الكتابة
المالكية
الذخيرة
اقرأ →
كتاب الكتابة
الشافعية
تحفة المحتاج في شرح المنهاج
اقرأ →
( كِتَابُ الْكِتَابَةِ ) مِنْ الْكَتْبِ أَيْ : الْجَمْعِ لِمَا فِيهَا مِنْ جَمْعِ النُّجُومِ . وَأَصْلُ النَّجْمِ هُنَا الْوَقْتُ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ مَالُ الْكِتَابَةِ وَهِيَ شَرْعًا : عَقْدُ عِتْقٍ بِلَفْظِهَا مُعَلَّقٌ بِمَالٍ مُنَجَّمٍ بِوَقْتَيْنِ مَعْلُومَيْنِ فَأَكْثَرَ وَتُطْلَقُ عَلَى الْمُخَارَجَةِ السَّابِقَةِ قُبَيْلَ الْجِرَاحِ وَهِيَ إسْلَامِيَّةٌ ؛ إذْ لَا تَعْرِفُهَا الْجَاهِلِيَّةُ
وَمُخَالِفَةٌ لِلْقِيَاسِ مِنْ وُجُوهٍ : بَيْعُ مَالِهِ بِمَالِهِ ، وَثُبُوتُ مَالٍ فِي ذِمَّةِ قِنٍّ لِمَالِكِهِ ابْتِدَاءً ، وَثُبُوتُ مِلْكٍ لِلْقِنِّ . وَجَازَتْ بَلْ نُدِبَتْ مَعَ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ ؛ إذْ السَّيِّدُ قَدْ لَا يَسْمَحُ بِهِ مَجَّانًا ، وَالْعَبْدُ قَدْ لَا يَسْتَفْرِغُ وُسْعَهُ فِي الْكَسْبِ إلَّا بَعْدَهَا لِإِزَالَةِ رِقِّهِ ، وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى { فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } ، وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ { مَنْ أَعَانَ مُكَاتَبًا فِي زَمَنِ كِتَابَتِهِ فِي فَكِّ رَقَبَتِهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ } . وَكَانَتْ كَالْمُخَارَجَةِ مِنْ أَعْظَمِ مَكَاسِبِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِخُلُوِّهِمَا عَنْ أَكْثَرِ الشُّبُهَاتِ الَّتِي فِي غَيْرِهِمَا . وَأَرْكَانُهَا : قِنٌّ ، وَسَيِّدٌ ، وَصِيغَةٌ ، وَعِوَضٌ ( هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ إنْ طَلَبَهَا رَقِيقٌ أَمِينٌ قَوِيٌّ عَلَى كَسْبٍ ) يَفِي بِمُؤْنَتِهِ وَنُجُومِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ فَسَاوَى قَوْلُ أَصْلِهِ : الْكَسْبُ عَلَى أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَّرَ الْخَيْرَ فِي الْآيَةِ بِهَذَيْنِ وَاعْتَبَرَ أَوَّلَهُمَا ؛ لِئَلَّا يَضِيعَ مَا يُحَصِّلُهُ ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمِينِ هُنَا مَنْ لَا يُضَيِّعُ الْمَالَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا لِنَحْوِ تَرْكِ صَلَاةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ الثِّقَةُ ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُعْرَفَ بِكَثْرَةِ إنْفَاقِ مَا بِيَدِهِ فِي الطَّاعَةِ ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُرْجَى لَهُ عِتْقٌ بِالْكِتَابَةِ وَثَانِيهِمَا ، وَالطَّلَبُ لِيَوْثُقَ مِنْهُ بِتَحْصِيلِ النُّجُومِ وَلَمْ تَجِبْ خِلَافًا لِجَمْعٍ مِنْ السَّلَفِ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ ؛ لِأَنَّهُ بِعَدَمِ الْحَظْرِ ، وَهُوَ بَيْعُ مَالِهِ بِمَالِهِ لِلْإِبَاحَةِ وَنَدْبُهَا مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ ( قِيلَ : أَوْ غَيْرُ قَوِيٍّ ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا عُرِفَتْ أَمَانَتُهُ يُعَانُ بِالصَّدَقَةِ ، وَالزَّكَاةِ وَرُدَّ بِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى السَّيِّدِ ، وَلَا وُثُوقَ بِتِلْكَ الْإِعَانَةِ قِيلَ : أَوْ غَيْرُ أَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ يُبَادِرُ لِلْحُرِّيَّةِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ يُضَيِّعُ مَا يَكْسِبُهُ ( وَلَا تُكْرَهُ بِحَالٍ ) بَلْ هِيَ مُبَاحَةٌ 391 وَإِنْ انْتَفَيَا ، وَالطَّلَبُ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُفْضِي لِلْعِتْقِ لَكِنْ بَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ كَرَاهَتَهَا لِفَاسِقٍ يُضَيِّعُ كَسْبَهُ فِي الْفِسْقِ وَلَوْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ السَّيِّدُ لَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ : بَلْ قَدْ يَنْتَهِي الْحَالُ لِلتَّحْرِيمِ أَيْ : وَهُوَ قِيَاسُ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ ، وَالْقَرْضِ إذَا عُلِمَ مِنْ آخِذِهِمَا صَرْفُهُمَا فِي مُحَرَّمٍ ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ بَحَثَهُ فِيمَنْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَكْتَسِبُ بِطَرِيقِ الْفِسْقِ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته ؛ إذْ الْمَدَارُ عَلَى تَمَكُّنِهِ بِسَبَبِهَا مِنْ الْمُحَرَّمِ
وَمُخَالِفَةٌ لِلْقِيَاسِ مِنْ وُجُوهٍ : بَيْعُ مَالِهِ بِمَالِهِ ، وَثُبُوتُ مَالٍ فِي ذِمَّةِ قِنٍّ لِمَالِكِهِ ابْتِدَاءً ، وَثُبُوتُ مِلْكٍ لِلْقِنِّ . وَجَازَتْ بَلْ نُدِبَتْ مَعَ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ ؛ إذْ السَّيِّدُ قَدْ لَا يَسْمَحُ بِهِ مَجَّانًا ، وَالْعَبْدُ قَدْ لَا يَسْتَفْرِغُ وُسْعَهُ فِي الْكَسْبِ إلَّا بَعْدَهَا لِإِزَالَةِ رِقِّهِ ، وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى { فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } ، وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ { مَنْ أَعَانَ مُكَاتَبًا فِي زَمَنِ كِتَابَتِهِ فِي فَكِّ رَقَبَتِهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ } . وَكَانَتْ كَالْمُخَارَجَةِ مِنْ أَعْظَمِ مَكَاسِبِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِخُلُوِّهِمَا عَنْ أَكْثَرِ الشُّبُهَاتِ الَّتِي فِي غَيْرِهِمَا . وَأَرْكَانُهَا : قِنٌّ ، وَسَيِّدٌ ، وَصِيغَةٌ ، وَعِوَضٌ ( هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ إنْ طَلَبَهَا رَقِيقٌ أَمِينٌ قَوِيٌّ عَلَى كَسْبٍ ) يَفِي بِمُؤْنَتِهِ وَنُجُومِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ فَسَاوَى قَوْلُ أَصْلِهِ : الْكَسْبُ عَلَى أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَّرَ الْخَيْرَ فِي الْآيَةِ بِهَذَيْنِ وَاعْتَبَرَ أَوَّلَهُمَا ؛ لِئَلَّا يَضِيعَ مَا يُحَصِّلُهُ ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمِينِ هُنَا مَنْ لَا يُضَيِّعُ الْمَالَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا لِنَحْوِ تَرْكِ صَلَاةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ الثِّقَةُ ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُعْرَفَ بِكَثْرَةِ إنْفَاقِ مَا بِيَدِهِ فِي الطَّاعَةِ ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُرْجَى لَهُ عِتْقٌ بِالْكِتَابَةِ وَثَانِيهِمَا ، وَالطَّلَبُ لِيَوْثُقَ مِنْهُ بِتَحْصِيلِ النُّجُومِ وَلَمْ تَجِبْ خِلَافًا لِجَمْعٍ مِنْ السَّلَفِ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ ؛ لِأَنَّهُ بِعَدَمِ الْحَظْرِ ، وَهُوَ بَيْعُ مَالِهِ بِمَالِهِ لِلْإِبَاحَةِ وَنَدْبُهَا مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ ( قِيلَ : أَوْ غَيْرُ قَوِيٍّ ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا عُرِفَتْ أَمَانَتُهُ يُعَانُ بِالصَّدَقَةِ ، وَالزَّكَاةِ وَرُدَّ بِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى السَّيِّدِ ، وَلَا وُثُوقَ بِتِلْكَ الْإِعَانَةِ قِيلَ : أَوْ غَيْرُ أَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ يُبَادِرُ لِلْحُرِّيَّةِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ يُضَيِّعُ مَا يَكْسِبُهُ ( وَلَا تُكْرَهُ بِحَالٍ ) بَلْ هِيَ مُبَاحَةٌ 391 وَإِنْ انْتَفَيَا ، وَالطَّلَبُ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُفْضِي لِلْعِتْقِ لَكِنْ بَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ كَرَاهَتَهَا لِفَاسِقٍ يُضَيِّعُ كَسْبَهُ فِي الْفِسْقِ وَلَوْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ السَّيِّدُ لَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ : بَلْ قَدْ يَنْتَهِي الْحَالُ لِلتَّحْرِيمِ أَيْ : وَهُوَ قِيَاسُ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ ، وَالْقَرْضِ إذَا عُلِمَ مِنْ آخِذِهِمَا صَرْفُهُمَا فِي مُحَرَّمٍ ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ بَحَثَهُ فِيمَنْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَكْتَسِبُ بِطَرِيقِ الْفِسْقِ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته ؛ إذْ الْمَدَارُ عَلَى تَمَكُّنِهِ بِسَبَبِهَا مِنْ الْمُحَرَّمِ
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
اقرأ →
كِتَابُ الْكِتَابَةِ بِكَسْرِ الْكَافِ ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا كَالْعَتَاقَةِ وَهِيَ لُغَةُ الضَّمِّ وَالْجَمْعِ ، وَشَرْعًا عَقْدُ عِتْقٍ بِلَفْظِهَا بِعِوَضٍ مُنَجَّمٍ بِنَجْمَيْنِ فَأَكْثَرَ ، وَسُمِّيَ كِتَابَةً لِمَا فِيهِ مِنْ ضَمِّ نَجْمٍ إلَى آخَرَ ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ يُرْتَفَقُ بِهَا غَالِبًا وَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ قَوَاعِدِ الْمُعَامَلَاتِ لِدَوَرَانِهَا بَيْنَ السَّيِّدِ وَرَقِيقِهِ لِأَنَّهَا بَيْعُ مَالِهِ بِمَالِهِ .
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } وَخَبَرُ { مَنْ أَعَانَ غَارِمًا أَوْ غَازِيًا أَوْ مُكَاتَبًا فِي فَكِّ رَقَبَتِهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ } وَخَبَرُ { الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ } رَوَاهُمَا الْحَاكِمُ وَصَحَّ فِي إسْنَادِهِمَا ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا لِأَنَّ السَّيِّدَ قَدْ لَا تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِالْعِتْقِ مَجَّانًا ، وَالْعَبْدُ لَا يَتَشَمَّرُ لِلْكَسْبِ تَشَمُّرَهُ إذَا عُلِّقَ عِتْقُهُ بِالتَّحْصِيلِ وَالْأَدَاءِ فَاحْتُمِلَ فِيهِ مَا لَمْ يُحْتَمَلْ فِي غَيْرِهِ كَمَا اُحْتُمِلَتْ الْجَهَالَةُ فِي رِبْحِ الْقِرَاضِ وَعَمَلِ الْجَعَالَةِ لِلْحَاجَةِ ، قَالَ الرُّويَانِيُّ : وَهِيَ إسْلَامِيَّةٌ لَا تُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ .
وَأَرْكَانُهَا : قِنٌّ ، وَسَيِّدٌ ، وَصِيغَةٌ ، وَعِوَضٌ ( هِيَ مُسْتَحَبٌّ إنْ طَلَبَهَا رَقِيقٌ أَمِينٌ قَوِيٌّ عَلَى كَسْبٍ ) يَفِي بِمُؤْنَتِهِ وَنُجُومِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ ، وَاعْتِبَارُ الْأَمَانَةِ خَشْيَةً مِنْ تَضْيِيعِ مَا يُحَصِّلُهُ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمِينِ مَنْ لَا يُضَيِّعُ الْمَالَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا لِتَرْكِهِ نَحْوَ صَلَاةٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ الثِّقَةُ : أَيْ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ بِكَثْرَةِ إنْفَاقِ مَا بِيَدِهِ عَلَى الطَّاعَةِ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُرْجَى عِتْقُهُ بِالْكِتَابَةِ ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ خِلَافًا 405 لِجَمْعٍ مِنْ السَّلَفِ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْخَطَرِ وَهُوَ بَيْعُ مَالِهِ بِمَالِهِ وَالْإِبَاحَةُ وَالنَّدْبُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ ( قِيلَ أَوْ غَيْرُ قَوِيٍّ ) لِأَنَّهُ مَتَى عُرِفَتْ أَمَانَتُهُ أُعِينَ بِالصَّدَقَةِ وَالزَّكَاةِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى السَّيِّدِ وَلَا وُثُوقَ بِتِلْكَ الْإِعَانَةِ ، قِيلَ أَوْ غَيْرُ أَمِينٍ لِأَنَّهُ يُعَانُ لِلْحُرِّيَّةِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ يُضَيِّعُ مَا يَكْسِبُهُ ( وَلَا تُكْرَهُ بِحَالٍ ) بَلْ هِيَ مُبَاحَةٌ وَإِنْ انْتَفَتْ الشُّرُوطُ السَّابِقَةُ لِأَنَّهَا قَدْ تُفْضِي إلَى الْعِتْقِ ، نَعَمْ إنْ كَانَ الرَّقِيقُ فَاسِقًا بِسَرِقَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَعَلِمَ سَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ كَاتَبَهُ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ الْكَسْبِ لَاكْتَسَبَ بِطَرِيقِ الْفِسْقِ .
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ : فَلَا يَبْعُدُ تَحْرِيمُهَا لِتَضَمُّنِهَا التَّمْكِينَ مِنْ الْفَسَادِ ، وَهُوَ قِيَاسُ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ وَالْقَرْضِ إذَا عُلِمَ مِنْ آخِذِهِمَا صَرْفُهُمَا فِي مُحَرَّمٍ وَإِنْ امْتَنَعَ الْعَبْدُ مِنْهَا وَقَدْ طَلَبَهَا سَيِّدُهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا كَعَكْسِهِ
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } وَخَبَرُ { مَنْ أَعَانَ غَارِمًا أَوْ غَازِيًا أَوْ مُكَاتَبًا فِي فَكِّ رَقَبَتِهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ } وَخَبَرُ { الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ } رَوَاهُمَا الْحَاكِمُ وَصَحَّ فِي إسْنَادِهِمَا ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا لِأَنَّ السَّيِّدَ قَدْ لَا تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِالْعِتْقِ مَجَّانًا ، وَالْعَبْدُ لَا يَتَشَمَّرُ لِلْكَسْبِ تَشَمُّرَهُ إذَا عُلِّقَ عِتْقُهُ بِالتَّحْصِيلِ وَالْأَدَاءِ فَاحْتُمِلَ فِيهِ مَا لَمْ يُحْتَمَلْ فِي غَيْرِهِ كَمَا اُحْتُمِلَتْ الْجَهَالَةُ فِي رِبْحِ الْقِرَاضِ وَعَمَلِ الْجَعَالَةِ لِلْحَاجَةِ ، قَالَ الرُّويَانِيُّ : وَهِيَ إسْلَامِيَّةٌ لَا تُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ .
وَأَرْكَانُهَا : قِنٌّ ، وَسَيِّدٌ ، وَصِيغَةٌ ، وَعِوَضٌ ( هِيَ مُسْتَحَبٌّ إنْ طَلَبَهَا رَقِيقٌ أَمِينٌ قَوِيٌّ عَلَى كَسْبٍ ) يَفِي بِمُؤْنَتِهِ وَنُجُومِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ ، وَاعْتِبَارُ الْأَمَانَةِ خَشْيَةً مِنْ تَضْيِيعِ مَا يُحَصِّلُهُ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمِينِ مَنْ لَا يُضَيِّعُ الْمَالَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا لِتَرْكِهِ نَحْوَ صَلَاةٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ الثِّقَةُ : أَيْ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ بِكَثْرَةِ إنْفَاقِ مَا بِيَدِهِ عَلَى الطَّاعَةِ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُرْجَى عِتْقُهُ بِالْكِتَابَةِ ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ خِلَافًا 405 لِجَمْعٍ مِنْ السَّلَفِ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْخَطَرِ وَهُوَ بَيْعُ مَالِهِ بِمَالِهِ وَالْإِبَاحَةُ وَالنَّدْبُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ ( قِيلَ أَوْ غَيْرُ قَوِيٍّ ) لِأَنَّهُ مَتَى عُرِفَتْ أَمَانَتُهُ أُعِينَ بِالصَّدَقَةِ وَالزَّكَاةِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى السَّيِّدِ وَلَا وُثُوقَ بِتِلْكَ الْإِعَانَةِ ، قِيلَ أَوْ غَيْرُ أَمِينٍ لِأَنَّهُ يُعَانُ لِلْحُرِّيَّةِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ يُضَيِّعُ مَا يَكْسِبُهُ ( وَلَا تُكْرَهُ بِحَالٍ ) بَلْ هِيَ مُبَاحَةٌ وَإِنْ انْتَفَتْ الشُّرُوطُ السَّابِقَةُ لِأَنَّهَا قَدْ تُفْضِي إلَى الْعِتْقِ ، نَعَمْ إنْ كَانَ الرَّقِيقُ فَاسِقًا بِسَرِقَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَعَلِمَ سَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ كَاتَبَهُ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ الْكَسْبِ لَاكْتَسَبَ بِطَرِيقِ الْفِسْقِ .
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ : فَلَا يَبْعُدُ تَحْرِيمُهَا لِتَضَمُّنِهَا التَّمْكِينَ مِنْ الْفَسَادِ ، وَهُوَ قِيَاسُ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ وَالْقَرْضِ إذَا عُلِمَ مِنْ آخِذِهِمَا صَرْفُهُمَا فِي مُحَرَّمٍ وَإِنْ امْتَنَعَ الْعَبْدُ مِنْهَا وَقَدْ طَلَبَهَا سَيِّدُهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا كَعَكْسِهِ
روضة الطالبين وعمدة المفتين
اقرأ →
كتاب الكتابة
الحنابلة
كشاف القناع عن متن الإقناع
اقرأ →
( بَابُ الْكِتَابَةِ وَهِيَ ) اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الْمُكَاتَبَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَكْتُبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَقِيقِهِ كِتَابًا بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، وَقِيلَ مِنْ الْكُتُبِ وَهُوَ الضَّمُّ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَضُمُّ بَعْضَ النُّجُومِ إلَى بَعْضٍ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْخَرَزُ كُتْبًا وَالْكَتِيبَةُ لِانْضِمَامِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ وَشَرْعًا ( بَيْعُ سَيِّدٍ رَقِيقَهُ ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى ( نَفْسَهُ أَوْ ) بَيْعُهُ ( بَعْضَهُ ) كَنِصْفِهِ وَسُدُسِهِ ( بِمَالٍ مُؤَجَّلٍ فِي ذِمَّتِهِ مُبَاحٌ مَعْلُومُ يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ مُنَجَّمٌ ) أَيْ مُؤَجَّلٌ بِأَجَلَيْنِ فَصَاعِدًا ( يُعْلَمُ قِسْطُ كُلِّ نَجْمٍ وَمُدَّتُهُ ) أَيْ مُدَّةُ النَّجْمِ مِنْ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ وَنَحْوِهِمَا فَلَا تَصِحُّ بِنَحْوِ خَمْرٍ وَلَا بِمَالٍ حَالٍ وَلَا بِمُعَيَّنٍ وَلَا بِمُحَرَّمِ الصِّنَاعَةِ كَآنِيَةِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَلَا بِمَالٍ مَجْهُولٍ ، وَلَا بِمَا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ كَجَوْهَرٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ بِالْوَصْفِ وَلَا بِمُؤَجَّلٍ أَجَلًا وَاحِدًا وَلَوْ طَالَ وَالْمُرَادُ بِالنَّجْمِ هُنَا الْوَقْتُ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَا تَعْرِفُ الْحِسَابَ وَإِنَّمَا تَعْرِفُ الْأَوْقَاتَ بِطُلُوعِ النَّجْمِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ ﴿﴾ إذَا سُهَيْلٌ أَوَّلَ اللَّيْلِ طَلَعْ ﴿﴾ ﴿﴾ فَابْنُ اللَّبُونِ الْحِقُّ وَالْحِقُّ الْجَذَعْ ﴿﴾ أَوْ بَيْعُ السَّيِّدِ رَقِيقَهُ نَفْسَهُ أَوْ بَعْضَهُ بِهِ ( بِمَنْفَعَةٍ مُؤَجَّلَةٍ مُنَجَّمَةٍ ) عَلَى أَجَلَيْنِ فَأَكْثَرَ وَاشْتِرَاطُ النَّجْمَيْنِ فَأَكْثَرَ لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْكُتُبِ وَهُوَ الضَّمُّ فَوَجَبَ افْتِقَارُهَا إلَى نَجْمَيْنِ لِيُضَمَّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ ، وَاشْتِرَاطُ الْعِلْمِ بِمَا لِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ الْقِسْطِ وَالْمُدَّةِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ جَهْلُ ذَلِكَ إلَى التَّنَازُعِ وَلَا يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي فَلَوْ جَعَلَ أَحَدَ النَّجْمَيْنِ شَهْرًا وَالْآخَرَ سَنَةً ، أَوْ جَعَلَ قِسْطَ أَحَدِ النَّجْمَيْنِ عَشَرَةً وَالْآخَرَ خَمْسَةً وَنَحْوَهُ جَازَ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِقَدْرِ الْأَجَلِ وَقِسْطِهِ وَالْأَصْلُ فِي الْكِتَابَةِ قَوْله تَعَالَى { فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } وَقِصَّةُ بَرِيرَةَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ دِرْهَمٌ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا .
شرح منتهى الإرادات
اقرأ →
باب الكتابة
الإنصاف
اقرأ →
باب الكتابة
الفروع
اقرأ →
108 بَابُ الْكِتَابَةِ ( مَسْأَلَةٌ 1 ) قَوْلُهُ : وَيَعْتِقُ طِفْلٌ وَمَجْنُونٌ بِأَدَاءٍ مُعَلَّقٍ صَرِيحٍ ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ . انْتَهَى .
( أَحَدُهُمَا ) لَا يَعْتِقُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَنَصَرَهُ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْفَائِقِ ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ : الْمَذْهَبُ لَا يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ ، خِلَافًا لِمَا قَالَ الْقَاضِي . انْتَهَى . وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) يَعْتِقُ ; لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَتَضَمَّنُ مَعْنَى الصِّفَةِ ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي .
( أَحَدُهُمَا ) لَا يَعْتِقُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَنَصَرَهُ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْفَائِقِ ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ : الْمَذْهَبُ لَا يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ ، خِلَافًا لِمَا قَالَ الْقَاضِي . انْتَهَى . وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) يَعْتِقُ ; لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَتَضَمَّنُ مَعْنَى الصِّفَةِ ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي .
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
باب الكتابة
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
باب الكتابة
الظاهرية
المحلى بالآثار
اقرأ →
219 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا
كِتَابُ الْكِتَابَةِ 1686 - مَسْأَلَةٌ : مَنْ كَانَ لَهُ مَمْلُوكٌ مُسْلِمٌ أَوْ مُسْلِمَةٌ فَدَعَا أَوْ دَعَتْ إلَى الْكِتَابَةِ فُرِضَ عَلَى السَّيِّدِ الْإِجَابَةُ إلَى ذَلِكَ وَيُجْبِرُهُ السُّلْطَانُ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يُدْرَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ الْعَبْدَ أَوْ الْأَمَةَ يُطِيقُهُ مِمَّا لَا حَيْفَ فِيهِ عَلَى السَّيِّدِ ، لَكِنْ مِمَّا يُكَاتَبُ عَلَيْهِ مِثْلُهُمَا - وَلَا يَجُوزُ كِتَابَةُ عَبْدٍ كَافِرٍ أَصْلًا . بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَاَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } . وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخَيْرِ . فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الْمَالُ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الدِّينُ . فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا مَوْضُوعَ كَلَامِ الْعَرَبِ الَّذِي بِهِ نَزَلَ الْقُرْآنُ قَالَ تَعَالَى : { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ أَرَادَ الْمَالَ لَقَالَ : إنْ عَلِمْتُمْ لَهُمْ خَيْرًا ، أَوْ عِنْدَهُمْ خَيْرًا ، أَوْ مَعَهُمْ خَيْرًا ، لِأَنَّ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ يُضَافُ الْمَالُ إلَى مَنْ هُوَ لَهُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ، وَلَا يُقَالُ أَصْلًا فِي فُلَانٍ مَالٌ ، فَلَمَّا قَالَ تَعَالَى : { إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } عَلِمْنَا أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَرِدْ " الْمَالَ " ، فَصَحَّ أَنَّهُ " الدِّينُ " وَلَا خَيْرَ فِي دِينِ الْكَافِرِ - وَكُلُّ مُسْلِمٍ عَلَى أَدِيمِ الْأَرْضِ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ فِيهِ الْخَيْرَ بِقَوْلِهِ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَنْ لَا دِينَ إلَّا الْإِسْلَامُ ، وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَكُونُ مِنْ الْخَيْرِ ، وَكُلُّ خَيْرٍ بَعْدَ هَذَا فَتَابِعٌ لِهَذَا - وَهَذَا قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّهُ سَأَلَهُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ أَأُكَاتِبُ وَلَيْسَ لِي مَالٌ ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : نَعَمْ ، فَصَحَّ أَنَّ الْخَيْرَ عِنْدَهُ لَمْ يَكُنْ " الْمَالَ " .
220 وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } قَالَ : إنْ أَقَامُوا الصَّلَاةَ . وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ - هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ [ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ] قَالَ : { إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } قَالَ : دِينٌ وَأَمَانَةٌ . وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ : الْإِسْلَامُ وَالْوَفَاءُ - وَجَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ الْمَالُ - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَأَبِي رَزِينٍ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : كِلَا الْأَمْرَيْنِ - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ أَخِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّهُ نَاقَضَ فِي مَسَائِلِهِ .
وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ ، وَالْمَالِكِيُّونَ : فَكَانَ شَرْطُ اللَّهِ [ تَعَالَى عِنْدَهُمْ ] هَاهُنَا مُلْغًى ، لَا مَعْنَى لَهُ ، فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ شَرْطَهُ عِنْدَهُمْ ضَائِعًا ، وَشُرُوطَهُمْ الْفَاسِدَةَ عِنْدَهُمْ لَازِمَةً ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُبِيحُونَ كِتَابَةَ الْكَافِرِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ ، وَهُوَ بِلَا شَكٍّ خَارِجٌ عَنْ الْآيَةِ ; لِأَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ أَصْلًا ، وَخَارِجٌ عَنْ قَوْلِ كُلِّ مَنْ سَلَفَ ، وَهَذَا مِمَّا فَارَقُوا فِيهِ مَنْ حُفِظَ عَنْهُ قَوْلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَمِنْ طَرَائِفِ الدُّنْيَا : احْتِجَاجُ بَعْضِهِمْ بِأَنْ قَالَ : قِسْنَا مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ عَلَى مَنْ فِيهِ خَيْرٌ . قَالَ عَلِيٌّ : فَهَلْ سُمِعَ بِأَسْخَفَ مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ ؟ وَإِنَّمَا قَالُوا بِالْقِيَاسِ فِيمَا يُشْبِهُ الْمَقِيسَ عَلَيْهِ لَا فِيمَا لَا يُشْبِهُهُ . وَهَلَّا قَاسُوا مَنْ يَسْتَطِيعُ " الطَّوْلَ " فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى مَنْ لَا يَسْتَطِيعُهُ ؟ 221 وَهَلَّا قَاسُوا بِهِ غَيْرَ السَّائِمَةِ فِي الزَّكَاةِ عَلَى السَّائِمَةِ ؟ وَهَلَّا قَاسُوا غَيْرَ السَّارِقِ عَلَى السَّارِقِ ، وَغَيْرَ الْقَاتِلِ عَلَى الْقَاتِلِ ؟ وَهَذِهِ حَمَاقَةٌ لَا نَظِيرَ لَهَا . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَمْ يَذْكُرْ فِي الْآيَةِ إلَّا مَنْ فِيهِ خَيْرٌ ، وَبَقِيَ حُكْمُ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ ، فَأَجَزْنَا كِتَابَتَهُ بِالْأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْكِتَابَةِ جُمْلَةً ؟ فَقُلْنَا لَهُمْ : فَأَبِيحُوا بِمِثْلِ هَذَا الدَّلِيلِ أَكْلَ كُلِّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { كُلُوا وَاشْرَبُوا } وَهَذَا بَاطِلٌ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ } . وَيَلْزَمُكُمْ أَنْ تُجِيزُوا كِتَابَةَ الْمَجْنُونِ ، وَالصَّغِيرِ : بِعُمُومِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ . وَأَيْضًا : فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُكَاتَبًا إلَّا مَنْ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى مُكَاتَبَتَهُ أَوْ أَمَرَ بِهَا . وَأَيْضًا : فَلَمْ يَأْتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثَرٌ قَطُّ فِي الْمُكَاتَبِ إلَّا وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُ مُسْلِمٌ - وَأَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمُكَاتَبَةِ وَبِكُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ فَرْضٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ لَهُ اللَّهُ تَعَالَى : افْعَلْ أَمْرًا كَذَا ، فَيَقُولُ هُوَ : لَا أَفْعَلُ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ تَعَالَى : إنْ شِئْت فَافْعَلْ وَإِلَّا فَلَا .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا غُنْدَرٌ نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ سِيرِينَ سَأَلَهُ الْمُكَاتَبَةَ ؟ فَأَبَى عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : وَاَللَّهِ لَتُكَاتِبْنَهُ ، وَتَنَاوَلَهُ بِالدِّرَّةِ ، فَكَاتَبَهُ . وَبِهِ إلَى عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ نا ابْنُ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ : أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إذَا عَلِمْت لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ ؟ قَالَ : مَا أَرَاهُ إلَّا وَاجِبًا ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَقَالَ لِي أَيْضًا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ : أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سِيرِينَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الْكِتَابَةَ ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ فَأَبَى ، فَانْطَلَقَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَاسْتَأْذَنَهُ فَقَالَ عُمَرُ لِأَنَسٍ : كَاتِبْهُ ؟ فَأَبَى ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ : كَاتِبْهُ ، وَيَتْلُو { فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } فَكَاتَبَهُ أَنَسٌ . وَبِهِ إلَى ابْنِ الْمَدِينِيِّ نا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ نا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَبْدٍ كَانَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَذَكَرَ حَدِيثًا وَفِيهِ : أَنَّهُ اسْتَعَانَ بِالزُّبَيْرِ فَدَخَلَ مَعَهُ عَلَى 222 عُثْمَانَ ، فَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَائِمًا وَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فُلَانٌ كَاتَبَهُ ؟ فَقَطَّبَ ثُمَّ قَالَ : نَعَمْ . وَلَوْلَا أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا فَعَلْت ذَلِكَ
وَذَكَرَ الْخَبَرَ وَرُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ وَالضَّحَّاكِ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : مُكَاتَبَتُهُ وَاجِبَةٌ إذَا طَلَبَهَا ، وَأَخْشَى أَنْ يَأْثَمَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ، وَلَا يُجْبِرُهُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ - وَبِإِيجَابِ ذَلِكَ ، وَجَبْرِ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ يَقُولُ أَبُو سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابُنَا . فَهَذَا عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ يَرَيَانِهَا وَاجِبَةً ، وَيُجْبِرُ عُمَرُ عَلَيْهَا وَيَضْرِبُ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ ، وَالزُّبَيْرِ يَسْمَعُ حَمَلَ عُثْمَانُ الْآيَةَ عَلَى الْوُجُوبِ فَلَا يُنْكَرُ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ لَمَّا ذُكِّرَ بِالْآيَةِ سَارَعَ إلَى الرُّجُوعِ إلَى الْمُكَاتَبَةِ وَتَرَكَ امْتِنَاعَهُ . فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَخَالَفَ ذَلِكَ الْحَنَفِيُّونَ ، وَالْمَالِكِيُّونَ ، وَالشَّافِعِيُّونَ ، فَقَالُوا لَيْسَتْ وَاجِبَةً ، وَمَوَّهُوا فِي ذَلِكَ بِتَشْغِيبَاتٍ ، مِنْهَا : أَنَّهُمْ ذَكَرُوا آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ عَلَى النَّدْبِ مِثْلَ { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } ، { فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ } .
وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَوْلَا نُصُوصٌ أُخَرُ جَاءَتْ لَكَانَ هَذَانِ الْأَمْرَانِ فَرْضًا ، لَكِنْ لَمَّا حَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ وَلَمْ يَصْطَدْ صَارَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ نَدْبًا - وَلَمَّا حَضَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْقُعُودِ فِي مَوْضِعِ الصَّلَاةِ وَرَغَّبَ فِي ذَلِكَ كَانَ الِانْتِشَارُ نَدْبًا . فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ نَصٌّ يُبَيِّنُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْكِتَابَةِ نَدْبٌ صِرْنَا إلَيْهِمْ ؟ وَإِلَّا فَقَدْ كَذَبَ مُحَرِّفُ الْقُرْآنِ عَنْ مَوْضِعِ كَلِمَاتِهِ ، وَلَيْسَ إذَا وُجِدَ أَمْرٌ مَخْصُوصٌ أَوْ مَنْسُوخٌ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ أَمْرٍ فِي الْقُرْآنِ مَنْسُوخًا أَوْ مَخْصُوصًا . وَقَالُوا : لَمَّا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ لَهُ بَيْعَهُ إذَا طَلَبَ مِنْهُ الْكِتَابَةَ عَلِمْنَا أَنَّ الْأَمْرَ بِهَا نَدْبٌ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا تَمْوِيهٌ بَارِدٌ ، نَعَمْ ، وَلَهُ بَيْعُهُ ، وَإِنْ كَاتَبَهُ مَا لَمْ يُؤَدِّ ، وَلَهُ بَيْعُ مَا قَابَلَ مِنْهُ مَا لَمْ يُؤَدِّ حَتَّى يَتِمَّ عِتْقُهُ بِالْأَدَاءِ . وَهُمْ يَقُولُونَ فِيمَنْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدِهِ إنْ قَدِمَ أَبُوهُ : أَنَّ لَهُ بَيْعَهُ مَا لَمْ يَقْدَمْ أَبُوهُ - وَفِي ذَلِكَ بُطْلَانُ نَذْرِهِ الْمُفْتَرَضِ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ لَوْ لَمْ أَبِعْهُ . وَقَالُوا : لَمْ نَجِدْ فِي الْأُصُولِ أَنْ يُجْبَرَ أَحَدٌ عَلَى عَقْدٍ فِيمَا يَمْلِكُ ؟ 223 فَقُلْنَا : فَكَانَ مَاذَا ؟ وَلَا وَجَدْتُمْ قَطُّ فِي الْأُصُولِ أَنْ يُجْبَرَ أَحَدٌ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ بَيْعِ أَمَتِهِ ، وَتَخْرُجُ حُرَّةً مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إنْ مَاتَ ، وَقَدْ قُلْتُمْ بِذَلِكَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ .
وَلَا وَجَدْتُمْ قَطُّ صَوْمَ شَهْرٍ مُفْرَدٍ إلَّا رَمَضَانَ ، فَأَبْطَلُوا صَوْمَهُ بِذَلِكَ ؟ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ قَالَ : لَا آخُذُ بِشَرِيعَةٍ - حَتَّى أَجِدَ لَهَا نَظِيرًا ، وَبَيْنَ مَنْ قَالَ : لَا آخُذُ بِهَا حَتَّى أَجِدَ لَهَا نَظِيرَيْنِ .
وَقَدْ وَجَدْنَا : الْمُفْلِسَ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ فِي أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ . وَوَجَدْنَا : الشَّفِيعَ يُجْبِرُ الْمُشْتَرِيَ عَلَى تَصْيِيرِ مِلْكِهِ إلَيْهِ . وَقَالُوا : لَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَى السَّيِّدِ إذَا طَلَبَهُ الْعَبْدُ لَوَجَبَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَى الْعَبْدِ إذَا طَلَبَهُ السَّيِّدُ - وَهَذَا أَسْخَفُ مَا أَتَوْا بِهِ ; لِأَنَّ النَّصَّ جَاءَ بِذَلِكَ إذَا طَلَبَهَا الْعَبْدُ ، وَلَمْ يَأْتِ بِهَا إذَا طَلَبَهَا السَّيِّدُ ، فَإِنْ كَانَ هَذَا عِنْدَهُمْ قِيَاسًا صَحِيحًا فَلْيَقُولُوا : إنَّهُ لَمَّا كَانَ الزَّوْجُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِلْمَرْأَةِ إذَا أَرَادَتْ طَلَاقَهُ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَهُ . وَلَمَّا كَانَ لِلشَّفِيعِ أَخْذُ الشِّقْصِ وَإِنْ كَرِهَ الْمُشْتَرِي - كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا إلْزَامُهُ إيَّاهُ - وَإِنْ كَرِهَ الشَّفِيعُ . وَهَذِهِ وَسَاوِسُ سَخِرَ الشَّيْطَانُ بِهِمْ فِيهَا ، وَشَوَاذُّ سَبَّبَ لَهُمْ مِثْلَ هَذِهِ الْمَضَاحِكِ فِي الدِّينِ ، فَاتَّبَعُوهُ عَلَيْهَا ، وَلَا نَدْرِي بِأَيِّ نَصٍّ أَمْ بِأَيِّ عَقْلٍ وَجَبَ هَذَا الَّذِي يَهْذِرُونَ بِهِ ؟ وَقَالُوا : كَانَ الْأَصْلُ أَنْ لَا تَجُوزَ الْكِتَابَةُ ; لِأَنَّهَا عَقْدُ غَرَرٍ ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَسَبِيلُهُ إذْ جَاءَ بِهِ نَصٌّ - أَنْ يَكُونَ نَدْبًا ; لِأَنَّهُ إطْلَاقٌ مِنْ حَظْرٍ ؟ فَقُلْنَا : كَذَبْتُمْ بَلْ الْأَصْلُ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ الشَّرِيعَةِ ، وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ حَتَّى يَأْمُرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ، فَإِذَا أَمَرَ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ فَسَبِيلُهُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا ، يَعْصِي مَنْ أَبَى قَبُولَهُ ، هَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا تَخْتَلِفُ الْعُقُولُ فِيهِ ، وَمَا جَاءَ قَطُّ نَصٌّ وَلَا مَعْقُولٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ بَعْدَ التَّحْرِيمِ لَا يَكُونُ إلَّا نَدْبًا ، بَلْ قَدْ كَانَتْ الصَّلَاةُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَرْضًا ، وَإِلَى الْكَعْبَةِ مَحْظُورَةً مُحَرَّمَةً ، ثُمَّ جَاءَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ إلَى الْكَعْبَةِ بَعْدَ الْحَظْرِ ، فَكَانَ فَرْضًا .
وَقَالُوا : لَوْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ إذَا طَلَبَهَا الْعَبْدُ فَرْضًا لَوَجَبَ أَنْ يُجْبَرَ السَّيِّدُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ أَرَادَهَا الْعَبْدُ بِدِرْهَمٍ . وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ قَطُّ بِإِجَابَةِ الْعَبْدِ إلَى مَا 224 أَرَادَ أَنْ يُكَاتَبَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِإِجَابَتِهِ إلَى الْكِتَابَةِ ثُمَّ تَرَكَ الْمُكَاتَبَةَ مُجْمَلَةً بَيْنَ السَّيِّدِ وَالْعَبْدِ ; لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { فَكَاتِبُوهُمْ } فِعْلٌ مِنْ فَاعِلَيْنِ ، وَقَالَ تَعَالَى { : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } فَوَجَبَ أَنْ لَا يُكَلِّفَ الْعَبْدَ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ . وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُكَلِّفَ السَّيِّدَ إضَاعَةَ مَالِهِ . وَصَحَّ بِهَذَيْنِ النَّصَّيْنِ : أَنَّ اللَّازِمَ لَهُمَا مَا أَطَاقَهُ الْعَبْدُ بِلَا حَرَجٍ ، وَمَا لَا غَبْنَ فِيهِ عَلَى السَّيِّدِ ، وَلَا إضَاعَةَ لِمَالِهِ وَقَدْ وَافَقُونَا عَلَى أَنَّ لِلسَّيِّدِ تَكْلِيفَ عَبْدِهِ الْخَرَاجَ وَإِجْبَارَهُ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مُجِيزًا أَنْ يُكَلِّفَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُطِيقُ ، وَلَا إجَابَةُ الْعَبْدِ إلَى أَدَاءِ مَا لَا يَرْضَى السَّيِّدُ بِهِ مِمَّا هُوَ قَادِرٌ بِلَا مَشَقَّةٍ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْكِتَابَةِ بِعَيْنِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ تَزَوَّجَ وَلَمْ يَذْكُرْ صَدَاقًا ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَدَاءِ صَدَاقِ مِثْلِهَا ، وَتُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ ، وَلَا تُعْطَى بِرَأْيِهَا ، وَلَا يُعْطِي هُوَ بِرَأْيِهِ . وَقَدْ رَأَى الْحَنَفِيُّونَ الِاسْتِسْعَاءَ وَالْقَضَاءَ بِهِ وَاجِبًا ، فَهَلَّا عَارَضُوا أَنْفُسَهُمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ فَقَالُوا : إنْ قَالَ الْعَبْدُ : لَا أُؤَدِّي إلَّا دِرْهَمًا فِي سِتِّينَ سَنَةٍ ، وَقَالَ الْمُسْتَسْعَى لَهُ : لَا تُؤَدِّي إلَّا مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ مِنْ يَوْمِهِ .
وَقَدْ أَوْجَبَ الْمَالِكِيُّونَ الْخَرَاجَ عَلَى الْأَرْضِ الْمُفْتَتَحَةِ فَرْضًا لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ ، ثُمَّ لَمْ يُبَيِّنُوا مَا هُوَ وَلَا مِقْدَارَهُ . وَكَمْ قِصَّةٍ قَالَ فِيهَا الشَّافِعِيُّونَ بِإِيجَابِ فَرْضٍ حَيْثُ لَا يَحُدُّونَ مِقْدَارَهُ ، كَقَوْلِهِمْ : الصَّلَاةُ تَبْطُلُ بِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ ، وَلَا تَبْطُلُ بِالْعَمَلِ الْيَسِيرِ ، فَهَذَا فَرْضٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ . وَأَوْجَبُوا الْمُتْعَةَ فَرْضًا ثُمَّ لَمْ يَحُدُّوا فِيهَا حَدًّا ، وَمِثْلُ هَذَا لَهُمْ كَثِيرٌ جِدًّا فَبَطَلَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
كِتَابُ الْكِتَابَةِ 1686 - مَسْأَلَةٌ : مَنْ كَانَ لَهُ مَمْلُوكٌ مُسْلِمٌ أَوْ مُسْلِمَةٌ فَدَعَا أَوْ دَعَتْ إلَى الْكِتَابَةِ فُرِضَ عَلَى السَّيِّدِ الْإِجَابَةُ إلَى ذَلِكَ وَيُجْبِرُهُ السُّلْطَانُ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يُدْرَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ الْعَبْدَ أَوْ الْأَمَةَ يُطِيقُهُ مِمَّا لَا حَيْفَ فِيهِ عَلَى السَّيِّدِ ، لَكِنْ مِمَّا يُكَاتَبُ عَلَيْهِ مِثْلُهُمَا - وَلَا يَجُوزُ كِتَابَةُ عَبْدٍ كَافِرٍ أَصْلًا . بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَاَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } . وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخَيْرِ . فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الْمَالُ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الدِّينُ . فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا مَوْضُوعَ كَلَامِ الْعَرَبِ الَّذِي بِهِ نَزَلَ الْقُرْآنُ قَالَ تَعَالَى : { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ أَرَادَ الْمَالَ لَقَالَ : إنْ عَلِمْتُمْ لَهُمْ خَيْرًا ، أَوْ عِنْدَهُمْ خَيْرًا ، أَوْ مَعَهُمْ خَيْرًا ، لِأَنَّ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ يُضَافُ الْمَالُ إلَى مَنْ هُوَ لَهُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ، وَلَا يُقَالُ أَصْلًا فِي فُلَانٍ مَالٌ ، فَلَمَّا قَالَ تَعَالَى : { إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } عَلِمْنَا أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَرِدْ " الْمَالَ " ، فَصَحَّ أَنَّهُ " الدِّينُ " وَلَا خَيْرَ فِي دِينِ الْكَافِرِ - وَكُلُّ مُسْلِمٍ عَلَى أَدِيمِ الْأَرْضِ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ فِيهِ الْخَيْرَ بِقَوْلِهِ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَنْ لَا دِينَ إلَّا الْإِسْلَامُ ، وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَكُونُ مِنْ الْخَيْرِ ، وَكُلُّ خَيْرٍ بَعْدَ هَذَا فَتَابِعٌ لِهَذَا - وَهَذَا قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّهُ سَأَلَهُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ أَأُكَاتِبُ وَلَيْسَ لِي مَالٌ ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : نَعَمْ ، فَصَحَّ أَنَّ الْخَيْرَ عِنْدَهُ لَمْ يَكُنْ " الْمَالَ " .
220 وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } قَالَ : إنْ أَقَامُوا الصَّلَاةَ . وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ - هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ [ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ] قَالَ : { إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } قَالَ : دِينٌ وَأَمَانَةٌ . وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ : الْإِسْلَامُ وَالْوَفَاءُ - وَجَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ الْمَالُ - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَأَبِي رَزِينٍ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : كِلَا الْأَمْرَيْنِ - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ أَخِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّهُ نَاقَضَ فِي مَسَائِلِهِ .
وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ ، وَالْمَالِكِيُّونَ : فَكَانَ شَرْطُ اللَّهِ [ تَعَالَى عِنْدَهُمْ ] هَاهُنَا مُلْغًى ، لَا مَعْنَى لَهُ ، فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ شَرْطَهُ عِنْدَهُمْ ضَائِعًا ، وَشُرُوطَهُمْ الْفَاسِدَةَ عِنْدَهُمْ لَازِمَةً ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُبِيحُونَ كِتَابَةَ الْكَافِرِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ ، وَهُوَ بِلَا شَكٍّ خَارِجٌ عَنْ الْآيَةِ ; لِأَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ أَصْلًا ، وَخَارِجٌ عَنْ قَوْلِ كُلِّ مَنْ سَلَفَ ، وَهَذَا مِمَّا فَارَقُوا فِيهِ مَنْ حُفِظَ عَنْهُ قَوْلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَمِنْ طَرَائِفِ الدُّنْيَا : احْتِجَاجُ بَعْضِهِمْ بِأَنْ قَالَ : قِسْنَا مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ عَلَى مَنْ فِيهِ خَيْرٌ . قَالَ عَلِيٌّ : فَهَلْ سُمِعَ بِأَسْخَفَ مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ ؟ وَإِنَّمَا قَالُوا بِالْقِيَاسِ فِيمَا يُشْبِهُ الْمَقِيسَ عَلَيْهِ لَا فِيمَا لَا يُشْبِهُهُ . وَهَلَّا قَاسُوا مَنْ يَسْتَطِيعُ " الطَّوْلَ " فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى مَنْ لَا يَسْتَطِيعُهُ ؟ 221 وَهَلَّا قَاسُوا بِهِ غَيْرَ السَّائِمَةِ فِي الزَّكَاةِ عَلَى السَّائِمَةِ ؟ وَهَلَّا قَاسُوا غَيْرَ السَّارِقِ عَلَى السَّارِقِ ، وَغَيْرَ الْقَاتِلِ عَلَى الْقَاتِلِ ؟ وَهَذِهِ حَمَاقَةٌ لَا نَظِيرَ لَهَا . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَمْ يَذْكُرْ فِي الْآيَةِ إلَّا مَنْ فِيهِ خَيْرٌ ، وَبَقِيَ حُكْمُ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ ، فَأَجَزْنَا كِتَابَتَهُ بِالْأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْكِتَابَةِ جُمْلَةً ؟ فَقُلْنَا لَهُمْ : فَأَبِيحُوا بِمِثْلِ هَذَا الدَّلِيلِ أَكْلَ كُلِّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { كُلُوا وَاشْرَبُوا } وَهَذَا بَاطِلٌ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ } . وَيَلْزَمُكُمْ أَنْ تُجِيزُوا كِتَابَةَ الْمَجْنُونِ ، وَالصَّغِيرِ : بِعُمُومِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ . وَأَيْضًا : فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُكَاتَبًا إلَّا مَنْ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى مُكَاتَبَتَهُ أَوْ أَمَرَ بِهَا . وَأَيْضًا : فَلَمْ يَأْتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثَرٌ قَطُّ فِي الْمُكَاتَبِ إلَّا وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُ مُسْلِمٌ - وَأَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمُكَاتَبَةِ وَبِكُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ فَرْضٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ لَهُ اللَّهُ تَعَالَى : افْعَلْ أَمْرًا كَذَا ، فَيَقُولُ هُوَ : لَا أَفْعَلُ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ تَعَالَى : إنْ شِئْت فَافْعَلْ وَإِلَّا فَلَا .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا غُنْدَرٌ نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ سِيرِينَ سَأَلَهُ الْمُكَاتَبَةَ ؟ فَأَبَى عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : وَاَللَّهِ لَتُكَاتِبْنَهُ ، وَتَنَاوَلَهُ بِالدِّرَّةِ ، فَكَاتَبَهُ . وَبِهِ إلَى عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ نا ابْنُ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ : أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إذَا عَلِمْت لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ ؟ قَالَ : مَا أَرَاهُ إلَّا وَاجِبًا ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَقَالَ لِي أَيْضًا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ : أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سِيرِينَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الْكِتَابَةَ ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ فَأَبَى ، فَانْطَلَقَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَاسْتَأْذَنَهُ فَقَالَ عُمَرُ لِأَنَسٍ : كَاتِبْهُ ؟ فَأَبَى ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ : كَاتِبْهُ ، وَيَتْلُو { فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } فَكَاتَبَهُ أَنَسٌ . وَبِهِ إلَى ابْنِ الْمَدِينِيِّ نا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ نا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَبْدٍ كَانَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَذَكَرَ حَدِيثًا وَفِيهِ : أَنَّهُ اسْتَعَانَ بِالزُّبَيْرِ فَدَخَلَ مَعَهُ عَلَى 222 عُثْمَانَ ، فَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَائِمًا وَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فُلَانٌ كَاتَبَهُ ؟ فَقَطَّبَ ثُمَّ قَالَ : نَعَمْ . وَلَوْلَا أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا فَعَلْت ذَلِكَ
وَذَكَرَ الْخَبَرَ وَرُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ وَالضَّحَّاكِ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : مُكَاتَبَتُهُ وَاجِبَةٌ إذَا طَلَبَهَا ، وَأَخْشَى أَنْ يَأْثَمَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ، وَلَا يُجْبِرُهُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ - وَبِإِيجَابِ ذَلِكَ ، وَجَبْرِ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ يَقُولُ أَبُو سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابُنَا . فَهَذَا عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ يَرَيَانِهَا وَاجِبَةً ، وَيُجْبِرُ عُمَرُ عَلَيْهَا وَيَضْرِبُ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ ، وَالزُّبَيْرِ يَسْمَعُ حَمَلَ عُثْمَانُ الْآيَةَ عَلَى الْوُجُوبِ فَلَا يُنْكَرُ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ لَمَّا ذُكِّرَ بِالْآيَةِ سَارَعَ إلَى الرُّجُوعِ إلَى الْمُكَاتَبَةِ وَتَرَكَ امْتِنَاعَهُ . فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَخَالَفَ ذَلِكَ الْحَنَفِيُّونَ ، وَالْمَالِكِيُّونَ ، وَالشَّافِعِيُّونَ ، فَقَالُوا لَيْسَتْ وَاجِبَةً ، وَمَوَّهُوا فِي ذَلِكَ بِتَشْغِيبَاتٍ ، مِنْهَا : أَنَّهُمْ ذَكَرُوا آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ عَلَى النَّدْبِ مِثْلَ { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } ، { فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ } .
وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَوْلَا نُصُوصٌ أُخَرُ جَاءَتْ لَكَانَ هَذَانِ الْأَمْرَانِ فَرْضًا ، لَكِنْ لَمَّا حَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ وَلَمْ يَصْطَدْ صَارَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ نَدْبًا - وَلَمَّا حَضَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْقُعُودِ فِي مَوْضِعِ الصَّلَاةِ وَرَغَّبَ فِي ذَلِكَ كَانَ الِانْتِشَارُ نَدْبًا . فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ نَصٌّ يُبَيِّنُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْكِتَابَةِ نَدْبٌ صِرْنَا إلَيْهِمْ ؟ وَإِلَّا فَقَدْ كَذَبَ مُحَرِّفُ الْقُرْآنِ عَنْ مَوْضِعِ كَلِمَاتِهِ ، وَلَيْسَ إذَا وُجِدَ أَمْرٌ مَخْصُوصٌ أَوْ مَنْسُوخٌ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ أَمْرٍ فِي الْقُرْآنِ مَنْسُوخًا أَوْ مَخْصُوصًا . وَقَالُوا : لَمَّا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ لَهُ بَيْعَهُ إذَا طَلَبَ مِنْهُ الْكِتَابَةَ عَلِمْنَا أَنَّ الْأَمْرَ بِهَا نَدْبٌ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا تَمْوِيهٌ بَارِدٌ ، نَعَمْ ، وَلَهُ بَيْعُهُ ، وَإِنْ كَاتَبَهُ مَا لَمْ يُؤَدِّ ، وَلَهُ بَيْعُ مَا قَابَلَ مِنْهُ مَا لَمْ يُؤَدِّ حَتَّى يَتِمَّ عِتْقُهُ بِالْأَدَاءِ . وَهُمْ يَقُولُونَ فِيمَنْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدِهِ إنْ قَدِمَ أَبُوهُ : أَنَّ لَهُ بَيْعَهُ مَا لَمْ يَقْدَمْ أَبُوهُ - وَفِي ذَلِكَ بُطْلَانُ نَذْرِهِ الْمُفْتَرَضِ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ لَوْ لَمْ أَبِعْهُ . وَقَالُوا : لَمْ نَجِدْ فِي الْأُصُولِ أَنْ يُجْبَرَ أَحَدٌ عَلَى عَقْدٍ فِيمَا يَمْلِكُ ؟ 223 فَقُلْنَا : فَكَانَ مَاذَا ؟ وَلَا وَجَدْتُمْ قَطُّ فِي الْأُصُولِ أَنْ يُجْبَرَ أَحَدٌ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ بَيْعِ أَمَتِهِ ، وَتَخْرُجُ حُرَّةً مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إنْ مَاتَ ، وَقَدْ قُلْتُمْ بِذَلِكَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ .
وَلَا وَجَدْتُمْ قَطُّ صَوْمَ شَهْرٍ مُفْرَدٍ إلَّا رَمَضَانَ ، فَأَبْطَلُوا صَوْمَهُ بِذَلِكَ ؟ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ قَالَ : لَا آخُذُ بِشَرِيعَةٍ - حَتَّى أَجِدَ لَهَا نَظِيرًا ، وَبَيْنَ مَنْ قَالَ : لَا آخُذُ بِهَا حَتَّى أَجِدَ لَهَا نَظِيرَيْنِ .
وَقَدْ وَجَدْنَا : الْمُفْلِسَ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ فِي أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ . وَوَجَدْنَا : الشَّفِيعَ يُجْبِرُ الْمُشْتَرِيَ عَلَى تَصْيِيرِ مِلْكِهِ إلَيْهِ . وَقَالُوا : لَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَى السَّيِّدِ إذَا طَلَبَهُ الْعَبْدُ لَوَجَبَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَى الْعَبْدِ إذَا طَلَبَهُ السَّيِّدُ - وَهَذَا أَسْخَفُ مَا أَتَوْا بِهِ ; لِأَنَّ النَّصَّ جَاءَ بِذَلِكَ إذَا طَلَبَهَا الْعَبْدُ ، وَلَمْ يَأْتِ بِهَا إذَا طَلَبَهَا السَّيِّدُ ، فَإِنْ كَانَ هَذَا عِنْدَهُمْ قِيَاسًا صَحِيحًا فَلْيَقُولُوا : إنَّهُ لَمَّا كَانَ الزَّوْجُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِلْمَرْأَةِ إذَا أَرَادَتْ طَلَاقَهُ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَهُ . وَلَمَّا كَانَ لِلشَّفِيعِ أَخْذُ الشِّقْصِ وَإِنْ كَرِهَ الْمُشْتَرِي - كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا إلْزَامُهُ إيَّاهُ - وَإِنْ كَرِهَ الشَّفِيعُ . وَهَذِهِ وَسَاوِسُ سَخِرَ الشَّيْطَانُ بِهِمْ فِيهَا ، وَشَوَاذُّ سَبَّبَ لَهُمْ مِثْلَ هَذِهِ الْمَضَاحِكِ فِي الدِّينِ ، فَاتَّبَعُوهُ عَلَيْهَا ، وَلَا نَدْرِي بِأَيِّ نَصٍّ أَمْ بِأَيِّ عَقْلٍ وَجَبَ هَذَا الَّذِي يَهْذِرُونَ بِهِ ؟ وَقَالُوا : كَانَ الْأَصْلُ أَنْ لَا تَجُوزَ الْكِتَابَةُ ; لِأَنَّهَا عَقْدُ غَرَرٍ ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَسَبِيلُهُ إذْ جَاءَ بِهِ نَصٌّ - أَنْ يَكُونَ نَدْبًا ; لِأَنَّهُ إطْلَاقٌ مِنْ حَظْرٍ ؟ فَقُلْنَا : كَذَبْتُمْ بَلْ الْأَصْلُ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ الشَّرِيعَةِ ، وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ حَتَّى يَأْمُرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ، فَإِذَا أَمَرَ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ فَسَبِيلُهُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا ، يَعْصِي مَنْ أَبَى قَبُولَهُ ، هَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا تَخْتَلِفُ الْعُقُولُ فِيهِ ، وَمَا جَاءَ قَطُّ نَصٌّ وَلَا مَعْقُولٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ بَعْدَ التَّحْرِيمِ لَا يَكُونُ إلَّا نَدْبًا ، بَلْ قَدْ كَانَتْ الصَّلَاةُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَرْضًا ، وَإِلَى الْكَعْبَةِ مَحْظُورَةً مُحَرَّمَةً ، ثُمَّ جَاءَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ إلَى الْكَعْبَةِ بَعْدَ الْحَظْرِ ، فَكَانَ فَرْضًا .
وَقَالُوا : لَوْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ إذَا طَلَبَهَا الْعَبْدُ فَرْضًا لَوَجَبَ أَنْ يُجْبَرَ السَّيِّدُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ أَرَادَهَا الْعَبْدُ بِدِرْهَمٍ . وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ قَطُّ بِإِجَابَةِ الْعَبْدِ إلَى مَا 224 أَرَادَ أَنْ يُكَاتَبَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِإِجَابَتِهِ إلَى الْكِتَابَةِ ثُمَّ تَرَكَ الْمُكَاتَبَةَ مُجْمَلَةً بَيْنَ السَّيِّدِ وَالْعَبْدِ ; لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { فَكَاتِبُوهُمْ } فِعْلٌ مِنْ فَاعِلَيْنِ ، وَقَالَ تَعَالَى { : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } فَوَجَبَ أَنْ لَا يُكَلِّفَ الْعَبْدَ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ . وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُكَلِّفَ السَّيِّدَ إضَاعَةَ مَالِهِ . وَصَحَّ بِهَذَيْنِ النَّصَّيْنِ : أَنَّ اللَّازِمَ لَهُمَا مَا أَطَاقَهُ الْعَبْدُ بِلَا حَرَجٍ ، وَمَا لَا غَبْنَ فِيهِ عَلَى السَّيِّدِ ، وَلَا إضَاعَةَ لِمَالِهِ وَقَدْ وَافَقُونَا عَلَى أَنَّ لِلسَّيِّدِ تَكْلِيفَ عَبْدِهِ الْخَرَاجَ وَإِجْبَارَهُ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مُجِيزًا أَنْ يُكَلِّفَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُطِيقُ ، وَلَا إجَابَةُ الْعَبْدِ إلَى أَدَاءِ مَا لَا يَرْضَى السَّيِّدُ بِهِ مِمَّا هُوَ قَادِرٌ بِلَا مَشَقَّةٍ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْكِتَابَةِ بِعَيْنِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ تَزَوَّجَ وَلَمْ يَذْكُرْ صَدَاقًا ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَدَاءِ صَدَاقِ مِثْلِهَا ، وَتُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ ، وَلَا تُعْطَى بِرَأْيِهَا ، وَلَا يُعْطِي هُوَ بِرَأْيِهِ . وَقَدْ رَأَى الْحَنَفِيُّونَ الِاسْتِسْعَاءَ وَالْقَضَاءَ بِهِ وَاجِبًا ، فَهَلَّا عَارَضُوا أَنْفُسَهُمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ فَقَالُوا : إنْ قَالَ الْعَبْدُ : لَا أُؤَدِّي إلَّا دِرْهَمًا فِي سِتِّينَ سَنَةٍ ، وَقَالَ الْمُسْتَسْعَى لَهُ : لَا تُؤَدِّي إلَّا مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ مِنْ يَوْمِهِ .
وَقَدْ أَوْجَبَ الْمَالِكِيُّونَ الْخَرَاجَ عَلَى الْأَرْضِ الْمُفْتَتَحَةِ فَرْضًا لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ ، ثُمَّ لَمْ يُبَيِّنُوا مَا هُوَ وَلَا مِقْدَارَهُ . وَكَمْ قِصَّةٍ قَالَ فِيهَا الشَّافِعِيُّونَ بِإِيجَابِ فَرْضٍ حَيْثُ لَا يَحُدُّونَ مِقْدَارَهُ ، كَقَوْلِهِمْ : الصَّلَاةُ تَبْطُلُ بِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ ، وَلَا تَبْطُلُ بِالْعَمَلِ الْيَسِيرِ ، فَهَذَا فَرْضٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ . وَأَوْجَبُوا الْمُتْعَةَ فَرْضًا ثُمَّ لَمْ يَحُدُّوا فِيهَا حَدًّا ، وَمِثْلُ هَذَا لَهُمْ كَثِيرٌ جِدًّا فَبَطَلَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
المقارن
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
اقرأ →
كتاب الكتابة