وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ 585 الْأَشْيَاءِ ، ( لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) فِي عَظَمَةِ خَالِقِهَا وَمُقَدِّرِهَا وَمُسَخِّرِهَا وَمُيَسِّرِهَا ، فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ [ الْفَاعِلُ ] الْقَادِرُ ، الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ، الْكَرِيمُ الرَّحِيمُ .
الْمُرَادُ بِالْوَحْيِ هَاهُنَا : الْإِلْهَامُ وَالْهِدَايَةُ وَالْإِرْشَادُ إِلَى النَّحْلِ أَنْ تَتَّخِذَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا تَأْوِي إِلَيْهَا ، وَمِنَ الشَّجَرِ ، وَمِمَّا يَعْرِشُونَ . ثُمَّ هِيَ مُحْكَمَةٌ فِي غَايَةِ الْإِتْقَانِ فِي تَسْدِيسِهَا وَرَصِّهَا ، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا خَلَلٌ . 582
ثُمَّ أَذِنَ لَهَا تَعَالَى إِذْنًا قَدَرِيًّا تَسْخِيرِيًّا أَنْ تَأْكُلَ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ، وَأَنْ تَسْلُكَ الطُّرُقَ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهَا مُذَلَّلَةً ، أَيْ : سَهْلَةً عَلَيْهَا حَيْثُ شَاءَتْ فِي هَذَا الْجَوِّ الْعَظِيمِ وَالْبَرَارِي الشَّاسِعَةِ ، وَالْأَوْدِيَةِ وَالْجِبَالِ الشَّاهِقَةِ ، ثُمَّ تَعُودُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا إِلَى مَوْضِعِهَا وَبَيْتِهَا ، لَا تَحِيدُ عَنْهُ يُمْنَةً وَلَا يُسْرَةً ، بَلْ إِلَى بَيْتِهَا وَمَا لَهَا فِيهِ مِنْ فِرَاخٍ وَعَسَلٍ ، فَتَبْنِي الشَّمْعَ مِنْ أَجْنِحَتِهَا ، وَتَقِيءُ الْعَسَلَ مِنْ فِيهَا وَتَبِيضُ الْفِرَاخَ مِنْ دُبُرِهَا ، ثُمَّ تُصْبِحُ إِلَى مَرَاعِيهَا .
وَقَالَ قَتَادَةُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : ( فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ) أَيْ : مُطِيعَةً . فَجَعَلَاهُ حَالًا مِنَ السَّالِكَةِ . قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَهُوَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ) [ يس : 72 ] قَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ النَّحْلَ مِنْ بُيُوتِهِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَهُوَ يَصْحَبُهُمْ .
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَهُوَ أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الطَّرِيقِ ، أَيْ : فَاسْلُكِيهَا مُذَلَّلَةً لَكِ ، نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : كِلَا الْقَوْلَيْنِ صَحِيحٌ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، حَدَّثَنَا سُكَيْنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " عُمْرُ الذُّبَابِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا ، وَالذُّبَابُ كُلُّهُ فِي النَّارِ إِلَّا النَّحْلَ " .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ) أَيْ : مَا بَيْنَ أَبْيَضَ وَأَصْفَرَ وَأَحْمَرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْوَانِ الْحَسَنَةِ ، عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاعِيهَا وَمَأْكَلِهَا مِنْهَا .
وَقَوْلُهُ : ( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ) أَيْ : فِي الْعَسَلِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ مِنْ أَدْوَاءٍ تَعْرِضُ لَهُمْ . قَالَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الطِّبِّ النَّبَوِيِّ : لَوْ قَالَ فِيهِ : " الشِّفَاءُ لِلنَّاسِ " لَكَانَ دَوَاءً لِكُلِّ دَاءٍ ، وَلَكِنْ قَالَ ( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ) أَيْ : يَصْلُحُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ أَدْوَاءٍ بَارِدَةٍ ، فَإِنَّهُ حَارٌّ ، وَالشَّيْءُ يُدَاوَى بِضِدِّهِ .
وَقَالَ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ فِي قَوْلِهِ : ( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ) يَعْنِي : الْقُرْآنَ .
وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الظَّاهِرُ هَاهُنَا مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ ; فَإِنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا ذَكَرَ فِيهَا الْعَسَلَ ، وَلَمْ يُتَابَعْ مُجَاهِدٌ عَلَى قَوْلِهِ هَاهُنَا ، وَإِنَّمَا الَّذِي قَالَهُ ذَكَرُوهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) الْآيَةَ [ الْإِسْرَاءِ : 82 ] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) [ يُونُسَ : 57 ] .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ) هُوَ الْعَسَلُ - الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ النَّاجِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ . فَقَالَ : " اسْقِهِ عَسَلًا " . فَسَقَاهُ عَسَلًا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، سَقَيْتُهُ عَسَلًا فَمَا زَادَهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا ، قَالَ : " اذْهَبْ فَاسْقِهِ عَسَلًا " . فَذَهَبَ فَسَقَاهُ ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا زَادَهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا ، فَقَالَ رَسُولُ 583 اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " صَدَقَ اللَّهُ ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ ، اذْهَبْ فَاسْقِهِ عَسَلًا " . فَذَهَبَ فَسَقَاهُ فَبَرِئَ .
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالطِّبِّ : كَانَ هَذَا الرَّجُلُ عِنْدَهُ فَضَلَاتٌ ، فَلَمَّا سَقَاهُ عَسَلًا وَهُوَ حَارٌّ تَحَلَّلَتْ ، فَأَسْرَعَتْ فِي الِانْدِفَاعِ ، فَزَادَ إِسْهَالُهُ ، فَاعْتَقَدَ الْأَعْرَابِيُّ أَنَّ هَذَا يَضُرُّهُ وَهُوَ مَصْلَحَةٌ لِأَخِيهِ ، ثُمَّ سَقَاهُ فَازْدَادَ التَّحْلِيلُ وَالدَّفْعُ ، ثُمَّ سَقَاهُ فَكَذَلِكَ ، فَلَمَّا انْدَفَعَتِ الْفَضَلَاتُ الْفَاسِدَةُ الْمُضِرَّةُ بِالْبَدَنِ اسْتَمْسَكَ بَطْنُهُ ، وَصَلُحَ مِزَاجُهُ ، وَانْدَفَعَتِ الْأَسْقَامُ وَالْآلَامُ بِبَرَكَةِ إِشَارَتِهِ - عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ - .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ . هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ : مِنْ حَدِيثِ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ : فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ " .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ ، أَوْ يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ : فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ " .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ جَابِرٍ بِهِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عَقَبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ثَلَاثٌ إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ شِفَاءٌ : فَشَرْطَةُ مِحْجَمٍ ، أَوْ شَرْبَةُ عَسَلٍ ، أَوْ كَيَّةٌ تُصِيبُ أَلَمًا ، وَأَنَا أَكْرَهُ الْكَيَّ وَلَا أُحِبُّهُ " .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ هَارُونَ بْنِ مَلُولٍ الْمِصْرِيِّ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئِ ، [ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ بِهِ . وَلَفَظُهُ : " إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ شِفَاءٌ : فَشَرْطَةُ مِحْجَمٍ " . . . وَذَكَرَهُ وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ فِي سُنَنِهِ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ 584 - هُوَ اللَّبَقِيُّ - حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ : الْعَسَلُ وَالْقُرْآنُ " .
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ ، تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سُفْيَانَ - هُوَ الثَّوْرِيُّ - بِهِ مَوْقُوفًا : وَلَهُوَ أَشْبَهُ .
وَرُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الشِّفَاءَ فَلْيَكْتُبْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي صَحْفَةٍ ، وَلْيَغْسِلْهَا بِمَاءِ السَّمَاءِ ، وَلْيَأْخُذْ مِنِ امْرَأَتِهِ دِرْهَمًا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهَا ، فَلْيَشْتَرِ بِهِ عَسَلًا فَلْيَشْرَبْهُ بِذَلِكَ ، فَإِنَّهُ شِفَاءٌ . أَيْ : مِنْ وُجُوهٍ ، قَالَ اللَّهُ : ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ ) [ الْإِسْرَاءِ : 82 ] وَقَالَ : ( وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا ) [ ق : 9 ] وَقَالَ : ( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ) [ النِّسَاءِ : 4 ] وَقَالَ فِي الْعَسَلِ : ( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ )
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْقُرَشِيُّ ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَاشِمِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَنْ لَعِقَ الْعَسَلَ ثَلَاثَ غَدَوَاتٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ لَمْ يُصِبْهُ عَظِيمٌ مِنَ الْبَلَاءِ " .
الزُّبَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ مَتْرُوكٌ .
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ سَرْحٍ الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ السَّكْسَكِيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عبْلَةَ . سَمِعْتُ أَبَا أُبَيِّ بْنَ أُمِّ حَرَامٍ - وَكَانَ قَدْ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ - يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " عَلَيْكُمْ بِالسَّنَى وَالسَّنُّوتِ ، فَإِنَّ فِيهِمَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ " . قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا السَّامُ ؟ قَالَ : " الْمَوْتُ " .
قَالَ عَمْرٌو : قَالَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ : " السَّنُّوتُ " : الشَّبَتُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ الْعَسَلُ الَّذِي [ يَكُونُ ] فِي زِقَاقِ السَّمْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
﴿﴾ هُمُ السَّمْنُ بِالسَّنُّوتِ لَا أَلْسَ فِيهِمْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَهُمْ يَمْنَعُونَ الْجَارَ أَنْ يُقَرَّدَا ﴿﴾
كَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ . وَقَوْلُهُ : " لَا أَلْسَ فِيهِمْ " أَيْ : لَا خَلْطَ . وَقَوْلُهُ : " يَمْنَعُونَ الْجَارَ أَنْ يُقَرَّدَا " [ أَيْ يُضْطَهَدَ وَيُظْلَمَ ] .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) أَيْ : إِنَّ فِي إِلْهَامِ اللَّهِ لِهَذِهِ الدَّوَابِّ الضَّعِيفَةِ الْخِلْقَةِ إِلَى السُّلُوكِ فِي هَذِهِ الْمَهَامَةِ وَالِاجْتِنَاءِ مِنْ سَائِرِ الثِّمَارِ ، ثُمَّ جَمْعِهَا لِلشَّمْعِ وَالْعَسَلِ ، وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ 585 الْأَشْيَاءِ ، ( لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) فِي عَظَمَةِ خَالِقِهَا وَمُقَدِّرِهَا وَمُسَخِّرِهَا وَمُيَسِّرِهَا ، فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ [ الْفَاعِلُ ] الْقَادِرُ ، الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ، الْكَرِيمُ الرَّحِيمُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith