353 · ص696
ومهما بلغ بها الحال من ضياع حقوقها، واستيلاء عدوها عليها؛ إلا أنه لا ينبغي أن يستولي عليها اليأس، وأنه ما دامت لا تأخذ حقها ولا تطالب به؛ فإنها لن تستعيد منه شيئاً، ووجه استنباط ذلك من عموم قصة بني إسرائيل مع فرعون؛ فقد بلغ من التكبر والسيطرة عليهم مبلغاً عظيماً؛ إلا أن الله مكن لهم وكتب لهم الخلاص من هذا الموقف، وهكذا ينبغي أن يكون في ذلك عبرة لكل أمة مستضعفة أن لا تيأس، وأن تعمل بأسباب الخلاص، وكما كتب الله لتلك الأمة الخلاص من فرعون، سيكتب الخلاص لأي أمة مستضعفة من أي طاغوت مستحدث.
وهذا الاستنباط نافع جداً لأمتنا في وقتها المعاصر فمهما تكالبت عليها الأمم وسلبت حقوقها، وبلغ الأمر مبلغاً كبيراً في استضعافها، فلا ينبغي أن يهيمن اليأس عليها، خصوصاً أنها تملك مقومات النصر والتمكين في الأرض، تملكه بأمور لا تملكه أي أمة أخرى فموقعها الجغرافي، وإرثها الديني والحضاري، ومخزونها الأخلاقي، ووعدها السماوي، يجعلها أكثر بعداً من غيرها من اليأس والقنوط.
لا يجوز قتل الكافر الذي له عهد بعقد أوعرف.
قال تعالى: {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)} (القصص: ١٥ - ١٦).
٣٥٦ - قال السعدي - رحمه الله -: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى -: أن قتل الكافر الذي له عهد بعقد أو عرف، لا يجوز، فإن موسى عليه السلام عدَّ قتله القبطي الكافر ذنباً، واستغفر الله منه). ا. هـ ١
١ انظر: تفسير السعدي (٦١٩)، وتيسير اللطيف المنان للسعدي (٢٢٦).
354 · ص698
المتقدم، وكما هو ظاهر فعل موسى عليه الصلاة والسلام فلو لم يكن ما فعله ذنباً لم يحتج إلى استغفار. والله أعلم.
قاتل النفس مفسد، وإن زعم أنه مصلح.
قال تعالى: {إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)} (القصص: ١٩).
٣٥٧ - قال السعدي - رحمه الله -: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى -: أن من قتل النفوس بغير حق، وزعم أنه يريد الإصلاح في الأرض، وتهييب أهل المعاصي، فإنه كاذب في ذلك، وهو مفسد كما حكى الله قول القبطي {إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)} على وجه التقرير له، لا الإنكار). ا. هـ ١
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً في السياسة الشرعية، وهو أن قتل النفس بغير حق إفساد وإن زعم صاحبه فيه الإصلاح، ووجه استنباط ذلك من الآية بمفهوم الموافقة حيث إن القبطي الذي أراد موسى قتله ذكّر موسى بأن فعله فعل الجبابرة الذين شأنهم قتل الناس بغير حق ونفى عنه الإصلاح، مما جعل موسى يرتدع عن قتله، مما يدل على أن القاتل مفسد وإن زعم أنه مصلح، وقد حكى الله قول القبطي إقراراً له دون إنكار.
وهذا الاستنباط فيه تأكيد وتنبه لهذا المعنى؛ إذ أكثر الذين يقومون بالاعتداء بالقتل والتفجير حجتهم في ذلك دائماً إرادة الإصلاح، ونصرة
١ انظر: تفسير السعدي (٦١٩)، وتيسير اللطيف المنان للسعدي (٢٢٧).