أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الأَنْصَارِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ الْحَرَّانِيُّ ° ، حُضُورًا ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْبَقَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعُكْبَرِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي ° ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَانِيَاسِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ الْحَافِظُ ° ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلادٍ ° ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِلْحَانَ ° ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ° ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ° ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ ° ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ ° ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ° ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " مَنْ نَزَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ ، لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَتْ لَهُ حُجَّةٌ ، وَمَنْ مَاتَ مُفَارِقًا لِلْجَمَاعَةِ ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً "
ذكر شَيْء من فوائده وكلامه فِي الفقه وغيره ذكر أَبُو البقاء فِي شرح الهداية وجها بدخول الاستحاضة فِي مدة النفاس ، وَقَدْ حكاه قبله الْقَاضِي فِي شرح المذهب . وحكى فيما إِذَا حك أسفل الخف بعود ونحوه من النجاسة ، فهل يقوم مقام دلكه بالأرض فِي طهارته أَوِ العفو عَنْهُ ؟ وجهين . وَقَالَ فِيهِ : الكلب والحمار الأهلي ، والوحشي سواء فِي قطع الصلاة . قَالَ : وَقَالَ الشريف : رأيت فِي بَعْض نسخ المجرد يقطع الحمار الأهلي . وَقَالَ فِيهِ : لَمْ أجد لأَصْحَابنا فِي بَعْض الآية الَّتِي يَجُوز للجنب قراءتها حدا ، وظاهر قولهم ، أَنَّهُ يَجُوز ذَلِكَ ، وإن كثر البعض ، وَكَانَ بمنزلة آيات متوسطة . وَالْأَمْرُ مَحْمُولٌ عِنْدِي عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ أَن يحمل البعض عَلَى مقدار دُونَ آية متوسطة ، إِذَا كَانَ كلاما تاما غَيْر متعلق بِمَا قبله وَمَا بعده . وحكى ابْن الصيرفي أَيْضًا ، عَن أَبِي البقاء ، أَنَّهُ كَانَ يختار جواز أخذ بَنِي هاشم من الزكاة إِذَا منعوا حقهم من خمس الغنيمة . وَقَالَ ابْن الصيرفي أَيْضًا : خرجت جواز دفع الرشوة إِلَى الْقَاضِي الظَّالِم لدفع ظلمه عَلَى عامل الخراج ، وذاكرت بِذَلِكَ شيخي أبا البقاء فلم يصوبه . قَالَ : ثُمَّ رأيت ابْن عقيل فِي فنونه صرح بِمَا خرجته . قَالَ : سمعت شيخنا أبا البقاء يَقُول فيمن رأى رجلا نائما ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ وقت الصلاة : لا يوقظه ، لأنه غَيْر مخاطب . قَالَ : ويغلب عَلَى ظني أَنَّهُ حكاه عَن شيخه أَبِي حَكِيم . قَالَ : وقرأت بخط بَعْض أَصْحَاب أَبِي الْخَطَّاب ، أَنَّهُ سأل أبا الْخَطَّاب عَن هذه المسألة ، فَقَالَ : نعم يوقظه . قَالَ : وحكى عَن شيخنا مُحَمَّد بْن قدامة المقدسي مثل ذَلِكَ . قَالَ : ورأيت فِي فنون ابْن عقيل هذه المسألة ، وَقَدْ جرت فِيهَا مذاكرات بَيْنَ ابْن عقيل ، ورجل آخر معين ، واختلف فِي ذَلِكَ . ومن كلامه فِي حواشي المفصل : أفعل تستعمل عَلَى وجهين : أحدهما : يدل عَلَى أَن فضل المذكور زائد عَلَى فضل من أضيف إِلَيْهِ أفعل ، فهذا يستعمل عَلَى ثلاثة أوجه بـ " من " كقولك : زَيْد أفضل من عُمَر ، وَهَذَا لا يثني ، ولا يجمع ، ولا يؤنث لعلة لَيْسَ هَذَا موضعها . وبالإضافة كقولك : زَيْد أفضل الْقَوْم ، وَهَذَا لا يضاف إِلَى مضاف إِلَى ضميره ، فلا تقول زَيْد أفضل إخوته ، وبالألف واللام ، كقولك : زَيْد الأفضل . والوجه الثَّانِي : أَن لا يَكُون أفعل للزيادة ، بَل لاشتهار المذكور بالفضل ، وتخصيصه من دونهم ، كقولك : زَيْد أفضل الْقَوْم ، كَمَا تقول : فاضل ، وعلى هَذَا يَجُوز أَن يضاف إِلَى ضميره ، كقولك : زَيْد أفضل قومه ، وأحسن إخوته ، أي : هُوَ الفاضل من بينهم ، وَهَذَا يثنى ، ويجمع ، ويؤنث . ومنه الفرق بَيْنَ قَوْله : من دَخَلَ داري فله درهم ، ومن دَخَلَ داري لَهُ درهم بإسقاط الفاء ، أي إنه مَعَ إثباتها يَكُون ضامنا لَهُ الدرهم عَلَى دخوله ، ومع سقوطها يحتمل أَن يَكُون أخبر عَنْهُ بأنه يملك درهما ، لا أَنَّهُ ضمن لَهُ شَيْئًا . وَقَالَ : الفرق بَيْنَ واو مَعَ واو العطف يتبين بقولك : قم أَنْتَ وزيد إِذَا رفعت زَيْد كنت آمرا لهما بالقيام ، لأن حكم العطف أَن يشرك بَيْنَ المعطوف والمعطوف عَلَيْهِ فِي العامل ، وإذا نصبت كنت آمرا المخاطب أَن يتابع زيدا فِي القيام ، ولست آمرا زيدا بالقيام ، حَتَّى لو لَمْ يقم لَمْ يلزم المخاطب القيام ، لأن هَذَا هُوَ حكم مَعَ . ومن كلامه ، ونقلته من خط ابْن الصيرفي : لو يقع فِي الْكَلام عَلَى ثلاثة أوجه : أحدهما : امتناع الشيء لامتناع غيره . وَالثَّانِي : أَن يَكُون بمعنى إِن الشرطية ، كقوله تَعَالَى : وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ سورة البقرة آية 221 . والثالث : أَن تكون بمعنى أَن الناصبة للفعل المستقبل ، ولكنها لا تنصب ، وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن والشعر ، كقوله تَعَالَى : وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ سورة القلم آية 9 ، يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي سورة المعارج آية 11 ، ولا يَجُوز أَن يَكُون للامتناع ، إذ لا جواب لَهَا ، ولأن " ود " لا تعلق عَنِ العمل ، إذ لَيْسَ من بَاب العلم الظن ، ولأن أَن قَدْ جاءت بعدها صريحة فِي قَوْله تَعَالَى : أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ سورة البقرة آية 266 ، وإنما لَمْ تنصب ، لأن لو قَدْ تعددت معانيها ، فلم تختص ، وجرت مجرى حَتَّى فِي الأفعال . والقسم الأَوَّل يرد فِي اللغة عَلَى خمسة أوجه : أحدهما : أَن تَدُل عَلَى كَلام لا نفي فِيهِ ، كقولك : لو قُمْتَ قُمْتُ ، ويفيد ذَلِكَ امتناع قيامك لامتناع قيامه . وَالثَّانِي : أَن تدخل عَلَى نفيين ، فيصير المعنى إِلَى إثباتهما ، كقولك : لو لَمْ تزرني لَمْ أكرمك أي : أكرمتك ، لأنك زرتني ، فانقلب النفي ههنا إثباتا ، لأن لو امتناع ، والامتناع نفي ، والنفي إِذَا دَخَلَ عَلَى النفي صار إيجابا . والثالث : أَن يَكُون النفي فيما دخلت عَلَيْهِ دُونَ جوابها ، كقولك : لو لَمْ تشتمه لأكرمك ، فالشتم واقع ، والإكرام منتف ، والامتناع أزال النفي ، وبقى الإيجاب بحاله . والرابع : عكس الثلث ، وَهُوَ قولك : لو أَحْسَن إليك لَمْ تسيء إِلَيْهِ ، والمعنى معلوم . والخامس : أَن تقع للمبالغة ، فلا تفيد مفادها فِي الوجوه الأَوَّل ، كقول عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ " نعم العبد صهيب ، لو لَمْ يخف اللَّه لَمْ يعصه " ، والمعنى أَنَّهُ لو لَمْ يكن عنده خوف لما عصى ، فكيف يعصي وعنده خوف ؟ ولو لَمْ يرد المبالغة ، لكان معنى ذَلِكَ أَنَّهُ يعصي اللَّه لأنه يخافه . وَقَالَ أَيْضًا : لو فِي الموضع اللغوي تعلق فعلا بفعل ، والفعل الأَوَّل علة الثَّانِي ، إلا أَن يَكُون هنا قرينة صارفة تصرفها عَن هَذَا الأصل ، وَهُوَ أَن يدل المعنى عَلَى إرادة المبالغة ، كقولك : لو أهين زَيْد لأحسن إِلَى من يهينه ، والمعنى ، أَنَّهُ إِذَا أكرم كَانَ أولى بالإحسان ، لا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يهن لَمْ يحسن . ومن كلامه بله تستعمل عَلَى ثلاثة أوجه . وَالثَّانِي : أَن تكون بمعنى : دع ، فتكون مبنية عَلَى الفتح . والثالث : أَن تكون بمعنى : كَيْفَ فَإِن دخلت من عَلَيْهَا كانت معربة ، وجرت بمن . وذكر أَن أبا عَلِي الفارسي حكى عَن أَبِي زَيْد القلب ، فيقال : بهل ، إلا أَنَّهَا لا تستعمل مثل بله ، لأنها فرع . وَقَالَ أَبُو البقاء : سألني سائل عَن قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّمَا يرحم اللَّه من عباده الرحماء " ، فَقَالَ : أيجوز فِي الرحماء الرفع والنصب ؟ وذكر أَن بَعْضهم زعم أَن الرفع غَيْر جائز ، فأجبت : بأن الوجهين جائزان . أما النصب : فله وجهان ، أقواهما أَن تكون مَا كافة لإن عَنِ العمل ، فلا يَكُون فِي الرحماء عَلَى هَذَا إلا النصب ، لأن إِن إِذَا كفت عَنِ العمل وقعت بعدها الجملة ابتدائية ، وَلَمْ يبق لَهَا عمل ، فيتعين حينئذ نصب الرحماء بـ " يرحم " إذ لَمْ يبق لَهَا تعلق بإن ، ومثله : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ سورة البقرة آية 173 عَلَى قراءة من نصب ، وفائدة دخول مَا عَلَى هَذَا الوجه إثبات المذكور ، ونفي مَا عداه ، فتثبت الرحمة للرحماء دُونَ غيرهم . والوجه الثَّانِي : أَن تكون مَا زائدة ، وإن بمعنى نعم ، وزيادة مَا كثيرا ، ووقوع إِن بمعنى نعم كثير ، فمنه قَوْله تَعَالَى : إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ سورة طه آية 63 فِي أحد القولين ، ومنه قَوْل ابْن الزُّبَيْر ، حِينَ قَالَ لَهُ رجل : لعن اللَّه ناقة حملتني إليك ، فَقَالَ : إِن وراكبها وَهُوَ كثير فِي الشعر . فَإِن قيل : إِنَّمَا يجيء ذَلِكَ بَعْد كَلام تكون جوابا لَهُ ، وَلَمْ تسبق مَا يجاب عَلَيْهِ : نعم قيل : إِن لَمْ يسبق لفظا ، فَهُوَ سابق تقديرا ، فكان قائلا ، قَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يرحم اللَّه فِي عباده من يرحم الخلق ، وإن كَانَ مقصرا فيما بينه وبين اللَّه تَعَالَى ؟ فَقَالَ : نعم ، وَهَذَا مِمَّا يَجُوز أَن يسأل عَنْهُ . وَأَمَّا الرفع : فجائز جوازا حسنا ، وفيه عدة أوجه : أحدهما أَن تكون مَا بمعنى الَّذِي ، والعائد إِلَيْهَا محذوف ، والرحماء خبر إِن ، والتقدير : إِن الفريق الَّذِي يرحمه اللَّه من عباده الرحماء . فَإِن قيل : يلزم من ذَلِكَ أَن تكون مَا هنا لمن يعقل ؟ ففيه جوابان : أحدهما أَن مَا استعملت بمعنى من كقوله تَعَالَى : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ سورة النساء آية 3 ، وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن ، ومنه وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا {5} وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا سورة الشمس آية 5-6 فِي أصح القولين ، وحكى أَبُو زَيْد عَنِ العرب ، سبحان مَا سبحتن لَهُ ، وسبحان مَا سخركن لنا . وَالثَّانِي : أَن مَا تقع بمعنى الَّذِي بلا خلاف ، والَّذِي تستعمل فيمن يعقل ، وفيمن لا يعقل ، وإنما يعرف ذَلِكَ بِمَا يتصل بها ، وَكَذَلِكَ فِي مَا لاسيما إِذَا اتصل بها مَا يصير وصفا ، وإنما تفترق مَا ، والذي فِي أَن الَّذِي يوصف بلفظها ، وما لا يوصف بلفظها . فَإِن قيل : كَيْفَ يصح هَذَا ؟ والرحماء جمع ، وما بمعنى الَّذِي مفردة ، والمفرد لا يخبر عَنْهُ بالجمع ؟ قيل : مَا يَجُوز أَن يخبر عَنْهَا بلفظ المفرد تارة ، وبلفظ الجمع أُخْرَى ، مثل من ، وكل . قَالَ تَعَالَى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ سورة الأنعام آية 25 وَقَالَ فِي آية أُخْرَى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ سورة يونس آية 42 ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ سورة البقرة آية 112 ، وَقَالَ فِي كُل : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ سورة النمل آية 87 ، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا سورة مريم آية 95 ، فالإفراد محمول عَلَى لفظ من ، ومَا ، وكل ، والجمع محمول عَلَى معانيها . وَأَمَّا الَّذِي فَقَد استعملت مفردة للجنس ، ورجع الضمير تارة إِلَى لفظها مفردا ، وتارة إِلَى معناها مجموعا ، قَالَ تَعَالَى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ سورة البقرة آية 17 فجاء بالضمير مفردا ومجموعا ، وَقَالَ تَعَالَى : وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ سورة الزمر آية 33 ، فأعاد الضمير بلفظ الجمع ، فَكَذَلِكَ فِي قَوْله : " إِنَّمَا يرحم اللَّه من عباده الرحماء " ، ولك عَلَى هَذَا الوجه أَن تجعل إِن العاملة ، وأن تجعلها بمعنى نعم عَلَى مَا سبق . الوجه الثَّانِي من وجوه مَا الَّتِي يَجُوز معها رفع الرحماء : أَن تكون مَا نكرة موصوفة فِي موضع : فريق أَوْ قبيل ، ويرحم صفة لَهَا ، والرحماء الْخَبَر ، والعائد من الصفة إِلَى الموصوف محذوف ، تقديره : إِن فريقا يرحمه اللَّه : الرحماء . فَإِن قيل : كَيْفَ يصح الابتداء بالنكرة ، والإخبار بالمعرفة عَنْهَا ؟ قيل : النكرة هنا قَدْ خصصت بالوصف ، والرحماء ، لا يقصد بهما قصد قوم بأعيانهم ، فكان فِيهِ كَذَلِكَ نوع إيهام ، فلما قرنت النكرة هنا بالصفة من المعرفة ، وقرنت المعرفة من النكرة بِمَا فِيهَا من إبهام صح الإخبار بها عَنْهَا ، عَلَى أَن كثير من النكرات يجري مجرى المعارف فِي بَاب الأخبار إِذَا حصلت من ذَلِكَ فائدة ، والفائدة هنا حاصلة . الوجه الثالث : أَن تكون مَا مصدرية ، وَفِي تصحيح الإخبار عَنْهَا بالرحماء ثلاثة أوجه : أحدهما : أَن يَكُون المصدر هنا بمعنى المفعول ، تقديره : إِن مرحوم اللَّه من عباده الرحماء ، ومنه : هَذَا خَلْقُ اللَّهِ سورة لقمان آية 11 ، أي : مخلوقه . وَقَالَ أَبُو عَلِي : لَك أَن تجعل مَا من قَوْله : وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ سورة البقرة آية 72 مصدرية : أي كتمانكم ، وكتمانكم بمعنى مكتومكم ، لأن الكتمان لا يظهر ، وإنما يظهر المكتوم . الوجه الثَّانِي : أَن المضاف إِلَى المصدر ، أَوْ إِلَى الْخَبَر محذوف ، تقديره : إِن ذوي رحمة اللَّه من عباده الرحماء ، أي : المستحقون لَهَا ، أَوْ إِن رحمة اللَّه حق الرحماء ، ومثل هذين الوجهين فِي قَوْله تَعَالَى : وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ سورة البقرة آية 177 ، هل تقديره : ولكن ذا البر من آمن ؟ ولكن الْبِرَّ بِرُّ مَنْ آمن . الوجه الثالث : أَن لا تقدر حذف مضاف ، غَيْر أَن تجعل الرحماء هُم الرحمة عَلَى المبالغة ، كَمَا قَالُوا : رجل عدل ، ورجل زور ، ورجل علم ، وقوم صوم ، إِذَا كثر مِنْهُم ذَلِكَ ، ومنه قَوْل الخنساء : ترتع مَا رتعت حَتَّى إِذَا أذكرت فإنما هِيَ إقبال وإدبار فثبت بِمَا ذكرناه ، وَهُوَ قَوْل من زعم امتناع الرفع فِي الرحماء ، والله أعلم بالصواب .