الشهادات

الحنفية

المبسوط اقرأ →
وَلَا يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ 98 وَلِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلٌ أَنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ إلَّا فِي الْحُدُودِ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَسَيَأْتِيك بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فتح القدير اقرأ →
364 ( كِتَابُ الشَّهَادَاتِ )
365 ( قَالَ : الشَّهَادَةُ فَرْضٌ تَلْزَمُ الشُّهُودَ وَلَا يَسَعُهُمْ كِتْمَانُهَا إذَا طَالَبَهُمْ الْمُدَّعِي ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا يَأْبَى الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا } وقَوْله تَعَالَى { وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ } 366 وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ طَلَبُ الْمُدَّعِي لِأَنَّهَا حَقُّهُ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ . .
رد المحتار على الدر المختار اقرأ →
( قَوْلُهُ لَا يَقْضِي الْقَاضِي إلَخْ ) فِي الْهِنْدِيَّةِ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ لِوَكِيلِهِ وَلَا لِوَكِيلِ وَكِيلِهِ وَلَا لِوَكِيلِ أَبِيهِ وَإِنْ عَلَا أَوْ ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ ، وَلَا لِعَبْدِهِ وَلَا لِمُكَاتَبِهِ وَلَا لِعَبِيدِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لَهُ وَلَا لِمُكَاتَبِهِمْ ، وَلَا لِشَرِيكِهِ مُفَاوَضَةً أَوْ عَنَانًا فِي مَالِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ ، وَكُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ كَالْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ وَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ ا هـ مُلَخَّصًا وَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ مِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الْقَضَاءِ الْإِفْتَاءُ فَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي الْهُرُوبُ مِنْ هَذَا مَتَى قَدَرَ ا هـ أَيْ وَكَانَ هُنَاكَ مُفْتٍ غَيْرُهُ حَمَوِيٌّ ط .
قُلْتُ : وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ التُّهْمَةُ ( قَوْلُهُ إلَّا فِي الْوَصِيَّةِ ) صُورَتُهَا مَا فِي الْأَشْبَاهِ لَوْ كَانَ الْقَاضِي غَرِيمَ مَيِّتٍ ، فَأَثْبَتَ أَنَّ فُلَانًا وَصِيُّهُ صَحَّ وَبَرِئَ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا دَفَعَ لَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ امْتَنَعَ الْقَضَاءُ وَبِخِلَافِ الْوَكَالَةِ عَنْ غَائِبٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِهَا إذَا كَانَ الْقَاضِي مَدْيُونَ الْغَائِبِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدَّفْعِ أَوْ بَعْدَهُ .
( قَوْلُهُ وَلَوْ فِي حَيَاةِ امْرَأَتِهِ وَأَبِيهِ ) لَكِنْ بَعْدَ مَوْتِهَا يَقْضِي فِيمَا لَمْ يَرِثُ مِنْهُ كَمَا يَأْتِي .
( قَوْلُهُ وَزَادَ بَيْتَيْنِ ) أَيْ زَادَ عَلَى نَظْمِ الْوَهْبَانِيَّةِ بَيْتَيْنِ وَهُمَا الْأَوَّلَانِ أَمَّا الثَّالِثُ فَهُوَ مِنْ زِيَادَاتِ شَارِحِهَا ابْنِ الشِّحْنَةِ نَقَلَهُ عَنْهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِهِ .
( قَوْلُهُ لِأُمِّ الْعِرْسِ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ لِأُمِّ زَوْجَتِهِ .
( قَوْلُهُ مُحَرَّرٌ ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هَذَا الْحُكْمُ مُحَرَّرُ ط .
( قَوْلُهُ بِمِيرَاثِ ) بِدُونِ تَنْوِينٍ لِلضَّرُورَةِ وَلَوْ قَالَ مِنْ الْإِرْثِ لَكَانَ أَوْلَى .
( قَوْلُهُ مَقْضِيٌّ ) بِالرَّفْعِ فَاعِلُ خَلَا قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِهِ فَأُمُّ زَوْجَتِهِ يَصِحُّ لَهَا الْقَضَاءُ بِالْمَالِ وَغَيْرِهِ حَالَ حَيَاةِ زَوْجَتِهِ ، وَبَعْدَ مَوْتِ الزَّوْجَةِ يَصِحُّ فِيمَا لَمْ يَكُنْ مِيرَاثًا لَهُ عَنْ زَوْجَتِهِ ، وَلَا يَصِحُّ فِي الْمَوْرُوثِ لِاسْتِحْقَاقِ الْقَاضِي حِصَّةً مِنْهُ بِالْمِيرَاثِ مِنْ زَوْجَتِهِ وَقَضَاؤُهُ لِزَوْجَةِ أَبِيهِ كَذَلِكَ فِي حَالِ حَيَاةِ الْأَبِ يَصِحُّ مُطْلَقًا وَبَعْدَ مَوْتِهِ يُخَصُّ بِمَا لَا يَرِثُ مِنْهُ الْقَاضِي كَمَا إذَا ادَّعَتْ اسْتِحْقَاقًا فِي وَقْفٍ يَخُصُّهَا ا هـ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا أَيْضًا مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا كَانَتْ أُمُّ زَوْجَتِهِ الْمَقْضِيُّ لَهَا حَيَّةً وَإِلَّا كَانَ قَضَاءً لِزَوْجَتِهِ فِيمَا تَرِثُ مِنْهُ .
( قَوْلُهُ وَيَقْضِي إلَخْ ) فَاعِلُهُ قَوْلُهُ مُسْتَحِقٌّ قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ صُورَتُهَا : وَقَفَ عَلَى عُلَمَاءِ كَذَا وَسَلَّمَ لِلْمُتَوَلِّي فَادُّعِيَ فَسَادُ الْوَقْفِ بِسَبَبِ الشُّيُوعِ عِنْدَ قَاضٍ وَمِنْ أُولَئِكَ الْعُلَمَاءِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ ، وَكَذَا يَقْضِي فِيمَا هُوَ تَحْتَ نَظَرِهِ مِنْ الْأَوْقَافِ قَالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ وَقَوْلِي لِوَصْفِ الْقَضَاءِ وَالْعِلْمِ لِيُخْرِجَ مَا لَوْ كَانَ اسْتِحْقَاقُهُ لِذَاتِهِ لَا لِوَصْفٍ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى وَقْفٍ لِمَدْرَسَةٍ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ وَسَتَأْتِي فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
البحر الرائق شرح كنز الدقائق اقرأ →
كتاب الشهادات
الاختيار لتعليل المختار اقرأ →
413 كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
أَصْلُ الشَّهَادَةِ الْحُضُورُ ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ۝ الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ " أَيْ حَضَرَهَا ، وَيُقَالُ : فُلَانٌ شَهِدَ الْحَرْبَ وَقَضِيَّةَ كَذَا إِذَا حَضَرَهَا ، وَقَالَ :
إِذَا عَلِمُوا أَنِّي شَهِدْتُ وَغَابُوا .
أَيْ حَضَرْتُ وَلَمْ يَحْضُرُوا ، وَالشَّهِيدُ : الَّذِي حَضَرَهُ الْوَفَاةُ فِي الْغَزْوِ حَتَّى لَوْ مَضَى عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ وَهُوَ حَيٌّ لَا يُسَمَّى شَهِيدًا ؛ لَأَنَّ الْوَفَاةَ لَمْ تَحْضُرْهُ فِي الْغَزْوِ .
وَفِي الشَّرْعِ : الْإِخْبَارُ عَنْ أَمْرٍ حَضَرَهُ الشُّهُودُ وَشَاهَدُوهُ ، إِمَّا مُعَايَنَةً كَالْأَفْعَالِ نَحْوِ الْقَتْلِ وَالزِّنَا ، أَوْ سَمَاعًا كَالْعُقُودِ وَالْإِقْرَارَاتِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا بِمَا حَضَرَهُ وَعَلِمَهُ عِيَانًا أَوْ سَمَاعًا ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ حَتَّى يَذْكُرَ الْحَادِثَةَ ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ۝ إِنْ عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ " وَهِيَ حُجَّةٌ مُظْهِرَةٌ لِلْحَقِّ مَشْرُوعَةٌ ، قَالَ تَعَالَى : ( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ) وَقَالَ : ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ) وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ۝ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَلِكَ " وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ۝ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي " 414 وَالْبَيِّنَةُ : الشَّهَادَةُ بِالْإِجْمَاعِ ؛ وَلِأَنَّ فِيهَا إِحْيَاءَ حُقُوقِ النَّاسِ ، وَصَوْنَ الْعُقُودِ عَنِ التَّجَاحُدِ ، وَحِفْظَ الْأَمْوَالِ عَلَى أَرْبَابِهَا ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ۝ أَكْرِمُوا شُهُودَكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْتَخْرِجُ بِهُمُ الْحُقُوقَ " .
قَالَ : ( مَنْ تَعَيَّنَ لِتَحَمُّلِهَا لَا يَسَعُهُ أَنْ يَمْتَنِعَ إِذَا طُولِبَ ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيعِ الْحُقُوقِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ فَهُوَ مُخَيَّرٌ ، وَلَا بَأْسَ بِالتَّحَرُّزِ عَنِ التَّحَمُّلِ .
( فَإِذَا تَحَمَّلَهَا وَطُلِبَ لِأَدَائِهَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ) وَقَالَ تَعَالَى : ( وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) وَلِأَنَّهُ إِضَاعَةٌ لِحُقُوقِ النَّاسِ فَيَحْرُمُ الِامْتِنَاعُ .
( إِلَّا أَنْ يَقُومَ الْحَقُّ بِغَيْرِهِ ) بِأَنْ يَكُونَ فِي الصَّكِّ سِوَاهُ مَنْ يَقُومُ الْحَقُّ بِهِ فَيَجُوزُ لَهُ الِامْتِنَاعُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَضِيعُ بِامْتِنَاعِهِ ؛ وَلِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ ، وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمُدَّعِي ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهُ .
قَالَ : ( وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْحُدُودِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالسَّتْرِ ) لِأَنَّ إِقَامَةَ الْحُدُودِ حِسْبَةٌ ، وَالسَّتْرُ عَلَى الْمُسْلِمِ حِسْبَةٌ .
( وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ۝ مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَّنَ مَاعَزًّا الرُّجُوعَ وَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ سَتْرًا عَلَيْهِ ؛ لِئَلَّا يُرْجَمَ وَيُشْتَهَرَ ، وَكَفَى بِهِ قُدْوَةً وَكَذَلِكَ نُقِلَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ .
قَالَ : ( وَيَقُولُ فِي السَّرِقَةِ : أَخَذَ الْمَالَ ) إِحْيَاءً لِحَقِّ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ .
( وَلَا يَقُولُ : سَرَقَ ) إِقَامَةً لِحِسْبَةِ السَّتْرِ .
قَالَ : ( وَلَا يُقْبَلُ عَلَى الزِّنَا إِلَّا شَهَادَةُ أَرْبَعَةٍ مِنَ الرِّجَالِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ) 415 وَقَوْلُهُ : ( فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ) وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلَّذِي قَذَفَ زَوْجَتَهُ : ( ۝ ائْتِنِي بِأَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ وَإِلَّا فَضَرْبٌ فِي ظَهْرِكَ " .
قَالَ : ( وَبَاقِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ ) قَالَ تَعَالَى : ( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ) وَقَالَ تَعَالَى : ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ) وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ۝ شَاهَدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ " وَلَا تَقْبَلُ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ .
قَالَ الزُّهْرِيُّ : مَضَتِ السُّنَّةُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخَلِيفَتَيْنِ بَعْدَهُ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ .
قَالَ : ( وَمَا سِوَاهُمَا مِنَ الْحُقُوقِ تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ) قَالَ تَعَالَى : ( فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ) وَأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي سِيَاقِ الْمُدَايَنَاتِ بِالْأَجَلِ فَتُقْبَلُ فِيهَا . وَعَنْ عُمَرَ : " ۝ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَازَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي النِّكَاحِ " وَلِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ بِالْآيَةِ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهَا لِوُجُودِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْحِفْظِ وَالْأَدَاءِ كَالرَّجُلِ ، وَزِيَادَةُ النِّسْيَانِ تُجْبَرُ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ) بَقِيَ شُبْهَةُ الْبَدَلِيَّةِ ، فَلِهَذَا قُلْنَا لَا تُقْبَلُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ .
قَالَ : ( وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ كَالْوِلَادَةِ وَالْبَكَارَةُ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ۝ شَهَادَةُ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ " وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ 416 ثُبُوتِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَلَا يُمْكِنُ الرِّجَالَ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا النِّسَاءُ عَلَى الِانْفِرَادِ فَوَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِنَّ عَلَى الِانْفِرَادِ تَحْصِيلًا لِلْمَصْلَحَةِ ، وَتُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ ، لِمَا رُوِيَ ۝ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَبِلَ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْوِلَادَةِ ؛ وَلِأَنَّ مَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ النِّسَاءِ عَلَى الِانْفِرَادِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَدُ كَرِوَايَةِ الْأَخْبَارِ ، وَالثِّنْتَانِ أَحْوَطُ ، وَالثَّلَاثُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ، وَبِالْأَرْبَعِ يُخْرَجُ عَنِ الْخِلَافِ . وَأَحْكَامُ الشَّهَادَةِ فِي الْوِلَادَةِ تُعْرَفُ فِي الطَّلَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَأَمَّا الْبَكَارَةُ فَإِنَّ الْعِنِّينَ يُؤَجَّلُ سُنَّةً وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بَعْدَهَا إِذَا قُلْنَا إِنَّهَا بِكْرٌ ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ ؟ لَا يُشْتَرَطُ عِنْدَ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ ، وَيُشْتَرَطُ عِنْدَ مَشَايِخِ خُرَاسَانَ ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ حَقًّا عَلَى الْغَيْرِ فَكَانَتْ شَهَادَةً .
قَالَ : ( وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ فِي اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ دُونَ الْإِرْثِ ) أَمَّا الصَّلَاةُ فَبِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهَا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ ، وَأَمَّا الْإِرْثُ فَمَذْهَبُهُ . وَقَالَا : تُقْبَلُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَالَ صَوْتٌ يَكُونُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ ، وَتِلْكَ حَالَةٌ لَا يَحْضُرُهَا الرِّجَالُ ، فَدَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِنَّ لِمَا مَرَّ .
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُمْ سَمَاعُ صَوْتِهِ ، فَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّ ثُبُوتِ النَّسَبِ وَالْإِرْثِ وَالْمَهْرِ ، وَكَذَا لَا يُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ مَتَى ثَبَتَتْ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا زَوَالُ مِلْكِ النِّكَاحِ ، وَإِبْطَالُ الْمِلْكِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَهَادَةِ الرِّجَالِ ؛ وَلِأَنَّهُ مِمَّا يُمْكِنُ اطِّلَاعُ الرِّجَالِ عَلَيْهِ فَلَا ضَرُورَةَ .
قَالَ : ( وَلَا بُدَّ مِنَ الْعَدَالَةِ وَلَفْظَةُ الشَّهَادَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ ) أَمَّا الْعَدَالَةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ) وَقَالَ تَعَالَى : ( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ) وَالْفَاسِقُ لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ ؛ وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِقَوْلِ الشَّاهِدِ وَيُنَفِّذُهُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْحَاكِمِ الصِّدْقُ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْعَدَالَةِ ، إِلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا قَضَى بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ يَنْفُذُ عِنْدَنَا . وَأَمَّا لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَاسْتَشْهِدُوا ) فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي طَلَبِ الشَّهَادَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ 417 الْإِتْيَانُ بِلَفْظِهَا ؛ وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ أَلْفَاظِ الْيَمِينِ عَلَى مَا يَأْتِيكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَيْمَانِ ، فَيَكُونُ الِامْتِنَاعُ عَنْهَا عَلَى تَقْدِيرِ الْكَذِبِ أَكْثَرَ ؛ وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ يَنْفِي قَوْلَ الْإِنْسَانِ عَلَى الْغَيْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِلْزَامِهِ ، إِلَّا أَنَّا قَبِلْنَاهُ فِي مَوْضِعٍ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ ، وَأَنَّهُ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالشَّهَادَةِ . وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ ، وَلَا وِلَايَةَ لِلْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ فَكَيْفَ عَلَى غَيْرِهِ ؟ وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ) .
قَالَ . ( وَيُقْتَصَرُ فِي الْمُسْلِمِ عَلَى ظَاهِرِ عَدَالَتِهِ إِلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ، فَإِنْ طَعَنَ فِيهِ الْخَصْمُ سَأَلَ عَنْهُ . وَقَالَا : يَسْأَلُ عَنْهُمْ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ) وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : ( ۝ الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ " وَفِي كِتَابِ عُمَرَ : الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَحْدُودًا حَقًّا أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ قَرَابَةٍ ؛ وَلِأَنَّ الْعَدَالَةَ هِيَ الْأَصْلُ لِأَنَّهُ وُلِدَ غَيْرَ فَاسِقٍ ، وَالْفِسْقُ أَمْرٌ طَارِئٌ مَظْنُونٌ ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْأَصْلِ بِالظَّنِّ ، وَلَا يَلْزَمُ الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّاهِدِ الْعَدَالَةُ كَذَلِكَ الْأَصْلُ فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الْعَدَالَةُ ، وَالشَّاهِدُ وَصَفَهُ بِالزِّنَا وَالْقَتْلِ فَتَقَابَلَ الْأَصْلَانِ فَرَجَّحْنَا بِالْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ ؛ وَلِأَنَّ الْحُدُودَ مَبْنَاهَا عَلَى الْإِسْقَاطِ فَيُسْأَلُ عَنْهَا احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ . وَلَهُمَا أَنَّ الْحَاكِمَ يَجِبُ أَنْ يَحْتَاطَ فِي حُكْمِهِ صِيَانَةً لَهُ عَنِ النَّقْضِ وَذَلِكَ بِسُؤَالِ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ .
( وَلَوِ اكْتَفَى بِالسِّرِّ جَازَ ) .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ : لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَفْتَى فِي زَمَانٍ كَانَتِ الْعَدَالَةُ فِيهِ ظَاهِرَةً ، وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَدَّلَ أَهْلَهُ وَقَالَ : " ۝ خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ " وَاكْتَفَى بِتَعْدِيلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي زَمَنِهِمَا فَشَا الْكَذِبُ فَاحْتَاجَا 418 إِلَى السُّؤَالِ ، وَلَوْ كَانَا فِي زَمَانِهِ مَا سَأَلَا ، وَلَوْ كَانَ فِي زَمَنِهِمَا لَسَأَلَ ، فَلِهَذَا قُلْنَا : الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا ، وَلَقَدْ تَصَفَّحْتُ كَثِيرًا مِنْ كُتُبِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ فَمَا رَأَيْتُهُ رَجَّحَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلَ غَيْرِهِ إِلَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَإِنَّمَا رَجَّحَ قَوْلَهُمَا لِمَا رَأَى مِنْ فَسَادِ أَهْلِ الزَّمَانِ ، وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِمْ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ ، وَكَانَ يَقُولُ : يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يُنَقِّبَ عَنْ أَحْوَالِ الشُّهُودِ فِي كُلِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَطْرَأُ عَلَى الشَّاهِدِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ : ( وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ الْمُزَكِّي هُوَ عَدْلٌ جَائِزُ الشَّهَادَةِ ) لِأَنَّ الْعَبْدَ عَدْلٌ غَيْرُ جَائِزِ الشَّهَادَةِ; وَقِيلَ يَكْتَفِي بِقَوْلِهِ هُوَ عَدْلٌ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْحُرِّيَّةُ تَبَعًا لِلدَّارِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا عِنْدَهُ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ ، وَقَدْ كَانُوا يَكْتَفُونَ بِتَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ ، ثُمَّ انْضَمَّ إِلَيْهَا تَزْكِيَةُ السِّرِّ فِي زَمَانِنَا لِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ ، ثُمَّ قِيلَ يَكْتَفِي بِتَزْكِيَةِ السِّرِّ تَحَرُّزًا عَنِ الْفِتْنَةِ . قَالَ مُحَمَّدٌ : تَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ ، ثُمَّ لَا بُدَّ فِي تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمُزَكِّي وَالشَّاهِدِ لِتَنْتَفِيَ شُبْهَةُ تَعْدِيلِ غَيْرِهِ . وَتَزْكِيَةُ السِّرِّ أَنْ يَبْعَثَ رُقْعَةً مَخْتُومَةً إِلَى الْمُزَكِّي فِيهَا اسْمُ الشَّاهِدِ وَنَسَبُهُ وَحِلْيَتُهُ وَمُصَلَّاهُ ، وَيَرُدُّهَا الْمُزَكِّي كَذَلِكَ سِرًّا ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَخْتَارَ لِلْمَسْأَلَةِ عَنِ الشُّهُودِ أَوْثَقَ النَّاسِ وَأَوْرَعَهُمْ دِيَانَةً وَأَعْظَمَهُمْ أَمَانَةً وَأَكْثَرَهُمْ بِالنَّاسِ خِبْرَةً وَأَعْلَمَهُمْ بِالتَّمْيِيزِ ، غَيْرَ مَعْرُوفِينَ بَيْنَ النَّاسِ لِئَلَّا يُقْصَدُوا بِسُوءٍ أَوْ يُخْدَعُوا ، وَيَنْبَغِي لِلْمُزَكِّي أَنْ يَسْأَلَ عَنْ أَحْوَالِ الشُّهُودِ وَيَتَعَرَّفَهَا مِنْ جِيرَانِهِمْ وَأَهْلِ سُوقِهِمْ ، فَإِنْ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُمْ عِنْدَهُ كَتَبَ ذَلِكَ فِي آخِرِ الرُّقْعَةِ : هُوَ عَدْلٌ عِنْدِي جَائِزُ الشَّهَادَةِ ، وَإِلَّا كَتَبَ إِنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ وَخَتَمَ الرُّقْعَةَ وَرَدَّهَا ، فَيَقُولُ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي زِدْ فِي شُهُودِكَ وَلَا يَقُولُ جُرِحُوا ، وَيُقْبَلُ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ قَوْلُ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَكُلِّ ذِي رَحِمٍ وَالْعَبْدِ وَالْأَعْمَى وَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ ؛ لِأَنَّهَا أَخْبَارٌ ، خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فَإِنَّهَا شَهَادَةٌ عِنْدَهُ ، بِخِلَافِ تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ فَإِنَّهَا شَهَادَةٌ بِالْإِجْمَاعِ . وَالشُّهُودُ الْكُفَّارُ يُعَدِّلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُمُ الْمُسْلِمُونَ سَأَلَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ عُدُولِ الْمُشْرِكِينَ ، ثُمَّ يَسْأَلُ أُولَئِكَ عَنِ الشُّهُودِ .
قَالَ : ( وَلَا تُقْبَلُ تَزْكِيَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ) وَمَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ هُمْ عُدُولٌ إِلَّا أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا أَوْ نَسُوا ، أَمَّا لَوْ قَالَ صَدَقُوا أَوْ هُمْ عُدُولُ صَدَّقَهُ فَقَدِ اعْتَرَفَ بِالْحَقِّ فَيَقْضِي بِإِقْرَارِهِ لَا بِالْبَيِّنَةِ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ عِنْدَ 419 الْجُحُودِ; وَقِيلَ يَجُوزُ تَعْدِيلُهُ . وَوَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ وَالشُّهُودَ يَزْعُمُونَهُ كَاذِبًا فِي إِنْكَارِهِ مُبْطِلًا فِي جُحُودِهِ فَلَا يَصْلُحُ مُزَكِّيًا .
قَالَ : ( وَتَكْفِي تَزْكِيَةُ الْوَاحِدِ ) وَعَنْ مُحَمَّدٍ اثْنَيْنِ وَهُوَ أَوْلَى ، وَكَذَلِكَ الْمُتَرْجِمُ وَرَسُولُ الْقَاضِي إِلَى الْمُزَكِّينَ . لِمُحَمَّدٍ أَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي مَبْنِيٌّ عَلَى الْعَدَالَةِ وَذَلِكَ بِالتَّزْكِيَةِ ، فَيُشْتَرَطُ الْإِتْيَانُ كَالشَّهَادَةِ ، وَيُشْتَرَطُ عِنْدَهُ ذُكُورَةُ الْمُزَكِّي فِي الْحُدُودِ وَالْأَرْبَعَةُ فِي شُهُودِ الزِّنَا لِمَا بَيَّنَّا . وَلَهُمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ حَتَّى لَا يُشْتَرَطَ فِيهَا لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ وَمَجْلِسُ الْحُكْمِ ، وَاشْتِرَاطُ الْعَدَدِ فِي الشَّهَادَةِ تَعْبُّدِيٌّ فَلَا يَتَعَدَّاهَا .

المالكية

المدونة اقرأ →
18 كِتَابُ الشَّهَادَاتِ فِي شَهَادَةِ الْأَجِيرِ قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ : أَرَأَيْتَ الْأَجِيرَ ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ ؟ قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ هُوَ فِي عِيَالِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إلَّا أَنْ يَكُونَ أَجِيرًا لَا يَكُون فِي عِيَالِهِ وَلَا فِي مُؤْنَتِهِ .
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَرِّزًا فِي الْعَدَالَةِ . وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَإِذَا كَانَ الْأَجِيرُ فِي عِيَالِهِ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ .
قَالَ سَحْنُونٌ : وَإِنَّمَا رَدَدْتُ شَهَادَتَهُ إذَا كَانَ فِي عِيَالِهِ ; لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَيْهِ وَجَرُّهُ إلَيْهِ جَرٌّ إلَى نَفْسِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَخَ إذَا كَانَ فِي عِيَالِ أَخِيهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لِجَرِّهِ إلَيْهِ ، وَجَرُّهُ إلَيْهِ جَرٌّ إلَى نَفْسِهِ . فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ وَكَانَ مُبَرِّزًا فِي حَالِهِ ، جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ فِي الْأَمْوَالِ وَالتَّعْدِيلِ . وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ وَلَا جَارٍ إلَى نَفْسِهِ } أَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا أُجِيزَ شَهَادَةَ الْقَرِيبِ وَلَا الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ ، وَلَا الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ ، وَلَا الْخَصْمِ وَلَا دَافِعِ الْمَغْرَمِ .
الذخيرة اقرأ →
كتاب الشهادات

الشافعية

تحفة المحتاج في شرح المنهاج اقرأ →
حاشية ابن قاسم
( بَابُ الْقِسْمَةِ ) .
( قَوْلُهُ : مِنْ الْمُتَمَاثِلِ فَقَطْ ) رَاجِعٌ لِمَا قَبْلَ كَلَامِ الْقَفَّالِ أَيْضًا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْقُوتِ وَعِبَارَتُهُ إذَا قُلْنَا الْقِسْمَةُ إفْرَازٌ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِأَخْذِ حِصَّتِهِ مِنْ الثِّمَارِ كَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ بِخِلَافِ مَا تَخْتَلِفُ أَجْزَاؤُهُ كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَفْتَقِرُ إلَى اجْتِهَادٍ فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ وَإِنْ أَذِنَ الشَّرِيكُ 194 ا هـ ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا قَالَهُ الْقَفَّالُ ( قَوْلُهُ : عُذْرًا فِي تَمَكُّنِهِ مِنْهُ ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مَا نَصُّهُ : وَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ شَارَكَهُ فِيمَا قَبَضَهُ . ا هـ . وَسَنَذْكُرُ عِبَارَةَ الرَّوْضِ وَشَرْحَهُ بِهَامِشِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَلَوْ ادَّعَتْ وَرَثَةٌ مَالًا لِمُوَرِّثِهِمْ ( قَوْلُهُ : كَامْتِنَاعِهِ )
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج اقرأ →
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ جَمْعُ شَهَادَةٍ وَهِيَ إخْبَارٌ عَنْ شَيْءٍ بِلَفْظٍ خَاصٍّ . وَالْأَصْلُ فِيهَا آيَاتٌ كَآيَةِ { وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ } وَأَخْبَارٌ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ { ۝ لَيْسَ لَك إلَّا شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ }
روضة الطالبين وعمدة المفتين اقرأ →
كتاب الشهادات

الحنابلة

المغني اقرأ →
154 كِتَابُ الشَّهَادَاتِ وَالْأَصْلُ فِي الشَّهَادَاتِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْعِبْرَةُ ; أَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } . وَقَالَ تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } . { وَأُشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } .
وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حَجَرٍ ، قَالَ : { ۝ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْت ، وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي . فَقَالَ الْكِنْدِيُّ : هِيَ أَرْضِي ، وَفِي يَدِي ، وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ . قَالَ : لَا . قَالَ : فَلَكَ يَمِينُهُ . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الرَّجُلُ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ . قَالَ : لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ . قَالَ : فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ لِيَحْلِفَ لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَدْبَرَ : لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا ، لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ } . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَزْرَمِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ ، وَالْعَزْرَمِيُّ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ ، ضَعَّفَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ ، إلَّا أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ أَجْمَعُوا عَلَى هَذَا . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ . وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى الشَّهَادَةِ لِحُصُولِ التَّجَاحُدِ بَيْنَ النَّاسِ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهَا . قَالَ شُرَيْحٌ : الْقَضَاءُ جَمْرٌ ، فَنَحِّهِ عَنْك بِعُودَيْنِ . يَعْنِي الشَّاهِدَيْنِ . وَإِنَّمَا الْخَصْمُ دَاءٌ ، وَالشُّهُودُ شِفَاءٌ ، فَأُفْرِغْ الشِّفَاءَ عَلَى الدَّاءِ .
كشاف القناع عن متن الإقناع اقرأ →
( كِتَابُ الشَّهَادَاتِ ) ( وَاحِدُهَا شَهَادَةٌ ) مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ لِأَنَّ الشَّاهِدَ يُخْبِرُ عَمَّا شَاهَدَهُ يُقَالُ شَهِدَ الشَّيْءُ إذَا دَامَ قِيلَ لِمَحْضَرِ النَّاسِ مَشْهَدَ لِمُشَاهَدَتِهِمْ فِيهِ مَا يَحْضُرُهُمْ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } أَيْ عَلِمَهُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ أَوْ إخْبَارِ مَنْ رَآهُ وَالْأَصْلُ فِيهَا الْإِجْمَاعُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } الْآيَةُ وَقَوْلُهُ { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ } وَنَحْوُهُ مِمَّا سَبَقَ مُفَصَّلًا وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ لِحُصُولِ التَّجَاحُدِ قَالَ شُرَيْحٌ الْقَضَاءُ جَمْرٌ فَنَحِّهِ عَنْكَ بِعُودَيْنِ يَعْنِي الشَّاهِدَيْنِ وَإِنَّمَا الْخَصْمُ دَاءٌ وَالشُّهُود شِفَاءٌ فَأَفْرِغْ الشِّفَاءَ عَلَى الدَّاءِ ( تُطْلَقُ ) الشَّهَادَةُ ( عَلَى التَّحَمُّلِ وَ ) عَلَى ( الْأَدَاءِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } .
وَقَالَ : { وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ } الْآيَةَ وَإِنَّمَا خُصَّ الْقَلْبُ بِالْإِثْمِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْعِلْمِ بِهَا ( وَهِيَ ) أَيْ الشَّهَادَةُ ( حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ تُظْهِرُ ) أَيْ تُبَيِّنُ ( الْحَقَّ ) الْمُدَّعَى بِهِ ( وَلَا تُوجِبُهُ ) بَلْ الْقَاضِي يُوجِبُهُ بِهَا ( وَهِيَ ) أَيْ الشَّهَادَةُ وَلَوْ عَطَفَهُ بِالْفَاءِ لَكَانَ أَنْسَبَ ( الْإِخْبَارُ بِمَا عَلِمَهُ بِلَفْظٍ خَاصٍّ ) وَهُوَ أَشْهَدُ أَوْ شَهِدْتُ بِكَذَا .
شرح منتهى الإرادات اقرأ →
574 - 575 كِتَابُ الشَّهَادَاتِ ( وَاحِدُهَا شَهَادَةٌ ) مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْمَشَاهِدِ لِإِخْبَارِ الشَّاهِدِ عَمَّا يُشَاهِدُهُ يُقَالُ : شَهِدَ الشَّيْءَ إذَا رَآهُ ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لِمَحْضَرِ النَّاسِ مَشْهَدٌ ; لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ فِيهِ مَا يَحْضُرُونَهُ وقَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } أَيْ عَلِمَهُ بِرُؤْيَةِ هِلَالَهُ أَوْ إخْبَارِ مَنْ رَآهُ وَنَحْوَهُ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ الشَّهَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } الْآيَةَ ، وَقَوْلِهِ { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } وَقَوْلِهِ { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } ، وَلِحَدِيثِ " { ۝ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ } " وَتَقَدَّمَ وَغَيْرُهُ ، وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا لِحُصُولِ التَّجَاحُدِ قَالَ شُرَيْحٌ : الْقَضَاءُ جَمْرٌ فَنَحِّهِ عَنْكَ بِعُودَيْنِ يَعْنِي الشَّاهِدَيْنِ ، وَإِنَّمَا الْخَصْمُ دَاءٌ وَالشُّهُودُ شِفَاءٌ فَأَفْرِغْ الشِّفَاءَ عَلَى الدَّاءِ ، ( وَهِيَ ) أَيْ الشَّهَادَةُ لَهُ ( حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ ) لِمَا تَقَدَّمَ ( تُظْهِرُ الْحَقَّ ) الْمُدَّعَى بِهِ أَيْ تُبَيِّنُهُ ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ بَيِّنَةً ( وَلَا تُوجِبُهُ ) أَيْ الْحَقَّ بَلْ الْحَاكِمُ يُلْزِمُهُ بِهِ بِشَرْطِهِ ، ( فَهِيَ ) أَيْ الشَّهَادَةُ بِمَعْنَى الْأَدَاءِ ( الْإِخْبَارُ بِمَا عَلِمَهُ ) الشَّاهِدُ ( بِلَفْظٍ خَاصٍّ ) كَشَهِدْتُ أَوْ أَشْهَدُ وَيَأْتِي
الإنصاف اقرأ →
كتاب الشهادات
الفروع اقرأ →
548 ( كِتَابُ الشَّهَادَاتِ )
( مَسْأَلَةٌ 1 ) قَوْلُهُ : " وَإِذَا وَجَبَ تَحَمُّلُهَا فَفِي وُجُوبِ كِتَابَتِهَا لِتُحْفَظَ وَجْهَانِ " ، انْتَهَى :
( أَحَدُهُمَا ) يَجِبُ ( قُلْت ) وَهُوَ الصَّوَابُ ، لِلِاحْتِيَاطِ ، ثُمَّ وَجَدْت صَاحِبَ الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قَدَّمَهُ فِي أَوَائِلِ بَقِيَّةِ الشَّهَادَاتِ ، وَنُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : يَكْتُبُهَا إذَا كَانَ رَدِيءَ الْحِفْظِ ، فَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا يَجِبُ ، وَلَعَلَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِكَثْرَةِ النِّسْيَانِ .
المبدع في شرح المقنع اقرأ →
كتاب الشهادات
المبدع في شرح المقنع اقرأ →
كتاب الشهادات

الظاهرية

المحلى بالآثار اقرأ →
472 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ 1789 - مَسْأَلَةٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إلَّا عَدْلٌ رَضِيٌّ .
وَالْعَدْلُ : هُوَ مَنْ لَمْ تُعْرَفْ لَهُ كَبِيرَةٌ ، وَلَا مُجَاهَرَةٌ بِصَغِيرَةٍ .
وَالْكَبِيرَةُ : هِيَ مَا سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبِيرَةً ، أَوْ مَا جَاءَ فِيهِ الْوَعِيدُ .
وَالصَّغِيرَةُ : مَا لَمْ يَأْتِ فِيهِ وَعِيدٌ .
بُرْهَانُ ذَلِكَ - : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } .
وَلَيْسَ إلَّا فَاسِقٌ أَوْ غَيْرُ فَاسِقٍ ، فَالْفَاسِقُ : هُوَ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْفِسْقُ ، وَالْكَبَائِرُ كُلُّهَا فُسُوقٌ - فَسَقَطَ قَبُولُ خَبَرِ الْفَاسِقِ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْعَدْلُ : وَهُوَ مَنْ لَيْسَ بِفَاسِقٍ .
وَأَمَّا الصَّغَائِرُ : فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : { إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } .
فَصَحَّ : أَنَّ مَا دُونَ الْكَبَائِرِ مُكَفَّرَةٌ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ ، وَمَا كَفَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَسْقَطَهُ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَذُمَّ بِهِ صَاحِبَهُ وَلَا أَنْ يَصِفَهُ بِهِ .
وَكَذَلِكَ مَنْ تَابَ مِنْ الْكُفْرِ فَمَا دُونَهُ فَإِنَّهُ إذَا سَقَطَ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ مَا تَابَ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَذُمَّهُ بِمَا سَقَطَ عَنْهُ ، وَلَا أَنْ يَصِفَهُ بِهِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا - : 473
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : كُلُّ مُسْلِمٍ فَهُوَ عَدْلٌ حَتَّى يَثْبُتَ عَلَيْهِ الْفِسْقُ - : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ : نا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ : نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ إلَى أَبِي مُوسَى : الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ ، أَوْ مَجْلُودًا فِي حَدٍّ ، أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ ، أَوْ قَرَابَةٍ .
وَحَدَّثَنَاهُ أَيْضًا : أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ الْعُذُرِيُّ قَالَ : نا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْفَارِسِيُّ قَالَ : نا أَبُو ذَرٍّ : نا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَاضِي السِّجِسْتَانِيُّ نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ نا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْوَلِيدِ بْنُ مَعْدَانَ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى فَذَكَرَهُ كَمَا هُوَ - وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْفَارِسِيُّ : نا الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَرْخِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَّافُ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ نا سُفْيَانُ عَنْ إدْرِيسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَوْدِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، فَذَكَرَهُ كَمَا أَوْرَدْنَاهُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَسَانِيدِ " وَقِسْ الْأُمُورَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ " وَفِي بَعْضِهَا " وَاعْرِفْ الْأَشْبَاهَ وَالْأَمْثَالَ " وَعَلَيْهَا عَوَّلَ الْحَنَفِيُّونَ ، وَالْمَالِكِيُّونَ ، وَالشَّافِعِيُّونَ ، فِي الْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ ، ثُمَّ لَمْ يُبَالُوا بِخِلَافِهَا فِي أَنَّ " الْمُسْلِمِينَ عُدُولٌ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، إلَّا مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ ، أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ ، أَوْ قَرَابَةٍ " .
فَالْمَالِكِيُّونَ ، وَالشَّافِعِيُّونَ : مُجَاهِرُونَ بِخِلَافِ هَذَا ، وَالْمُسْلِمُونَ عِنْدَهُمْ عَلَى الرَّدِّ حَتَّى تَصِحَّ الْعَدَالَةُ .
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ : فَالْمُسْلِمُونَ عِنْدَهُ عَلَى الْعَدَالَةِ حَتَّى يَطْعَنَ الْخَصْمُ فِي الشَّاهِدِ فَإِذَا طَعَنَ فِيهِ الْخَصْمُ تَوَقَّفَ فِي شَهَادَتِهِ حَتَّى تَثْبُتَ لَهُ الْعَدَالَةُ .
فَهَذَا كُلُّهُ بِخِلَافِ قَوْلِ عُمَرَ ، فَمَرَّةً قَوْلُهُ حُجَّةٌ ، وَمَرَّةً قَوْلُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، وَهَذَا كَمَا تَرَى ، فَإِنْ قِيلَ : قَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا الْأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : الْعَدْلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ .
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ : نا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ - هُوَ أَبُو الْيَمَانِ - نا شُعَيْبُ - هُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ 474 عَنْ الزُّهْرِيِّ نا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : إنَّ نَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ ، وَلَيْسَ لَنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ ، وَاَللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ ، وَإِنْ قَالَ : إنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ .
قُلْنَا : هَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْ عُمَرَ ، وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ فَمُتَّفَقٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ فَهُوَ عَدْلٌ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَرٌّ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ ، وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ عُمَرَ قِيلَ لَهُ : إنَّ شَهَادَةَ الزُّورِ قَدْ فَشَتْ ؟ فَقَالَ : لَا يُوسَرُ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْعُدُولِ : مَعْنَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ : أَنَّ الْعُدُولَ هُمْ الْمُسْلِمُونَ إلَّا مَنْ صَحَّتْ عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ .
حَدَّثَنَا بِذَلِكَ حُمَامٌ عَنْ الْبَاجِيَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَلَّا لَا يُوسَرُ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ بِشُهُودِ الزُّورِ ، فَإِنَّا لَا نَقْبَلُ إلَّا الْعُدُولَ .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : نا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يُصِبْ حُرًّا أَوْ تُعْلَمْ عَلَيْهِ خَرَبَةٌ فِي دِينِهِ .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ عَوْفٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ شَهَادَةَ مَنْ صَلَّى إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْخَصْمُ بِمَا يُجَرِّحُهُ بِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : قَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ لَا يَجُوزُ فِي الطَّلَاقِ شَهَادَةُ ظَنِينٍ وَلَا مُتَّهَمٍ .
قُلْنَا : قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَصَّ الطَّلَاقَ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ : { إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } فَلَمْ يَجُزْ فِي الطَّلَاقِ بِالنَّصِّ إلَّا مَنْ عُرِفَ لَا مَنْ يُتَّهَمُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : احْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ عُدُولٌ حَتَّى تَصِحَّ الْجُرْحَةُ : بِأَنَّهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ جُرْحَةٍ ، فَلَمَّا بَلَغَ مُسْلِمًا ، فَالْإِسْلَامُ خَيْرٌ ، بَلْ هُوَ جَامِعٌ لِكُلِّ خَيْرٍ فَقَدْ صَحَّ مِنْهُ الْخَيْرُ ، فَهُوَ عَدْلٌ حَتَّى يُوقَنَ مِنْهُ بِضِدِّ ذَلِكَ . 475
فَقُلْنَا : إذَا بَلَغَ الْمُسْلِمُ فَقَدْ صَارَ فِي نِصَابِ مَنْ يُكْتَبُ لَهُ الْخَيْرُ ، وَيُكْتَبُ عَلَيْهِ الشَّرُّ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ سَلِمَ مِنْ ذَنْبٍ .
قَالَ تَعَالَى : { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ } .
فَصَحَّ : أَنَّهُ لَا أَحَدَ إلَّا وَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَاكْتَسَبَ إثْمًا ، فَإِذْ قَدْ صَحَّ هَذَا وَلَا بُدَّ ، فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوَقُّفِ فِي خَبَرِهِ وَشَهَادَتِهِ حَتَّى يُعْلَمَ أَيْنَ أَحَلَّتْهُ ذُنُوبُهُ فِي جُمْلَةِ الْفَاسِقِينَ : فَتَسْقُطُ شَهَادَتُهُ بِنَصِّ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى : { إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } أَمْ فِي جُمْلَةِ الْمَغْفُورِ لَهُمْ مَا أَذْنَبُوا ، وَمَا ظَلَمُوا فِيهِ أَنْفُسَهُمْ ، وَمَا كَسَبُوا مِنْ إثْمٍ بِالتَّوْبَةِ ، أَوْ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ ، وَالتَّسَتُّرِ بِالصَّغَائِرِ : بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : مَنْ سَلِمَ مِنْ الْفَوَاحِشِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الْحُدُودُ وَمَا يُشْبِهُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْحُدُودُ مِنْ الْعَظَائِمِ ، وَكَانَ يُؤَدِّي الْفَرَائِضَ ، وَأَخْلَاقُ الْبِرِّ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ الْمَعَاصِي : قَبِلْنَا شَهَادَتَهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ عَبْدٌ مِنْ ذَنْبٍ .
وَإِنْ كَانَتْ الْمَعَاصِي أَكْثَرَ مِنْ أَخْلَاقِ الْبِرِّ رَدَدْنَا شَهَادَتَهُ .
وَلَا نُجِيزُ شَهَادَةَ مَنْ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَيُقَامِرُ عَلَيْهَا .
وَلَا مَنْ يَلْعَبُ بِالْحَمَامِ وَيُطَيِّرُهَا .
وَلَا مَنْ يُكْثِرُ الْحَلِفَ بِالْكَذِبِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ ; لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى كَثْرَةِ الْخَيْرِ وَكَثْرَةِ الشَّرِّ - وَهَذَا بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ زِنًى مَرَّةً فَهُوَ فَاسِقٌ حَتَّى يَتُوبَ .
ثُمَّ رَدَّ الشَّهَادَةَ بِاللَّعِبِ بِالْحَمَامِ - وَمَا نَدْرِي ذَلِكَ مُحَرَّمًا مَا لَمْ يَسْرِقْ حَمَامَ النَّاسِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا كَانَ الْأَغْلَبُ وَالْأَظْهَرُ مِنْ أَمْرِهِ الطَّاعَةَ وَالْمُرُوءَةَ : قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، وَإِذَا كَانَ الْأَغْلَبُ مِنْ أَمْرِهِ الْمَعْصِيَةَ ، وَخِلَافَ الْمُرُوءَةِ : رُدَّتْ شَهَادَتُهُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِذِكْرِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ ، وَأَمَّا ذِكْرُهُ الْمُرُوءَةَ هَاهُنَا فَفُضُولٌ مِنْ الْقَوْلِ وَفَسَادٌ فِي الْقَضِيَّةِ ; لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ مِنْ الطَّاعَةِ فَالطَّاعَةُ تُغْنِي 476 عَنْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ مِنْ الطَّاعَةِ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا فِي أُمُورِ الدِّيَانَةِ ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصُّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهُ : مَنْ كَانَ أَكْثَرُ أَمْرِهِ الطَّاعَةَ وَلَمْ يُقْدِمْ عَلَى كَبِيرَةٍ فَهُوَ عَدْلٌ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابِنَا ، وَهُوَ الْحَقُّ كَمَا بَيَّنَّا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .