الجزية
الحكم في المهادنين والمعاهدين وما أتلف من خمرهم وخنازيرهم وما يحل منه وما يردالمهادنة على النظر للمسلمين ونقض ما لا يجوز من الصلح
الحنفية
فتح القدير
اقرأ →
( بَابُ الْجِزْيَةِ ) . هَذَا هُوَ الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْخَرَاجِ ، وَقُدِّمَ الْأَوَّلُ لِقُوَّتِهِ ، إذْ يَجِبُ أَسْلَمُوا أَوْ لَمْ يُسْلِمُوا ، بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ 44 لَا يُلْزَمُونَ بِهَا إلَّا إذَا لَمْ يُسْلِمُوا ; وَلِأَنَّهُ حَقِيقَةُ الْخَرَاجِ ; لِأَنَّهُ إذَا أُطْلِقَ الْخَرَاجُ فَإِنَّمَا يَتَبَادَرُ خَرَاجُ الْأَرْضِ ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْجِزْيَةِ إلَّا مُقَيَّدًا فَيُقَالُ خَرَاجُ الرَّأْسِ ، وَعَلَامَةُ الْمَجَازِ لُزُومُ التَّقْيِيدِ ، وَتُجْمَعُ الْجِزْيَةُ عَلَى جِزَى كَلِحْيَةٍ وَلِحَى وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْجَزَاءُ ، وَإِنَّمَا بُنِيَتْ عَلَى فِعْلَةٍ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْهَيْئَةِ وَهِيَ هَيْئَةُ الْإِذْلَالِ عِنْدَ الْإِعْطَاءِ عَلَى مَا سَيُعْرَفُ ( وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : جِزْيَةٌ تُوضَعُ بِالتَّرَاضِي وَالصُّلْحِ ) عَلَيْهَا ( فَتَتَقَدَّرُ بِحَسَبِ مَا عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ ) فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ تَحَرُّزًا عَنْ الْغَدْرِ ، وَأَصْلُهُ { صُلْحُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ نَجْرَانَ وَهُمْ قَوْمٌ نَصَارَى بِقُرْبِ الْيَمَنِ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ فِي الْعَامِ } عَلَى مَا فِي أَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : { صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ ، النِّصْفُ فِي صَفَرٍ ، وَالنِّصْفُ فِي رَجَبٍ } انْتَهَى . وَصَالَحَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ عَلَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمَالِ الْوَاجِبِ ، فَلَزِمَ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي الزَّكَاةِ .
هَذَا ، وَقَدْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى أَهْلِ نَجْرَانَ بَعْدَ أَنْ قَالَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ كُلُّ حُلَّةٍ أُوقِيَّةٌ : يَعْنِي قِيمَتَهَا أُوقِيَّةٌ ، وَقَوْلُ الْوَلْوَالِجِيِّ : كُلُّ حُلَّةٍ خَمْسُونَ دِرْهَمًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْأُوقِيَّةَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ، وَالْحُلَّةُ ثَوْبَانِ إزَارٌ وَرِدَاءٌ ، وَتُعْتَبَرُ هَذِهِ الْحُلَلُ فِي مُقَابَلَةِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ رُءُوسِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ . قَالَ أَبُو يُوسُفَ : أَلْفَا حُلَّةٍ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ وَعَلَى جِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ تُقَسَّمُ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا ، وَعَلَى كُلِّ أَرْضٍ مِنْ أَرَاضِي نَجْرَانَ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ بَاعَ أَرْضَهُ أَوْ بَعْضَهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ تَغْلِبِيٍّ ، وَالْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي أَرَاضِيِهِمْ ، وَأَمَّا جِزْيَةُ رُءُوسِهِمْ فَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ا هـ .
يَعْنِي أَنَّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ يُؤْخَذُ سَوَاءٌ بَاعَ بَعْضُهُمْ أَرْضَهُ أَوْ لَمْ يَبِعْ ، ثُمَّ إذَا بَاعَ أَرْضَهُ يُؤْخَذُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ عَلَى حَالِهِ ، وَيُؤْخَذُ الْخَرَاجُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْمُسْلِمِ وَعُشْرَانِ مِنْ التَّغْلِبِيِّ الْمُشْتَرِي . وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَلْفٍ وَمِائَتَيْ حُلَّةٍ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَكَذَا قَوْلُهُ بَنِي نَجْرَانَ ، فَإِنَّ نَجْرَانَ اسْمُ أَرْضٍ مِنْ حَيِّزِ الْيَمَنِ لَا اسْمُ أَبِي قَبِيلَةٍ ، فَلِذَا كَانَ الثَّابِتُ 45 فِي الْحَدِيثِ أَهْلُ نَجْرَانَ ( وَ ) الضَّرْبُ الثَّانِي ( جِزْيَةٌ يَبْتَدِئ الْإِمَامُ بِتَوْظِيفِهَا إذَا غَلَبَ عَلَى الْكُفَّارِ ) فَفَتَحَ بِلَادَهُمْ ( وَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ ) فَهَذِهِ مُقَدَّرَةٌ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ شَاءُوا أَوْ أَبَوْا اسْتَرَقَّ أَوْ لَمْ يَرْضَوْا ( فَيَضَعُ عَلَى الْغَنِيِّ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ) بِوَزْنِ سَبْعَةٍ ( يَأْخُذُ مِنْ أَحَدِهِمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ ، وَعَلَى أَوْسَطِ الْحَالِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمَيْنِ ، وَعَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمًا ) وَاحِدًا ( وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَضَعُ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ ) أَيْ بَالِغٍ ( دِينَارًا ) أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا . وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِهِمْ : الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا . وَالدِّينَارُ فِي الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ بِعَشَرَةٍ إلَّا فِي الْجِزْيَةِ فَإِنَّهُ يُقَابَلُ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا ; لِأَنَّ عُمَرَ قَضَى بِذَلِكَ .
وَعِنْدَ عَامَّةِ أَصْحَابِهِمْ لَا يُعْتَبَرُ الدِّينَارُ إلَّا بِالسِّعْرِ وَالْقِيمَةِ . وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُمَاكِسَهُمْ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْ الْمُتَوَسِّطِ دِينَارَيْنِ وَمِنْ الْغَنِيِّ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ . وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : يُؤْخَذُ مِنْ الْغَنِيِّ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ ، وَمِنْ الْفَقِيرِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ دِينَارٌ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ : هِيَ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ ، بَلْ تُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ { ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَ مُعَاذًا بِأَخْذِ الدِّينَارِ ، وَصَالَحَ هُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَصَارَى نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ } وَعُمَرُ جَعَلَ الْجِزْيَةَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ كَمَا هُوَ قَوْلُنَا ، وَصَالَحَ بَنِي تَغْلِبَ عَلَى ضِعْفِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِيهَا بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ بَلْ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ حَتَّى لَوْ نَقَصَ عَنْ الدِّينَارِ جَازَ . وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ أُخْرَيَانِ : إحْدَاهُمَا كَقَوْلِنَا ، وَالْأُخْرَى كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ .
وَجْهُ قَوْلِهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ { عَنْ مُعَاذٍ قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيَّ الْيَمَنِ وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً ، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً ، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ ، مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ } . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا قَالَ : وَهُوَ أَصَحُّ . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ فَهَذَا كَمَا تَرَى لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْحَالِمَةِ . وَفِي مُسْنَدِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى أَنْ قَالَ : وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ أَوْ حَالِمَةٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ } . وَكَانَ مَعْمَرٌ يَقُولُ : هَذَا غَلَطٌ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ شَيْءٌ وَفِيهِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ فِيهَا ذِكْرُ 46 الْحَالِمَةِ .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَا نَرَى مَنْسُوخٌ ، إذْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَوِلْدَانُهُمْ يُقْتَلُونَ مَعَ رِجَالِهِمْ ، وَيُسْتَضَاءُ لِذَلِكَ بِمَا رَوَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ { أَنَّ خَيْلًا أَصَابَتْ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ } . ثُمَّ أَسْنَدَ أَبُو عُبَيْدٍ { عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ قَالَ : سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ أَنَقْتُلُهُمْ مَعَهُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ ، ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِهِمْ يَوْمَ خَيْبَرَ } . وَالْعَدْلُ بِالْفَتْحِ الْمِثْلُ مِنْ خِلَافِ الْجِنْسِ وَبِالْكَسْرِ الْمِثْلُ مِنْ الْجِنْسِ . وَالْمَعَافِرِيُّ ثَوْبٌ مَنْسُوبٌ إلَى مَعَافِرَ بَنِي مُرَّةً ثُمَّ صَارَ اسْمًا لِلثَّوْبِ بِلَا نِسْبَةٍ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْرِبِ . وَفِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ : مَعَافِرُ حَيٌّ مِنْ هَمْدَانَ تُنْسَبُ إلَيْهِ هَذِهِ الثِّيَابُ الْمَعَافِرِيَّةُ . وَهَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَارِسٍ فِي الْمُجْمَلِ . وَفِي الْجَمْهَرَةِ لِابْنِ دُرَيْدٍ : الْمَعَافِرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ تُنْسَبُ إلَيْهِ الثِّيَابُ الْمَعَافِرِيَّةُ . وَفِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِلْقُتَبِيِّ : الْبُرْدُ الْمَعَافِرِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى مَعَافِرَ مِنْ الْيَمَنِ . وَفِي الْجَمْهَرَةِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : ثَوْبُ مَعَافِرَ غَيْرُ مَنْسُوبٍ ، فَمَنْ نَسَبَ فَهُوَ خَطَأٌ عِنْدَهُ ( وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْقَتْلِ وَلِهَذَا لَمْ تَجِبْ عَلَى مَنْ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ بِسَبَبِ الْكُفْرِ كَالذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَنْتَظِمُ ) فِيهِ ( الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ ) ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يُقْتَلُ ( قَوْلُهُ : وَمَذْهَبُنَا مَنْقُولٌ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَّهَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ إلَى السَّوَادِ ، فَمَسَحَا أَرْضَهَا وَوَضَعَا عَلَيْهَا الْخَرَاجَ ، وَجَعَلَا النَّاسَ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ عَلَى مَا قُلْنَا ، فَلَمَّا رَجَعَا أَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ ، ثُمَّ عَمِلَ عُثْمَانُ كَذَلِكَ ثُمَّ عَمِلَ عَلِيٌّ كَذَلِكَ .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، وَعَنْ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ : وَضَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْجِزْيَةِ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا . وَهُوَ مُرْسَلٌ . وَرَوَاهُ ابْنُ زَنْجُوَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ : حَدَّثَنَا مَنْدَلٌ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي عَوْنٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ عُمَرَ وَضَعَ إلَى آخِرِهِ . وَطَرِيقٌ آخَرُ رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ إلَى أَبِي نَضْرَةَ أَنَّ عُمَرَ وَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيمَا فَتَحَ مِنْ الْبِلَادِ ، فَوَضَعَ عَلَى الْغَنِيِّ إلَى آخِرِهِ . وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ أَسْنَدَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ إلَى حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ فَوَضَعَ عَلَيْهِمْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَاثْنَيْ عَشَرَ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ بِلَا نَكِيرٍ ، فَحَلَّ مَحِلَّ الْإِجْمَاعِ . ثُمَّ عَارَضَ الْمُصَنِّفُ مَعْنَاهُ بِقَوْلِهِ ( وَلِأَنَّهُ ) أَيْ الْجِزْيَةَ ( وَجَبَ نُصْرَةً لِلْمُقَاتِلَةِ ) أَيْ خَلْفًا عَنْ نُصْرَةِ مُقَاتِلَةِ أَهْلِ الدَّارِ ، لِأَنَّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى نُصْرَتِهِمْ وَقَدْ فَاتَتْ بِمَيْلِهِمْ إلَى أَهْلِ الدَّارِ الْمُعَادِينَ لَنَا لِإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ ، وَلِهَذَا صُرِفَتْ إلَى الْمُقَاتِلَةِ وَوُضِعَتْ عَلَى الصَّالِحِينَ لِلْقِتَالِ الَّذِينَ يَلْزَمُهُمْ الْقِتَالُ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ، فَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِهِمْ لِأَنَّ نُصْرَةَ الْغَنِيِّ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَوْقَ نُصْرَةِ الْمُتَوَسِّطِ وَالْفَقِيرِ فَإِنَّهُ كَانَ يَنْصُرُ رَاكِبًا وَيَرْكَبُ مَعَهُ غُلَامُهُ ، وَالْمُتَوَسِّطُ رَاكِبًا فَقَطْ ، وَالْفَقِيرُ رَاجِلًا ; وَهَذَا مَعْنَى 47 قَوْلِ الْمُصَنِّفِ ( وَذَلِكَ ) أَيْ النُّصْرَةُ ( يَتَفَاوَتُ بِكَثْرَةِ الْوَفْرِ وَقِلَّتِهِ فَكَذَا مَا هُوَ بَدَلُهُ ) يَعْنِي الْجِزْيَةَ ، وَإِلْحَاقًا بِخَرَاجِ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ وَجَبَ عَلَى التَّفَاوُتِ .
فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ لَوْ كَانَتْ خَلَفًا عَنْ النُّصْرَةِ لَزِمَ أَنْ لَا تُؤْخَذَ مِنْهُمْ لَوْ قَاتَلُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ سَنَةً مُتَبَرِّعِينَ أَوْ بِطَلَبِ الْإِمَامِ مِنْهُمْ ذَلِكَ ، وَالْحَالُ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَعَ ذَلِكَ . أُجِيبُ بِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ نُصْرَتَهُمْ بِالْمَالِ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ . وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ النُّصْرَةَ الَّتِي فَاتَتْ نُصْرَةَ الْمُسْلِمِينَ ، فَنُصْرَةُ الْإِسْلَامِ فَاتَتْ بِالْكُفْرِ فَأُبْدِلَتْ بِالْمَالِ ، وَلَيْسَ نُصْرَتُهُمْ فِي حَالِ كُفْرِهِمْ تِلْكَ النُّصْرَةَ الْفَائِتَةَ فَلَا يَبْطُلُ خَلَفُهَا . نَعَمْ سَيَجِيءُ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْجِزْيَةَ خَلَفٌ عَنْ قَتْلِهِمْ ، وَالْوَجْهُ أَنَّهَا خَلَفٌ عَنْ قَتْلِهِمْ وَنُصْرَتِهِمْ جَمِيعًا .
قَالَ : ( وَمَا رَوَاهُ ) مِنْ وَضْعِ الدِّينَارِ عَلَى الْكُلِّ ( مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صُلْحًا ) فَإِنَّ الْيَمَنَ لَمْ تُفْتَحْ عَنْوَةً بَلْ صُلْحًا فَوَقَعَ عَلَى ذَلِكَ ، وَقُلْنَا : وَلِأَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ كَانُوا أَهْلَ فَاقَةٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ فَفَرَضَ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْفُقَرَاءِ ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ . مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي نَجِيحٍ قُلْت لِمُجَاهِدٍ : مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَأَهْلُ الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ ؟ قَالَ : جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ . هَذَا ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ مِنْ الْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ وَالْفَقِيرِ ; فَقِيلَ إنْ كَانَ لَهُ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَهُوَ مُوسِرٌ ، وَمَنْ كَانَ لَهُ مِائَتَانِ فَصَاعِدًا مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْعَشَرَةِ فَمُتَوَسِّطٌ ، وَمَنْ كَانَ مُعْتَمِلًا فَهُوَ مُكْتَسِبٌ . وَعَنْ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ : مَنْ كَانَ يَمْلِكُ قُوتَهُ وَقُوتَ عِيَالِهِ وَزِيَادَةً فَمُوسِرٌ ، وَإِنْ مَلَكَ بِلَا فَضْلٍ فَهُوَ الْوَسَطُ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَدْرُ الْكِفَايَةِ فَهُوَ الْمُعْتَمِلُ : أَيْ الْمُكْتَسِبُ . وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ : يُنْظَرُ إلَى عَادَةِ كُلِّ بَلَدٍ فِي ذَلِكَ ; أَلَا تَرَى أَنَّ صَاحِبَ خَمْسِينَ أَلْفًا بِبَلْخٍ يُعَدُّ مِنْ الْمُكْثِرِينَ وَفِي الْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ لَا يُعَدُّ مُكْثِرًا . وَذَكَرَهُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ ، وَيُعْتَبَرُ وُجُودُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي آخِرِ السَّنَةِ وَالْمُعْتَمِلِ الْمُكْتَسِبُ ، وَالِاعْتِمَالُ الِاضْطِرَابُ فِي الْعَمَلِ وَهُوَ الِاكْتِسَابُ ; وَقُيِّدَ بِالِاعْتِمَالِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَرِيضًا فِي نِصْفِ السَّنَةِ فَصَاعِدًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، أَمَّا لَوْ لَمْ يَعْمَلْ وَهُوَ قَادِرٌ فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ 48 كَمَنْ عَطَّلَ الْأَرْضَ .
هَذَا ، وَقَدْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى أَهْلِ نَجْرَانَ بَعْدَ أَنْ قَالَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ كُلُّ حُلَّةٍ أُوقِيَّةٌ : يَعْنِي قِيمَتَهَا أُوقِيَّةٌ ، وَقَوْلُ الْوَلْوَالِجِيِّ : كُلُّ حُلَّةٍ خَمْسُونَ دِرْهَمًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْأُوقِيَّةَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ، وَالْحُلَّةُ ثَوْبَانِ إزَارٌ وَرِدَاءٌ ، وَتُعْتَبَرُ هَذِهِ الْحُلَلُ فِي مُقَابَلَةِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ رُءُوسِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ . قَالَ أَبُو يُوسُفَ : أَلْفَا حُلَّةٍ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ وَعَلَى جِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ تُقَسَّمُ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا ، وَعَلَى كُلِّ أَرْضٍ مِنْ أَرَاضِي نَجْرَانَ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ بَاعَ أَرْضَهُ أَوْ بَعْضَهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ تَغْلِبِيٍّ ، وَالْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي أَرَاضِيِهِمْ ، وَأَمَّا جِزْيَةُ رُءُوسِهِمْ فَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ا هـ .
يَعْنِي أَنَّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ يُؤْخَذُ سَوَاءٌ بَاعَ بَعْضُهُمْ أَرْضَهُ أَوْ لَمْ يَبِعْ ، ثُمَّ إذَا بَاعَ أَرْضَهُ يُؤْخَذُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ عَلَى حَالِهِ ، وَيُؤْخَذُ الْخَرَاجُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْمُسْلِمِ وَعُشْرَانِ مِنْ التَّغْلِبِيِّ الْمُشْتَرِي . وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَلْفٍ وَمِائَتَيْ حُلَّةٍ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَكَذَا قَوْلُهُ بَنِي نَجْرَانَ ، فَإِنَّ نَجْرَانَ اسْمُ أَرْضٍ مِنْ حَيِّزِ الْيَمَنِ لَا اسْمُ أَبِي قَبِيلَةٍ ، فَلِذَا كَانَ الثَّابِتُ 45 فِي الْحَدِيثِ أَهْلُ نَجْرَانَ ( وَ ) الضَّرْبُ الثَّانِي ( جِزْيَةٌ يَبْتَدِئ الْإِمَامُ بِتَوْظِيفِهَا إذَا غَلَبَ عَلَى الْكُفَّارِ ) فَفَتَحَ بِلَادَهُمْ ( وَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ ) فَهَذِهِ مُقَدَّرَةٌ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ شَاءُوا أَوْ أَبَوْا اسْتَرَقَّ أَوْ لَمْ يَرْضَوْا ( فَيَضَعُ عَلَى الْغَنِيِّ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ) بِوَزْنِ سَبْعَةٍ ( يَأْخُذُ مِنْ أَحَدِهِمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ ، وَعَلَى أَوْسَطِ الْحَالِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمَيْنِ ، وَعَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمًا ) وَاحِدًا ( وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَضَعُ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ ) أَيْ بَالِغٍ ( دِينَارًا ) أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا . وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِهِمْ : الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا . وَالدِّينَارُ فِي الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ بِعَشَرَةٍ إلَّا فِي الْجِزْيَةِ فَإِنَّهُ يُقَابَلُ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا ; لِأَنَّ عُمَرَ قَضَى بِذَلِكَ .
وَعِنْدَ عَامَّةِ أَصْحَابِهِمْ لَا يُعْتَبَرُ الدِّينَارُ إلَّا بِالسِّعْرِ وَالْقِيمَةِ . وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُمَاكِسَهُمْ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْ الْمُتَوَسِّطِ دِينَارَيْنِ وَمِنْ الْغَنِيِّ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ . وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : يُؤْخَذُ مِنْ الْغَنِيِّ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ ، وَمِنْ الْفَقِيرِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ دِينَارٌ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ : هِيَ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ ، بَلْ تُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ { ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَ مُعَاذًا بِأَخْذِ الدِّينَارِ ، وَصَالَحَ هُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَصَارَى نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ } وَعُمَرُ جَعَلَ الْجِزْيَةَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ كَمَا هُوَ قَوْلُنَا ، وَصَالَحَ بَنِي تَغْلِبَ عَلَى ضِعْفِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِيهَا بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ بَلْ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ حَتَّى لَوْ نَقَصَ عَنْ الدِّينَارِ جَازَ . وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ أُخْرَيَانِ : إحْدَاهُمَا كَقَوْلِنَا ، وَالْأُخْرَى كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ .
وَجْهُ قَوْلِهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ { عَنْ مُعَاذٍ قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيَّ الْيَمَنِ وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً ، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً ، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ ، مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ } . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا قَالَ : وَهُوَ أَصَحُّ . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ فَهَذَا كَمَا تَرَى لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْحَالِمَةِ . وَفِي مُسْنَدِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى أَنْ قَالَ : وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ أَوْ حَالِمَةٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ } . وَكَانَ مَعْمَرٌ يَقُولُ : هَذَا غَلَطٌ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ شَيْءٌ وَفِيهِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ فِيهَا ذِكْرُ 46 الْحَالِمَةِ .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَا نَرَى مَنْسُوخٌ ، إذْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَوِلْدَانُهُمْ يُقْتَلُونَ مَعَ رِجَالِهِمْ ، وَيُسْتَضَاءُ لِذَلِكَ بِمَا رَوَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ { أَنَّ خَيْلًا أَصَابَتْ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ } . ثُمَّ أَسْنَدَ أَبُو عُبَيْدٍ { عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ قَالَ : سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ أَنَقْتُلُهُمْ مَعَهُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ ، ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِهِمْ يَوْمَ خَيْبَرَ } . وَالْعَدْلُ بِالْفَتْحِ الْمِثْلُ مِنْ خِلَافِ الْجِنْسِ وَبِالْكَسْرِ الْمِثْلُ مِنْ الْجِنْسِ . وَالْمَعَافِرِيُّ ثَوْبٌ مَنْسُوبٌ إلَى مَعَافِرَ بَنِي مُرَّةً ثُمَّ صَارَ اسْمًا لِلثَّوْبِ بِلَا نِسْبَةٍ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْرِبِ . وَفِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ : مَعَافِرُ حَيٌّ مِنْ هَمْدَانَ تُنْسَبُ إلَيْهِ هَذِهِ الثِّيَابُ الْمَعَافِرِيَّةُ . وَهَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَارِسٍ فِي الْمُجْمَلِ . وَفِي الْجَمْهَرَةِ لِابْنِ دُرَيْدٍ : الْمَعَافِرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ تُنْسَبُ إلَيْهِ الثِّيَابُ الْمَعَافِرِيَّةُ . وَفِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِلْقُتَبِيِّ : الْبُرْدُ الْمَعَافِرِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى مَعَافِرَ مِنْ الْيَمَنِ . وَفِي الْجَمْهَرَةِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : ثَوْبُ مَعَافِرَ غَيْرُ مَنْسُوبٍ ، فَمَنْ نَسَبَ فَهُوَ خَطَأٌ عِنْدَهُ ( وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْقَتْلِ وَلِهَذَا لَمْ تَجِبْ عَلَى مَنْ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ بِسَبَبِ الْكُفْرِ كَالذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَنْتَظِمُ ) فِيهِ ( الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ ) ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يُقْتَلُ ( قَوْلُهُ : وَمَذْهَبُنَا مَنْقُولٌ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَّهَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ إلَى السَّوَادِ ، فَمَسَحَا أَرْضَهَا وَوَضَعَا عَلَيْهَا الْخَرَاجَ ، وَجَعَلَا النَّاسَ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ عَلَى مَا قُلْنَا ، فَلَمَّا رَجَعَا أَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ ، ثُمَّ عَمِلَ عُثْمَانُ كَذَلِكَ ثُمَّ عَمِلَ عَلِيٌّ كَذَلِكَ .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، وَعَنْ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ : وَضَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْجِزْيَةِ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا . وَهُوَ مُرْسَلٌ . وَرَوَاهُ ابْنُ زَنْجُوَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ : حَدَّثَنَا مَنْدَلٌ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي عَوْنٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ عُمَرَ وَضَعَ إلَى آخِرِهِ . وَطَرِيقٌ آخَرُ رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ إلَى أَبِي نَضْرَةَ أَنَّ عُمَرَ وَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيمَا فَتَحَ مِنْ الْبِلَادِ ، فَوَضَعَ عَلَى الْغَنِيِّ إلَى آخِرِهِ . وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ أَسْنَدَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ إلَى حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ فَوَضَعَ عَلَيْهِمْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَاثْنَيْ عَشَرَ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ بِلَا نَكِيرٍ ، فَحَلَّ مَحِلَّ الْإِجْمَاعِ . ثُمَّ عَارَضَ الْمُصَنِّفُ مَعْنَاهُ بِقَوْلِهِ ( وَلِأَنَّهُ ) أَيْ الْجِزْيَةَ ( وَجَبَ نُصْرَةً لِلْمُقَاتِلَةِ ) أَيْ خَلْفًا عَنْ نُصْرَةِ مُقَاتِلَةِ أَهْلِ الدَّارِ ، لِأَنَّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى نُصْرَتِهِمْ وَقَدْ فَاتَتْ بِمَيْلِهِمْ إلَى أَهْلِ الدَّارِ الْمُعَادِينَ لَنَا لِإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ ، وَلِهَذَا صُرِفَتْ إلَى الْمُقَاتِلَةِ وَوُضِعَتْ عَلَى الصَّالِحِينَ لِلْقِتَالِ الَّذِينَ يَلْزَمُهُمْ الْقِتَالُ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ، فَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِهِمْ لِأَنَّ نُصْرَةَ الْغَنِيِّ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَوْقَ نُصْرَةِ الْمُتَوَسِّطِ وَالْفَقِيرِ فَإِنَّهُ كَانَ يَنْصُرُ رَاكِبًا وَيَرْكَبُ مَعَهُ غُلَامُهُ ، وَالْمُتَوَسِّطُ رَاكِبًا فَقَطْ ، وَالْفَقِيرُ رَاجِلًا ; وَهَذَا مَعْنَى 47 قَوْلِ الْمُصَنِّفِ ( وَذَلِكَ ) أَيْ النُّصْرَةُ ( يَتَفَاوَتُ بِكَثْرَةِ الْوَفْرِ وَقِلَّتِهِ فَكَذَا مَا هُوَ بَدَلُهُ ) يَعْنِي الْجِزْيَةَ ، وَإِلْحَاقًا بِخَرَاجِ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ وَجَبَ عَلَى التَّفَاوُتِ .
فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ لَوْ كَانَتْ خَلَفًا عَنْ النُّصْرَةِ لَزِمَ أَنْ لَا تُؤْخَذَ مِنْهُمْ لَوْ قَاتَلُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ سَنَةً مُتَبَرِّعِينَ أَوْ بِطَلَبِ الْإِمَامِ مِنْهُمْ ذَلِكَ ، وَالْحَالُ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَعَ ذَلِكَ . أُجِيبُ بِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ نُصْرَتَهُمْ بِالْمَالِ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ . وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ النُّصْرَةَ الَّتِي فَاتَتْ نُصْرَةَ الْمُسْلِمِينَ ، فَنُصْرَةُ الْإِسْلَامِ فَاتَتْ بِالْكُفْرِ فَأُبْدِلَتْ بِالْمَالِ ، وَلَيْسَ نُصْرَتُهُمْ فِي حَالِ كُفْرِهِمْ تِلْكَ النُّصْرَةَ الْفَائِتَةَ فَلَا يَبْطُلُ خَلَفُهَا . نَعَمْ سَيَجِيءُ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْجِزْيَةَ خَلَفٌ عَنْ قَتْلِهِمْ ، وَالْوَجْهُ أَنَّهَا خَلَفٌ عَنْ قَتْلِهِمْ وَنُصْرَتِهِمْ جَمِيعًا .
قَالَ : ( وَمَا رَوَاهُ ) مِنْ وَضْعِ الدِّينَارِ عَلَى الْكُلِّ ( مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صُلْحًا ) فَإِنَّ الْيَمَنَ لَمْ تُفْتَحْ عَنْوَةً بَلْ صُلْحًا فَوَقَعَ عَلَى ذَلِكَ ، وَقُلْنَا : وَلِأَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ كَانُوا أَهْلَ فَاقَةٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ فَفَرَضَ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْفُقَرَاءِ ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ . مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي نَجِيحٍ قُلْت لِمُجَاهِدٍ : مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَأَهْلُ الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ ؟ قَالَ : جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ . هَذَا ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ مِنْ الْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ وَالْفَقِيرِ ; فَقِيلَ إنْ كَانَ لَهُ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَهُوَ مُوسِرٌ ، وَمَنْ كَانَ لَهُ مِائَتَانِ فَصَاعِدًا مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْعَشَرَةِ فَمُتَوَسِّطٌ ، وَمَنْ كَانَ مُعْتَمِلًا فَهُوَ مُكْتَسِبٌ . وَعَنْ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ : مَنْ كَانَ يَمْلِكُ قُوتَهُ وَقُوتَ عِيَالِهِ وَزِيَادَةً فَمُوسِرٌ ، وَإِنْ مَلَكَ بِلَا فَضْلٍ فَهُوَ الْوَسَطُ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَدْرُ الْكِفَايَةِ فَهُوَ الْمُعْتَمِلُ : أَيْ الْمُكْتَسِبُ . وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ : يُنْظَرُ إلَى عَادَةِ كُلِّ بَلَدٍ فِي ذَلِكَ ; أَلَا تَرَى أَنَّ صَاحِبَ خَمْسِينَ أَلْفًا بِبَلْخٍ يُعَدُّ مِنْ الْمُكْثِرِينَ وَفِي الْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ لَا يُعَدُّ مُكْثِرًا . وَذَكَرَهُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ ، وَيُعْتَبَرُ وُجُودُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي آخِرِ السَّنَةِ وَالْمُعْتَمِلِ الْمُكْتَسِبُ ، وَالِاعْتِمَالُ الِاضْطِرَابُ فِي الْعَمَلِ وَهُوَ الِاكْتِسَابُ ; وَقُيِّدَ بِالِاعْتِمَالِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَرِيضًا فِي نِصْفِ السَّنَةِ فَصَاعِدًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، أَمَّا لَوْ لَمْ يَعْمَلْ وَهُوَ قَادِرٌ فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ 48 كَمَنْ عَطَّلَ الْأَرْضَ .
المالكية
المدونة
اقرأ →
529 بَابُ الْجِزْيَةِ قُلْتُ أَرَأَيْتَ الْأُمَمَ كُلَّهَا إذَا رَضُوا بِالْجِزْيَةِ عَلَى أَنْ يُقِرُّوا عَلَى دِينِهِمْ أَيُعْطَوْنَ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ ؟
قَالَ : قَالَ مَالِكٌ فِي مَجُوسِ الْبَرْبَرِ إنَّ الْجِزْيَةَ أَخَذَهَا مِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، قَالَ : قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجُوسِ مَا قَدْ بَلَغَك عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ } فَالْأُمَمُ كُلُّهَا فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَجُوسِ عِنْدِي .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْفَزَازِنَةِ وَهُمْ جِنْسٌ مِنْ الْحَبَشَةِ سُئِلَ عَنْهُمْ مَالِكٌ ؟ فَقَالَ : لَا أَرَى أَنْ يُقَاتَلُوا حَتَّى يُدْعَوْا إلَى الْإِسْلَامِ ، فَفِي قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا لَا أَرَى أَنْ يُقَاتَلُوا حَتَّى يُدْعَوْا فَفِي قَوْلِهِ هَذَا أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ لَمْ يُجِيبُوا دُعُوا إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ وَأَنْ يُقَرُّوا عَلَى دِينِهِمْ ، فَإِنْ أَجَابُوا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْأُمَمِ كُلِّهَا إذْ قَالَ فِي الْفَزَازِنَةِ أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ فَكَذَلِكَ الصَّقَالِبَةُ وَالْآبِرُ وَالتُّرْكُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْأَعَاجِمِ مِمَّنْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَسْلَمَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى مُنْذِرِ بْنِ مَارِيٍّ ، أَخِي بَنِي عَبْدِ اللَّهِ مِنْ غَطَفَانَ عَظِيمِ أَهْلِ هَجَرَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ ، فَرَضِيَ بِالْإِسْلَامِ وَقَرَأَ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ هَجَرَ ، فَمِنْ بَيْنِ رَاضٍ وَكَارِهٍ فَكَتَبَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي قَرَأْتُ كِتَابَك عَلَى أَهْلِ هَجَرَ ، فَأَمَّا الْعَرَبُ فَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ ، وَأَمَّا الْمَجُوسُ وَالْيَهُودُ فَكَرِهُوا الْإِسْلَامَ وَعَرَضُوا الْجِزْيَةَ ، وَانْتَظَرْت أَمْرَك فِيهِمْ ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إلَى عِبَادِ اللَّهِ الْأَسَدِيِّينَ فَإِنَّكُمْ إذَا أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَنَصَحْتُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَآتَيْتُمْ عُشْرَ النَّخْلِ وَنِصْفَ عُشْرِ الْحَبِّ وَلَمْ تُمَجِّسُوا أَوْلَادَكُمْ ، فَإِنَّ لَكُمْ مَا أَسْلَمْتُمْ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّ بَيْتَ النَّارِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ الْجِزْيَةُ } .
فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ فَكَرِهَتْ الْيَهُودُ وَالْمَجُوسُ الْإِسْلَامَ وَأَحَبُّوا الْجِزْيَةَ ، فَقَالَ مُنَافِقُو الْعَرَبِ : زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ إنَّمَا بُعِثَ يُقَاتِلُ النَّاسَ كَافَّةً حَتَّى يُسْلِمُوا وَلَا يَقْبَلُ الْجِزْيَةَ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَلَا نَرَاهُ إلَّا وَقَدْ قَبِلَ مِنْ مُشْرِكِي أَهْلِ هَجَرَ مَا رَدَّ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ } ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ ، قَالَ : هَذَا كِتَابٌ أَخَذْته مِنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِيهِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ إلَى مُنْذِرِ بْنِ سَاوِي هَلُمَّ أَنْتَ فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إلَيْك الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ كِتَابَك جَاءَنِي وَسَمِعْت مَا فِيهِ فَمَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبَائِحَنَا فَإِنَّ ذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَبَى فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ .
قَالَ : قَالَ مَالِكٌ فِي مَجُوسِ الْبَرْبَرِ إنَّ الْجِزْيَةَ أَخَذَهَا مِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، قَالَ : قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجُوسِ مَا قَدْ بَلَغَك عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ } فَالْأُمَمُ كُلُّهَا فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَجُوسِ عِنْدِي .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْفَزَازِنَةِ وَهُمْ جِنْسٌ مِنْ الْحَبَشَةِ سُئِلَ عَنْهُمْ مَالِكٌ ؟ فَقَالَ : لَا أَرَى أَنْ يُقَاتَلُوا حَتَّى يُدْعَوْا إلَى الْإِسْلَامِ ، فَفِي قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا لَا أَرَى أَنْ يُقَاتَلُوا حَتَّى يُدْعَوْا فَفِي قَوْلِهِ هَذَا أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ لَمْ يُجِيبُوا دُعُوا إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ وَأَنْ يُقَرُّوا عَلَى دِينِهِمْ ، فَإِنْ أَجَابُوا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْأُمَمِ كُلِّهَا إذْ قَالَ فِي الْفَزَازِنَةِ أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ فَكَذَلِكَ الصَّقَالِبَةُ وَالْآبِرُ وَالتُّرْكُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْأَعَاجِمِ مِمَّنْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَسْلَمَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى مُنْذِرِ بْنِ مَارِيٍّ ، أَخِي بَنِي عَبْدِ اللَّهِ مِنْ غَطَفَانَ عَظِيمِ أَهْلِ هَجَرَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ ، فَرَضِيَ بِالْإِسْلَامِ وَقَرَأَ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ هَجَرَ ، فَمِنْ بَيْنِ رَاضٍ وَكَارِهٍ فَكَتَبَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي قَرَأْتُ كِتَابَك عَلَى أَهْلِ هَجَرَ ، فَأَمَّا الْعَرَبُ فَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ ، وَأَمَّا الْمَجُوسُ وَالْيَهُودُ فَكَرِهُوا الْإِسْلَامَ وَعَرَضُوا الْجِزْيَةَ ، وَانْتَظَرْت أَمْرَك فِيهِمْ ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إلَى عِبَادِ اللَّهِ الْأَسَدِيِّينَ فَإِنَّكُمْ إذَا أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَنَصَحْتُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَآتَيْتُمْ عُشْرَ النَّخْلِ وَنِصْفَ عُشْرِ الْحَبِّ وَلَمْ تُمَجِّسُوا أَوْلَادَكُمْ ، فَإِنَّ لَكُمْ مَا أَسْلَمْتُمْ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّ بَيْتَ النَّارِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ الْجِزْيَةُ } .
فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ فَكَرِهَتْ الْيَهُودُ وَالْمَجُوسُ الْإِسْلَامَ وَأَحَبُّوا الْجِزْيَةَ ، فَقَالَ مُنَافِقُو الْعَرَبِ : زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ إنَّمَا بُعِثَ يُقَاتِلُ النَّاسَ كَافَّةً حَتَّى يُسْلِمُوا وَلَا يَقْبَلُ الْجِزْيَةَ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَلَا نَرَاهُ إلَّا وَقَدْ قَبِلَ مِنْ مُشْرِكِي أَهْلِ هَجَرَ مَا رَدَّ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ } ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ ، قَالَ : هَذَا كِتَابٌ أَخَذْته مِنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِيهِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ إلَى مُنْذِرِ بْنِ سَاوِي هَلُمَّ أَنْتَ فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إلَيْك الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ كِتَابَك جَاءَنِي وَسَمِعْت مَا فِيهِ فَمَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبَائِحَنَا فَإِنَّ ذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَبَى فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ .
الشافعية
تحفة المحتاج في شرح المنهاج
اقرأ →
( كِتَابُ الْجِزْيَةِ )
تُطْلَقُ عَلَى الْعَقْدِ وَعَلَى الْمَالِ الْمُلْتَزَمِ بِهِ وَعَقَّبَهَا لِلْقِتَالِ ؛ لِأَنَّهُ مُغَيًّا بِهَا فِي الْآيَةِ الَّتِي هِيَ كَأَخْذِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهَا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَغَيْرِهِمْ الْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ مِنْ الْمُجَازَاةِ ؛ لِأَنَّهَا جَزَاءُ عِصْمَتِهِمْ مِنَّا وَسُكْنَاهُمْ فِي دَارِنَا فَهِيَ إذْلَالٌ لَهُمْ لِتَحَمُّلِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ لَا سِيَّمَا إذَا خَالَطُوا أَهْلَهُ وَعَرَفُوا مَحَاسِنَهُ لَا فِي مُقَابَلَةِ تَقْرِيرِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ عَنْ ذَلِكَ وَتَنْقَطِعُ مَشْرُوعِيَّتُهَا بِنُزُولِ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُمْ حِينَئِذٍ شُبْهَةٌ بِوَجْهٍ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ وَهَذَا مِنْ شَرْعِنَا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْزِلُ حَاكِمًا بِهِ مُتَلَقِّيًا لَهُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَوْ عَنْ اجْتِهَادِهِ مُسْتَمِدًّا مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَذَاهِبَ فِي زَمَنِهِ لَا يُعْمَلُ مِنْهَا إلَّا بِمَا يُوَافِقُ مَا يَرَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ أَوْ اجْتِهَادِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْطِئُ كَمَا هُوَ الصَّوَابُ الْمُقَرَّرُ فِي مَحَلِّهِ
وَأَرْكَانُهَا عَاقِدٌ وَمَعْقُودٌ لَهُ وَمَكَانٌ وَمَالٌ وَصِيغَةٌ وَلِأَهَمِّيَّتِهَا بَدَأَ بِهَا فَقَالَ : . ( صُورَةُ عَقْدِهَا ) مَعَ الذُّكُورِ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ . ( أُقِرُّكُمْ ) أَوْ أَقْرَرْتُكُمْ كَمَا بِأَصْلِهِ 275 وَرُجِّحَ لِاحْتِمَالِ الْأُولَى الْوَعْدَ وَمِنْ ثَمَّ اُشْتُرِطَ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الْحَالَ مَعَ الِاسْتِقْبَالِ حَتَّى يَنْسَلِخَ عَنْ الْوَعْدِ وَاعْتِرَاضُهُ بِأَنَّ الْمُضَارِعَ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ يَكُونُ لِلْحَالِ وَبِأَنَّ الْمُضَارِعَ يَأْتِي لِلْإِنْشَاءِ كَأَشْهَدُ يُرَدُّ بِأَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ احْتِمَالَهُ الْوَعْدَ عَلَى أَنَّ فِيهِ خِلَافًا قَوِيًّا أَنَّهُ لِلِاسْتِقْبَالِ حَقِيقَةً وَقَدْ مَرَّ فِي الضَّمَانِ أَوْ أُؤَدِّي الْمَالَ أَوْ أُحْضِرُ الشَّخْصَ لَيْسَ ضَمَانًا وَلَا كَفَالَةً وَفِي الْإِقْرَارِ إنْ أَقَرَّ بِكَذَا لَغْوٌ ؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ وَبِهِ يَتَأَبَّدُ مَا تَقَرَّرَ إلَّا أَنْ يُوَجَّهَ إطْلَاقُ الْمَتْنِ بِأَنَّ شِدَّةَ نَظَرِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ لِحَقْنِ الدَّمِ اقْتَضَى عَدَمَ النَّظَرِ لِاحْتِمَالِهِ لِلْوَعْدِ عَمَلًا بِالْمَشْهُورِ أَنَّهُ لِلْحَالِ أَوْ لَهُمَا وَمَرَّ ثَمَّ أَعْنِي فِي الضَّمَانِ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ وَيُوَضِّحُهُ فَرَاجِعْهُ . ( بِدَارِ الْإِسْلَامِ ) غَيْرِ الْحِجَازِ كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ شَرْطٍ اكْتِفَاءً بِاسْتِثْنَائِهِ شَرْعًا وَإِنْ جَهِلَهُ الْعَاقِدَانِ فِيمَا يَظْهَرُ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ أَصْلِهِ قَدْ لَا يُشْتَرَطُ ، فَقَدْ نُقِرُّهُمْ بِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَحِينَئِذٍ فَصِيغَةُ عَقْدِهِ فِيمَا يَظْهَرُ أُقِرُّكُمْ فِي دَارِكُمْ عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا جِزْيَةً وَتَأْمَنُوا مِنَّا وَنَأْمَنَ مِنْكُمْ . ( أَوْ أَذِنْت فِي إقَامَتِكُمْ بِهَا ) أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ . ( عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا ) أَيْ تُعْطُوا . ( جِزْيَةً ) فِي كُلِّ حَوْلٍ قَالَ الْجُرْجَانِيُّ وَيَقُولُ : أَوَّلَ الْحَوْلِ أَوْ آخِرَهُ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ غَيْرُ شَرْطٍ . ( وَتَنْقَادُوا لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ) أَيْ لِكُلِّ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ غَيْرِ نَحْوِ الْعِبَادَاتِ مِمَّا لَا يَرَوْنَهُ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ لَا كَشُرْبِ الْمُسْكِرِ وَنِكَاحِ الْمَجُوسِ لِلْمَحَارِمِ وَمِنْ عَدَمِ التَّظَاهُرِ بِمَا يُبِيحُونَهُ وَبِهَذَا الِالْتِزَامِ فَسَرُّوا الصَّغَارَ فِي الْآيَةِ وَوَجَبَ التَّعَرُّضُ لِهَذَا مَعَ كَوْنِهِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الْجِزْيَةِ عِوَضٌ عَنْ تَقْرِيرِهِمْ فَكَانَ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَالْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَنْ لَا يَجْتَمِعُوا عَلَى قِتَالِنَا كَمَا أَمِنُوا مِنَّا وَيُرَدُّ وَإِنْ نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّ هَذَا دَاخِلٌ فِي الِانْقِيَادِ 276 وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ صِحَّةُ قَوْلِ الْكَافِرِ أَقْرِرْنِي بِكَذَا إلَخْ فَقَالَ الْإِمَامُ أَقْرَرْتُك ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ صُورَةَ عَقْدِهَا الْأَصْلِيِّ مِنْ الْمُوجِبِ ، أَمَّا النِّسَاءُ فَيَكْفِي فِيهِنَّ الِانْقِيَادُ لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ إذْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِنَّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ صَرِيحٌ وَأَنَّهُ لَا كِنَايَةَ هُنَا لَفْظًا وَلَوْ قِيلَ : إنَّ كِنَايَاتِ الْأَمَانِ إذَا ذُكِرَ مَعَهَا عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا إلَخْ تَكُونُ كِنَايَةً هُنَا لَمْ يَبْعُدْ
تُطْلَقُ عَلَى الْعَقْدِ وَعَلَى الْمَالِ الْمُلْتَزَمِ بِهِ وَعَقَّبَهَا لِلْقِتَالِ ؛ لِأَنَّهُ مُغَيًّا بِهَا فِي الْآيَةِ الَّتِي هِيَ كَأَخْذِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهَا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَغَيْرِهِمْ الْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ مِنْ الْمُجَازَاةِ ؛ لِأَنَّهَا جَزَاءُ عِصْمَتِهِمْ مِنَّا وَسُكْنَاهُمْ فِي دَارِنَا فَهِيَ إذْلَالٌ لَهُمْ لِتَحَمُّلِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ لَا سِيَّمَا إذَا خَالَطُوا أَهْلَهُ وَعَرَفُوا مَحَاسِنَهُ لَا فِي مُقَابَلَةِ تَقْرِيرِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ عَنْ ذَلِكَ وَتَنْقَطِعُ مَشْرُوعِيَّتُهَا بِنُزُولِ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُمْ حِينَئِذٍ شُبْهَةٌ بِوَجْهٍ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ وَهَذَا مِنْ شَرْعِنَا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْزِلُ حَاكِمًا بِهِ مُتَلَقِّيًا لَهُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَوْ عَنْ اجْتِهَادِهِ مُسْتَمِدًّا مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَذَاهِبَ فِي زَمَنِهِ لَا يُعْمَلُ مِنْهَا إلَّا بِمَا يُوَافِقُ مَا يَرَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ أَوْ اجْتِهَادِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْطِئُ كَمَا هُوَ الصَّوَابُ الْمُقَرَّرُ فِي مَحَلِّهِ
وَأَرْكَانُهَا عَاقِدٌ وَمَعْقُودٌ لَهُ وَمَكَانٌ وَمَالٌ وَصِيغَةٌ وَلِأَهَمِّيَّتِهَا بَدَأَ بِهَا فَقَالَ : . ( صُورَةُ عَقْدِهَا ) مَعَ الذُّكُورِ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ . ( أُقِرُّكُمْ ) أَوْ أَقْرَرْتُكُمْ كَمَا بِأَصْلِهِ 275 وَرُجِّحَ لِاحْتِمَالِ الْأُولَى الْوَعْدَ وَمِنْ ثَمَّ اُشْتُرِطَ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الْحَالَ مَعَ الِاسْتِقْبَالِ حَتَّى يَنْسَلِخَ عَنْ الْوَعْدِ وَاعْتِرَاضُهُ بِأَنَّ الْمُضَارِعَ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ يَكُونُ لِلْحَالِ وَبِأَنَّ الْمُضَارِعَ يَأْتِي لِلْإِنْشَاءِ كَأَشْهَدُ يُرَدُّ بِأَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ احْتِمَالَهُ الْوَعْدَ عَلَى أَنَّ فِيهِ خِلَافًا قَوِيًّا أَنَّهُ لِلِاسْتِقْبَالِ حَقِيقَةً وَقَدْ مَرَّ فِي الضَّمَانِ أَوْ أُؤَدِّي الْمَالَ أَوْ أُحْضِرُ الشَّخْصَ لَيْسَ ضَمَانًا وَلَا كَفَالَةً وَفِي الْإِقْرَارِ إنْ أَقَرَّ بِكَذَا لَغْوٌ ؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ وَبِهِ يَتَأَبَّدُ مَا تَقَرَّرَ إلَّا أَنْ يُوَجَّهَ إطْلَاقُ الْمَتْنِ بِأَنَّ شِدَّةَ نَظَرِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ لِحَقْنِ الدَّمِ اقْتَضَى عَدَمَ النَّظَرِ لِاحْتِمَالِهِ لِلْوَعْدِ عَمَلًا بِالْمَشْهُورِ أَنَّهُ لِلْحَالِ أَوْ لَهُمَا وَمَرَّ ثَمَّ أَعْنِي فِي الضَّمَانِ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ وَيُوَضِّحُهُ فَرَاجِعْهُ . ( بِدَارِ الْإِسْلَامِ ) غَيْرِ الْحِجَازِ كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ شَرْطٍ اكْتِفَاءً بِاسْتِثْنَائِهِ شَرْعًا وَإِنْ جَهِلَهُ الْعَاقِدَانِ فِيمَا يَظْهَرُ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ أَصْلِهِ قَدْ لَا يُشْتَرَطُ ، فَقَدْ نُقِرُّهُمْ بِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَحِينَئِذٍ فَصِيغَةُ عَقْدِهِ فِيمَا يَظْهَرُ أُقِرُّكُمْ فِي دَارِكُمْ عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا جِزْيَةً وَتَأْمَنُوا مِنَّا وَنَأْمَنَ مِنْكُمْ . ( أَوْ أَذِنْت فِي إقَامَتِكُمْ بِهَا ) أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ . ( عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا ) أَيْ تُعْطُوا . ( جِزْيَةً ) فِي كُلِّ حَوْلٍ قَالَ الْجُرْجَانِيُّ وَيَقُولُ : أَوَّلَ الْحَوْلِ أَوْ آخِرَهُ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ غَيْرُ شَرْطٍ . ( وَتَنْقَادُوا لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ) أَيْ لِكُلِّ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ غَيْرِ نَحْوِ الْعِبَادَاتِ مِمَّا لَا يَرَوْنَهُ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ لَا كَشُرْبِ الْمُسْكِرِ وَنِكَاحِ الْمَجُوسِ لِلْمَحَارِمِ وَمِنْ عَدَمِ التَّظَاهُرِ بِمَا يُبِيحُونَهُ وَبِهَذَا الِالْتِزَامِ فَسَرُّوا الصَّغَارَ فِي الْآيَةِ وَوَجَبَ التَّعَرُّضُ لِهَذَا مَعَ كَوْنِهِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الْجِزْيَةِ عِوَضٌ عَنْ تَقْرِيرِهِمْ فَكَانَ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَالْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَنْ لَا يَجْتَمِعُوا عَلَى قِتَالِنَا كَمَا أَمِنُوا مِنَّا وَيُرَدُّ وَإِنْ نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّ هَذَا دَاخِلٌ فِي الِانْقِيَادِ 276 وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ صِحَّةُ قَوْلِ الْكَافِرِ أَقْرِرْنِي بِكَذَا إلَخْ فَقَالَ الْإِمَامُ أَقْرَرْتُك ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ صُورَةَ عَقْدِهَا الْأَصْلِيِّ مِنْ الْمُوجِبِ ، أَمَّا النِّسَاءُ فَيَكْفِي فِيهِنَّ الِانْقِيَادُ لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ إذْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِنَّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ صَرِيحٌ وَأَنَّهُ لَا كِنَايَةَ هُنَا لَفْظًا وَلَوْ قِيلَ : إنَّ كِنَايَاتِ الْأَمَانِ إذَا ذُكِرَ مَعَهَا عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا إلَخْ تَكُونُ كِنَايَةً هُنَا لَمْ يَبْعُدْ
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
اقرأ →
85 كِتَابُ الْجِزْيَةِ
تُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْعَقْدِ وَالْمَالِ الْمُلْتَزَمِ بِهِ وَعَقِبُهَا لِلْقِتَالِ ; لِأَنَّهُ مُغَيَّا بِهَا فِي الْآيَةِ الَّتِي هِيَ كَأَخْذِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهَا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَغَيْرِهِمْ .
الْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } إذْ هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمُجَازَاةِ ; لِأَنَّهَا جَزَاءُ عِصْمَتِهِمْ مِنَّا وَسُكْنَاهُمْ فِي دَارِنَا فَهِيَ إذْلَالٌ لَهُمْ لِتَحَمُّلِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ لَا سِيَّمَا إنْ خَالَطُوا أَهْلَهُ وَعَرَفُوا مَحَاسِنَهُ لَا فِي مُقَابَلَةِ تَقْرِيرِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَمَشْرُوعِيَّتُهَا مُغَيَّاةٌ بِنُزُولِ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تُقْبَلُ بَعْدَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لِأَحَدٍ مِنْهُمْ شُبْهَةٌ بِحَالٍ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ وَهَذَا مِنْ شَرْعِنَا ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْزِلُ حَاكِمًا بِهِ مُتَلَقِّيًا لَهُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَوْ عَنْ اجْتِهَادٍ مُسْتَمَدٍّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَذَاهِبَ فِي زَمَنِهِ لَا يُعْمَلُ مِنْهَا إلَّا بِمَا يُوَافِقُ مَا يَرَاهُ ، إذْ لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ وَاجْتِهَادُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُخْطِئُ .
وَلَهَا أَرْكَانٌ عَاقِدٌ وَمَعْقُودٌ لَهُ وَعَلَيْهِ وَمَكَانٌ وَصِيغَةٌ وَبَدَأَ بِهَا اهْتِمَامًا بِهَا فَقَالَ ( صُورَةُ عَقْدِهَا ) مَعَ الذُّكُورِ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ ( أُقِرُّكُمْ ) أَوْ أَقْرَرْتُكُمْ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ ، وَاسْتُحْسِنَ عَلَى الْأَوَّلِ لِاحْتِمَالِهِ الْوَعْدَ غَيْرَ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْحَالُ مَعَ الِاسْتِقْبَالِ ; لِأَنَّ الْمُضَارِعَ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ يَكُونُ لِلْحَالِ ، وَبِأَنَّهُ يَأْتِي لِلْإِنْشَاءِ كَأَشْهَدْ ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا مَرَّ فِي الضَّمَانِ أَنْ أُؤَدِّيَ الْمَالَ أَوْ أُحْضِرَ الشَّخْصَ لَا يَكُونُ ضَمَانًا وَلَا كَفَالَةً ، وَفِي الْإِقْرَارِ أَنْ أُقِرَّ بِكَذَا لَغْوٌ ; لِأَنَّهُ وَعْدٌ ; لِأَنَّ شِدَّةَ نَظَرِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ لِحَقْنِ الدَّمِ اقْتَضَى عَدَمَ النَّظَرِ لِاحْتِمَالِهِ لِلْوَعْدِ ( بِدَارِ الْإِسْلَامِ ) غَيْرِ الْحِجَازِ لَكِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّنْصِيصُ عَلَى إخْرَاجِهِ حَالَ الْعَقْدِ اكْتِفَاءً بِاسْتِثْنَائِهِ شَرْعًا وَإِنْ جَهِلَهُ الْعَاقِدَانِ فِيمَا يَظْهَرُ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ أَصْلِهِ قَدْ لَا يُشْتَرَطُ فَقَدْ نُقِرُّهُمْ بِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ( أَوْ أَذِنْت فِي إقَامَتِكُمْ بِهَا ) أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ( عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا ) أَيْ تُعْطُوا ( جِزْيَةً ) فِي كُلِّ حَوْلٍ ، نَعَمْ يَتَّجِهُ 86 عَدَمُ اعْتِبَارِ ذِكْرِ كَوْنِهَا أَوَّلَ الْحَوْلِ أَوْ آخِرَهُ ، فَيُحْمَلُ قَوْلُ الْجُرْجَانِيِّ بِذِكْرِ ذَلِكَ عَلَى الْأَكْمَلِ ( وَتَنْقَادُوا لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ) أَيْ لِكُلِّ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ غَيْرَ نَحْوِ الْعِبَادَاتِ مِمَّا لَا يَرَوْنَهُ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ لَا كَشُرْبِ الْمُسْكِرِ وَنِكَاحِ الْمَجُوسِ لِلْمَحَارِمِ ، وَمِنْ عَدَمِ تَظَاهُرِهِمْ مِمَّا يَعْتَقِدُونَ إبَاحَتَهُ ، وَفَسَّرَ الصَّغَارَ فِي الْآيَةِ بِالْتِزَامِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ التَّعَرُّضُ لِهَذَا مَعَ أَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ عَقْدِهَا ; لِأَنَّهُ مَعَ الْجِزْيَةِ عِوَضٌ عَنْ تَقْرِيرِهِمْ فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ وَالْأُجْرَةَ فِي الْإِجَارَةِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِنَفْيِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى قِتَالِنَا كَمَا أُمِّنُوا مِنَّا خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِ لِدُخُولِهِ فِي الِانْقِيَادِ ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ صِحَّةُ قَوْلِ الْكَافِرِ ، أَقِرُّونِي بِكَذَا إلَى آخِرِهِ فَيَقُولُ لَهُ الْإِمَامُ أَقْرَرْتُكَ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ صُورَةَ عَقْدِهَا الْأَصْلِيِّ مِنْ الْمُوجِبِ ، أَمَّا النِّسَاءُ فَيَكْفِي فِيهِنَّ الِانْقِيَادُ لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ لِانْتِفَاءِ الْجِزْيَةِ عَنْهُنَّ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ صَرَاحَةً هَذِهِ الْأَشْيَاءُ ، وَأَنَّهُ لَا كِنَايَةَ هُنَا لَفْظًا ، وَلَوْ قِيلَ إنَّ كِنَايَاتِ الْأَمَانِ لَوْ ذُكِرَ مَعَهَا عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا إلَى آخِرِهِ تَكُونُ كِنَايَةً هُنَا لَمْ يَبْعُدْ ( وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُ ذِكْرِ قَدْرِهَا ) أَيْ الْجِزْيَةِ كَالثَّمَنِ وَالْأُجْرَةِ وَسَيَأْتِي أَقَلُّهَا .
وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ وَيَنْزِلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْأَقَلِّ ( لَا كَفُّ اللِّسَانِ ) مِنْهُمْ ( عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِينِهِ ) بِسُوءٍ فَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ لِدُخُولِهِ فِي الِانْقِيَادِ
تُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْعَقْدِ وَالْمَالِ الْمُلْتَزَمِ بِهِ وَعَقِبُهَا لِلْقِتَالِ ; لِأَنَّهُ مُغَيَّا بِهَا فِي الْآيَةِ الَّتِي هِيَ كَأَخْذِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهَا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَغَيْرِهِمْ .
الْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } إذْ هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمُجَازَاةِ ; لِأَنَّهَا جَزَاءُ عِصْمَتِهِمْ مِنَّا وَسُكْنَاهُمْ فِي دَارِنَا فَهِيَ إذْلَالٌ لَهُمْ لِتَحَمُّلِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ لَا سِيَّمَا إنْ خَالَطُوا أَهْلَهُ وَعَرَفُوا مَحَاسِنَهُ لَا فِي مُقَابَلَةِ تَقْرِيرِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَمَشْرُوعِيَّتُهَا مُغَيَّاةٌ بِنُزُولِ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تُقْبَلُ بَعْدَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لِأَحَدٍ مِنْهُمْ شُبْهَةٌ بِحَالٍ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ وَهَذَا مِنْ شَرْعِنَا ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْزِلُ حَاكِمًا بِهِ مُتَلَقِّيًا لَهُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَوْ عَنْ اجْتِهَادٍ مُسْتَمَدٍّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَذَاهِبَ فِي زَمَنِهِ لَا يُعْمَلُ مِنْهَا إلَّا بِمَا يُوَافِقُ مَا يَرَاهُ ، إذْ لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ وَاجْتِهَادُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُخْطِئُ .
وَلَهَا أَرْكَانٌ عَاقِدٌ وَمَعْقُودٌ لَهُ وَعَلَيْهِ وَمَكَانٌ وَصِيغَةٌ وَبَدَأَ بِهَا اهْتِمَامًا بِهَا فَقَالَ ( صُورَةُ عَقْدِهَا ) مَعَ الذُّكُورِ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ ( أُقِرُّكُمْ ) أَوْ أَقْرَرْتُكُمْ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ ، وَاسْتُحْسِنَ عَلَى الْأَوَّلِ لِاحْتِمَالِهِ الْوَعْدَ غَيْرَ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْحَالُ مَعَ الِاسْتِقْبَالِ ; لِأَنَّ الْمُضَارِعَ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ يَكُونُ لِلْحَالِ ، وَبِأَنَّهُ يَأْتِي لِلْإِنْشَاءِ كَأَشْهَدْ ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا مَرَّ فِي الضَّمَانِ أَنْ أُؤَدِّيَ الْمَالَ أَوْ أُحْضِرَ الشَّخْصَ لَا يَكُونُ ضَمَانًا وَلَا كَفَالَةً ، وَفِي الْإِقْرَارِ أَنْ أُقِرَّ بِكَذَا لَغْوٌ ; لِأَنَّهُ وَعْدٌ ; لِأَنَّ شِدَّةَ نَظَرِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ لِحَقْنِ الدَّمِ اقْتَضَى عَدَمَ النَّظَرِ لِاحْتِمَالِهِ لِلْوَعْدِ ( بِدَارِ الْإِسْلَامِ ) غَيْرِ الْحِجَازِ لَكِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّنْصِيصُ عَلَى إخْرَاجِهِ حَالَ الْعَقْدِ اكْتِفَاءً بِاسْتِثْنَائِهِ شَرْعًا وَإِنْ جَهِلَهُ الْعَاقِدَانِ فِيمَا يَظْهَرُ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ أَصْلِهِ قَدْ لَا يُشْتَرَطُ فَقَدْ نُقِرُّهُمْ بِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ( أَوْ أَذِنْت فِي إقَامَتِكُمْ بِهَا ) أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ( عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا ) أَيْ تُعْطُوا ( جِزْيَةً ) فِي كُلِّ حَوْلٍ ، نَعَمْ يَتَّجِهُ 86 عَدَمُ اعْتِبَارِ ذِكْرِ كَوْنِهَا أَوَّلَ الْحَوْلِ أَوْ آخِرَهُ ، فَيُحْمَلُ قَوْلُ الْجُرْجَانِيِّ بِذِكْرِ ذَلِكَ عَلَى الْأَكْمَلِ ( وَتَنْقَادُوا لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ) أَيْ لِكُلِّ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ غَيْرَ نَحْوِ الْعِبَادَاتِ مِمَّا لَا يَرَوْنَهُ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ لَا كَشُرْبِ الْمُسْكِرِ وَنِكَاحِ الْمَجُوسِ لِلْمَحَارِمِ ، وَمِنْ عَدَمِ تَظَاهُرِهِمْ مِمَّا يَعْتَقِدُونَ إبَاحَتَهُ ، وَفَسَّرَ الصَّغَارَ فِي الْآيَةِ بِالْتِزَامِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ التَّعَرُّضُ لِهَذَا مَعَ أَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ عَقْدِهَا ; لِأَنَّهُ مَعَ الْجِزْيَةِ عِوَضٌ عَنْ تَقْرِيرِهِمْ فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ وَالْأُجْرَةَ فِي الْإِجَارَةِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِنَفْيِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى قِتَالِنَا كَمَا أُمِّنُوا مِنَّا خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِ لِدُخُولِهِ فِي الِانْقِيَادِ ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ صِحَّةُ قَوْلِ الْكَافِرِ ، أَقِرُّونِي بِكَذَا إلَى آخِرِهِ فَيَقُولُ لَهُ الْإِمَامُ أَقْرَرْتُكَ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ صُورَةَ عَقْدِهَا الْأَصْلِيِّ مِنْ الْمُوجِبِ ، أَمَّا النِّسَاءُ فَيَكْفِي فِيهِنَّ الِانْقِيَادُ لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ لِانْتِفَاءِ الْجِزْيَةِ عَنْهُنَّ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ صَرَاحَةً هَذِهِ الْأَشْيَاءُ ، وَأَنَّهُ لَا كِنَايَةَ هُنَا لَفْظًا ، وَلَوْ قِيلَ إنَّ كِنَايَاتِ الْأَمَانِ لَوْ ذُكِرَ مَعَهَا عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا إلَى آخِرِهِ تَكُونُ كِنَايَةً هُنَا لَمْ يَبْعُدْ ( وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُ ذِكْرِ قَدْرِهَا ) أَيْ الْجِزْيَةِ كَالثَّمَنِ وَالْأُجْرَةِ وَسَيَأْتِي أَقَلُّهَا .
وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ وَيَنْزِلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْأَقَلِّ ( لَا كَفُّ اللِّسَانِ ) مِنْهُمْ ( عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِينِهِ ) بِسُوءٍ فَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ لِدُخُولِهِ فِي الِانْقِيَادِ
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام …
اقرأ →
282 كِتَابُ مُخْتَصَرِ الْجَامِعِ مِنْ كِتَابِ الْجِزْيَةِ
وَمَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ وَمِنْ كِتَابِ الْوَاقِدِيِّ
وَاخْتِلَافِ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ
بَابُ مَنْ يَلْحَقُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : انْتَوَتْ قَبَائِلُ مِنَ الْعَرَبِ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَدَانَتْ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَأَخَذَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْجِزْيَةَ مِنْ أُكَيْدَرِ دَوْمَةَ ، وَهُوَ رَجُلٌ يُقَالُ : إِنَّهُ مِنْ غَسَّانَ أَوْ مِنْ كِنْدَةَ ، وَمِنْ أَهْلِ ذِمَّةِ الْيَمَنِ ، وَعَامَّتُهُمْ عَرَبٌ ، وَمِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَفِيهِمْ عَرَبٌ ، فَدَلَّ مَا وَصَفْتُ أَنَّ الْجِزْيَةَ لَيْسَتْ عَلَى الْأَحْسَابِ وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى الْأَدْيَانِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَالْأَصْلُ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ وَأَنْ يَصِيرَ الْمُشْرِكُونَ بِهَا أَهْلَ ذِمَّةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ : قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ إِلَى أَنْ قَالَ : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ، [ التوَبةِ : 29 ] . أَمَّا قَوْلُهُ هَاهُنَا : قَاتِلُوا فَفِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : يَعْنِي جَاهِدُوا .
وَالثَّانِي : اقْتُلُوا ، فَعَبَّرَ عَنِ الْقَتْلِ بِالْمُقَاتَلَةِ لِحُدُوثِهِ فِي الْأَغْلَبِ عَنِ الْقِتَالِ ، وَفِي قَوْلِهِ : الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : لَا يُؤْمِنُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ .
وَالثَّانِي : لَا يُؤْمِنُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِأَنَّ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ إِيمَانٌ بِالرُّسُلِ وَإِلَّا فَهُمْ مُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ مَعْبُودٌ .
وَفِي قَوْلِهِ : وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَإِنْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ الْبَعْثَ وَالْجَزَاءَ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ إِقْرَارَهُمْ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوجِبُ الْإِقْرَارَ بِجَمِيعِ حُقُوقِهِ ، فَصَارُوا بِتَرْكِ الْإِقْرَارِ بِحُقُوقِهِ كَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُمْ لَا يَخَافُونَ وَعِيدَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَذَمَّهُمْ ذَمَّ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ .
وَقَوْلُهُ : وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مَا أَمَرَ بِنَسْخِهِ مِنْ شَرَائِعِهِمْ .
283 وَالثَّانِي : أَنَّهُ مَا أَحَلَّهُ لَهُمْ ، وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ .
وَقَوْلُهُ : وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ فِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : مَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنَ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكَلْبِيِّ .
وَالثَّانِي : الدُّخُولُ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَالْحَقُّ هَاهُنَا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَوْلُهُ : مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : يَعْنِي مِنْ آبَاءِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ .
وَالثَّانِي : مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ : لِأَنَّهُمْ فِي اتِّبَاعِهِ كَآبَائِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : حَتَّى يَدْفَعُوا الْجِزْيَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : لِأَنَّهُ يُوجِبُهُ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ .
وَالثَّانِي : حَتَّى يَضْمَنُوا الْجِزْيَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ : لِأَنَّهُ يُوجِبُهَا بِانْقِضَاءِ الْحَوْلِ .
وَالْجِزْيَةُ : اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْجَزَاءِ ، إِمَّا عَلَى إِقْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ ، وَإِمَّا عَلَى مُقَامِهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَالْجِزْيَةُ هُوَ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ عَنْ رِقَابِهِمْ ، وَفِيهَا وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا مِنَ الْمُجْمَلِ الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلَى الْبَيَانِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهَا مِنَ الْعُمُومِ الَّذِي يَعْمَلُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ مَا لَمْ يَخُصُّهُ دَلِيلٌ .
وَقَوْلُهُ : عَنْ يَدٍ فِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : عَنْ غِنًى وَقُدْرَةٍ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَرَوْا لَنَا فِي أَخْذِهَا مِنْهُمْ بُدًّا عَلَيْهِمْ .
وَقَوْلُهُ : وَهُمْ صَاغِرُونَ فِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونُوا أَذِلَّاءَ مَقْهُورِينَ .
وَالثَّانِي : أَنَّ تَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ :
أَحَدُهَا : وُجُوبُ جِهَادِهِمْ .
وَالثَّانِي : جَوَازُ قَتْلِهِمْ .
وَالثَّالِثُ : حَقْنُ دِمَائِهِمْ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ .
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ السُّنَّةِ مَا رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ 284 خَيْرًا ، وَقَالَ لَهُ : إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى خِصَالٍ ثَلَاثٍ أَيَّتُهُنَّ أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ : ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ، وَإِنْ أَبَوْا فَالْجِزْيَةُ ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ، وَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ .
وَقَدْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ ، وَمِنْ مَجُوسِ هَجَرَ ، وَأَخَذَهَا مَنْ أَهْلِ أَيْلَةَ ، وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ أَخَذَ مِنْهُمْ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ ، وَلِأَنَّ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ مَعُونَةً لِلْمُسْلِمِينَ ، وَأَنَاةً بِالْمُشْرِكِينَ فِي تَوَقُّعِ اسْتِنْصَارِهِمْ ، وَذِلَّةً لَهُمْ رُبَّمَا تَبْعَثُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَجَوَّزَ النَّصُّ لِهَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ أَخْذَهَا مِنْهُمْ .
وَمَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ وَمِنْ كِتَابِ الْوَاقِدِيِّ
وَاخْتِلَافِ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ
بَابُ مَنْ يَلْحَقُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : انْتَوَتْ قَبَائِلُ مِنَ الْعَرَبِ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَدَانَتْ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَأَخَذَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْجِزْيَةَ مِنْ أُكَيْدَرِ دَوْمَةَ ، وَهُوَ رَجُلٌ يُقَالُ : إِنَّهُ مِنْ غَسَّانَ أَوْ مِنْ كِنْدَةَ ، وَمِنْ أَهْلِ ذِمَّةِ الْيَمَنِ ، وَعَامَّتُهُمْ عَرَبٌ ، وَمِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَفِيهِمْ عَرَبٌ ، فَدَلَّ مَا وَصَفْتُ أَنَّ الْجِزْيَةَ لَيْسَتْ عَلَى الْأَحْسَابِ وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى الْأَدْيَانِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَالْأَصْلُ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ وَأَنْ يَصِيرَ الْمُشْرِكُونَ بِهَا أَهْلَ ذِمَّةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ : قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ إِلَى أَنْ قَالَ : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ، [ التوَبةِ : 29 ] . أَمَّا قَوْلُهُ هَاهُنَا : قَاتِلُوا فَفِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : يَعْنِي جَاهِدُوا .
وَالثَّانِي : اقْتُلُوا ، فَعَبَّرَ عَنِ الْقَتْلِ بِالْمُقَاتَلَةِ لِحُدُوثِهِ فِي الْأَغْلَبِ عَنِ الْقِتَالِ ، وَفِي قَوْلِهِ : الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : لَا يُؤْمِنُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ .
وَالثَّانِي : لَا يُؤْمِنُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِأَنَّ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ إِيمَانٌ بِالرُّسُلِ وَإِلَّا فَهُمْ مُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ مَعْبُودٌ .
وَفِي قَوْلِهِ : وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَإِنْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ الْبَعْثَ وَالْجَزَاءَ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ إِقْرَارَهُمْ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوجِبُ الْإِقْرَارَ بِجَمِيعِ حُقُوقِهِ ، فَصَارُوا بِتَرْكِ الْإِقْرَارِ بِحُقُوقِهِ كَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُمْ لَا يَخَافُونَ وَعِيدَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَذَمَّهُمْ ذَمَّ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ .
وَقَوْلُهُ : وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مَا أَمَرَ بِنَسْخِهِ مِنْ شَرَائِعِهِمْ .
283 وَالثَّانِي : أَنَّهُ مَا أَحَلَّهُ لَهُمْ ، وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ .
وَقَوْلُهُ : وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ فِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : مَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنَ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكَلْبِيِّ .
وَالثَّانِي : الدُّخُولُ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَالْحَقُّ هَاهُنَا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَوْلُهُ : مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : يَعْنِي مِنْ آبَاءِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ .
وَالثَّانِي : مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ : لِأَنَّهُمْ فِي اتِّبَاعِهِ كَآبَائِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : حَتَّى يَدْفَعُوا الْجِزْيَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : لِأَنَّهُ يُوجِبُهُ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ .
وَالثَّانِي : حَتَّى يَضْمَنُوا الْجِزْيَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ : لِأَنَّهُ يُوجِبُهَا بِانْقِضَاءِ الْحَوْلِ .
وَالْجِزْيَةُ : اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْجَزَاءِ ، إِمَّا عَلَى إِقْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ ، وَإِمَّا عَلَى مُقَامِهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَالْجِزْيَةُ هُوَ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ عَنْ رِقَابِهِمْ ، وَفِيهَا وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا مِنَ الْمُجْمَلِ الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلَى الْبَيَانِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهَا مِنَ الْعُمُومِ الَّذِي يَعْمَلُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ مَا لَمْ يَخُصُّهُ دَلِيلٌ .
وَقَوْلُهُ : عَنْ يَدٍ فِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : عَنْ غِنًى وَقُدْرَةٍ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَرَوْا لَنَا فِي أَخْذِهَا مِنْهُمْ بُدًّا عَلَيْهِمْ .
وَقَوْلُهُ : وَهُمْ صَاغِرُونَ فِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونُوا أَذِلَّاءَ مَقْهُورِينَ .
وَالثَّانِي : أَنَّ تَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ :
أَحَدُهَا : وُجُوبُ جِهَادِهِمْ .
وَالثَّانِي : جَوَازُ قَتْلِهِمْ .
وَالثَّالِثُ : حَقْنُ دِمَائِهِمْ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ .
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ السُّنَّةِ مَا رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ 284 خَيْرًا ، وَقَالَ لَهُ : إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى خِصَالٍ ثَلَاثٍ أَيَّتُهُنَّ أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ : ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ، وَإِنْ أَبَوْا فَالْجِزْيَةُ ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ، وَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ .
وَقَدْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ ، وَمِنْ مَجُوسِ هَجَرَ ، وَأَخَذَهَا مَنْ أَهْلِ أَيْلَةَ ، وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ أَخَذَ مِنْهُمْ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ ، وَلِأَنَّ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ مَعُونَةً لِلْمُسْلِمِينَ ، وَأَنَاةً بِالْمُشْرِكِينَ فِي تَوَقُّعِ اسْتِنْصَارِهِمْ ، وَذِلَّةً لَهُمْ رُبَّمَا تَبْعَثُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَجَوَّزَ النَّصُّ لِهَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ أَخْذَهَا مِنْهُمْ .
الحنابلة
المغني
اقرأ →
263 كِتَابُ الْجِزْيَةِ وَهِيَ الْوَظِيفَةُ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ الْكَافِرِ ، لِإِقَامَتِهِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ عَامٍ ، وَهِيَ فِعْلَةٌ مِنْ جَزَى يَجْزِي : إذَا قَضَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا } تَقُولُ الْعَرَبُ : جَزَيْت دَيْنِي . إذَا قَضَيْته ، .
وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ، وَالْإِجْمَاعُ ، أَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } .
وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رَوَى { الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، أَنَّهُ قَالَ لِجُنْدِ كِسْرَى يَوْمَ نَهَاوَنْدَ : أَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ . }
وَعَنْ بُرَيْدَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ ، أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ، وَقَالَ لَهُ : إذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى إحْدَى خِصَالٍ ثَلَاثٍ ، اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ أَجَابُوك ، فَاقْبَلْ ، وَكُفَّ عَنْهُمْ ، فَإِنْ أَبَوْا فَادْعُهُمْ إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ ، فَإِنْ أَجَابُوك ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ، وَكُفَّ عَنْهُمْ ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ } فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ فِي الْجُمْلَةِ .
وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ، وَالْإِجْمَاعُ ، أَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } .
وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رَوَى { الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، أَنَّهُ قَالَ لِجُنْدِ كِسْرَى يَوْمَ نَهَاوَنْدَ : أَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ . }
وَعَنْ بُرَيْدَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ ، أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ، وَقَالَ لَهُ : إذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى إحْدَى خِصَالٍ ثَلَاثٍ ، اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ أَجَابُوك ، فَاقْبَلْ ، وَكُفَّ عَنْهُمْ ، فَإِنْ أَبَوْا فَادْعُهُمْ إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ ، فَإِنْ أَجَابُوك ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ، وَكُفَّ عَنْهُمْ ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ } فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ فِي الْجُمْلَةِ .