بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
page 618 · printed p. 588
الْبَابُ الْأَوَّلُ
فِي مَحِلِّهِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا .
كِتَابُ الْقِرَاضِ
وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَوَازِ الْقِرَاضِ ، وَأَنَّهُ مِمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَقَرَّهُ الْإِسْلَامُ . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ صِفَتَهُ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْمَالَ عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ بِهِ عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ مِنْ رِبْحِ الْمَالِ ، أَيَّ جُزْءٍ كَانَ مِمَّا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ ثُلُثًا ، أَوْ رُبُعًا ، أَوْ نِصْفًا ، وَأَنَّ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنَ الْإِجَارَةِ الْمَجْهُولَةِ ، وَأَنَّ الرُّخْصَةَ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هِيَ لِمَوْضِعِ الرِّفْقِ بِالنَّاسِ ، وَأَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْعَامِلِ فِيمَا تَلِفَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ ، وَإِنْ كَانَ اخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ تَعَدٍّ مِمَّا لَيْسَ بِتَعَدٍّ .
وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا بِالْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْتَرِنُ بِهِ شَرْطٌ يَزِيدُ فِي مَجْهَلَةِ الرِّبْحِ أَوْ فِي الْغَرَرِ الَّذِي فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ مِمَّا لَا يَقْتَضِي .
وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ بِالدَّنَانِيرِ ، وَالدَّرَاهِمِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّظَرُ فِيهِ : فِي صِفَتِهِ ، وَفِي مَحِلِّهِ ، وَفِي شُرُوطِهِ ، وَفِي أَحْكَامِهِ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ فِي بَابٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَبْوَابِ مَشْهُورَاتِ مَسَائِلِهِمْ .
588 الْبَابُ الْأَوَّلُ
فِي مَحِلِّهِ
أَمَّا صِفَتُهُ : فَقَدْ تَقَدَّمَتْ ، وَأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَيْهَا . وَأَمَّا مَحِلُّهُ : فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعُرُوضِ فَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِالْعُرُوضِ ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى .
وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ : أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ إِذَا كَانَ عُرُوضًا كَانَ غَرَرًا; لِأَنَّهُ يَقْبِضُ الْعَرَضَ وَهُوَ يُسَاوِي قِيمَةً مَا ، وَيَرُدُّهُ وَهُوَ يُسَاوِي قِيمَةً غَيْرَهَا ، فَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ وَالرِّبْحُ مَجْهُولًا .
وَأَمَّا إِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مَا بِهِ يُبَاعُ الْعُرُوضُ ، فَإِنَّ مَالِكًا مَنَعَهُ وَالشَّافِعِيُّ أَيْضًا ، وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ : أَنَّهُ قَارَضَهُ عَلَى مَا بِيعَتْ بِهِ السِّلْعَةُ وَعَلَى بَيْعِ السِّلْعَةِ نَفْسِهَا ، فَكَأَنَّهُ قِرَاضٌ ، وَمَنْفَعَةٌ ، مَعَ أَنَّ مَا يَبِيعُ بِهِ السِّلْعَةَ مَجْهُولٌ ، فَكَأَنَّهُ إِنَّمَا قَارَضَهُ عَلَى رَأْسِ مَالٍ مَجْهُولٍ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا إِنَّمَا مَنَعَ الْمُقَارَضَةَ عَلَى قِيَمِ الْعُرُوضِ لِمَكَانِ مَا يَتَكَلَّفُ الْمُقَارِضُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْبَيْعِ ، وَحِينَئِذٍ يَنِضُّ رَأْسُ مَالِ الْقِرَاضِ ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَعْطَاهُ الْعَرَضَ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ ، وَلَكِنَّهُ أَقْرَبُ الْوُجُوهِ إِلَى الْجَوَازِ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي جَوَّزَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِمْ; فَإِنَّهُمْ حَكَوْا عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ ثَوْبًا يَبِيعُهُ ، فَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ رِبْحٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ عَلَى أَنْ يَجْعَلَا أَصْلَ الْمَالِ الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ الثَّوْبَ ، وَيُشْبِهُ أَيْضًا إِنْ جَعَلَ رَأْسَ الْمَالِ الثَّمَنَ أَنْ يَتَّهِمَ الْمُقَارِضُ فِي تَصْدِيقِهِ رَبَّ الْمَالِ بِخَرْصِهِ عَلَى أَخْذِ الْقِرَاضِ مِنْهُ .
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْقِرَاضِ بِالنَّقْدِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، فَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ مَنْعَ ذَلِكَ ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ جَوَازَهُ ، وَمَنَعَهُ فِي الْمَصُوغِ ، وَبِالْمَنْعِ فِي ذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْكُوفِيُّ ، فَمَنْ مَنَعَ الْقِرَاضَ بِالنَّقْدِ شَبَّهَهَا بِالْعُرُوضِ ، وَمَنْ أَجَازَهُ شَبَّهَهَا بِالدَّرَاهِمِ ، وَالدَّنَانِيرِ لِقِلَّةِ اخْتِلَافِ أَسْوَاقِهَا .
وَاخْتَلَفَ أَيْضًا أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي الْقِرَاضِ بِالْفُلُوسِ ، فَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطِيَهُ لَهُ قِرَاضًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ .
أَمَّا الْعِلَّةُ عِنْدَ مَالِكٍ : فَمَخَافَةُ أَنْ يَكُونَ أَعْسَرَ بِمَالِهِ ، فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْهُ عَلَى أَنْ يَزِيدَ فِيهِ ، فَيَكُونُ الرِّبَا الْمَنْهِيَّ عَنْهُ .
وَأَمَّا الْعِلَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ : فَإِنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَحَوَّلُ وَيَعُودُ أَمَانَةً .
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَقْبِضَ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ ، وَيَعْمَلُ فِيهِ عَلَى جِهَةِ الْقِرَاضِ فَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ; لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ ازْدَادَ عَلَى الْعَامِلِ كُلْفَةً ، وَهُوَ مَا كَلَّفَهُ مِنْ قَبْضِهِ ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ مَنِ اشْتَرَطَ مَنْفَعَةً زَائِدَةً فِي الْقِرَاضِ أَنَّهُ فَاسِدٌ .
وَأَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْكُوفِيُّ ، قَالُوا : لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ عَلَى الْقَبْضِ ، لَا أَنَّهُ جَعَلَ الْقَبْضَ شَرْطًا فِي الْمُصَارَفَةِ ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي مَحِلِّهِ . وَأَمَّا صِفَتُهُ : فَهِيَ الصِّفَةُ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith