المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء التاسع
الصفحة 2997 · ص. المطبوع 303 · الشرح
( وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ إِنْسَانًا حَنِثَ بِكَلَامِ كُلِّ إِنْسَانٍ ) لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ ، وَلِفِعْلِهِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ حَنِثَ ، لَأَنَّ السَّلَامَ كَلَامٌ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ ، فَيَحْنَثُ بِهِ كَغَيْرِهِ ، وَفِي الرِّعَايَةِ : إِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَوَجْهَانِ ، وَإِنْ صَلَّى الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ إِمَامًا ، وَسَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ ، لَمْ يَحْنَثْ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَكَذَا إِنْ أُرْتِجَ عَلَيْهِ فِيهَا فَفَتَحَ عَلَيْهِ الْحَالِفُ ( وَإِنْ زَجَرَهُ ، فَقَالَ : تَنَحَّ ، أَوِ اسْكُتْ ، حَنِثَ ) لِأَنَّ ذَلِكَ كَلَامٌ ، فَيَدْخُلُ فِي مَا حَلَفَ عَلَى عَدَمِهِ ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا ، فَلَوْ كَاتَبَهُ ، أَوْ رَاسَلَهُ ، حَنِثَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَلَّا يُشَافِهَهُ ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ، وَعَنْهُ : لَا يَحْنَثُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِنِيَّةٍ ، أَوْ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي هِجْرَانَهُ ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ نَفْيُهُ ، وَلَوْ كَانَتِ الرِّسَالَةُ تَكْلِيمًا لَتَنَاوَلَ مُوسَى وَغَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ ، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِكَوْنِهِ كَلِيمَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ الْآيَةَ ] الشُّورَى : 51 [ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِإِفْهَامِ الْآدَمِيِّينَ ، أَشْبَهَ الْخِطَابَ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَكْلِيمٍ ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْآيَةِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَمَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : قَالَ آيَتُكَ أَنْ لَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ] آلِ عِمْرَانَ : 41 [ وَالرَّمْزُ لَيْسَ بِتَكْلِيمٍ ، لَكِنْ إِنْ نَوَى تَرْكَ مُوَاصَلَةٍ ، أَوْ سَبَبٍ ، أَوْ كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي هِجْرَانَهُ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ ( وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبْتَدِئُهُ بِكَلَامٍ ) أَوْ لَا كَلَّمْتُ فُلَانًا حَتَّى يُكَلِّمَنِي ، أَوْ حَتَّى يَبْدَأَنِي بِكَلَامٍ ( فَتَكَلَّمَا مَعًا ، حَنِثَ ) فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّ كُلَّ 303 وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُبْتَدِئٌ ، إِذْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ كَلَامٌ سِوَاهُ ، وَفِي الرِّعَايَةِ : قُلْتُ : لَا ، لَكِنْ إِذَا قَالَ : لَا بَدَأْتُهُ بِكَلَامٍ ، فَتَكَلَّمَا مَعًا ، لَمْ يَحْنَثْ ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ ، لِعَدَمِ الْبِدَايَةِ ، وَالثَّانِي : بَلَى ، لِمَا تَقَدَّمَ ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ ( وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ حِينًا ) وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا ( فَذَلِكَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ) لِأَنَّ الْحِينَ الْمُطْلَقَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَقَلُّهُ سِتَّةٌ ، فَيُحْمَلُ مُطْلَقُ كَلَامِ الْآدَمِيِّ عَلَيْهِ ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ ، وَيَتَوَجَّهُ أَقَلُّ زَمَنٍ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ كَالْكَثِيرِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ] الرُّومِ : 17 [ فَإِنْ قُلْتَ تَرِدُ لِلسَّنَةِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ] إِبْرَاهِيمَ : 25 [ وَيُرَادُ بِهِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ] ص : 88 [ وَيُرَادُ بِهِ سَاعَةٌ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَيُقَالُ : جِئْتُهُ مُنْذُ حِينٍ ، وَإِنْ كَانَ أَتَاهُ مِنْ سَاعَةٍ ، وَيُرَادُ بِهِ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ] الْمُؤْمِنُونَ : 54 [ فَالْجَوَابُ : أَنَّهُ يَصِحُّ الْإِطْلَاقُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْإِطْلَاقِ الْخَالِي عَنِ الْإِرَادَةِ ، مَعَ أَنَّ عِكْرِمَةَ وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَأَبَا عُبَيْدَةَ قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ] إِبْرَاهِيمَ : 20 [ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَا اسْتُشْهِدُوا بِهِ مِنَ الْمُطْلَقِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَمَا ذَكَرْنَاهُ أَقَلُّ ، فَحُمِلَ عَلَى الْيَقِينِ ، وَقِيلَ : إِنْ عَرَّفَهُ فَلِلْأَبَدِ ، كَالدَّهْرِ وَالْعُمُرِ ، أَمَّا إِذَا قَيَّدَ لَفْظَهُ ، أَوْ بَيَّنَهُ بِزَمَنٍ ، فَإِنَّهَا تَتَقَيَّدُ بِهِ ( وَإِنْ قَالَ : زَمَنًا ، أَوْ دَهْرًا ، أَوْ بَعِيدًا ، أَوْ مَلِيًّا ، رَجَعَ إِلَى أَقَلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ ) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ ، لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِي إِرَادَتِهِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ، وَعِنْدَ الْقَاضِي : إِنَّ زَمَنًا كَحِينٍ ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : فِي وَقْتٍ وَنَحْوِهِ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا مَا يُؤَثِّرُ فِي مِثْلِهِ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ وَالزَّمَانِ كَحِينٍ ، وَاخْتَارَ فِي 304 الْمُحَرَّرِ ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ أَنَّهُ لِلْأَبَدِ كَالدَّهْرِ ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ زَمَانًا ، فَهُوَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ( وَإِنْ قَالَ : عُمُرًا ، احْتَمَلَ ذَلِكَ ) أَيْ : يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى أَقَلِّ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ ( وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَرْبَعِينَ عَامًا ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ ] يُونُسَ : 16 [ وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : مَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كَالْحِينِ ، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ ، وَإِلَّا حُمِلَ عَلَى أَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنَ الْعُمُرِ وَالدَّهْرِ ( وَقَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا مِثْلَ الْحِينِ ) لِمَا تَقَدَّمَ ( إِلَّا بَعِيدًا أَوْ مَلِيًّا ) زَادَ فِي الرِّعَايَةِ : أَوْ طَوِيلًا ( فَإِنَّهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، وَإِنْ قَالَ : الْأَبَدَ ، وَالدَّهْرَ ) وَالْعُمُرَ ( فَذَلِكَ عَلَى الزَّمَانِ كُلِّهِ ) ، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلِاسْتِغْرَاقِ ، وَذَلِكَ يُوجِبُ دُخُولَ الزَّمَانِ كُلِّهِ ( وَالْحُقْبُ ) بِضَمِّ الْحَاءِ ( ثَمَانُونَ سَنَةً ) نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ ، وَقَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ ، وَقَالَ الْقَاضِي ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ : هُوَ أَدْنَى زَمَانٍ ، لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ ، وَقِيلَ : أَرْبَعُونَ عَامًا ، وَقِيلَ : لِلْأَبَدِ ( وَالشُّهُورُ اثْنَا عَشَرَ عِنْدَ الْقَاضِي ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ] التَّوْبَةِ : 36 [ ( وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ ) وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ ( ثَلَاثًا ) لِأَنَّهُ جَمْعٌ ( كَالْأَشْهُرِ ) فَإِنَّهَا ثَلَاثَةٌ وَجْهًا وَاحِدًا ( وَالْأَيَّامُ ثَلَاثَةٌ ) لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ ، وَإِنْ عَيَّنَ أَيَّامًا تَبِعَتْهَا اللَّيَالِي .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث