12 قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ ° ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ° ، قَالَ : إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ رُومِيَّةَ ، فَإِذَا دَخَلْتُمُوهَا فَادْخُلُوا كَنِيسَتَهَا الشَّرْقِيَّةَ ، فَعُدُّوا سَبْعَ بَلاطَاتٍ وَاقْلَعُوا الثَّامِنَةَ ، وَهِيَ بَلاطَةٌ حَمْرَاءُ ، فَإِنَّ تَحْتَهَا عَصَا مُوسَى ، وَإِنْجِيلَ عِيسَى ، وَحُلِيَّ إِيلِيَاءَ ، يَعْنِي : بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، هَذَا خِزْيُهُمْ فِي الدُّنْيَا ، وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ
قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عن الْهُذَيْلِ بن حبيب ، عن مُقَاتِلٍ ، قَالَ : كُلّ من ملك القبط يسمى قيطوس ، وكل من ملك الروم يسمى قيصر ، وكل من ملك الفرس يسمى كسرى كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ { 151 } فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ { 152 } سورة البقرة آية 151-152 كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ سورة البقرة آية 151 ، يعني محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يتلو عليكم آياتنا القرآن ، ويزكيكم يعني يطهركم من الشرك والكفر ، ويعلمكم الكتاب يعني القرآن ، والحكمة يعني الحلال والحرام ، وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ سورة البقرة آية 151 إذا فعلت ذَلِكَ بكم ، فاذكروني ، يَقُولُ فاذكروني بالطاعة أذكركم بخير ، وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ سورة البقرة آية 152 يَقُولُ : اشكروا اللَّه عَزَّ وَجَلّ فِي هَذِهِ النعم لا تكفروا بها لقوله : كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ سورة البقرة آية 151 إلى آخر الآية . يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ { 153 } وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ { 154 } وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ { 155 } الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ { 156 } أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ { 157 } سورة البقرة آية 153-157 يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ سورة البقرة آية 153 يَقُولُ : استعينوا عَلَى طلب الآخرة بالصبر عَلَى الفرائض والصلوات الخمس فِي مواقيتها نحو الكعبة ، حين عيرتهم اليهود بترك قبلتهم ، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ سورة البقرة آية 153 عَلَى الفرائض والصلاة ، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ سورة البقرة آية 154 ، نزلت فِي قتلى بدر من الْمُسْلِمِين ، وهم أربعة عشر رَجُلا من الْمُسْلِمِين ، ثمانية من الأَنْصَار ، وستة من المهاجرين ، فَمن المهاجرين : عُبَيْدة بن الْحَارِث بن عَبْد الْمُطَّلِب ، وعمير بن نضلة ، وعقيل بن بكير ، ومهجع بن عبد اللَّه مَوْلَى عُمَر بن الخَطَّاب ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وصفوان بن بيضاء ، فهؤلاء ستة من المهاجرين ، ومن الأَنْصَار : سعد بن خثيمة بن الْحَارِث بن النخاط بن كَعْب بن غَنْم بن أسلم بن مَالِك بن الأوس ، ومبشر بن عَبْد الْمُنْذِر ، ويزيد بن الْحَارِث ، وعمر بن الحمام ، ورافع بن المعلى ، وحارثة بن سُرَاقة ، ومعوذ ابن عفراء ، وعوف ابن عفراء ، وعما ابنا الْحَارِث بن مَالِك بن سَوَّار ، فهؤلاء ثمانية من الأَنْصَار . وذلك أن الرَّجُل كان يقتل فِي سبيل اللَّه ، فيقولون : مات فُلان ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : وَلا تقولوا مَعْشَر الْمُؤْمِنِين ، لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ سورة البقرة آية 154 بل أحياء مرزوقون فِي الجنة عِنْد اللَّه ، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : وَلَكِن لا تشعرون بأنهم أحياء مرزوقون ، ومساكن أرواح الشهداء سدرة المنتهى فِي جنة المأوى ، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ سورة البقرة آية 155 يعني القحط ، وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ سورة البقرة آية 155 يعني قحط المطر ، وبشر الصابرين عَلَى هَذِهِ البلية بالجنة . ثُمّ نعت أَهْل المصيبة فَقَالَ : الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ سورة البقرة آية 156 ، يعني فيما ذُكِرَ مِنْ هَذِهِ الآية ، قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ سورة البقرة آية 156 ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ سورة البقرة آية 157 يعني مغفرة ، كقوله سُبْحَانَهُ : وصل عليهم يعني استغفر لهم ، إن صلاتك يعني استغفارك ، سكن لهم من ربهم ، وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ سورة البقرة آية 157 للاسترجاع . إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ سورة البقرة آية 158 إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ سورة البقرة آية 158 ، وذلك أن الحُمس ، وهم : قريش ، وكنانة ، وخزاعة ، وعامر بن صعصعة ، قَالُوا : ليست الصفا والمروة من شعائر اللَّه ، وكان عَلَى الصفا صنم يُقَالُ لَهُ : نائلة ، وعلى المروة صنم يُقَالُ لَهُ : يسَاف فِي الْجَاهِلِيَّة ، قَالُوا : إنَّه حرج علينا فِي الطواف بَيْنَهُمَا ، فكانوا لا يطوفون بَيْنَهُمَا ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ سورة البقرة آية 158 ، يَقُولُ : هما من أمر المناسك التي أمر اللَّه بها ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا سورة البقرة آية 158 يَقُولُ : لا حرج عَلَيْه أن يطوف بَيْنَهُمَا لقولهم : إن علينا حرجا فِي الطواف بَيْنَهُمَا ، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : ومن تطوع خيرًا بعد الفريضة ، فزاد فِي الطواف ، فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ سورة البقرة آية 158 لأعمالكم عليم بها ، وَقَدْ طاف إِبْرَاهِيم الخليل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين الصفا والمروة . إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ { 159 } إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ { 160 } إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ { 161 } خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ { 162 } وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ { 163 } سورة البقرة آية 159-163 إن الذين يكتمون ، وذلك أن مُعَاذ بن جبل ، وسعد بن مُعَاذ ، وحارثة بن زَيْد ، سألوا اليهود عن أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن الرجم وغيره فكتموهم ، يعني اليهود ، منهم : كَعْب بن الأشرف ، وابن صوريا ، مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ سورة البقرة آية 159 ، يعني ما بين اللَّه عَزَّ وَجَلّ فِي التوراة ، يعني الرجم والحلال والحرام ، والهدى ، يعني أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التوراة فكتموه الناس ، يقول الله سبحانه مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ سورة البقرة آية 159 يعني أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، للناس فِي الكتب يعني لبني إِسْرَائِيل فِي التوراة ، وذلك قوله سُبْحَانَهُ فِي العنكبوت : وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا سورة العنكبوت آية 47 أَي بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا الظالمون يعني المكذبون بالتوراة ، وهم أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ سورة البقرة آية 159 وذلك أن الكافر يضرب فِي قبره فيصيح ويسمع صوته الخليقة كلهم ، غَيْر الجن والإنس ، فيقولون : إِنَّمَا كان يحبس عنا الرزق بذنب هَذَا ، فتلعنهم الخليقة ، فهم اللاعنون . ثُمّ استثنى مؤمني أَهْل التوراة ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : إِلَّا الَّذِين تابوا من الكفر وأصلحوا العمل ، وبينوا أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للناس ، فأولئك أتوب عليهم يعني أتجاوز عَنْهم ، وأنا التواب الرحيم ثُمّ ذَكَرَ مَنْ مات من اليهود عَلَى الكفر ، فَقَالَ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ سورة البقرة آية 161 ، و لعنة الملائكة ، و لعنة الناس أجمعين ، يعني الْمُؤْمِنِين جميعًا ، خالدين فيها ، يعني فِي اللعنة ، واللعنة النار ، لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ سورة البقرة آية 162 ، لا يناظر بهم حَتَّى يعذبوا . ثُمّ قَالَ لأهل الكتاب : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ سورة البقرة آية 163 ، يَقُولُ : ربكم رب واحد ، فوحد نفسه تبارك اسمه ، لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ سورة البقرة آية 163 . إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ سورة البقرة آية 164 إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ سورة البقرة آية 164 وذلك أن كفار مكة قَالُوا لرسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ائتنا بآية ، اجعل لنا الصفا ذهبا ، فَقَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ سورة البقرة آية 164 ، وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي سورة البقرة آية 164 ، يعني السفن التي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ سورة البقرة آية 164 فِي معايشهم ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ سورة البقرة آية 164 يعني بالماء الأرض بعد موتها يبسها ، وبث فيها يعني وبسط ، مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ سورة البقرة آية 164 فِي العذاب والرحمة ، وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ سورة البقرة آية 164 ، فيما ذُكِرَ مَنْ صنعه فيوحدوه . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ { 165 } إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ { 166 } وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ { 167 } سورة البقرة آية 165-167 ومن الناس يعني مشركي العرب ، مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا سورة البقرة آية 165 ، يعني شركاء ، وهي الآلهة ، يحبونهم كحب اللَّه ، يَقُولُ : يحبون آلهتهم كَمَا يحب الَّذِين آمنوا ربهم ، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ سورة البقرة آية 165 منهم لآلهتهم ، ثُمّ أخبر عَنْهُمْ ، فَقَالَ : ولو يرى محمد يوم الْقِيَامَة الَّذِين ظلموا ، يعني مشركي العرب ستراهم يا محمد فِي الآخرة إذ يرون العذاب فيعلمون حينئذ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ سورة البقرة آية 165 ، ثُمّ أخبر سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ ، فَقَالَ : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا سورة البقرة آية 166 يعني القادة ، من الَّذِين اتبعوا يعني الأتباع ، ورأوا العذاب يعني القادة والأتباع ، وتقطعت بهم الأسباب ، يعني المنازل والأرحام التي كانوا يجتمعون عَلَيْهَا من معاصي اللَّه ، ويتحابون عَلَيْهَا فِي غَيْر عبادة اللَّه ، انقطع عَنْهُمْ ذَلِكَ وندموا . وقَالَ الذين اتبعوا أَي الأتباع : لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً سورة البقرة آية 167 يعني رجعة إلى الدُّنْيَا ، فنتبرأ منهم من القادة ، كَمَا تبرءوا مِنَّا فِي الآخرة ، وذلك قوله سُبْحَانَهُ : ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ سورة العنكبوت آية 25 يعني يتبرأ ، بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا سورة العنكبوت آية 25 ، كذلك يَقُولُ : هكذا ، يريهم اللَّه أعمالهم يعني القادة والأتباع ، حسرات عليهم يعني ندامة ، وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ سورة البقرة آية 167 . يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ { 168 } إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ { 169 } وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ { 170 } وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ { 171 } سورة البقرة آية 168-171 . يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا سورة البقرة آية 168 ، يعني مما حرموا من الحرث والأنعام ، نزلت فِي ثقيف ، وَفِي بني عامر بن صعصعه ، وخزاعة ، وبني مدلج ، وعامر والحارث ابني عَبْد مناة ، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ سورة البقرة آية 168 يعني تزيين الشَّيْطَان فِي تحريم الحرث والأنعام ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ سورة البقرة آية 168 يعني بين ، إِنَّمَا يأمركم بالسوء يعني بالإثم ، والفحشاء يعني وبالمعاصي ، لأنه لَكُمْ عدو مبين ، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ سورة البقرة آية 169 بأنه حرم عليكم ، ما لا تعلمون أنتم أَنَّهُ حرمه . ثُمّ أخبر عَنْهُمْ ، فَقَالَ : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ سورة البقرة آية 170 من القرآن فِي تحليل ما حرموه ، قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا سورة البقرة آية 170 من أمر الدّين ، فَإِن آباءنا أمرونا أن نعبد ما كانوا يعبدون ، قل يا محمد : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا سورة البقرة آية 170 من الدّين وَلا يهتدون به أفتتبعونهم ، ثُمّ ضرب لهم مثلا ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ سورة البقرة آية 171 ، يعني الشاة والحمار ، بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً سورة البقرة آية 171 ، يعني مثل الكافر كمثل البهيمة إن أمرت أن تأكل أَوْ تشرب سَمِعَت صوتا وَلا تعقل ما يُقَالُ لها ، فكذلك الكافر الَّذِين يسمع الهدى والموعظة إذا دعي إليها ، فلا يعقل وَلا يفهم بمنزلة البهيمة ، يَقُولُ : صم فلا يسمعون الهدى ، بكم فلا يتكلمون بالهدى ، عمي فلا يبصرون الهدى ، فهم لا يعقلون الهدى . يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ { 172 } إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ { 173 } سورة البقرة آية 172-173 يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ سورة البقرة آية 172 من تحليل الحرث والأنعام ، يعني بالطيب الحلال ، وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ سورة البقرة آية 172 ولا تحرموا ما أحل اللَّه لَكُمْ من الحرث والأنعام ، ثُمّ بين ما حرم ، فَقَالَ : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ سورة البقرة آية 173 ، يَقُولُ : وما ذبح للأوثان ، فمن اضطر إلى شيء مما حرم اللَّه ، غَيْر باغ استحلاله ، وَلا عاد يعني وَلا معتديا لَمْ يضطر إِلَيْهِ ، فلا إثم عَلَيْه فِي أكله ، إن اللَّه غفور لما أكل من الحرام فِي الاضطرار ، رحيم إذ رخص لهم فِي الاضطرار ، مثلها فِي الأنعام ، والمضطر يأكل عَلَى قدر قوته . إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ { 174 } أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ { 175 } ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ { 176 } سورة البقرة آية 174-176 إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ سورة البقرة آية 174 ، يعني التوراة أنزلت فِي رءوس اليهود ، منهم : كَعْب بن الأشرف ، وابن صوريا ، كتموا أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التوراة ، وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا سورة البقرة آية 174 يعني عرضا من الدُّنْيَا ، ويختارون عَلَى الكفر بمحمد ثمنا قليلا ، يعني عرضا من الدُّنْيَا يسيرا مما يصيبون من سفلة اليهود من المآكل كُلّ عام ، ولو تابعوا محمدا لحبست عَنْهُمْ تِلْكَ المآكل ، فَقَالَ اللَّه تَعَالَى ذكره : أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ سورة البقرة آية 174 يَقُولُ : وَلا يزكي لهم أعمالهم ، ولهم عذاب أليم يعني وجيع . ثُمّ اخبر عَنْهُمْ فَقَالَ سُبْحَانَهُ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى سورة البقرة آية 175 ، يعني باعوا الهدى الَّذِين كانوا فِيهِ من إيمان بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل أن يبعث بالضلالة التي دخلوا فيها بعدما بعث محمد ، ثُمّ قَالَ : والعذاب بالمغفرة ، أَي اختاروا العذاب عَلَى المغفرة ، فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ سورة البقرة آية 175 يَقُولُ : أَي شيء جرأهم عَلَى عمل يدخلهم النار ، فَمَا أصبرهم عَلَيْهَا ، إِلَّا أعمالهم الخبيثة ، ذَلِكَ العذاب الَّذِي نزل بهم فِي الآخرة بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ سورة البقرة آية 176 يعني القرآن ، بالحق يَقُولُ : لَمْ ينزل باطلا لغير شيء ، فلم يؤمنوا به وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ سورة البقرة آية 176 يعني فِي القرآن ، لفي شقاق بعيد يعني لفي ضلال بعيد ، يعني طويل . لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ سورة البقرة آية 177 لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ سورة البقرة آية 177 يعني لَيْسَ التقوى أن تحولوا وجوهكم فِي الصَّلاة قبل يعني تلقاء المشرق والمغرب فلا تفعلوا ذَلِكَ ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ سورة البقرة آية 177 يعني صدق باللَّه بأنه واحد لا شريك لَهُ ، واليوم الآخر يعني وصدق بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال بأنه كائن والملائكة أَي وصدق بالملائكة ، وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ سورة البقرة آية 177 يعني وأعطى المال ، على حبه لَهُ أعطى ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ سورة البقرة آية 177 يعني والضيف نازل عليك و أعطى ، والسائلين وفي الرقاب فهذا تطوع ، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : وأقام الصَّلاة المكتوبة ، وآتى وأعطى ، الزكاة المفروضة ، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا سورة البقرة آية 177 فيما بينهم وبَيْنَ الناس ، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ سورة البقرة آية 177 يعني الفقر ، والضراء يعني البلاء ، وحين البأس يعني وعند القتال هُمْ صابرون ، أولئك الَّذِين صدقوا فِي إيمانهم ، وأْولَئِك هُم المتقون . يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ { 178 } وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ { 179 } سورة البقرة آية 178-179 يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى سورة البقرة آية 178 إذا كان عمدا ، وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا فِي الْجَاهِلِيَّة قبل الْإِسْلام بقليل ، وكانت بينهم قتلى وجرحى ، حَتَّى قُتِل العبيد والنساء ، فلم يأخذ بعضهم من بعض الأموال حَتَّى أسلموا ، وكان أحد الحيين لَهُ طول عَلَى الآخر فِي العدد والأموال ، فحلفوا أن لا نرضى حَتَّى يقتل بالعبد مِنَّا الحر منهم ، وبالمرأة مِنَّا الرَّجُل منهم ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى سورة البقرة آية 178 ، فسوى بينهم فِي الدماء ، وأمرهم بالعدل فرضوا ، فصارت منسوخة نسختها الآية التي فِي المائدة قوله سُبْحَانَهُ : وكتبنا فيما قضينا ، عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ سورة المائدة آية 45 يعني النَّفْس المسلم الحر بالنفس المسلم الحر ، والمسلمة الحرة بالمسلمة الحرة ، فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ سورة البقرة آية 178 . ثُمّ رجع إِلَى أول الآية فِي قوله سُبْحَانَهُ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى سورة البقرة آية 178 إذا كان عمدا إذا عفى وَلِي المقتول عن أَخِيهِ القاتل ورضي بالدية ، فاتباع بالمعروف يعني الطالب ليطلب ذَلِكَ فِي رفق ، ثُمّ قَالَ للمطلوب : وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ، يَقُولُ : ليؤدي الدية إلى الطالب عفوا فِي غَيْر مشقة وَلا أذى ، ذَلِكَ العفو والدية تخفيف من ربكم إذ جعل فِي قتل العمد العفو والدية ، ثُمّ قَالَ : ورحمة يعني وتراحموا ، وكان اللَّه عَزَّ وَجَلّ حكم عَلَى أَهْل التوراة أن يقتل القاتل ، وَلا يعفى عَنْهُ ، وَلا يقبل منه الدية ، وحكم عَلَى أَهْل الإنجيل العفو ، وَلا يقتل القاتل بالقصاص ، وَلا يأخذ وَلِيّ المقتول الدية . ثُمّ جعل اللَّه عَزَّ وَجَلّ التخفيف لأمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن شاء وَلِيّ المقتول قَتَل القاتل ، وإن شاء عفا عَنْهُ ، وإن شاء أَخَذَ منه الدية ، فكان لأهل التوراة أن يقتل قاتل الخطأ والعمد ، فرخص اللَّه عَزَّ وَجَلّ لأمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فذلك قوله سُبْحَانَهُ فِي الأعراف : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ سورة الأعراف آية 157 من التشديدات ، وهم أن يقتل قاتل العمد وَلا يعفي عَنْهُ ، وَلا يؤخذ منه الدية ، ثُمّ قَالَ : فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ سورة البقرة آية 178 يعني وجيع ، فَإنَّهُ يقتل ، وَلا يؤخذ منه دية ، قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا عفو عمن قَتَل القاتل بعد أَخَذَ الدية ، وَقَدْ جعل اللَّه لَهُ عذابا أليما " . ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ سورة البقرة آية 179 ، يعني بقاء يحجز بعضكم عن بعض يا أولي الألباب يعني من كان لَهُ لب أَوْ عقل ، فذكر القصاص ، فيحجزه الخوف عن القتل ، لعلكم يعني لكي تتقون الدماء مخافة القصاص . كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ { 180 } فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ { 181 } فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ { 182 } سورة البقرة آية 180-182 كتب عليكم يعني فرض عليكم ، نظيرها : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ سورة البقرة آية 216 يعني فرض ، نظيرها أيضا : مَا كَتَبْنَاهَا سورة الحديد آية 27 يعني ما فرضناها عليهم يعني الرهبانية ، إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ سورة البقرة آية 180 بعد موته ، خيرًا يعني المال ، الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ سورة البقرة آية 180 ، يعني تفضيل الوالدين عَلَى الأقربين فِي الوصية ، وليوص للأقربين بالمعروف . والذين لا يرثون يَقُولُ اللَّه عَزَّ وَجَلّ تِلْكَ الوصية حقا عَلَى المتقين فَمنْ لَمْ يوص لقرابته عِنْد موته ، فقد ختم عمله بالمعصية ، ثُمّ نزلت آية الميراث بعد هَذِهِ الآية ، فنسخت للوالدين ، وبقيت الوصية للأقربين الَّذِين لا يرثون ، ما بينه وبَيْنَ ثلث ماله ، فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ سورة البقرة آية 181 يَقُولُ : من بدل وصية الميت ، يعني الوصي والولي بعدما سمعه من الميت ، فلم يمض وصيته ، فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ سورة البقرة آية 181 يعني الوصي والولي وبرئ منه الميت إن اللَّه سميع لوصية الميت ، عليم بها . ثُمّ قَالَ : فَمنْ خاف يعني الوصي ، من موص يعني الميت ، جنفا ميلا عن الحق خطأ ، أَوْ إثما تعمدا للجنف ، أَي إن جار الميت فِي وصيته عمدا أَوْ خطأ ، فلم يعدل ، فخاف الوصي أَو الولي من جور وصيته ، فأصلح بينهم بين الورثة بالحق والعدل ، فلا إثم عَلَيْه حين خالف جور الميت ، إن اللَّه غفور للمصلح رحيم به إذا رخص فِي مخالفة جور الميت . يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ { 183 } أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ { 184 } سورة البقرة آية 183-184 يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ سورة البقرة آية 183 وذلك أن لبيد الْأَنْصَارِيّ من بني عَبْد الأشهل كبر فعجز عن الصوم ، فَقَالَ للنَّبِيّ صلى اللَّه عَلَيْه وسلم : ما علي من عجز عن الصوم ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ سورة البقرة آية 183 يعني فرض عليكم ، نظيرها : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ سورة البقرة آية 216 يعني فرض عليكم القتال ، كَمَا كتب يعني كَمَا فرض ، عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ سورة البقرة آية 183 يعني أَهْل الإنجيل ، لعلكم تتقون ، يعني لكي تتقون الطعام والشراب والجماع ، فَمنْ صلى العشاء الآخرة أَوْ نام قبل أن يصلي العشاء الآخرة ، حرم عَلَيْه ما يحرم عَلَى الصائم ، وكان ذَلِكَ عَلَى الَّذِين من قبلنا . أياما معدودات وهي دون الأربعين ، فإذا كَانَتْ فوق الأربعين فلا يُقَالُ لهم : معدودات ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ سورة البقرة آية 184 أَي ومن كان يطيق الصوم ، وليس بمريض وَلا مسافر ، فَإِن شاء صام ، وإن شاء أفطر ، وعليه فدية طعام مسكين لكل مسكين نصف صاع حنطة ، فَمنْ تطوع خيرًا فزاد عَلَى مسكين فأطعم مسكينين أَوْ ثلاثة مكان كُلّ يوم ، فهو خير لَهُ من أن يطعم مسكينا واحدًا ، ثُمّ قَالَ : وأن تصوموا خيرٌ ، يعني ولأن تصوموا خير لَكُمْ من الطعام إن كنتم تعلمون وكان المؤمنون قبل رمضان يصومون عاشوراء وَلا يصومون غيره ، ثُمّ أنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ صوم رمضان بعد ، فنسخ الطعام ، وثبت الصوم ، إِلَّا عَلَى من لا يطيق الصوم ، فليفطر وليطعم مكان كُلّ يوم مسكينا نصف صاع حنطة . شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ سورة البقرة آية 185 ثُمّ بين لهم أي : شهر يصومون ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلّ : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ سورة البقرة آية 185 من اللوح المحفوظ فِي عشرين شهرا ، وأنزل به جبريل ، عَلَيْه السَّلام ، عشرين سنة ، ثُمّ قَالَ سبحانه : هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ سورة البقرة آية 185 ، يعني فِي الدّين من الشبهة والضلالة ، نظيرها فِي آل عِمْرَانَ وأنزل الفرقان يعني المخرج من الشبهات ، فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ سورة البقرة آية 185 ، فواجب عَلَيْه الصِّيَام ، وَلا يطعم ، ومن كان منكم ، مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ سورة البقرة آية 185 ، فلم يصم ، فإذا برئ المريض من مرضه ، فعدة فليصم عدة ، من أيام أخر ، إن شاء صام متتابعا ، وإن شاء متقطعا ، وهكذا المسافر ، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ سورة البقرة آية 185 يعني الرفق فِي أمر دينكم حين رخص للمريض والمسافر فِي الفطر ، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ سورة البقرة آية 185 يعني الضيق فِي الدّين ، فلو لَمْ يرخص للمريض والمسافر ، كان عسرا ، ثُمّ قَالَ عَزَّ وَجَلّ : ولتكملوا العدة يعني تمام الأيام المعدودات ، ولتكبروا يعني لكي تعظموا ، اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ سورة البقرة آية 185 من أمر دينه ، ولعلكم يعني لكي ، تشكرون ربكم فِي هَذِهِ النعم إذ هداكم لأمر دينه . وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ سورة البقرة آية 186 ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي سورة البقرة آية 186 وذلك أَنَّهُ كان فِي الصوم الأول أن الرَّجُل إذا صلى العشاء الآخرة ، أو نام قبل أن يصليها ، حرم عَلَيْه الطعام والشراب والجماع ، كَمَا يحرم بالنهار عَلَى الصائم ، ثُمّ إن عُمَر بن الخَطَّاب ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، صلى العشاء الآخرة ، ثُمّ جامع امرأته ، فَلَمَّا فرغ ندم وبكى ، فَلَمَّا أصبح أتى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره ، فَقَالَ : يا نَبِيّ اللَّه ، إني أعتذر اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، ثُمّ إليك من نفسي هَذِهِ الخاطئة ، واقعت أهلي بعد الصَّلاة ، فهل تجد لي رخصة ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمْ تك جديرا بِذَلِك يا عُمَر " ، فرجع حزينا ، ورأى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صرمة بن أنس بن صرمة بن مَالِك ، من بني عَدِيّ بن النَّجّار عِنْد العشاء ، فَقَالَ النَّبِيّ صلى اللَّه عَلَيْه وسلم : " يا أبا قَيْس ، مَالِك طليحا ؟ " فَقَالَ : يا رَسُول اللَّهِ ، ظللت أمس فِي حديقتي ، فَلَمَّا أمسيت أتيت أهلي ، وأرادت المرأة أن تطعمني شيئًا سخنا ، فأبطأت علي بالطعام ، فرقدت فأيقظتني وَقَدْ حرم عَلَي الطعام ، فأمسيت وَقَدْ أجهدني الصوم . واعترف رجال من الْمُسْلِمِين عِنْد ذَلِكَ بما كانوا يصنعون بعد العشاء ، فقالوا : ما توبتنا ومخرجنا مما علمنا ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي سورة البقرة آية 186 ، فإني قريب ، أَي فأعلمهم أني قريب منهم فِي الاستجابة ، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي سورة البقرة آية 186 بالطاعة ، وليؤمنوا بي يعني وليصدقوا بي ، فَإِنِّي قريب سريع الإجابة أجيبهم ، لعلهم يرشدون يعني لكي يهتدون . أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ سورة البقرة آية 187 ثُمّ قَالَ : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ سورة البقرة آية 187 رخصة للمؤمنين بعد صنيع عُمَر ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الرفث يعني الجماع ، إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ سورة البقرة آية 187 يَقُولُ : هن سكن لَكُمْ ، وأنتم سكن لهن ، عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ سورة البقرة آية 187 يعني عُمَر بن الخَطَّاب ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، فِي جماع امرأته ، فتاب عليكم يعني فتجاوز عنكم ، وعفا عنكم قوله سُبْحَانَهُ : تختانون أنفسكم بالمعصية ، نظيرها : فخانتاهما فخالفتاهما ، يعني بالمعصية ، وكقوله سُبْحَانَهُ : وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ سورة المائدة آية 13 يعني عَلَى معصية ، وعفا عنكم يَقُولُ : ترككم فلم يعاقبكم ، فالآن باشروهن ، يعني جامعوهن من حيث أحللت لَكُم الجماع الليل كله ، وابتغوا من نسائكم مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ سورة البقرة آية 187 من الولد ، يعني واطلبوا ما قضى لَكُمْ وأنزل فِي صرمة بن أنس وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ سورة البقرة آية 187 حَتَّى يتبين لَكُمْ وجه الصبح ، يعني بياض النهار من سواد الليل ، مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ سورة البقرة آية 187 والخيط الأبيض يعني أول بياض الصبح ، الضوء المعترض قبل المشرق ، والخيط الأسود أول سواد الليل ، وَلا تباشروهن ، نزلت فِي عَلِيّ بْن أبي طَالِب ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وعمار بن ياسر ، وأبي عُبَيْدة بن الجراح ، كان أحدهم يعتكف ، فإذا أراد الغائط من السحر رجع إلى أهله بالليل ، فيباشر ويجامع امرأته ويغتسل ويرجع إلى المسجد ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : وَلا تباشروهن ، وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ سورة البقرة آية 187 ، يَقُولُ : لا تجامعوا النّساء ليلا وَلا نهارا مادمتم معتكفين ، ثُمّ قَالَ عَزَّ وَجَلّ : تِلْكَ حدود اللَّه المباشرة تِلْكَ معصية اللَّه ، فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ سورة البقرة آية 187 يعني أمره للناس وأمر الاعتكاف ، لعلهم يعني لكي يتقون المعاصي فِي الاعتكاف . وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ سورة البقرة آية 188 وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ سورة البقرة آية 188 ، يعني ظلما ، وذلك أن امرأ القيس بن عابس ، وعبدان بن أشوع الْحَضْرَمِيّ اختصما فِي أرض ، فكان امرؤ القيس المطلوب ، وعبدان الطالب ، فلم يَكُنْ لعبدان بينة ، وأراد امرؤ القيس أن يحلف ، فقرأ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا سورة آل عمران آية 77 يعني عرضا يسيرا من الدُّنْيَا ، إلى آخر الآية ، فَلَمَّا سمعها امرؤ القيس كره أن يحلف ، وَلَم يخاصمه فِي أرضه ، وحكمه فِيهَا ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ سورة البقرة آية 188 ، وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ سورة البقرة آية 188 يَقُولُ : لا يدلين أحدكم بخصومة فِي استحلال مال أَخِيهِ ، وَهُوَ يعلم أَنَّهُ مبطل ، فذلك قوله سُبْحَانَهُ : لتأكلوا فريقا ، يعني طائفة ، مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ سورة البقرة آية 188 أنكم تدعون الباطل ، فَقَالَ النَّبِيّ صلى اللَّه عَلَيْه وسلم : " إِنَّمَا أَنَا بشر مثلكم ، فلعل بعضكم أَعْلَم بحجته ، فأقضى لَهُ وَهُوَ مبطل " ، ثُمّ قَالَ عَلَيْه السَّلام : " أيما رَجُل قضيت لَهُ بمال امرئ مُسْلِم ، فَإِنَّمَا هِيَ قطعة من نار جَهَنَّم أقطعها ، فلا تأكلوها " . يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ سورة البقرة آية 189 قوله سُبْحَانَهُ : يسألونك عن الأهلة نزلت فِي مُعَاذ بن جبل ، وثعلبة بن غَنْمة ، وهما من الأَنْصَار ، فَقَالَ مُعَاذ : يا رَسُول اللَّهِ ، ما بال الهلال يبدو مثل الخيط ، ثُمّ يَزِيد حَتَّى يمتلئ فيستوي ، ثُمّ لا يزال ينقص حَتَّى يعود كَمَا بدأ ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : يسألونك عن الأهلة ، قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ سورة البقرة آية 189 فِي أجل دينهم ، وصومهم ، وفطرهم ، وعدة نسائهم ، والشروط التي بينهم إلى أجل ، ثُمّ قَالَ عَزَّ وَجَلّ : والحج يَقُولُ : وقت حجهم والأهلة مواقيت لهم ، وذلك قوله سُبْحَانَهُ : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا سورة البقرة آية 189 وذلك أن الأَنْصَار فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِي الْإِسْلام كانوا إذا أحرم أحدهم بالحج أَوْ بالعمرة ، وَهُوَ من أَهْل المدن ، وَهُوَ مقيم فِي أهله لَمْ يدخل منزله من باب الدار ، وَلَكِن يوضع لَهُ سلم إلى ظهر البيت فيصعد فِيهِ ، وينحدر منه ، أَوْ يتسور من الجدار ، وينقب بعض بيوته ، فيدخل منه ويخرج منه ، فلا يزال كذلك حَتَّى يتوجه إلى مكة محرما ، وإذا كان من أهل الوبر وخرج من وراء بيته . وأن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل يومًا نخلا لبني النَّجّار ، ودخل معه قطبة بن عامر بن حديدة الْأَنْصَارِيّ من بني سَلَمَة بن جشم من قبل الجدار ، وَهُوَ محرم ، فَلَمَّا خرج النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الباب وَهُوَ محرم ، خرج قطبة من الباب ، فَقَالَ رَجُل : هَذَا قطبة خرج من الباب وَهُوَ محرم ، فَقَالَ النَّبِيّ صلى اللَّه عَلَيْه وسلم : " ما حملك أن تخرج من الباب وأنت محرم ؟ " ، فقَالَ : يا نبي الله ، رأيتك خرجت من الباب وأنت محرم ، فخرجت معك ، وديني دينك ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خرجت لأني من أحمس " ، فَقَالَ قطبة ، للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن كُنْت أحمسيا فَإِنِّي أحمسي ، وَقَدْ رضيت بهديك ودينك ، فاستننت بسنتك ، فأنزل اللَّه فِي قول قطبة بن عامر للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَيْسَ الْبِرُّ يعني التقوى ، بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا سورة البقرة آية 189 ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى سورة البقرة آية 189 اللَّه واتبع أمره ، ثُمّ قَالَ عَزَّ وَجَلّ : وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ سورة البقرة آية 189 وَلا تعصوه ، يحذركم لعلكم يَقُولُ : لكي تفلحون والحمس قريش ، وكنانة ، وخزاعة ، وعامر بن صَعْصَعَة ، الَّذِين لا يسلون السمن وَلا يأكلون الأقط وَلا يبنون الشعر والوبر . وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ { 190 } وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ { 191 } فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ { 192 } وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ { 193 } سورة البقرة آية 190-193 , وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ سورة البقرة آية 190 وذلك أن اللَّه عَزَّ وَجَلّ نهى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمؤمنين عن الشهر الحرام أن يقاتلوا فِي الحرم أن يقاتلوا فِي الحرم إِلَّا أن يبدأهم المشركون بالقتال ، وأن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينا هُوَ وأصحابه معتمرون إلى مكة فِي ذِي القعدة ، وهم محرمون عام الحديبية ، والمسلمون يومئذ ألف وأربعمائة رَجُل ، فصدهم مشركو مكة عن المسجد الحرام وبدأوهم بالقتال ، فرخص اللَّه فِي القتال ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ سورة البقرة آية 190 ، وَلا تعتدوا فتبدأوا بقتالهم فِي الشهر الحرام وَفِي الحرم ، فَإنَّهُ عدوان ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ سورة البقرة آية 190 ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : واقتلوهم حيث ثقفتموهم يعني أَيْنَ أدركتموهم فِي الحل والحرم ، وأخرجوهم من مكة ، من حيث أخرجوكم يعني من مكة ، وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ سورة البقرة آية 191 يعني الشرك أعظم عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلّ جرما من القتل ، نظيرها : أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا سورة التوبة آية 49 يعني فِي الكفر وقعوا ، فَلَمَّا نزلت : واقتلوهم حيث ثقفتموهم أنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ بعد : وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ سورة البقرة آية 191 يعني أرض الحرم كله ، فنسخت هَذِهِ الآية ، ثُمّ رخص لهم ، حَتَّى يقاتلوكم فِيهِ يعني حَتَّى يبدءوا بقتالكم فِي الحرم ، فَإِن قاتلوكم فِيهِ ، فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ سورة البقرة آية 191 إن بدأوا بالقتال فِي الحرم أن يقاتلوا فِيهِ . ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : فَإِن انتهوا عن قتالكم ووحدوا ربهم ، فَإِن اللَّه غفور لشركهم ، رحيم بهم فِي الْإِسْلام ، نظيرها فِي الأنفال : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ سورة الأنفال آية 39 إلى آخر الآية ، ثم قال : وقاتلوهم أبدا ، حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ سورة البقرة آية 193 يَقُولُ : حَتَّى لا يَكُون فيهم شرك فيوحدوا ربهم وَلا يعبدوا غيره ، يعني مشركي العرب خاصة ، ويكون يعني ويقوم الدّين للَّه فيوحدوه وَلا يعبدوا غيره ، فَإِن انتهوا عن الشرك ووحدوا ربهم ، فلا عدوان يعني فلا سبيل إِلَّا عَلَى الظالمين الَّذِين لا يوحدون ربهم ، نظيرها فِي القصص : فلا عدوان عَلَيَّ ، يعني فلا سبيل علي . الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ سورة البقرة آية 194 . الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ سورة البقرة آية 194 ، وذلك أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمين ساروا إلى مكة محرمين بعمره ، ومن كان معه عام الحديبية ، لست سنين من هجرته إلى المدينة ، فصدهم مشركو مكة ، وأهدى أربعين بدنة ، ويُقَالُ : مائة بدنة ، فردوه وحبسوه شهرين لا يصل إلى البيت ، وكانت بيعة الرضوان عامئذ ، فصالحهم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أن ينحر الهدي مكانه فِي أرض الحرم ويرجع فلا يدخل مكة ، فإذا كان العام المقبل خرجت قريش من مكة ، وأخلوا لَهُ مكة ثلاثة أيام ، لَيْسَ مَعَ الْمُسْلِمِين سلاح إِلَّا في غمده ، فرجع النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمّ توجه من فوره ذَلِكَ إلى خيبر ، فافتتحها فِي المحرم ، ثُمّ رجع إلى المدينة ، فَلَمَّا كان العام المقبل ، وأحرم النَّبِيّ صلى اللَّه عَلَيْه وسلم وأصحابه بعمرة فِي ذِي القعدة وأهدوا . ثُمّ أقبلوا من المدينة ، فأخلى لهم المشركون مكة ثلاثة أيام ، وأدخلهم اللَّه عَزَّ وَجَلّ مكة ، فقضوا عمرتهم ونحروا البدن ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : الشهر الحرام الَّذِي دخلتم فِيهِ مكة هَذَا العام ، بالشهر الحرام ، يعني الَّذِي صدوكم فِيه العام الأول ، والحرمات قصاص يعني اقتصصت لك منهم فِي الشهر الحرام ، يعني فِي ذِي القعدة كَمَا صدوكم فِي الشهر الحرام ، وذلك أنهم فرحوا وافتخروا حين صدوا النَّبِيّ صلى اللَّه عَلَيْه وسلم عن المسجد الحرام ، فأدخله اللَّه عَزَّ وَجَلّ من قابل ، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ سورة البقرة آية 194 ، وذلك أن أصحاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهلوا مكة محرمين بعمرة ، فخافوا ألا يفي لهم المشركون بدخول المسجد الحرام ، وأن يقاتلوهم عنده ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : فَمنْ اعتدى عليكم فقاتلكم فِي الحرم ، فاعتدوا عَلَيْه يَقُولُ : فقاتلوهم فِيهِ ، بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ سورة البقرة آية 194 فِيهِ ، واتقوا الله يعني الْمُؤْمِنِين ، وَلا تبدءوهم بالقتال فِي الحرم ، فَإِن بدأ المشركون فقاتلوهم ، واعلموا أن اللَّه فِي النصر مَعَ المتقين الشرك ، فخبرهم أَنَّهُ ناصرهم . وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ سورة البقرة آية 195 قوله سُبْحَانَهُ : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ سورة البقرة آية 195 وذلك أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمين ساروا من المدينة إلى مكة محرمين بعمرة فِي العام الَّذِي أدخله اللَّه عَزَّ وَجَلّ مكة ، فَقَالَ ناس من العرب منازلهم حول المدينة : واللَّه ما لنا زاد ، وما يطعمنا أحد ، فأمر اللَّه عَزَّ وَجَلّ بالصدقة عليهم ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ سورة البقرة آية 195 أَي وَلا تكفوا أيديكم عن الصدقة فتهلكوا ، وقَالَ رَجُل من الفقراء : يا رسول اللَّه ، ما نجد ما نأكل ، فبأي شيء نتصدق ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ سورة البقرة آية 195 فَإِن أمسكتم عَنْهَا فهي التهلكة ، وأحسنوا النفقة فِي سبيل اللَّه ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ سورة البقرة آية 195 يعني من أحسن فِي أمر النفقة فِي طاعة اللَّه . وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ { 196 } الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ { 197 } سورة البقرة آية 196-197 وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ سورة البقرة آية 196 من المواقيت ، وَلا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لَكُمْ ، فريضتان واجبتان ، ويُقَالُ : العمرة هِيَ الحج الأصغر ، وتمام الحج والعمرة المواقيت والإحرام خالصا لا يخالطه شيء من أمر الدُّنْيَا ، وذلك أن أَهْل الْجَاهِلِيَّة كانوا يشركون فِي إحرامهم ، فأمر اللَّه عَزَّ وَجَلّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمين أن يتموهما للَّه ، فَقَالَ : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ سورة البقرة آية 196 ، وَهُوَ ألّا يخلطوهما بشيء ، ثُمّ خوفهم أن يستحلوا منهما مالا ينبغي ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي آخر الآية : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ سورة البقرة آية 196 ، فَإِن أحصرتم يَقُولُ : فَإِن حبستم كقوله سُبْحَانَهُ : الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ سورة البقرة آية 273 يعني حبسوا ، نظيرها أيضا : وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا سورة الإسراء آية 8 يعني محبسا . يَقُولُ : إن حبسكم فِي إحرامكم بحج أَوْ بعمرة كسر أَوْ مرض أَوْ عدو عن المسجد الحرام ، فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ سورة البقرة آية 196 يعني فليقم محرما مكانه ويبعث ما استيسر من الهدى أَوْ بثمن الهدى ، فيشتري لَهُ الهدى ، فإذا نحر الهدى عَنْهُ ، فَإنَّهُ يحل من إحرامه مكانه ، ثُمّ قَالَ : وَلا تحلقوا رءوسكم فِي الإحرام ، حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ سورة البقرة آية 196 يعني حَتَّى يدخل الهدى مكة ، فإذا نحر الهدى حل من إحرامه ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا سورة البقرة آية 185 وذلك أن كَعْب بن عُجْرة الْأَنْصَارِيّ كان محرما بعمرة عام الحديبية ، فرأى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مقدم رأسه قملا كثيرًا ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يا كَعْب ، أيؤذيك هوام رأسك ؟ " ، قَالَ : نعم يا نَبِيّ اللَّه ، فأمره رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى اللَّه عَلَيْه وسلم أن يحلق ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ فِي كَعْب : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا سورة البقرة آية 196 ، أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ سورة البقرة آية 196 فحلق رأسه ، ففدية من صيام فعليه فدية صيام ثلاثة أيام إن شاء متتابعا ، وإن شاء متقطعا ، أَوْ صدقة عَلَى ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من حنطة ، أَوْ نسك يعني شاة أَوْ بقرة أَوْ بعيرا ينحره ، ثُمّ يطعمه المساكين بمكة ، وَلا يأكل منه ، وَهُوَ بالخيار ، إن شاء ذبح شاة أَوْ بقرة أَوْ بعيرا ، فأما كَعْب ، فذبح بقرة . فإذا آمنتم من الحبس من العدو عن البيت الحرام ، فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ سورة البقرة آية 196 يَقُولُ : وَهُوَ يريد الحج ، فَإِن دخل مكة وَهُوَ محرم بعمرة فِي غرة شوال ، أَوْ ذِي القعدة ، أَوْ فِي عشر من ذِي الحجَّة ، فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ سورة البقرة آية 196 يعني شاة فَمَا فوقها يذبحها فيأكل منها ويطعم ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة ، وسلمان ، وأَبُو العرباض للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنا لا نجد الهدي ، فلنصم ثلاثة أيام ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ فيهم : فَمنْ لَمْ يجد الهدي فليصم ، فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ سورة البقرة آية 196 فِي عشر الأضحى فِي أول يَوم من العشر إلى يَوْم عرفة ، فَإِن كان يوم عرفة يوم الثالث ، تَمَّ صومه ، ثُمّ قَالَ : وسبعة ، يعني ولتصوموا سبعة أيام إذا رجعتم من منى إلى أهليكم ، تِلْكَ عشرة كاملة فَمنْ شاء صام فِي الطريق ، ومن شاء صام فِي أهله ، إن شاء متتابعا ، وإن شاء متقطعا ، ثُمّ قَالَ : ذَلِكَ التمتع ، لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ سورة البقرة آية 196 يعني من لَمْ يَكُنْ منزله فِي أرض الحرم كله ، فَمنْ كان أهله فِي أرض الحرم ، فلا متعة عَلَيْه وَلا صوم . ثُمّ قَالَ عَزَّ وَجَلّ : الحج أشهر المعلومات ، يَقُولُ : من أحرم بالحج ، فليحرم فِي شوال ، أَوْ فِي ذِي القعدة ، أَوْ فِي عشر ذِي الحجَّة ، فَمنْ أحرم فِي سوى هَذِهِ الأشهر ، فقد أخطأ السنة ، وليجعلها عَمْرَة ، ثُمّ قَالَ : فَمنْ فرض ، يَقُولُ : فَمنْ أحرم ، فيهن الحج أَي الحج ، فلا رفث يعني فلا جماع ، كقوله سُبْحَانَهُ : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ سورة البقرة آية 187 يعني الجماع ، إلى نسائكم ، وَلا فسوق ، يعني وَلا سباب ، وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ سورة البقرة آية 197 يعني وَلا مراء ، كقوله سُبْحَانَهُ : مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ سورة غافر آية 4 ، يعني ما يماري حَتَّى يغضب وَهُوَ محرم ، أَوْ يغضب صاحبه وَهُوَ محرم ، فَمنْ فعل ذَلِكَ فليطعم مسكينا ، وذلك أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر فِي حجة الوداع ، فَقَالَ : " من لَمْ يَكُنْ معه هدى فليحل من إحرامه ، وليجعلها عَمْرَة " ، فقالوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنا أهللنا بالحج ، فذلك جدالهم للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمّ قَالَ عَزَّ وَجَلّ : وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ سورة البقرة آية 197 يعني مما نهى من ترك الرفث والفسوق والجدال ، يعلمه اللَّه فيجزيكم به ، ثُمّ قَالَ عَزَّ وَجَلّ : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى سورة البقرة آية 197 وذلك أن ناسا من أَهْل اليمن وَغَيْرُهُمْ كانوا يحجون بغير زاد ، وكانوا يصيبون من أَهْل الطريق ظلما ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : وتزودوا من الطعام ما تكفون به وجوهكم عن الناس وطلبهم ، وخير الزاد التقوى ، يَقُولُ اللَّه تبارك اسمه : التقوى خير زاد من غيره ، وَلا تظلمون من تمرون عَلَيْه ، واتقون وَلا تعصون يا أولي الألباب يعني يَأَهْلَ اللُّبِّ والعقل ، فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تزودوا ما تكفون به وجوهكم عن الناس ، خير ما تزودتم التقوى " . لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ سورة البقرة آية 198 لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ سورة البقرة آية 198 وذلك أن أَهْل الْجَاهِلِيَّة كانوا يحجون منهم الحاج والتاجر ، فَلَمَّا أسلموا قَالُوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن سوق عكاظ وسوق منى وذي المجاز فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَتْ تقوم قبل الحج وبعد الحج ، فهل يصلح لنا البيع والشراء في أيام حجنا قبل الحج وبعد الحج ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ سورة البقرة آية 198 ، فِي مواسم الحج ، يعني التجارة ، فرخص اللَّه سُبْحَانَهُ فِي التجارة ، فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ سورة البقرة آية 198 بعد غروب ، فاذكروا اللَّه تِلْكَ الليلة ، عِنْد المشعر الحرام فإذا أصبحتم ، يعني بالمشعر حيث يبيت الناس بالمزدلفة ، فاذكروا اللَّه ، واذكروه كَمَا هداكم لأمر دينه ، وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ سورة البقرة آية 198 من قبل أن يهديكم لدينه ، لَمِن الضالين يعني عن الهدى . ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ { 199 } فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ { 200 } وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { 201 } أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ { 202 } سورة البقرة آية 199-202 , ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ سورة البقرة آية 199 ، وذلك الحمس ، قريش ، وكنانة ، وخزاعة ، وعامر بن صعصعه ، كانوا يبيتون بالمشعر الحرام ، وَلا يخرجون من الحرم خشية أن يقتلوا ، وكانوا لا يقفون بعرفات ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ فيهم يأمرهم بالوقوف بعرفات ، فَقَالَ لهم : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ سورة البقرة آية 199 يعني رَبِيعَة ، واليمن كانوا يفيضون منْ عرفات قبل غروب الشمس ، ويفيضون من جمع إذا طلعت الشمس ، فخالف النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الإفاضة ، واستغفروا للَّه لذنوبكم ، إن اللَّه غفور لذنوب الْمُؤْمِنِين ، رحيم بهم . فإذا قضيتم مناسككم بعد أيام التشريق ، فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ سورة البقرة آية 200 وذلك أنهم كانوا إذا فرغوا من المناسك وقفوا بين مَسْجِد منى وبَيْنَ الجبل يذكر كُلّ واحد منهم أباه ومحاسنه ، ويذكر صنائعه فِي الجاهلية أَنَّهُ كان من أمره كذا وكذا ، ويدعوا لَهُ بالخير ، فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلّ : فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ سورة البقرة آية 200 كذكر الأبناء الآباء ، فَإِنِّي أَنَا فعلت ذَلِكَ الخير إلى آبائكم الَّذِين تثنون عليهم ، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : أَوْ أشد يعني أكثر ذكرا للَّه منكم لآبائكم ، وكانوا إذا قضوا مناسكهم قَالُوا : اللهم أكثر أموالنا ، وأبناءنا ، ومواشينا ، وأطل بقاءنا ، وأنزل علينا الغيث ، وأنبت لنا المرعى ، واصحبنا فِي سفرنا ، وأعطنا الظفر عَلَى عدونا ، وَلا يسألون ربهم عن أمر آخرتهم شيئًا ، فأنزل اللَّه تَعَالَى فيهم : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا سورة البقرة آية 200 ، يعني أعطنا ، فِي الدُّنْيَا يعني هَذَا الَّذِي ذكر ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ سورة البقرة آية 200 يعني من نصيب ، نظيرها فِي براءة : فاستمتعوا بخلاقهم يعني بنصيبهم ، فهؤلاء مشركو العرب ، فَلَمَّا أسلموا وحجوا دعوا ربهم ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ سورة البقرة آية 201 أَي دعوا ربهم أن يؤتيهم ، فِي الدُّنْيَا حسنة يعني الرزق الواسع ، وأن يؤتيهم فِي الآخرة حسنة فيجعل ثوابهم الجنة ، وأن يقيهم عذاب النار . ثُمّ أخبر عَنْهُمْ ، فَقَالَ : أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا سورة البقرة آية 202 يَقُولُ حظ من أعمالهم الحسنة ، واللَّه سريع الحساب يَقُولُ : كأَنَّه قَدْ كان ، فهؤلاء المؤمنون . وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ { 203 } وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ { 204 } وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ { 205 } وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ { 206 } سورة البقرة آية 203-206 وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ سورة البقرة آية 203 إذا رميتم الجمار ، يعني أيام التشريق ، والأيام المعلومات يعني يوم النحر ويومين من أيام التشريق بعد النحر ، فكان عُمَر ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، يكبر فِي قبته بمنى ، فيرفع صوته ، فيسمع أَهْل مَسْجِد منى فيكبرون كلهم حَتَّى يرتج منى تكبيرا ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ سورة البقرة آية 203 يعني بعد يوم النحر بيومين ، يَقُولُ : من تعجل فنفر قبل غروب الشمس ، فلا إثم عَلَيْه يَقُولُ : فلا ذنب عَلَيْه ، يَقُولُ : ذنوبه مغفورة ، فَمنْ لَمْ ينفر حَتَّى تغرب الشمس ، فليقم إلى الغد يوم الثالث ، فيرمي الجمار ، ثُمّ ينفر مَعَ الناس ، قَالَ : ومن تأخر إلى يوم الثالث حَتَّى ينفر الناس ، فلا إثم عَلَيْه ، يَقُولُ : لا ذنب عَلَيْه ، يَقُولُ ذنوبه مغفورة ، ثُمّ قَالَ : لمن اتقى قَتْلَ الصيد ، واتقوا اللَّه وَلا تستحلوا قتل الصيد فِي الإحرام ، واعلموا يخوفهم ، أنكم إِلَيْهِ تحشرون فِي الآخرة فيجزيكم بأعمالكم ، نظيرها فِي المائدة : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ سورة المائدة آية 96 فيجزيكم بأعمالكم . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا سورة البقرة آية 204 نزلت فِي الْأَخْنَس بن شريق بن عمرو بن وَهْب بن أَبِي سَلَمَة الثَّقَفيّ ، وأُمّه اسمها ريطة بِنْت عَبْد اللَّه بن أَبِي القيس الْقُرَشِيّ ، من بني عامر بن لؤي ، وكان عديد بني زهرة ، وكان يَأْتِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيخبره أَنَّهُ يحبه ويحلف بِاللَّه عَلَى ذَلِكَ ، ويخبره أَنَّهُ يتابعه عَلَى دينه ، فكان النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعجبه ذَلِكَ ويدنيه فِي المجلس ، وَفِي قلبه غَيْر ذَلِكَ ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا سورة البقرة آية 204 ، ويشهد اللَّه على ما يَقُولُ ، يعني يمينه التي حلف بِاللَّه ، و ما فِي قلبه أن الَّذِي يَقُولُ حق وَهُوَ ألد الخصام يَقُولُ : جدلا بالباطل ، كقوله سُبْحَانَهُ : وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا سورة مريم آية 97 يعني جدلاء خصماء . ثُمّ اخبر نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : وإذا تولى يعني إذا توارى وكان رَجُلا مانعا جريئا عَلَى القتل ، سعى فِي الأرض بالمعاصي ، ليفسد فيها يعني فِي الأرض ، ويهلك الحرث والنسل يعني كُلّ دابة ، وذلك أَنَّهُ عمد إلى كديس بالطائف إلى رَجُل مُسْلِم ، فأحرقه وعقر دابته ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ سورة البقرة آية 205 ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ سورة البقرة آية 206 يعني الحمية ، نظيرها فِي ص قوله سُبْحَانَهُ : بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ سورة ص آية 2 ، يعني حمية بالإثم ، فحسبه جَهَنَّم شدة عذاب ، ولبئس المهاد ، وكان الْأَخْنَس يسمى أبي بن شريق ، من بني زهرة بن كَعْب بن لؤي بن غالب ، وإنما سمي الْأَخْنَس ، لأنه يَوْمَ بدر رد ثلاث مائة رَجُل من بني زهرة عن قتال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقَالَ لهم : إن محمدا ابْن أختكم ، وأنتم أحق من كف عَنْهُ ، فَإِن كان نَبِيّا لَمْ نقتله ، وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عَنْهُ ، فخنس بهم ، فَمنْ ثُمّ سمي الْأَخْنَس . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ { 207 } يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ { 208 } فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ { 209 } هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ { 210 } سورة البقرة آية 207-210 وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ سورة البقرة آية 207 ، وذلك أن كفار مكة أخذوا عمارا ، وبلالا ، وخبابا ، وصهيبا ، فعذبوهم لإسلامهم حَتَّى يشتموا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأما صُهَيْب بن سِنَان مَوْلَى عَبْد اللَّه بن جدعان الْقُرَشِيّ ، وكان شخصا ضعيفا ، فَقَالَ لأهل مكة : لا تعذبوني ، هَلْ لَكُمْ إليّ خير ؟ قَالُوا : وما هُوَ ؟ قَالَ : أَنَا شيخ كبير ، لا يضركم إن كُنْت معكم أَوْ مَعَ غيركم ، لئن كُنْت معكم لا أنفعكم ، ولئن كُنْت مَعَ غيركم لا أضركم ، وإن لي عليكم لحقا لخدمتي وجواري إياكم ، فقد علمت أنكم إِنَّمَا تريدون مالي ، وما تريدون نفسي ، فخذوا مالي واتركوني وديني غَيْر راحلة ، فَإِن أردت أن ألحق بالمدينة فلا تمنعوني ، فَقَالَ بعضهم لبعض : صدق ، خذوا ماله فتعاونوا به عَلَى عدوكم ، ففعلوا ذَلِكَ ، فاشترى نفسه بماله كله غَيْر راحلة ، واشترط ألا يمنع عن الصَّلاة ، وَلا هجرة . فأقام بين أظهرهم ما شاء ، ثُمّ ركب راحلته نهارا حَتَّى أتى المدينة مهاجرا ، فلقيه أَبُو بَكْر ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، فَقَالَ : ربح البيع يا صُهَيْب ، فَقَالَ : وبيعك لا يخسر ، فَقَالَ أَبُو بَكْر ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : قَدْ أنزل اللَّه فيك : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ سورة البقرة آية 207 ، واللَّه رءوف بالعباد يعني للفعل فعل الرومي صُهَيْب بن سِنَان مَوْلَى عَبْد اللَّه بن جُدْعَان بن عمرو بن سَعِيد بن تيم بن مرة بن كَعْب بن لؤي بن غالب الْقُرَشِيّ . قَالَ عَبْد اللَّه بن ثَابِت : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : سَمِعْتُ هَذَا الكتاب من أوله إلى آخره من الْهُذَيْلِ أَبِي صَالِح ، عن مُقَاتِلٍ بن سُلَيْمَان ببغداد درب السدرة سنة تسعين ومائة ، قَالَ : وسمعته من أوله إلى آخره قراءة عَلَيْه فِي المدينة فِي سنة أربع ومائتين ، وَهُوَ ابْن خمس وثمانين سنة ، رحمنا اللَّه وإياهم . يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً سورة البقرة آية 208 وذلك أن عَبْد اللَّه بن سلام ، وسلام بن قَيْس ، وأسيد وأسد ابنا كَعْب ، ويامين بن يامين ، وهم مؤمنو أَهْل التوراة ، استأذنوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قراءة التوراة فِي الصَّلاة ، وَفِي أمر السبت ، وأن يعملوا ببعض ما فِي التوراة ، فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلّ : خذوا سنة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشرائعه ، فَإِن قرآن محمد ينسخ كل كتاب كان قبله فقال ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً سورة البقرة آية 208 يعني في شرائع الْإِسْلام كلها ، وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ سورة البقرة آية 208 يعني تزيين الشَّيْطَان ، فَإِن السنة الأولى بعدما بعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضلالة من خطوات الشَّيْطَان ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ سورة البقرة آية 208 يعني بين . فَإِن زللتم يعني ضللتم عن الهدى وفعلتم هَذَا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ سورة البقرة آية 209 يعني شرائع محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمره ، ثُمّ حذرهم عقوبته ، فَقَالَ : فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ سورة البقرة آية 209 , فِي نقمته ، حكيم حكم عليهم بالعذاب ، هَلْ ينظرون يعني ما ينظرون ، إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ سورة البقرة آية 210 يعني كهيئة الضبابة أبيض ، والملائكة فِي غَيْر ظلل فِي سبعين حجابا من نور عرشه والملائكة يسبحون ، فذلك قوله : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا سورة الفرقان آية 25 يعني وليس بسحاب ، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : وقضى الأمر يعني وقع العذاب ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ سورة البقرة آية 210 يَقُولُ : يصير أمر الخلائق إِلَيْهِ فِي الآخرة . سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ سورة البقرة آية 211 سل بني إِسْرَائِيل يعني يهود المدينة ، كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ سورة البقرة آية 211 يعني كم أعطيناهم من آية بينة ، يعني حين فرق بهم البحر ، وأهلك عدوهم ، وأنزل عليهم المن والسلوى والغمام والحجر ، فكفروا برب هَذِهِ النعم حين كفروا بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فذلك قوله سُبْحَانَهُ : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ سورة البقرة آية 211 فخوفهم عقوبته بقوله : فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ سورة البقرة آية 211 إذا عاقب . زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ سورة البقرة آية 212 زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا سورة البقرة آية 212 وما بسط لهم فيها من الخير ، نزلت فِي المنافقين عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ وأصحابه ، وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سورة البقرة آية 212 فِي أمر المعيشة بأنهم فقراء ، نزلت فِي عَبْد اللَّه بن ياسر الْمَخْزُومِيّ ، وصهيب بن سِنَان ، من بني تيم بن مرة ، وبلال بن رباح مَوْلَى أَبِي بَكْر ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وخباب بن الأرت مَوْلَى ابْن أمَّ أنمار الثَّقَفيّ حليف بني زهرة ، وسالم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفة ، وعامر بن فهيرة مَوْلَى أَبِي بَكْر الصِّدِّيق ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وعبد اللَّه بن مَسْعُود ، وأبي هُرَيْرَة الدوسي ، وَفِي نحوهم من الفقراء ، يَقُولُ اللَّه عَزَّ وَجَلّ : والذين اتقوا الشرك ، يعني هَؤُلاءِ النفر ، فوقهم يعني فوق المنافقين والكافرين ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ سورة البقرة آية 212 حين يبسط للكافرين الرزق ، ويقدر عَلَى الْمُؤْمِنِين يَقُولُ : لَيْسَ فوقي ملك يحاسبني ، أَنَا الملك أعطي من شئت بغير حساب حين أبسط للكافرين فِي الرزق وأقتر عَلَى الْمُؤْمِنِين . كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ سورة البقرة آية 213 كان الناس يعني أَهْل السفينة ، أمة واحدة ، يعني عَلَى مَلَّة الْإِسْلام وحدها ، وذلك أن عَبْد اللَّه بن سلام خاصم اليهود فِي أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فبعث اللَّه النبيين إِبْرَاهِيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، ولوط بن حران بن آزر ، فبعثهم اللَّه مبشرين بالجنة ، ومنذرين من النار ، وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ سورة البقرة آية 213 ، يعني صحف إِبْرَاهِيم ، ليحكم بين الناس ليقضي الكتاب فيما اختلفوا فِيهِ من الدّين ، فدعا بها إِبْرَاهِيم وإسحاق قومهما ، ودعا بها إسماعيل جرهم ، فآمنوا به ، ودعا بها يَعْقُوب أَهْل مصر ، ودعا بها لوط سدوم وعامورا وصابورا ودمامورا ، فلم يسلم منهم غَيْر ابنتيه ريتا وزعوتا ، يَقُولُ اللَّه عَزَّ وَجَلّ : وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ سورة البقرة آية 213 يعني أعطوا الكتاب ، مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ سورة البقرة آية 213 يعني البيان ، بغيا بينهم يَقُولُ : تفرقوا بغيا وحسدا بينهم ، فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ سورة البقرة آية 213 يَقُولُ : حين اختلفوا فِي القرآن ، من الحق بإذنه يعني التوحيد ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ سورة البقرة آية 213 يعني دين الْإِسْلام ، لأن غَيْر دين الْإِسْلام بَاطِل . أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ سورة البقرة آية 214 ثُمّ بين للمؤمنين أن لابد لهم من البلاء والمشقة فِي ذات اللَّه ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ سورة البقرة آية 214 ، ونظيرها فِي آل عِمْرَانَ قوله سُبْحَانَهُ : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ سورة آل عمران آية 142 ، وَفِي العنكبوت : الم { 1 } أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ { 2 } سورة العنكبوت آية 1-2 وذلك أن المنافقين قَالُوا للمؤمنين فِي قتال أحد : لَمْ تقتلون أنفسكم وتهلكون أموالكم ، فإنه لو كان محمد نبيا لَمْ يسلط عليكم القتل ، فرد المؤمنون عليهم ، فقالوا : قَالَ اللَّه : من قُتِل مِنَّا دخل الجنة ، فَقَالَ المنافقون : لَمْ تمنون أنفسكم بالباطل ؟ فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ يَومَ أحد : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ سورة البقرة آية 214 ، نزلت فِي عُثْمَان بن عَفَّان وأصحابه ، رحمهم اللَّه . يَقُولُ اللَّه عَزَّ وَجَلّ : ولما يأتكم مثل يعني سنة ، الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ سورة البقرة آية 214 من البلاء ، يعني مؤمني الأمم الخالية ، ثُمّ أخبر عَنْهُمْ ليعظ أصحاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سُبْحَانَهُ : مستهم يعني أصابتهم البأساء يعني الشدة ، وهي البلاء ، والضراء يعني البلاء ، وزلزلوا يعني وخوفوا حَتَّى يَقُولُ الرَّسُول وَهُوَ اليسع ، والذين آمنوا معه وَهُوَ حزقيا الملك حين حضر القتال ومن معه من الْمُؤْمِنِين ، متى نصر اللَّه فَقَالَ الله عَزَّ وَجَلّ : أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ سورة البقرة آية 214 ، يعني سريع ، وإن ميشا بن حزقيا قَتَل اليسع ، واسمه اشعيا . يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ سورة البقرة آية 215 يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ سورة البقرة آية 215 من أموالهم ، وذلك أن اللَّه أمر بالصدقة ، فَقَالَ عمرو بن الجموح الْأَنْصَارِيّ من بني سَلَمَة بن جشم بن الخزرج ، قُتِل يوم أحد ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، قَالَ : يا رَسُول اللَّهِ ، كم ننفق ؟ وعلى من ننفق ؟ فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ فِي قول عمرو : كم ننفق ؟ وعلى من ننفق ؟ يسألونك ماذا ينفقون من الصدقة ، قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ سورة البقرة آية 215 من مال ، كقوله سُبْحَانَهُ : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا سورة البقرة آية 180 يعني مالا ، فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ سورة البقرة آية 215 فهؤلاء موضع نفقة أموالكم ، وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ سورة البقرة آية 215 من أموالكم ، فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ سورة البقرة آية 215 ، يعني بما أنفقتم عليم . وأنزل فِي قول عمرو : يا رَسُول اللَّهِ ، كم ننفق من أموالنا ؟ وعلى ما ننفق ؟ قول اللَّه عَزَّ وَجَلّ : قل العفو يعني فضل قوتك ، فَإِن كان الرَّجُل من أصحاب الذهب والفضة أمسك الثلث وتصدق بسائره وإن كان من أصحاب الزرع والنخل أمسك ما يكفيه فِي سنته وتصدق بسائره ، وإن كان مِمَّنْ يعمل بيده أمسك ما يكفيه يومه ذَلِكَ وتصدق بسائره ، فبين اللَّه عَزَّ وَجَلّ ما ينفقون فِي هَذِهِ الآية ، فَقَالَ : قُلِ الْعَفْوَ سورة البقرة آية 219 يعني فضل القوت ، كذلك يعظكم هكذا يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ سورة البقرة آية 219 يعني أمر الصدقات ، لعلكم تتفكرون يَقُولُ لكي تتفكروا فِي أمر الدُّنْيَا ، فتقولون : هِيَ دار بلاء ، وهي دار فناء ، ثُمّ تتفكروا فِي الآخرة فتعرفون فضلها ، فتقولون : هِيَ دار خير ، ودار بقاء ، فتعملون لها فِي أيام حياتكم ، فهذا التفكر فيهما ، فشق عَلَى الناس حين أمرهم أن يتصدقوا بالفضل ، حَتَّى نزلت آية الصدقات فِي براءة ، فكان لهم الْفَضْل وإن كثر إذا أدوا الزكاة . كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ سورة البقرة آية 216 قوله سبحانه : كتب عليكم القتال يعني فرض عليكم ، كقوله : كتب عليكم الصِّيَام يعني فرض ، وَهُوَ كره لَكُمْ يعني مشقة لَكُمْ ، وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ سورة البقرة آية 216 فيجعل اللَّه عاقبته فتحا وغنيمة وشهادة ، وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا سورة البقرة آية 216 يعني القعود عن الجهاد ، وَهُوَ شر لَكُمْ فيجعل اللَّه عاقبته شر ، فلا تصيبون ظفرا وَلا غنيمة ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ سورة البقرة آية 216 أَي واللَّه يعلم من ذَلِكَ ما لا تعلمون . يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ سورة البقرة آية 217 يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ سورة البقرة آية 217 ، وذلك أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث عُبَيْدة بن الْحَارِث بن عَبْد الْمُطَّلِب عَلَى سرية فِي جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين ، عَلَى رأس ستة عشر شهرا ، بعد قدوم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة ، فَلَمَّا ودع رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فاضت عيناه ، ووجد من فراق النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن عقد له اللواء ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجده ، بعث مكانه عَبْد اللَّه بْن جحش الأَسَديّ من بني غَنْم بن دودان ، وأُمّه عمَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أميمة بِنْت عَبْد الْمُطَّلِب ، وَهُوَ حليف لبني عبد شمس ، وكتب لَهُ كتابا ، وأمره أن يتوجه قبل مكة ، وَلا يقرأ الكتاب حَتَّى يسير ليلتين ، فَلَمَّا سار عَبْد اللَّه ليلتين ، قرأ الكتاب ، فإذا فِيهِ : سر باسم اللَّه إلى بطن نخلة ، عَلَى اسم اللَّه وبركته ، وَلا تكرهن أحد من أصحابك عَلَى السير ، وامض لأمري ومن اتبعك منهم ، فترصد بها عير قريش ، فَلَمَّا قرأ الكتاب استرجع عَبْد اللَّه ، واتبع استرجاعه بسمع وطاعة اللَّه عَزَّ وَجَلّ ولرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمّ قَالَ عَبْد اللَّه لأصحابه : من أحبّ منكم أن يسير معي فليسر ، ومن أحبّ أن يرجع فليرجع ، وهم ثمانية رهط من المهاجرين : عَبْد اللَّه بن جحش الأَسَديّ ، وسعد بن أَبِي وَقَّاص الزُّهْرِيّ ، وعتبة بن غزوان المُزَني حليف لقريش ، وأبي حُذَيْفة بن عُتْبَة بن رَبِيعَة بن عَبْد شمس ، وسهل ابن بيضاء الْقُرَشِيّ ، ويُقَالُ : سهل من بني الْحَارِث بن فهد ، وعامر بن رَبِيعَة الْقُرَشِيّ من بني عَدِيّ بن كَعْب ، وواقد بن عَبْد اللَّه التَّميْميّ ، فرجع من القوم سعد بن أَبِي وَقَّاص ، وعتبة بن غزوان ، وسار عَبْد اللَّه ومعه خمسة نفر وَهُوَ سادسهم ، فَلَمَّا قدموا لبطن نخلة بين مكة والطائف ، حملوا عَلَى أهل العير ، فقتلوا عُمَر بن الْحَضْرَمِيّ الْقُرَشِيّ ، قتله واقد بن عَبْد اللَّه التَّميْميّ ، رماه بسهم ، فكان أول قتيل فِي الْإِسْلام من المشركين ، وأسروا عُثْمَان بن عَبْد اللَّه بن المُغِيرَة ، والحكم بن كَيْسَان مَوْلَى هِشَام بن المُغِيرَة الْمَخْزُومِيّ ، فغديا بعد ذَلِكَ فِي المدينة ، وأفلتهم نوفل بن عَبْد اللَّه بن المُغِيرَة الْمَخْزُومِيّ عَلَى فرس لَهُ جواد أنثى ، فقدم مكة من الغد ، وأخبر مشركي مكة وكرهوا الطلب ، لأنه أول يوم من رجب ، وسار المسلمون بالأسارى والغنيمة حَتَّى قدموا المدينة ، فقالوا : يا نَبِيّ اللَّه ، أصبنا القوم نهارا ، فَلَمَّا أمسينا رأينا هلال رجب ، فَمَا ندري أصبناهم أَوْ فِي آخر يوم من جمادى الآخرة . وأقبل مشركو مكة عَلَى مسلميهم ، فقالوا : يا مَعْشَر الصباة ، ألا ترون أن إخوانكم استحلوا القتال فِي الشهر الحرام ، وأخذوا أسارانا وأموالنا ، وأنتم تزعمون أنكم عَلَى دين اللَّه ، أفوجدتم هَذَا فِي دين اللَّه حيث أمن الخائف ، وربطت الخيل ، ووضعت الأسنة ، وبدأ الناس لمعاشهم ، فَقَالَ المسلمون : اللَّه ورسوله أَعْلَم ، وكتب مسلمو مكة إلى عَبْد اللَّه بن جحش أن المشركين عابونا فِي القتال ، وأخذ الأسرى والأموال فِي الشهر الحرام ، فاسأل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ألنا فِي ذَلِكَ متكلم ، أَوْ أنزل اللَّه بِذَلِك قرآنا ، فدفع عَبْد اللَّه بن جحش الأَسَديّ الكتاب إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ سورة البقرة آية 217 قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ سورة البقرة آية 217 ، وَلَم يرخص فِيهِ القتال . ثُمّ قَالَ : وَصَدٌّ عن سَبِيلِ اللَّهِ سورة البقرة آية 217 يعني دين الْإِسْلام ، وكفر به أَي وكفر بِاللَّه ، و صد عن وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ سورة البقرة آية 217 من عِنْد المسجد الحرام ، فذلك صدهم ، وذلك أنهم أخرجوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه من مكة ، أكبر عِنْد اللَّه فهذا أكبر عِنْد اللَّه من القتل والأسر وأخذ الأموال ، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : والفتنة يعني الإشراك الَّذِي أنتم فِيهِ أكبر عِنْد اللَّه ، من القتل ثُمّ أخبر عَزَّ وَجَلّ عن رأي مشركي العرب فِي الْمُسْلِمِين ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : وَلا يزالون يقاتلونكم يعني مشركي مكة حَتَّى يردوكم يا معشر الْمُؤْمِنِين ، عن دينكم الْإِسْلام ، إن استطاعوا ثُمّ خوفهم ، فَقَالَ : وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عن دِينِهِ سورة البقرة آية 217 الْإِسْلام ، يَقُولُ : ومن ينقلب كافرا بعد إيمانه ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ سورة البقرة آية 217 يعني بطلت ، أعمالهم الخبيثة ، فلا ثواب لهم فِي الدُّنْيَا ، و لا فِي الآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ سورة البقرة آية 217 يعني لا يموتون . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ سورة البقرة آية 218 فكتب عَبْد اللَّه بن جحش إلى مسلمي أَهْل مكة بهذه الآية ، وكتب إليهم إن عيروكم فعيروهم بما صنعوا ، وقَالَ عَبْد اللَّه بن جحش وأصحابه : أصبنا القوم فِي رجب ، فنرجو أن يَكُون لنا أجر المجاهدين فِي سبيل اللَّه ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ سورة البقرة آية 218 الذين آمنوا والذين هاجروا إلى المدينة ، وجاهدوا المشركين ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ سورة البقرة آية 218 يعني جنة اللَّه ، نظيرها فِي آل عِمْرَان قوله سُبْحَانَهُ : وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ سورة آل عمران آية 107 يعني فَفِي جنة اللَّه ، لقولهم للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لنا أجر المجاهدين فِي سبيل اللَّه . واللَّه غفور رحيم ، لاستحلالهم القتل والأسر والأموال فِي الشهر الحرام ، فكانت هَذِهِ أول سرية ، وأول غنيمة ، وأول خمس ، وأول قتيل ، وأول أسر كان فِي الإسلام ، فأما نوفل بن عَبْد اللَّه الَّذِي أفلت يومئذ ، فَإنَّهُ يوم الخندق ضرب بطن فرسه ليدخل الخندق عَلَى الْمُسْلِمِين فِي غزوة الأحزاب ، فوقع فِي الخندق ، فتحطم هُوَ وفرسه ، فقتله اللَّه تَعَالَى ، وطلب المشركون جيفته بثمن ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خذوه ، فَإنَّهُ خبيث الجيفة ، خبيث الدية " . يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ { 219 } فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ { 220 } سورة البقرة آية 219-220 يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ سورة البقرة آية 219 ، يعني القمار ، نزلت فِي عَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف ، وعمر بن الخَطَّاب ، وعلي بن أَبِي طَالِب ، ونفر من الأَنْصَار ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ، وذلك أن الرَّجُل كان يَقُولُ فِي الْجَاهِلِيَّة : أَيْنَ أصحاب الجزور ، فيقوم نفر ، فيشترون الجزور ، فيجعلون لكل رَجُل منهم سهم ، ثُمّ يقرعون ، فَمنْ خرج سهمه يبرأ من الثمن ، حَتَّى يبقى آخرهم رَجُلا ، فيكون ثمن الجزور كله عَلَيْه وحده ، وَلا حق لَهُ فِي الجزور ، ويقتسم الجزور بقيتهم بينهم ، فذلك الميسر قَالَ سُبْحَانَهُ : قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ سورة البقرة آية 219 فِي ركوبهما ، لأن فيهما ترك الصَّلاة ، وترك ذكر اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، وركوب المحارم ، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : ومنافع للناس يعني بالمنافع اللذة والتجارة فِي ركوبهما قبل التحريم ، فَلَمَّا حرمهما اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، قَالَ : وإثمهما بعد التحريم ، أكبر من نفعهما قبل التحريم ، وأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ تحريمهما بعد هَذِهِ الآية بسنة ، والمنفعة فِي الميسر ، أن بعضهم ينتفع به ، وبعضهم يخسر ، يعني المقامر ، وإنما سمي الميسر ، لأنهم قَالُوا : يسروا لنا ثمن الجزور ، يَقُولُ الرَّجُل : افعل كذا وكذا . وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ سورة البقرة آية 219 ، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى سورة البقرة آية 220 ، وذلك أن اللَّه عَزَّ وَجَلّ أنزل فِي أموال اليتامى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا سورة النساء آية 10 فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية ، أشفق المسلمون من خلطة اليتامى ، فعزلوا بيت اليتيم وطعامه وخدامه عَلَى حدة مخافة العذر ، فشق ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِين ، وعلى اليتامى اعتزالهم ، فَقَالَ ثَابِت بن رفاعه للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ سمعنا ما أنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ فِي اليتامى فعزلناهم ، وَالَّذِي لهم ، وعزلنا الَّذِي لنا ، فشق ذَلِكَ علينا وعليهم ، وليس كلنا يجد سعة فِي عزل اليتيم وطعامه وخادمه ، فهل يصلح لنا خلطتهم ، فيكون البيت والطعام واحد والخدمة وركوب الدابة ، وَلا نرزأهم شيئًا ، إِلَّا أن نعود عليهم بأفضل منه ، فانزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ فِي قول ثَابِت بن رِفَاعة النصارى : ويسألونك عن اليتامى ، قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ سورة البقرة آية 220 ، يَقُولُ : ما كان لليتيم فِيهِ صلاح ، فهو خير أن تفعلوه . ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : وإن تخالطوهم فِي المسكن والطعام والخدمة وركوب الدابة ، فإخوانكم فهم إخوانكم ، واللَّه يعلم المفسد لمال اليتيم ، من المصلح لماله ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ سورة البقرة آية 220 يَقُولُ : لآثمكم فِي دينكم ، نظيرها فِي براءة قوله سُبْحَانَهُ : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ سورة التوبة آية 128 يَقُولُ ما أثمتم ، فحرم عليكم خلطتهم فِي الَّذِي لهم ، كتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير ، فلم تنتفعوا بشيء منه ، إن اللَّه عزيز فِي ملكه حكيم يعني ما حكم فِي أموال اليتامى . وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ سورة البقرة آية 221 ولا تنكحوا المشركات نزلت فِي أَبِي مَرْثَد الغَنَويّ ، واسمه أيمن ، وَفِي عناق القرشية ، وذلك أن أبا مَرْثَد رَجُلا صالحا ، وكان المشركون أسروا أناسا بمكة ، وكان أَبُو مَرْثَد ينطلق إلى مكة مستخفيا ، فإذا كان الليل أَخَذَ الطريق ، وإذا كان النهار تعسف الجبال ، لئلا يراه أحد ، حَتَّى يقدم مكة ، فيرصد الْمُسْلِمِين ليلا ، فإذا أخرجهم المشركون للبراز ، تركوهم عِنْد البراز والغائط ، فينطلق أَبُو مَرْثَد ، فيجعل الرَّجُل منهم عَلَى عنقه حَتَّى إذا أَخْرَجَهُ من مكة كسر قيده بقهر ويلحقه بالمدينة ، كان ذَلِكَ دأبه ، فانطلق يومًا حَتَّى انتهى إلى مكة ، فلقيته عناق ، وكان يصيب منها فِي الْجَاهِلِيَّة ، فقالت : أبا مَرْثَد ، مَالِك فِي حاجة ، فَقَالَ : إن اللَّه عَزَّ وَجَلّ قَدْ حرم الزنا . فَلَمَّا أيست منه أنذرت به كفار مكة ، فخرجوا يطلبونه ، فاستتر منهم بالشجر ، فلم يقدروا عَلَيْه ، فَلَمَّا رجعوا احتمل بعض الْمُسْلِمِين حَتَّى أخرجه من مكة ، فكسر قيده ، ورجع إلى المدينة ، فأتى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَه بالخبر ، فَقَالَ : وَالَّذِي بعثك بالحق ، لو شئت أن آخذهم وأنا مستتر بالشجرة لفعلت ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اشكر ربك أبا مَرْثَد ، إن اللَّه عَزَّ وَجَلّ حجزهم عنك ، فَقَالَ أَبُو مَرْثَد : يا رَسُول اللَّه ، إن عناق أحبها ، وكان بيني وبينها فِي الْجَاهِلِيَّة ، فتأذن لي فِي تزويجها ، فَإِنَّهَا لتعجبني ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : وَلا تنكحوا المشركات ، حَتَّى يؤمن يصدقن بتوحيد اللَّه ، ولأمة مؤمنة يعني مصدقة بتوحيد اللَّه ، خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ سورة البقرة آية 221 لقوله : إنها لتعجبني ، وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ سورة البقرة آية 221 . وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ سورة البقرة آية 222 وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى سورة البقرة آية 222 ، يعني قذر ، نزلت فِي عمرو بن الدحداح الْأَنْصَارِيّ ، من قضاعة ، فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية لَمْ يؤاكلوهن فِي إناء واحد ، وأخرجوهن من البيوت والفرش كفعل العجم ، فَقَالَ ناس من العرب لنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ شق علينا اعتزال الحائض ، والبرد شديد ، فَإِن آثرناهم بالثياب هلك سائر البيت ، وإن آثرنا أهل البيت هلكت النّساء بردا ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنكم لَمْ تؤمروا أن تعزلوهن من البيوت ، إِنَّمَا أمرتم باعتزال الفرج إذا حضن ، ويؤتين إذا طهرن " ، وقرأ عليهم : فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ سورة البقرة آية 222 ، يعني يغتسلن ، فإذا تطهرن يعني اغتسلن من المحيض ، فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ سورة البقرة آية 222 أَي يؤتين غَيْر حيض فِي فروجهن التي نهى عَنْهَا فِي الحيض ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ سورة البقرة آية 222 من الذنوب ، ويحب المتطهرين من الأحداث والجنابة والحيض . نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ سورة البقرة آية 223 نساؤكم حرث لَكُمْ ، وذلك أن حيي بن أخطب ونفرا من اليهود قَالُوا للمسلمين : إنَّه لا يحل لَكُمْ جماع النّساء إِلَّا مستلقيات ، وإنا نجد فِي كتاب اللَّه عَزَّ وَجَلّ أن جماع المرأة غَيْر مستلقية ذنبا عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، فَقَالَ المسلمون لرسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنا كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِي الْإِسْلام نأتي النّساء عَلَى كُلّ حال ، فزعمت اليهود أَنَّهُ ذنب عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلّ إِلَّا مستلقيات ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : نساؤكم حرث لَكُمْ ، يعني مزرعة للولد ، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ سورة البقرة آية 223 فِي الفروج ، وقدموا لأنفسكم من الولد ، واتقوا اللَّه يعظكم ، فلا تقربوهن حيضا ، ثُمّ حذرهم ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : واعلموا أنكم ملاقوه فيجزيكم بأعمالكم ، وبشر الْمُؤْمِنِين يعني المصدقين بأمر اللَّه ونهيه بالجنة . وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ { 224 } لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ { 225 } سورة البقرة آية 224-225 وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ سورة البقرة آية 224 ، نزلت فِي أَبِي بَكْر الصِّدِّيق ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَفِي ابنه عَبْد الرَّحْمَن ، حلف أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، ألا يصله حَتَّى يسلم ، وذلك أن الرَّجُل كان إذا حلف ، قَالَ : لا يحل إِلَّا إبرار القسم ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ سورة البقرة آية 224 ، يَقُولُ : لا يحلف عَلَى ما هو فِي معصية ألا يصل قرابته ، وذلك أن الرَّجُل يحلف أن لا يدخل عَلَى جاره ، وَلا يكلمه ، وَلا يصلح بين إخوانه ، والرجل يريد الصلح بين الرجلين ، فيغضبه أَحَدهمَا أو يتهمه ، فيحلف المصلح أن لا يتكلم بَيْنَهُمَا ، قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلّ : لا تحلفوا ألّا تصلوا القرابة : أن تبروا وتتقوا اللَّه وتصلحوا بين الناس فهو خير لَكُمْ من وفاء باليمين فِي معصية اللَّه ، واللَّه سميع لليمين ، لقولهم : حلفنا عَلَيْهَا ، عليم يَقُولُ : عالم بها ، كان هَذَا قبل أن تنزل الكفارة فِي المائدة . لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ سورة البقرة آية 225 وَهُوَ الرَّجُل يحلف على أمر يرى أَنَّهُ فِيهِ صادق وَهُوَ مخطئ ، فلا يؤاخذه اللَّه بها ، وَلا كفارة عَلَيْه فيها ، فذلك العفو ، ثُمّ قَالَ الله عَزَّ وَجَلّ : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ سورة البقرة آية 225 ، يعني بما عقدت قلوبكم من المأثم ، يعني اليمين الكاذبة التي حلف عَلَيْهَا ، وَهُوَ يعلم أَنَّهُ فيها كاذب ، فهذه فيها كفارة ، واللَّه غفور يعني ذا تجاوز عن اليمين التي حلف عَلَيْهَا ، حليم حين لا يوجب فيها الكفارة . لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ { 226 } وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ { 227 } سورة البقرة آية 226-227 ثُمّ نزلت الكفارة فِي سورة المائدة فبين فيها للذين يؤلون يعني يقسمون من نسائهم فهو الرَّجُل يحلف أن لا يقرب امرأته ، تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا سورة البقرة آية 226 يعني فَإِن رجع فجامعها قبل أربعة أشهر ، فهي امرأته ، وعليه أن يكفر عن يمينه ، فَإِن اللَّه غفور لهذه اليمين ، رحيم به ، إذ جعل اللَّه عَزَّ وَجَلّ الكفارة فيها ، لأنه لَمْ يَكُنْ أنزل الكفارة فِي المائدة ، ثُمّ نزلت بعد ذَلِكَ الكفارة فِي المائدة . وإن عزموا الطلاق يعني فَإِن حققوا الطلاق يعني أنفذوا فِي السراح ، فلم يجامعها أربعة أشهر بانت منه بتطليقة فَإِن اللَّه سميع ليمينه ، عليم يعني عالم بها . وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ سورة البقرة آية 228 وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ سورة البقرة آية 228 يعني ثلاث حيض إذا كَانَتْ مِمَّنْ تحيض ، وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ سورة البقرة آية 228 من الولد ، إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ سورة البقرة آية 228 يعني يصدقن بِاللَّه بأنه واحد لا شريك لَهُ ، واليوم الآخر يصدقن بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال بأنه كائن ، ثُمّ قَالَ عَزَّ وَجَلّ : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ سورة البقرة آية 228 بقول : الزوج أحق برجعتها وهي حبلى ، نزلت فِي إسماعيل الغفاري وَفِي امرأته لَمْ تشعر بحبلها ، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : إن أرادوا إصلاحا يعني بالمراجعة فيما بَيْنَهُمَا ، فعمد إسماعيل فراجعها وهي حبلى ، فولدت منه ، ثُمّ ماتت ومات ولدها ، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ سورة البقرة آية 228 ، يَقُولُ : لهن من الحق عَلَى أزواجهن مثل ما لأزواجهن عليهن ، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : وللرجال عليهن درجة ، يَقُولُ : لأزواجهن عليهن فضيلة فِي الحق وبما ساق إليها من الحق ، واللَّه عزيز فِي ملكه ، حكيم يعني حكم الرحمة عَلَيْهَا فِي الحبل . الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ { 229 } فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ { 230 } وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ { 231 } وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ { 232 } سورة البقرة آية 229-232 , ثُمّ نسختها الآية التي بعدها ، فأنزل اللَّه بعد ذَلِكَ بأيام يسيرة ، فبين للرجل كيف يطلق المرأة ، وكيف تعتد ، فَقَالَ : الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ سورة البقرة آية 229 ، يعني بإحسان ، أو تسريح بإحسان ، يعني التطليقه الثالثة فِي غَيْر ضرار ، كَمَا أمر اللَّه سُبْحَانَهُ فِي وفاء المهر ، وَلا يحل لَكُمْ إذا أردتم طلاقها أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا سورة البقرة آية 229 وذلك أن الرَّجُل كان إذا طلق امرأته ، أخرجها من بيته ، فلا يعطيها شيئًا من المهر ، ثُمّ استثنى ورخص ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : إِلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ سورة البقرة آية 229 ، يعني أمر اللَّه عَزَّ وَجَلّ فيما أمرهما ، وذلك أن تخاف المرأة الفتنة على نفسها فتعصي الله فيما أمرها زوجها ، أَوْ يخاف الزوج إن لم تطعه امرأته أن يعتدي عَلَيْهَا ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ : فَإِن خفتم يعني علمتم ، ألا يقيما يعني الحاكم ، حدود اللَّه يعني أمر اللَّه فِي أنفسهما إن نشزت عَلَيْه ، فلا جناح عليهما يعني الزوج والزوجة ، فيما افتدت به من شيء يَقُولُ : لا حرج عليهما إذا رضيا أن تفتدي منه ويقبل منها الفدية ثُمّ يفترقا ، وكانت نزلت فِي ثَابِت بن قَيْس بن شَمَّاس الْأَنْصَارِيّ من بني الْحَارِث بن الخزرج ، وَفِي امرأته أم حبيبة بِنْت عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ رأس المنافقين ، وكان أمهرها حديقة فردتها عَلَيْه ، واختلعت منه ، فهي أول خلعة كَانَتْ فِي الْإِسْلام ، ثُمّ قَالَ : تِلْكَ حدود اللَّه يعني أمر اللَّه فيهما ، فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ سورة البقرة آية 229 يَقُولُ : ومن يخالف أمر اللَّه إلى غيره ، فأولئك هُم الظالمون لأنفسهم . ثُمّ رجع إلى الآية الأولى فِي قوله : الطلاق مرتان ، فَإِن طلقها بعد التطليقتين تطليقة أخرى ، سواء أكان بها حبل أم لا ، فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ سورة البقرة آية 230 فيجامعها ، فنسخت هَذِهِ الآية الآية التي قبلها فِي قوله عَزَّ وَجَلّ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ سورة البقرة آية 228 ونزلت ، فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ سورة البقرة آية 230 فِي تميمة بِنْت وَهْب بن عتيك النَّقْرِيّ ، وَفِي زوجها رِفَاعة بن عَبْد الرَّحْمَن بن الزُّبَيْر ، وتزوجها عَبْد الرَّحْمَن الزُّبَيْر الْقُرَظِيّ ، يَقُولُ : فَإِن طلقها الزوج الأخير عَبْد الرَّحْمَن ، فلا جناح عليهما يعني الزوج الأول رِفَاعة وَلا عَلَى المرأة تميمة ، أن يتراجعا بمهر جديد ونكاح جديد ، إن ظنا يعني إن حسبا ، أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ سورة البقرة آية 230 أمر اللَّه فيما أمرهما ، وتلك حدود اللَّه يعني أمر اللَّه فِي الطلاق ، يعني ما ذكر مِن أحكام الزوج والمرأة فِي الطلاق وَفِي المراجعة ، يبينها لقوم يعلمون . وإذا طلقتم النّساء واحدة ، فبلغن أجلهن يعني انقضاء عدتهن من قبل أن تغتسل من قرئها الثالث ، فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ سورة البقرة آية 231 يعني بإحسان من غَيْر ضرار ، فيوفيها المهر والمتعة ، نزلت فِي ثَابِت بن ياسر الْأَنْصَارِيّ فِي الطعام والكسوة وغير ذَلِكَ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : وَلا تمسكوهن ضرارا وذلك أَنَّهُ طلق امرأته ، فَلَمَّا أرادت أن تبين منه راجعها ، فَمَا زال يضارها بالطلاق ويراجعها ، ويريد بِذَلِك أن يمنعها من الزواج لتفتدي منه ، فذلك قوله سُبْحَانَهُ : لتعتدوا وكان ذَلِكَ عدوانا ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا سورة البقرة آية 231 يعني استهزاء فيما أمر اللَّه عَزَّ وَجَلّ فِي كتابه من إمساك بمعروف أَوْ تسريح بإحسان ، وَلا تتخذوها لعبا ، واذكروا يعني واحفظوا نعمت اللَّه عليكم بالإسلام ، و احفظوا ما أنزل اللَّه عليكم من الكتاب يعني القرآن والحكمة والموعظة التي فِي القرآن من أمره ونهيه ، يَقُولُ : يعظكم به يعني بالقرآن ، واتقوا اللَّه يعظكم فلا تعصوه فيهن ، ثُمّ حذرهم ، فَقَالَ : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ سورة البقرة آية 231 من أعمالكم عليم فيجزيكم بها . وإذا طلقتم النّساء تطليقة واحدة ، فبلغن أجلهن يَقُولُ : انقضت عدتهن ، نزلت فِي أَبِي البداح بن عَاصِم بن عَدِيّ الْأَنْصَارِيّ ، من بني العجلان الْأَنْصَارِيّ ، وَهُوَ حي من قضاعة ، وَفِي امرأته جمل بِنْت يَسَار المُزَني ، بانت منه بتطليقة ، فأراد مراجعتها ، فمنعها أخوها ، وقَالَ : لئن فعلت لا أكلمك أبدا ، أنكحتك وأكرمتك وآثرتك عَلَى قومي فطلقتها ، وأجحفت بها ، واللَّه لا أزوجكها أبدا ، فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، يعني معقل : فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ سورة البقرة آية 232 يعني فلا تمنعوهن أن يراجعهن أزواجهن ، إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ سورة البقرة آية 232 ، يعني بمهر جديد ونكاح جديد ، ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مَن النهي ألا يمنعها من الزوج ذَلِكَ ، يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ سورة البقرة آية 232 يعني يصدق بِاللَّه بأنه واحد لا شريك لَهُ ، ويصدق بالبعث الَّذِي فِيه جزاء الأعمال ، فليفعل ما أمره اللَّه عَزَّ وَجَلّ من المراجعة ، ذالكم أزكى لَكُمْ يعني خير لَكُمْ من الفرقة ، وأطهر لقلوبكم من الريبة ، واللَّه يعلم حب كُلّ واحد منهما لصاحبه ، وأنتم لا تعلمون ذَلِكَ منهما . فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يا معقل ، إن كُنْت تؤمن بِاللَّه واليوم الآخر ، فلا تمنع أختك فلانا " ، يعني أبا البداح ، قَالَ : فَإِنِّي أنا أؤمن بِاللَّه واليوم الآخر ، وأشهدك أني قد أنكحته . وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ سورة البقرة آية 233 والوالدات يرضعن أولادهن يعني : إذا طلقن ، حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ سورة البقرة آية 233 يعني : يكمل الرضاعة ، وليس الحولان بالفريضة ، فَمنْ شاء أرضع فوق الحولين ، ومن شاء قصر عَنْهُمَا ، ثُمّ قَالَ : وعلى المولود لَهُ إذا طلق امرأته وَلَهُ وَلَد رضيع ترضعه أمه ، فعلى الأب رزق الأم والكسوة ، رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا سورة البقرة آية 233 يعني : إِلَّا ما أطاقت من النفقة والكسوة ، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا سورة البقرة آية 233 يَقُولُ : لا يجمل بالرجل إذا طلق امرأته أن يضارها ، فينزع منها ولدها وهي لا تريد ذَلِكَ ، فيقطعه عن أُمّه ، فيضارها بِذَلِك بعد أن ترضى بعطية الأب من النفقة والكسوة . ثُمّ ذكر الأم ، فَقَالَ : وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ سورة البقرة آية 233 يعني : لا يجمل بالمرأة أن تضار زوجها وتلقي إِلَيْهِ ولدها ، ثُمّ قَالَ فِي التقديم : وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ سورة البقرة آية 233 يَقُولُ : وعلى من يرث اليتيم إذا مات الأب مثل ما عَلَى الأب من النفقة والكسوة لو كان حيا ، فلا يضار الوارث الأم ، وهي بمنزلة الأب إذا لَمْ يَكُنْ لليتيم ماله ، فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ سورة البقرة آية 233 , يَقُولُ : واتفقا ، فلا جناح عليهما يعني : لا حرج ما لَمْ يضار أَحَدهمَا صاحبه أن يفصلا الولد قبل الحولين ، والأم أحق بولدها من المرضع إذا رضيت من النفقة والكسوة بما يرضى به غيرها ، فَإِن لَمْ ترض الأم بما يرضى به غيرها من النفقة ، فلا جناح عليهما يَقُولُ عَزَّ وَجَلّ : فلا جناح عَلَى الوالد أن يسترضع لولده ، ويسلم للظئر أجرها ، وَلا كسوة لها وَلا رزق ، وإنما هُوَ أجرها . قوله سُبْحَانَهُ : وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ سورة البقرة آية 233 لأمر اللَّه فِي المراضع ، ما آتيتم بالمعروف يَقُولُ : ما أعطيتم الظئر من فضل عَلَى أجرها ، واتقوا اللَّه وَلا تعصوه فيما حذركم اللَّه فِي هَذِهِ الآية من أمر المضارة والكسوة والنفقة للأم وأجر الظئر . ثُمّ حذرهم ، فَقَالَ : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ سورة البقرة آية 233 . وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ سورة البقرة آية 234 وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا سورة البقرة آية 234 من يوم يموت زوجها ، فإذا بلغن أجلهن يعني : إذا مضى الأجل مما ذكر فِي هَذِهِ الآية ، فلا جناح عليكم فِي قراءة ابْن مَسْعُود : لا حرج عليهن ، فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ سورة البقرة آية 234 يعني : لا حرج عَلَى المرأة إذا انقضت عدتها أن تتشوف وتتزين وتلتمس الأزواج ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ سورة البقرة آية 234 من أمر العدة . وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ سورة البقرة آية 235 وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ سورة البقرة آية 235 يعني : لا حرج عَلَى الرَّجُل أن يَقُولُ للمرأة قبل أن تنقضي عدتها : إنك لتعجبينني ، وما أجاوزك إلى غيرك ، فهذا التعريض ، أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ سورة البقرة آية 235 فلا جناح عليكم أن تسروا فِي قلوبكم تزويجهن فِي العدة ، عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا سورة البقرة آية 235 يعني الجماع في العدة ، ثم استثنى فقال : إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا سورة البقرة آية 235 عدة حسنة ، نظيرها فِي النّساء : وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا سورة النساء آية 5 يعني عدة حسنة ، فتقول ، وهي فِي العدة : إنَّه حبيب إليّ أن أكرمك ، وأن آتي ما أحببت وَلا أجاوزك إلى غيرك ، وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ سورة البقرة آية 235 يعني : وَلا تحققوا عقدة النكاح ، يعني : لا تواعدوهن فِي العدة ، حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ سورة البقرة آية 235 يعني : حَتَّى تنقضي عدتها . ثُمّ خوفهم ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ سورة البقرة آية 235 يعني ما فِي قلوبكم من أمورهن ، فاحذروه أي : فاحذروا أن ترتكبوا فِي العدة ما لا يحل ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ سورة البقرة آية 235 يعني ذا تجاوز لَكُمْ ، حليم لا يعجل بالعقوبة . لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ سورة البقرة آية 236 لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً سورة البقرة آية 236 يَقُولُ : وإن لَمْ تسموا لهن المهر ، فلا حرج فِي الطلاق فِي هَذِهِ الأحوال كلها ، وَهُوَ الرَّجُل يطلق امرأته قبل أن يجامعها وَلَم يسم لها مهرا ، فلا مهر لها ، وَلا عدة عَلَيْهَا ، وَلا المتعة بالمعروف ، ويجبر الزوج عَلَى متعة هَذِهِ المرأة التي طلقها قبل أن يسمي لها مهرا ، وليس بمؤقت . نزلت فِي رَجُل من الأَنْصَار تزوج امرأة من بني حنيفة ، وَلَم يسم لها مهرا ، ثُمّ طلقها قبل أن يمسها ، فَقَالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَلْ متعتها بشيء ؟ " قَالَ : لا . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " متعها بقلنسوتك ، أما إنها لا تساوي شيئًا ، وَلَكِن أحببت أن أحيي سنة " ، فذلك قوله عَزَّ وَجَلّ : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ سورة البقرة آية 236 فِي المال ، وعلى المقتر قدره فِي المال ، متاعا بالمعروف وليس بمؤقت ، وَهُوَ واجب ، حقا عَلَى المحسنين . وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ سورة البقرة آية 237 ثُمّ إن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كساه ثوبين بعد ذَلِكَ ، فتزوج امرأة فأمهرها أحد ثوبيه ، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ سورة البقرة آية 237 يعني : من قبل الجماع ، وَقَدْ فرضتم لهن من المهر ، فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ سورة البقرة آية 237 عليكم من المهر . ثُمّ استثنى ، فَقَالَ : إِلَّا أن يعفون يعني : إِلَّا أن يتركن ، يعني المرأة تترك نصف مهرها ، فتقول المرأة : أما إنَّه لَمْ يدخل بي ، وَلَم ينظر لي إلى عورة . فتعفو عن نصف مهرها وتتركه لزوجها ، وهي بالخيار ، ثُمّ قَالَ : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ سورة البقرة آية 237 يعني الزوج ، فيوفيها المهر كله ، فيقول : كَانَتْ فِي حبالى ومنعتها من الأزواج . فيعطيها المهر كله ، وَهُوَ بالخيار ، ثُمّ قَالَ : وأن تعفوا يعني : ولأن تعفوا ، أقرب للتقوى يعني المرأة والزوج كلاهما ، أمرهما أن يأخذا بالفضل فِي الترك ، ثُمّ قَالَ عَزَّ وَجَلّ : وَلا تنسوا يعني المرأة والزوج ، يَقُولُ : لا تتركوا ، الْفَضْل بينكم فِي الخير حين أمرها أن تترك نصف المهر للزوج ، وأمر الزوج أن يوفيها المهر كله ، إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ سورة البقرة آية 237 يعني بصيرا أن ترك أَوْ وفاها . حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ { 238 } فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ { 239 } سورة البقرة آية 238-239 حافظوا على الصلوات الخمس فِي مواقيتها ، والصلاة الوسطى يعني صلاة العصر ، وقوموا للَّه قانتين فِي صلاتكم ، يعني مطيعين ، نظيرها : وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ سورة التحريم آية 12 يعني : من المطيعين ، وكقوله سُبْحَانَهُ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا سورة النحل آية 120 يعني مطيعا ، وكقوله سُبْحَانَهُ : قانتات يعني مطيعات ، وذلك أن أَهْل الأوثان يقومون فِي صلاتهم عاصين ، قَالَ اللَّه : قوموا أنتم مطيعين ، فَإِن خفتم العدو فصلوا ، فرجالا أَوْ ركبانا يَقُولُ : عَلَى أرجلكم أَوْ عَلَى دوابكم ، فصلوا ركعتين حيث كان وجهه إذا كان الخوف شديدا ، فَإِن لَمْ يستطع السجود فليومئ برأسه إيماء ، وليجعل السجود أخفض من الركوع ، وَلا يجعل جبهته عَلَى شيء . ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : فإذا أمنتم العدو ، فاذكروا اللَّه يَقُولُ : فصلوا للَّه ، كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ سورة البقرة آية 239 . وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ { 240 } وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ { 241 } كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ { 242 } سورة البقرة آية 240-242 وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ سورة البقرة آية 240 يعني بالمتاع أن ينفق عَلَيْهَا فِي الطعام والكسوة سنة ما لم تتزوج ، قَالَ : غَيْر إخراج يَقُولُ : لا تخرج من بيت زوجها سنة وهي كارهة ، فَإِن خرجن إلى أهلهن طائعة قبل الحلول ، فلا نفقة لها ، فعدتها ثلاثة قروء ، يَقُولُ : فلا جناح عليكم فِي قراءة ابْن مَسْعُود : فلا جناح عليهن ، فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ سورة البقرة آية 240 يعني بالمعروف ، يعني : أن تتشوف وتتزين وتلتمس الأزواج ، واللَّه عَزّيز حكيم عزيز فِي ملكه ، حكيم فيما حكم من النفقة حولا . نزلت فِي حكيم بن الأشرف ، قدِم الطائف ومات بالمدينة وَلَهُ أبوان وأولاد ، فأعطى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الميراث الوالدين ، وأعطى الأولاد بالمعروف ، وَلَم يعط امرأته شيئًا . غَيْر أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بالنفقة عَلَيْهَا فِي الطعام والكسوة حولا ، فَإِن كَانَت المرأة من أَهْل المدر ، التمست السكنى فيما بينها وبَيْنَ الحول ، وإن كَانَتْ من أَهْل الوبر نسجت ما تسكن فِيهِ إلى الحول ، فكان هَذَا قبل أن تنزل آية المواريث ، ثُمّ نزل : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا سورة البقرة آية 234 نسخت هَذِهِ الحول ، ثُمّ أنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ آية المواريث ، فجعل لهن الربع والثمن ، فنسخت نصيبها من الميراث نفقة سنة ، ثُمّ قَالَ : وللمطلقات اللاتي دخل بهن ، متاع بالمعروف يعني : عَلَى قدر مال الزوج ، وَلا يجبر الزوج عَلَى المتعة ، لأن لها المهر كامل ، حقا عَلَى المتقين أن يمتع الرَّجُل امرأته ، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ سورة البقرة آية 242 يَقُولُ : هكذا يبين اللَّه لَكُمْ أمره فِي المتعة ، لعلكم يعني : لكي تعقلون . أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ { 243 } وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ { 244 } مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ { 245 } سورة البقرة آية 243-245 , أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ سورة البقرة آية 243 من بني إِسْرَائِيل ، ألوف ثمانية آلاف ، حذر الموت يعني حذر القتل ، وذلك أن نبيهم حزقيل بن دوم ، وَهُوَ ذو الكفل بن دوم ، ندبهم إلى قتال عدوهم ، فأبوا عَلَيْه جبنا عن عدوهم واعتلوا ، فقالوا : إن الأرض التي نبعث إليها لنقاتل عدونا ، هِيَ أرض يَكُون فيها الطاعون . فأرسل اللَّه عَزَّ وَجَلّ عليهم الموت ، فَلَمَّا رأوا أن الموت كثر فيهم ، خرجوا من ديارهم فرارا من الموت ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ حزقيل ، قَالَ : اللَّهُمَّ رب يَعْقُوب وإله مُوسَى ، قَدْ ترى معصية عبادك ، فأرهم آية فِي أنفسهم حَتَّى يعلموا أنهم لن يستطيعوا فرارا منك . فأمهلهم اللَّه عَزَّ وَجَلّ حَتَّى خرجوا من ديارهم ، وهي قرية تسمى دامردان . فَلَمَّا خرجوا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلّ لهم : فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا سورة البقرة آية 243 عبرة لهم ، فماتوا جميعًا وماتت دوابهم كموت رَجُل واحد ثمانية أيام ، فخرج إليهم الناس ، فعجزوا عن دفنهم حَتَّى حظروا عليهم وأروحت أجسادهم ، ثُمّ إن اللَّه عَزَّ وَجَلّ أحياهم بعد ثمانية أيام وبهن نتن شديد ، ثُمّ إن حزقيل بكى إلى ربه عَزَّ وَجَلّ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ رب إِبْرَاهِيم وإله مُوسَى ، لا تكن عَلَى عبادك الظلمة كأنفسهم ، واذكر فيهم ميثاق الأولين . فسمع اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، فأمره أن يدعوهم بكلمة واحدة ، فقاموا كقيام رَجُل واحد كان وسنانا فاستيقظ ، فذلك قوله عَزَّ وَجَلّ : إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ سورة البقرة آية 243 رب هَذِهِ النعمة حين أحياهم بعدما أراهم عقوبته . ثُمّ أمرهم عَزَّ وَجَلّ أن يرجعوا إلى عدوهم فيجاهدوا ، فذلك قوله : مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ سورة البقرة آية 243 أَنَّهُ أحياهم بعدما أماتهم ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ سورة البقرة آية 243 . وقوله سُبْحَانَهُ : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ سورة البقرة آية 244 لقولهم : إن الأرض التي نبعث إليها فيها الطاعون ، عليم بِذَلِك ، حَتَّى إنَّه ليوجد فِي ذَلِكَ السِّبْط من اليهود ريح كريح الموتى ، وكانوا ثمانية آلاف . مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا سورة البقرة آية 245 طيبة بها نفسه محتسبا ، فيضاعفه لَهُ بها ، أضعافا كثيرة نزلت فِي أَبِي الدحداح ، واسمه عُمَر بن الدحداح الْأَنْصَارِيّ ، وذلك أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " من تصدق بصدقة ، فَلَـه مثلها فِي الجنة " ، قَالَ أَبُو الدحداح : إن تصدقت بحديقتي ، فلي مثلها فِي الجنة ؟ قَالَ : " نعم " . قَالَ : وأم الدحداح معي ؟ قَالَ : " نعم " . قَالَ : والصبية ؟ قَالَ : " نعم " . وكان لَهُ حديقتان ، فتصدق بأفضلهما واسمها الجنينة ، فضاعف اللَّه عَزَّ وَجَلّ صدقته ألفي ألف ضعف ، فذلك قوله عَزَّ وَجَلّ : أضعافا كثيرة ، وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ يعني : يقتر ويوسع ، وإليه ترجعون فيجزيكم بأعمالكم ، فرجع أَبُو الدحداح إلى حديقته ، فوجد أم الدحداح والصبية فِي الحديقة التي جعلها صدقة ، فقام عَلَى باب الحديقة ، وتحرج أن يدخلها ، وقَالَ : يا أم الدحداح . قَالَتْ لَهُ : لبيك يا أبا الدحداح . قَالَ : إني قَدْ جعلت حديقتي هَذِهِ صدقة ، واشترطت مثلها فِي الجنة ، وأم الدحداح معي ، والصبية معي . قَالَتْ : بارك اللَّه لك فيما اشتريت . فخرجوا منها ، وسلم الحديقة إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : " كم من نخلة مدلا عذوقها لأبي الدحداح فِي الجنة ، لو اجتمع عَلَى عذق منها أهل منى أن يقلوه ما أقلوه " . أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ سورة البقرة آية 246 قوله سُبْحَانَهُ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى سورة البقرة آية 246 وذلك أن كفار بني إِسْرَائِيل قهروا مؤمنيهم ، فقتلوهم وسبوهم وأخرجوهم من ديارهم وأبنائهم ، فمكثوا زمانا لَيْسَ لهم ملك يقاتل عدوهم ، والعدو بين فلسطين ومصر ، إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ سورة البقرة آية 246 فقالوا لنَّبِيّ لهم عَلَيْه السَّلام ، اسمه اشماويل ، وَهُوَ بالعربية إسماعيل بن هلقابا ، واسم أُمّه حنة ، وَهُوَ من نسل هَارُون بن عِمْرَانَ أخو مُوسَى : ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ سورة البقرة آية 246 عدونا ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ سورة البقرة آية 246 لهم نبيهم : هَلْ عسيتم إن بعث اللَّه لَكُمْ ملكا و كتب يعني : وفرض ، عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ سورة البقرة آية 246 أَي : فَلَمَّا فرض ، كقوله سُبْحَانَهُ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ سورة البقرة آية 183 يعني : فرض عليكم ، عليهم القتال يعني عَلَى بني إِسْرَائِيل ، تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ سورة البقرة آية 246 يعني : كره القتال العصابة الَّذِين وقفوا فِي النهر ، واللَّه عليم بالظالمين يعنيهم لقولهم : لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ سورة البقرة آية 249 وكان القليل أصحاب الفرقة ثلاث مائة وثلاثة عشر عدد أصحاب بدر . وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ سورة البقرة آية 247 وقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم بدر : " إنكم عَلَى عدد أصحاب طالوت " ، وقَالَ لهم نبيهم إسماعيل : إن اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ سورة البقرة آية 247 يعني : من أَيْنَ يَكُون لَهُ الملك علينا ، وليس طالوت من سِبْط النُّبُوَّة وَلا من سِبْط الملوك ، وكان طالوت فيهم حقير الشأن دون ، وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ سورة البقرة آية 247 مِنَّا الْأَنْبِيَاء والملوك ، وكانت النُّبُوَّة فِي سِبْط لاوي بن يَعْقُوب ، والملوك فِي سِبْط يهوذا بن يَعْقُوب ، وَلَم يؤت طالوت ، سعة من المال أن ينفق علينا ، قَالَ لهم نبيهم إِسْمَاعِيل : إن اللَّه عَزَّ وَجَلّ اصطفاه عليكم يعني اختاره ، كقوله سُبْحَانَهُ : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ سورة البقرة آية 132 يعني اختاره ، وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ سورة البقرة آية 247 وكان أَعْلَم بني إِسْرَائِيل ، وكان طالوت من سِبْط بنيامين ، وكان جسيما عالما ، وكان اسمه شارل بن كيس ، وبالعربية طالوت بن قَيْس ، وسمي طالوت لطوله ، وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ سورة البقرة آية 247 بعطية الملك ، عليم بمن يعطيه الملك . وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ سورة البقرة آية 248 فَلَمَّا أنكروا أن يَكُون طالوت عليهم ملكا ، وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ سورة البقرة آية 248 أنه من اللَّه ، أن يأتيكم التابوت الَّذِي أَخَذَ منكم ، فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ سورة البقرة آية 248 ورأس كرأس الهرة ، ولها جناحان ، فإذا صوتت عرفوا أن النصر لهم ، فكانوا يقدمونها أمام الصف ، وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ سورة البقرة آية 248 يعني بالبقية : رضراضا من الألواح وقفير من فِي طست من ذهب وعصا مُوسَى عَلَيْه السَّلام وعمامته ، وكان التابوت يَكُون مَعَ الأنبياء ، إذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به عَلَى عدوهم ، فَلَمَّا تفرقت بنو إِسْرَائِيل وعصوا الْأَنْبِيَاء ، سلط اللَّه عَزَّ وَجَلّ عليهم عدوهم ، فقتلوهم وغلبوهم عَلَى التابوت ، فدفنوه فِي مخرأة لهم ، فابتلاهم اللَّه عَزَّ وَجَلّ بالبواسير ، فكان الرَّجُل إذا تبرز عِنْد التابوت أخذه الباسور ، ففشى ذَلِكَ فيهم فهجروه ، فقالوا : ما ابتلينا بهذه إِلَّا بفعلنا بالتابوت . فاستخرجوه ، ثُمّ وجهوه إلى بني إِسْرَائِيل عَلَى بقرة ذات لبن ، وبعث اللَّه عَزَّ وَجَلّ الملائكة ، فساقوا العجلة ، فإذا التابوت بين أظهرهم ، فذلك قوله سُبْحَانَهُ ، تحمله الملائكة يعني : تسوقه الملائكة ، إن فِي ذَلِكَ يعني : فِي رد التابوت ، لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ سورة البقرة آية 248 يعني : مصدقين بأن طالوت ملكه من اللَّه عَزَّ وَجَلّ . وكان التابوت من عود الشمشار التي تتخذ منه الأمشاط الصفر مموه بالذهب ، فَلَمَّا رأوا التابوت أيقنوا بأن ملك طالوت من اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، فسمعوا لَهُ وأطاعوا ، وكان مُوسَى عَلَيْه السَّلام ترك التابوت فِي التيه قبل موته عِنْد يوشع بن نون ، ثُمّ إن طالوت تجهز لقتال جالوت ، وقَالَ النَّبِيّ إسماعيل لطالوت : إن اللَّه عَزَّ وَجَلّ سيبعث رَجُلا من أصحابك فيقتل جالوت ، وأعطاه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ درعا ، فَقَالَ لطالوت : من صلحت هَذِهِ الدرع عَلَيْه ، لَمْ تقصر عَلَيْه ، وَلَم تطل ، فَإنَّهُ قاتل جالوت ، فاجعل لقاتله نصف ملكك ونصف مَالِك . فبلغ ذَلِكَ دَاوُد النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يرعى الغنم فِي الجبل ، فاستودع غنمه ربه جلَّ وعز ، قَالَ : آتي الناس وأطالع أخوتي ، وهم سبعة من طالوت ، وأنظر ما هَذَا الخبر . فمر دَاوُد عَلَيْه السَّلام عَلَى حجر ، فَقَالَ : يا دَاوُد خذني ، فأنا حجر هَارُون الَّذِي قتل به كذا وكذا ، فارم بي جالوت الجبار ، فأقع فِي بطنه ، فأنفذ من جانبه الآخر . فأخذه فألقاه فِي مخلاته ، ثُمّ مر بحجر آخر ، فَقَالَ له : يا داود خذني ، فأنا حجر موسى الذي قتل بي كذا وكذا ، فارم بي جالوت ، فأقع في قلبه فأنفذ من الجانب الآخر . فألقاه في مخلاته ، ثم مر بحجر آخر ، فقال : يا داود خذني ، فأنا الَّذِي أقتل جالوت الجبار ، فأستعين بالريح فتلقى البيضة ، فأقع فِي دماغه فأقتله . فأخذه ، فألقاه فِي مخلاته . ثُمّ انطلق حَتَّى دخل عَلَى طالوت ، فَقَالَ : أَنَا قاتل جالوت بإذن اللَّه . وكان دَاوُد عَلَيْه السَّلام رث المنظر ، هبير ، دوير ، فأنكر طالوت أن يقتله دَاوُد عَلَيْه السَّلام ، فَقَالَ دَاوُد : تجعل لي نصف ملكك ونصف مَالِك إن قتلت جالوت الجبار ؟ قَالَ طالوت : لك ذَلِكَ عندي ، وأزوجك ابنتي ، ولن يخفى عليّ إن كُنْت أَنْت صاحبه ، قَدْ أتاني قومي كلهم يزعم أن يقتله ، وَقَدْ أَخْبَرَنِي إسماعيل أن اللَّه يبعث لَهُ رَجُلا من أصحابي فيقتله . فالبس هَذَا الدرع ، فلبسها دَاوُد عَلَيْه السَّلام ، فطالت عَلَيْه ، فانتفض فيها ، فتقلص منها ، وَجَعَل دَاوُد يدعو اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، ثُمّ انتفض فيها ، فتقلص منها ، ثُمّ انتفض فيها الثالثة فاستوت عَلَيْه ، فعلم طالوت أَنَّهُ يقتل جالوت . فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ سورة البقرة آية 249 . فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ سورة البقرة آية 249 وهم مائة ألف إنسان ، فسار فِي حر شديد ، فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ سورة البقرة آية 249 ، قَالَ إن اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، مبتليكم بنهر بين الأُرْدُنّ وفلسطين ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي سورة البقرة آية 249 يَقُولُ : لَيْسَ معي عَلَى عدوي ، كقول إِبْرَاهِيم عَلَيْه السَّلام : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي سورة إبراهيم آية 36 يعني : معي ، وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي سورة البقرة آية 249 فَإنَّهُ معي عَلَى عدوي ، ثُمّ استثنى فَقَالَ : إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ سورة البقرة آية 249 الغرفة يشرب منها الرَّجُل وخدمه ودابته ويملأ قربته ، ووصلوا إلى النهر من مفازة ، وأصابهم العطش ، فَلَمَّا رَأَى الناس الماء ابتدروا فوقعوا فِيهِ ، فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ سورة البقرة آية 249 والقليل ثلاث مائة وثلاثة عشر رَجُلا ، عدة أصحاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم بدر . فَلَمَّا جاوزه أَي : جاوز النهر ، هُوَ يعني طالوت ، والذين آمنوا معه وَكُلُّهُمْ مؤمنون ، فَقَالَ العصاة الَّذِين وقعوا فِي النهر : قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ سورة البقرة آية 249 فرد عليهم أصحاب الغرفة ، قَالَ الَّذِين يظنون يعني : الَّذِين يعلمون ، كقوله سُبْحَانَهُ : وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ سورة القيامة آية 28 يعني : وعلم ، وكقوله عَزَّ وَجَلّ : فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا سورة الكهف آية 53 ، وكقوله عَزَّ وَجَلّ : أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ سورة المطففين آية 4 أَي : ألا يعلم ، أنهم ملاقوا اللَّه لأنهم قَدْ طابت أنفسهم بالموت ، كم من فئة يعني : جند ، قليلة عددهم ، غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً سورة البقرة آية 249 عددهم ، بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ سورة البقرة آية 249 يعني بني إِسْرَائِيل فِي النصر عَلَى عدوهم ، فرد طالوت العصاة وسار بأصحاب الغرفة حَتَّى عاينوا العدو . وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ { 250 } فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ { 251 } تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ { 252 } سورة البقرة آية 250-252 ولما برزوا لقتال ، لجالوت وجنوده قَالَ أصحاب الغرفة : قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا سورة البقرة آية 250 يعني : ألق ، أصبب علينا صبرا ، كقوله سُبْحَانَهُ : أفرغ يعني : أصبب ، عَلَيْه قطرا ، وثبت أقدامنا عِنْد القتال حَتَّى لا تزول ، وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ سورة البقرة آية 250 يعني جالوت وجنوده ، وكانوا يعبدون الأوثان ، فاستجاب اللَّه لهم ، وكانوا مؤمنين ، أصحاب الغرفة فِي العصاة . فَلَمَّا التقى الجمعان وطالوت فِي قلة وجالوت فِي كثرة ، عمد دَاوُد عَلَيْه السَّلام ، فقام بحيال جالوت ، لا يقوم ذَلِكَ المكان إِلَّا من يريد قتال جالوت ، فجعل الناس يسخرون من دَاوُد حين قام بحيال جالوت ، وكان جالوت من قوم عاد عَلَيْه بيضة فيها ثلاث مائة رطل ، فَقَالَ جالوت : من أَيْنَ هَذَا الفتى ؟ ارجع ويحك ، فَإِنِّي أراك ضعيفا ، وَلا أرى لك قوة ، وَلا أرى معك سلاحا ، ارجع فإني أرحمك . فَقَالَ دَاوُد عَلَيْه السَّلام : أَنَا أقتلك بإذن اللَّه عَزَّ وَجَلّ . فَقَالَ جالوت : بأي شيء تقتلني ؟ وَقَدْ قمت مقام الأشقياء ، وَلا أرى معك سلاحا إِلَّا عصاك هَذِهِ ، هلم فاضربني بها ما شئت . وهي عصاه التي كان يرد بها غنمه ، قَالَ دَاوُد : أقتلك بإذن اللَّه بما شاء اللَّه . فتقدم جالوت ليأخذه بيده مقتدرا عَلَيْه فِي نفسه ، وَقَدْ صارت الحجارة الثلاثة حجرا واحدًا ، فَلَمَّا دنا جالوت من دَاوُد ، أخرج الحجر من مخلاته ، وألقت الريح البيضة عن رأسه ، فرماه فوقع الحجر فِي دماغه حَتَّى خرج من أسفله ، وانهزم الكفار ، وطالوت ومن معه وقوف ينظرون ، فذلك قوله سُبْحَانَهُ : فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ سورة البقرة آية 251 بحذافة فيها حجر واحد ، وقُتِل معه ثلاثون ألفا ، وطلب دَاوُد نصف مال طالوت ونصف ملكه ، فحسده طالوت عَلَى صنيعه وأخرجه ، فذهب دَاوُد حَتَّى نزل قرية من قرى بني إِسْرَائِيل ، وندم طالوت عَلَى صنيعه ، فَقَالَ فِي نفسه : عمدت إلى خير أَهْل الأرض ، بعثه اللَّه عَزَّ وَجَلّ لقتل جالوت فطردته ، وَلَم أفِ لَهُ . وكان دَاوُد عَلَيْه السَّلام أحبّ إلى بني إِسْرَائِيل من طالوت . فانطلق فِي طلب دَاوُد ، فطرق امرأة ليلا من قدماء بني إِسْرَائِيل تعلم اسم اللَّه الأعظم ، وهي تبكي عَلَى دَاوُد ، فضرب بابها ، فقالت : من هَذَا ؟ قَالَ : أَنَا طالوت . فقالت : أَنْت أشقى الناس وأشرهم ، هَلْ تعلم ما صنعت ؟ طردت دَاوُد النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكان أمره من اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، وكانت لك آية فِيهِ من أمر الدرع وصفة أشماويل وظهوره عَلَى جالوت ، وقتل اللَّه عَزَّ وَجَلّ به أَهْل الأوثان فانهزموا ، ثُمّ غدرت بداود وطردته ، هلكت يا شقي . فَقَالَ لها : إِنَّمَا أتيتك لأسالك ما توبتي ؟ قَالَتْ : توبتك أن تأتي مدينة بلقاء ، فتقاتل أهلها وحدك ، فَإِن افتتحتها فهي توبتك . فانطلق طالوت ، فقاتل أَهْل بلقاء وحده فقتل ، وعمدت بنو إِسْرَائِيل إلى دَاوُد عَلَيْه السَّلام فردوه وملكوه ، وَلَم يجتمع بنو إِسْرَائِيل لملك قطّ غَيْر دَاوُد عَلَيْه السَّلام ، فكانوا اثني عشر سبطا ، لكل سِبْط ملك بينهم ، فذلك قوله تبارك وتعالى : فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ سورة البقرة آية 251 . وآتاه اللَّه الملك يعني : ملكه اثنا عشر سبطا ، والحكمة يعني الزبور ، وعلمه مما يشاء علمه صنعة الدروع ، وكلام الدواب والطير ، وتسبيح الجبال ، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ سورة البقرة آية 251 يَقُولُ اللَّه سُبْحَانَهُ : لولا دفع اللَّه المشركين بالمسلمين ، لغلب المشركون عَلَى الأرض ، فقتلوا الْمُسْلِمِين ، وخربوا المساجد والبيع والكنائس والصوامع ، فذلك قوله سُبْحَانَهُ : لفسدت الأرض يَقُولُ : لهلكت الأرض ، نظيرها : إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا سورة النمل آية 34 يعني : أهلكوها ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ سورة البقرة آية 251 فِي الدفع عَنْهُمْ . تِلْكَ آيات اللَّه يعني القرآن ، نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ سورة البقرة آية 252 . تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ سورة البقرة آية 253 تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ سورة البقرة آية 253 وَهُوَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ومنهم من اتخذه خليلا ، وَهُوَ إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ومنهم من أعطى الزبور ، وتسبيح الجبال والطير ، وَهُوَ دَاوُد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ومنهم من سخرت له الرياح والشياطين ، وعلم منطق الطير ، وهو سليمان صلى الله عليه وسلم ، ومنهم من يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ، ويخلق من الطين طيرا ، وَهُوَ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فهذه الدرجات ، يعني الفضائل ، قَالَ تَعَالَى : وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ سورة البقرة آية 253 عَلَى بعض ، وآتينا يَقُولُ : وأعطينا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ سورة البقرة آية 253 يعني : ما كان يصنع من العجائب ، وما كان يحيي من الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويخلق من الطين . ثُمّ قَالَ : وأيدناه بروح القدس يَقُولُ سُبْحَانَهُ : وقويناه بجبريل عَلَيْه السَّلام ، ثُمّ قَالَ : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ سورة البقرة آية 253 يعني من بعد عِيسَى ومُوسَى ، وبينهما ألف نَبِيّ ، أولهم وآخرهم عِيسَى ، مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ سورة البقرة آية 253 يعني العجائب التي كان يصنعها الْأَنْبِيَاء ، وَلَكِن اختلفوا فصاروا فريقين فِي الدّين ، فذلك قوله سُبْحَانَهُ : فمنهم من آمن يعني : صدق بتوحيد اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، ومنهم من كفر بتوحيد اللَّه ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ سورة البقرة آية 253 يعني أراد ذَلِكَ . يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ سورة البقرة آية 254 يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ سورة البقرة آية 254 من الأموال فِي طاعة اللَّه ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ سورة البقرة آية 254 يَقُولُ : لا فداء فِيهِ ، فِيهِ وَلا خلة فِيهِ ، ليعطيه بخلة ما بَيْنَهُمَا ، وَلا شفاعة للكفار فِيهِ كفعل أَهْل الدُّنْيَا بعضهم فِي بعض ، فَلَيْس فِي الآخرة شيء من ذَلِكَ ، والكافرون هُم الظالمون . اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ سورة البقرة آية 255 اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ سورة البقرة آية 255 الَّذِي لا يموت ، القيوم القائم عَلَى كُلّ نفس ، لا تأخذه سنة يعني : ريح من قبل الرأس ، فيغشى العينين ، وَهُوَ وسنان بين النائم واليقظان ، ثُمّ قَالَ جلَّ ثناؤُهُ : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ سورة البقرة آية 255 من الخلق عبيده ، وَفِي ملكه الملائكة ، وعزير ، وعيسى ابْن مريم ، وغيره مِمَّنْ يعبد ، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ سورة البقرة آية 255 من الملائكة ، إِلَّا بإذنه يَقُولُ : إِلَّا بأمره ، وذلك قوله سُبْحَانَهُ : وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى سورة الأنبياء آية 28 ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ سورة البقرة آية 255 يَقُولُ : ما كان قبل خلق الملائكة ، وما كان بعد خلقهم ، ثُمّ قَالَ : وَلا يحيطون يعني الملائكة ، بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ سورة البقرة آية 255 الرب فيعلمهم . ثم أخبر عن عظمة الرب جلَّ جلاله ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ سورة البقرة آية 255 كلها كُلّ قائمة ، ولا يئوده حفظهما يَقُولُ : وَلا يثقل عَلَيْه ، وَلا يجهده حملها ، وَهُوَ العلي العظيم الرفيع فوق كُلّ خلقه العظيم ، فلا أعظم منه شيء ، يحمل الكرسي أربعة أملاك لكل ملك أربعة وجوه ، أقدامهم تحت الصَّخرة التي تحت الأرض السفلى ، مسيرة خمس مائة عام ، وما بين كُلّ أرض مسيرة مائة عام ملك وجهه عَلَى صورة الإِنْسَان ، وَهُوَ سيد الصور ، وَهُوَ يسأل الرزق للآدميين ، وملك وجهه عَلَى صورة سيد الأنعام يسأل الرزق للبهائم وَهُوَ الثور ، لَمْ يزل الملك الَّذِي عَلَى صورة الثور على وجهه كالغضاضة منذ عُبِدَ العجل من دون الرَّحْمَن عَزَّ وَجَلّ ، وملك وجهه عَلَى صورة سيد الطير ، وَهُوَ يسأل اللَّه عَزَّ وَجَلّ الرزق للطير وَهُوَ النسر ، وملك عَلَى صورة سيد السباع ، وَهُوَ يسأل الرزق للسباع وَهُوَ الأسد . لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ سورة البقرة آية 256 لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ سورة البقرة آية 256 لأحد بعد إسلام العرب إذا أقروا بالجزية ، وذلك أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لا يقبل الجزية إِلَّا من أَهْل الكتاب ، فَلَمَّا أسلمت العرب طوعا وكرها قبل الخراج ، من غَيْر أَهْل الكتاب ، فكتب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المنذر بن ساوى ، وأهل هجر ، يدعوهم إلى الْإِسْلام ، فكتب : " من محمد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أَهْل هجر ، سلام عَلَى من اتبع الهدى ، أما بعد : إن من شهد شهادتنا ، وأكل من ذبيحتنا ، واستقبل قبلتنا ، ودان بديننا ، فذلك المسلم الَّذِي لَهُ ذمة اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، وذمة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِن أسلمتم فلكم ما أسلمتم عَلَيْه ، ولكم عشر التمر ، ولكم نصف عشر الحب ، فَمنْ أبى الْإِسْلام فعليه الجزية " . فكتب المنذر إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إني قرأت كتابك إلى أهل هجر ، فمنهم من أسلم ، ومنهم من أبى ، فأما اليهود والمجوس فأقروا بالجزية ، وكرهوا الْإِسْلام . فقبل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منهم بالجزية ، فَقَالَ منافقو أَهْل المدينة : زعم محمد أَنَّهُ لَمْ يؤمر أن يأخذ الجزية إِلَّا من أَهْل الكتاب ، فَمَا باله قبل من مجوس أَهْل هجر ، وقد أبى ذَلِكَ عَلَى آبائنا وإخواننا حَتَّى قاتلهم عَلَيْه . فشق عَلَى الْمُسْلِمِين قولهم ، فذكروه للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ سورة المائدة آية 105 إلى آخر الآية ، وأنزل الله عز وجل : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ سورة البقرة آية 256 بعد إسلام العرب . قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ سورة البقرة آية 256 يَقُولُ : قَدْ تبين الضلالة من الهدى ، فَمنْ يكفر بالطاغوت يعني الشَّيْطَان ، ويؤمن بِاللَّه بأنه واحد لا شريك لَهُ ، فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى سورة البقرة آية 256 يَقُولُ : أَخَذَ الثقة ، يعني الْإِسْلام ، التي لا انفصام لها يَقُولُ : لا انقطاع لَها دون الجنة ، واللَّه سميع لقولهم ، عليم به . اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ سورة البقرة آية 257 اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا سورة البقرة آية 257 يعني ولي الْمُؤْمِنِين بِاللَّه عَزَّ وَجَلّ ، يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ سورة البقرة آية 257 يعني من الشرك إلى الْإِيمَان ، نظيرها فِي إِبْرَاهِيم : أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ سورة إبراهيم آية 5 لأنه سبق لهم السعادة من اللَّه تَعَالَى فِي علمه ، فَلَمَّا بعث النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أخرجهم اللَّه سُبْحَانَهُ من الشرك إلى الْإِيمَان ، ثُمّ قَالَ : والذين كفروا يعني اليهود ، أولياؤهم الطاغوت يعني كَعْب بن الأشرف ، يخرجونهم يعني : يدعونهم ، مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ سورة البقرة آية 257 نظيرها فِي إِبْرَاهِيم قوله سُبْحَانَهُ : أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ سورة إبراهيم آية 5 ، ثُمّ قَالَ : يدعونهم من النور الَّذِي كانوا فِيهِ من إيمان بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل أن يبعث إلى كفر به بعد أن بعث ، وهي الظلمة ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ سورة البقرة آية 257 يعني : لا يموتون . أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ سورة البقرة آية 258 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ سورة البقرة آية 258 وَهُوَ نمروذ بن كنعان بن ريب بن نمروذ بن كوشى بن نوح ، وَهُوَ أول من ملك الأرض كلها ، وَهُوَ الَّذِي بنى الصرح ببابل ، أن آتاه اللَّه يَقُولُ : أن أَعْطَاه اللَّه ، الملك وذلك أن إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين كسر الأصنام سجنه نمروذ ، ثُمّ أَخْرَجَهُ ليحرقه بالنار ، فَقَالَ لإبراهيم عَلَيْه السَّلام : من ربك ؟ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ سورة البقرة آية 258 وإياه أعبد ومنه أسأل الخير ، قَالَ نمروذ : أَنَا أحيي وأميت قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم : أرني بيان الَّذِي تَقُولُ . فجاء برجلين فقتل أَحَدهمَا ، واستحيا الآخر ، وقَالَ : كان هَذَا حيا فأمته ، وأحييت هَذَا ولو شئت قتلته ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ سورة البقرة آية 258 الجبار ، الذي كفر بتوحيد الله عَزَّ وَجَلّ ، يَقُولُ : بهت نمروذ الجبار ، فلم يدر ما يرد عَلَى إِبْرَاهِيم . ثُمّ إن اللَّه عَزَّ وَجَلّ سلط عَلَى نمروذ بعوضة ، بعدما أنجا اللَّه عَزَّ وَجَلّ إبراهيم من النار ، فعضت شفته ، فأهوى إليها ، فطارت فِي منخره ، فذهب ليأخذها ، فدخلت خياشيمه ، فذهب يستخرجها ، فدخلت دماغه ، فعذبه اللَّه عَزَّ وَجَلّ بها أربعين يومًا ، ثُمّ مات منها ، وكان يضرب رأسه بالمطرقة ، فإذا ضرب رأسه سكنت البعوضة ، وإذا رفع عَنْهَا تحركت ، فَقَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ : وعزتي وجلالي لا تقوم الساعة حَتَّى آتي بها ، يعني : الشمس من قبل المغرب ، فيعلم من يرى ذَلِكَ أني أَنَا اللَّه قادر عَلَى أن أفعل ما شئت . ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ سورة البقرة آية 258 إلى الحجَّة ، يعني نمروذ ، مثلها فِي براءة : وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ سورة التوبة آية 19 إلى الحجَّة . أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ سورة البقرة آية 259 أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا سورة البقرة آية 259 يعني : ساقطة عَلَى سقوفها ، وذلك أن بختنصر سبا أَهْل بابل ، وفيهم عزير بن شرحيا ، وكان من علماء بني إِسْرَائِيل ، وأنه ارتحل ذات يوم عَلَى حمار أقمر ، فمر عَلَى قرية تدعى سابور عَلَى شاطئ دجلة بين واسط والمدائن ، وكان هَذَا بعدما رفع عِيسَى ابْن مريم ، فربط حماره فِي ظل شجرة ، ثُمّ طاف فِي القرية ، فلم ير فيها ساكنا ، وعامة شجرها حامل ، فأصاب من الفاكهة والعنب والتين . ثُمّ رجع إلى حماره ، فجلس يأكل من الفاكهة ، وعصر من العنب ، فشرب منه ، فجعل فضل الفاكهة فِي سلة ، وفضل العصير فِي الزق ، فَلَمَّا رَأَى خراب القرية وهلاك أهلها ، قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ سورة البقرة آية 259 يعني أَهْل هَذِهِ القرية ، بعد موتها بعد هلاكها ، لَمْ يشك فِي البعث ، ولكنه أحبّ أن يريه اللَّه عَزَّ وَجَلّ كيف يبعث الموتى ، كَمَا سأل إِبْرَاهِيم عَلَيْه السَّلام ربه عَزَّ وَجَلّ : أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى سورة البقرة آية 260 . فَلَمَّا تكلم بِذَلِك عزير ، أراد اللَّه عَزَّ وَجَلّ أن يعلمه كيف يحييها بعد موتها ، فأماته اللَّه عَزَّ وَجَلّ وأمات حماره ، مائة عام فحيى والفاكهة والعصير مَوْضُوع عنده ، ثُمّ بعثه اللَّه عَزَّ وَجَلّ فِي آخر النهار بعد مائة عام ، لَمْ يتغير طعامه وشرابه ، فنودي في السماء ، قَالَ كم لبثتَ يا عزير ميتا ، قَالَ لبثت يومًا فالتفت فرأى الشمس ، فَقَالَ : أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ سورة البقرة آية 259 لَهُ : بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ سورة البقرة آية 259 ميتا ، ثُمّ أخبره ليعتبر ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : فانظر إلى طعامك يعني الفاكهة فِي السلة ، وشرابك يعني العصير ، لَمْ يتسنه يَقُولُ : لَمْ يتغير طعمه بعد مائة عام ، نظيرها فِي سورة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ سورة محمد آية 15 ، فَقَالَ : سبحان اللَّه ، كيف لَمْ يتغير طعمه ؟ ! ونظر إلى حماره ، وَقَدْ ابيضت عظامه ، وبليت وتفرقت أوصاله ، فنودي من السماء : أيتها العظام البالية اجتمعي ، فَإِن اللَّه عَزَّ وَجَلّ منزل عليك روحا . فسعت العظام بعضها إلى بعض ، الذراع إلى العضد ، والعضد إلى المنكبين والكتف ، وسعت الساق إلى الركبتين ، والركبتان إلى الفخذين ، والفخذان إلى الوركين ، والتصق الوركان بالظهر ، ثُمّ وقع الرأس عَلَى الجسد ، وعزير ينظر ، ثُمّ ألقى عَلَى العظام العروق والعصب ، ثُمّ رد عَلَيْه الشعر ، ثُمّ نفخ فِي منخره الروح ، فقام الحمار ينهق عِنْد رأسه ، فعلم كيف يبعث أَهْل هَذِهِ القبور بعد هلاكهم ، وبعث حماره بعد مائة عام كَمَا لَمْ يتغير طعامه وشرابه ، وبعث بعد طوال الدَّهْر ليعتبر بِذَلِك ، فذلك قوله سُبْحَانَهُ : فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ سورة البقرة آية 259 يعني : لَمْ يتغير طعمه ، كقوله فِي سورة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ سورة محمد آية 15 . وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ سورة البقرة آية 259 يعني عبرة ، لأنه بعثه شابا بعد مائة سنة ، وانظر إلى العظام يعني عظام الحمار ، كيف ننشزها يعني : نحييها ، نظيرها : أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ سورة الأنبياء آية 21 يعني : يبعثون الموتى ، ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ سورة البقرة آية 259 يعني لعزير كيف يحيي اللَّه الموتى ، خر للَّه ساجدا ، قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ سورة البقرة آية 259 يعني من البعث وغيره ، فرجع عزير إِلَى أهله ، وَقَدْ هلكوا ، وبيعت داره وبنيت فردت عَلَيْه ، وانتسب عزير إلى أولاده ، فعرفوه وعرفهم ، وأعطي عزير العلم من بعد ما بعث بعد مائة عام . وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ سورة البقرة آية 260 وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى سورة البقرة آية 260 وذلك أَنَّهُ رَأَى جيفة حمار عَلَى شاطئ البحر تتوزعه دواب البر والبحر والطير ، فنظر إليها ساعة ، ثُمّ قَالَ : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى سورة البقرة آية 260 ، قَالَ أولم تؤمن يا إِبْرَاهِيم ، يعني قَالَ : أَوَلَمْ تصدق بأني أحيي الموتى يا إِبْرَاهِيم ؟ قَالَ بلى صدقت ، وَلَكِن ليطمئن قلبي ليسكن قلبي بأنك أريتني الَّذِي أردت ، قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ سورة البقرة آية 260 قَالَ : خُذْ ديكا وبطة وغرابا وحمامة فاذبحهن ، يَقُولُ : قطعهن ، ثُمّ خالف بين مفاصلهن وأجنحتهن ، فصرهن إليك بلغة النبط صرهن : قطعهن ، واخلط ريشهن ودماءهن ، ثُمّ خالف بين الأعضاء والأجنحة ، واجعل مقدم الطير مؤخر طير آخر ، ثُمّ فرقهن عَلَى أربعة أجبال ، ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا سورة البقرة آية 260 فيها تقدم ، فدعاهن فتواصلت الأعضاء والأجنحة ، فأجابته جميعًا لَيْسَ معهن رءوسهن ، ثُمّ وضع عَلَى أجسادهن ، ففقت البطة ، وصوت الديك ، ونعق الغراب ، وقرقر الحمام ، يَقُولُ : خذهن فصرهن وادعهن يسعين عَلَى أرجلهن عِنْد غروب الشمس . وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ سورة البقرة آية 260 فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ : أعْلَم أن اللَّه عزيز فِي ملكه حكيم ، يعني حكم البعث ، يَقُولُ : كَمَا بعث هَذِهِ الأطيار الأربعة من هَذِهِ الجبال الأربعة ، فكذلك يبعث اللَّه عَزَّ وَجَلّ الناس من أرباع الأرض كلها ونواحيها ، وكان هَذَا بالشام ، وكان أمر الطير قبل أن يكون له ولد ، وقبل أن تنزل عليه الصحف ، وهو ابْن خمس وسبعين سنة . مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ { 261 } الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ { 262 } سورة البقرة آية 261-262 مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سورة البقرة آية 261 يعني فِي طاعة اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، كمثل حبة أنبتت يَقُولُ : أخرجت سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ سورة البقرة آية 261 لتلك الأضعاف ، عليم بما تنفقون . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ سورة البقرة آية 262 عِنْد الموت ، نزلت فِي عُثْمَان بن عَفَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي نفقته فِي غزاة تبوك ، وَفِي شرائه رومة ركية بالمدينة ، وتصدقه بها عَلَى الْمُسْلِمِين ، وَفِي عَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، حين تصدق بأربعة آلاف دِرْهَم كُلّ دِرْهَم مثقال ، وكان نصف ماله . قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ سورة البقرة آية 263 . قول معروف يعني : قول حسن ، يعني دعاء الرَّجُل لأخيه المسلم إذا جاء وهُوَ فقير يسأله فلا يعطيه شيئًا يدعو بالخير لَهُ ، ومغفرة يعني : وتجاوز عَنْهُ ، خير من صدقة يعطيه إياها ، يتبعها أذى يعني المن ، واللَّه غني عما عندكم من الصدقة ، حليم حين لا يعجل بالعقوبة عَلَى من يمن بالصدقة ، ويؤذي فيها المعطى . يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ سورة البقرة آية 264 يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى سورة البقرة آية 264 يَقُولُ : يمن بها فَإِن ذَلِكَ أذى لصاحبها ، وكل صدقة يمن بها صاحبها عَلَى المعطى ، فَإِن المن يبطلها ، فضرب اللَّه عَزَّ وَجَلّ مثلا لذلك : كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ سورة البقرة آية 264 يَقُولُ : وَلا يصدق بأنه واحد لا شريك لَهُ . واليوم الآخر يَقُولُ : وَلا يصدق بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال أَنَّهُ كائن ، فمثله ، يعني مثل الَّذِي يمن بصدقته ، كمثل مشرك أنفق ماله فِي غَيْر إيمان ، فأبطل شركه الصدقة كَمَا أبطل المن والأذى صدقة الْمُؤْمِن ، ثُمّ أخبر عمن مَنَّ بها عَلَى صاحبه ، فلم يعط عَلَيْهَا أجرا وَلا ثوابا ، ثُمّ ضرب اللَّه عَزَّ وَجَلّ لهما مثلا ، فَقَالَ فِي مثله : فمثله كمثل صَفْوَان يعني الصفا ، عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ سورة البقرة آية 264 يعني المطر الشديد ، فتركه صلدا يَقُولُ : ترك المطر الصفا صلدا نقيا أجرد ، لَيْسَ عَلَيْه تراب ، فكذلك المشرك الَّذِي ينفق فِي غَيْر إيمان ، وينفق رئاء الناس ، وكذلك صدقة الْمُؤْمِن إذا منَّ بها . وذلك قوله سُبْحَانَهُ : لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا سورة البقرة آية 264 يَقُولُ : لا يقدرون عَلَى ثواب شيء مما أنفقوا يَوْم الْقِيَامَة ، وذلك قوله عَزَّ وَجَلّ : مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى سورة إبراهيم آية 18 ثواب ، شيء يَوْم الْقِيَامَة ، كَمَا لَمْ يبق عَلَى الصفا شيء من التراب حين أصابه المطر الشديد ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ سورة البقرة آية 264 . وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ سورة البقرة آية 265 ثُمّ ذكر نفقة الْمُؤْمِن الذي يريد بنفقته وجه اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، وَلا يمن بها ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ سورة البقرة آية 265 يعني : وتصديقا من قلوبهم ، فهذا مثل نفقة الْمُؤْمِن التي يريد بها وجه اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، وَلا يمن بها ، كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ سورة البقرة آية 265 يعني بستان فِي مكان مرتفع مستو ، تجري من تحتها الأنهار ، أصابها يعني أصاب الجنة ، وابل يعني المطر الكثير الشديد ، فآتت أكلها يَقُولُ : أضعفت ثمرتها فِي الحمل ضعفين ، فكذلك الذي ينفق ماله للَّه عَزَّ وَجَلّ من غَيْر أن يضاعف لَهُ نفقته إن كثرت أَوْ قَلّت ، كَمَا أن المطر إذا اشتد ، أَوْ قل أضعف ثمرة الجنة حين أصابها وابل ، فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ سورة البقرة آية 265 أَي : أصابها عطش من المطر ، وَهُوَ الرذاذ مثل الندى ، واللَّه بما تعملون يعني بما تنفقون ، بصير . أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ سورة البقرة آية 266 أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ سورة البقرة آية 266 هَذَا مثل ضربه عَزَّ وَجَلّ لعمل الكافر ، جنة مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ سورة البقرة آية 266 يعني : عجزة لا حيلة لهم ، فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ سورة البقرة آية 266 يعني : ريح فيها نار ، يعني فيها سموم حارة ، فاحترقت يَقُولُ : مثل الكافر كمثل شيخ كبير لَهُ بستان فِيهِ من كُلّ الثمرات ، وَلَهُ ذرِّيَّة أولاد صغار ، يعني عجزة لا حيلة لهم ، فمعيشته ومعيشة ذريته من بستانه ، فأرسل اللَّه عَزَّ وَجَلّ عَلَى بستانه السموم الحارة ، فأحرقت بستانه ، فلم يَكُنْ لَهُ قوة من كبره أن يدفع عن جنته ، وَلَم تستطع ذريته الصغار أن يدفعوا عن جنتهم التي كانت معيشتهم منها حين احترقت ، وَلَم يَكُنْ للشيخ قوة أن يغرس مثل جنته ، وَلَم يَكُنْ عِنْد ذريته خير ، فيعودون به عَلَى أبيهم عندما كان أحوج إلى خير يصيبه ، وَلا يجد خيرًا ، وَلا يدفع عن نفسه عذابا ، كَمَا لَمْ يدفع الشَّيْخ الكبير وَلا ذريته عن جنتهم شيئًا حين احترقت ، وَلا يرد الكافر إلى الدُّنْيَا فيعتب ، كَمَا لا يرجع الشَّيْخ الكبير شابا ، فيغرس جنة مثل جنته ، وَلَم يقدم لنفسه خيرًا ، فيعود عَلَيْه فِي الآخرة ، وَهُوَ أحوج ما يَكُون إِلَيْهِ كَمَا لَمْ يَكُنْ عِنْد ولده شيئًا فيعودون به عَلَى أبيهم ، ويحرم الخير فِي الآخرة عِنْد شدة حاجته إِلَيْهِ ، كَمَا حرم جنته عندما كان أحوج ما يَكُون إليها عِنْد كبر سنه وضعف ذريته ، كذلك يعني : هكذا ، يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ سورة البقرة آية 266 يعني : يبين اللَّه أمره ، لعلكم يَقُولُ : لكي تتفكرون فِي أمثال اللَّه عَزَّ وَجَلّ فتعتبروا . يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ سورة البقرة آية 267 يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ سورة البقرة آية 267 يَقُولُ : أنفقوا من الحلال مما رزقناكم من الأموال الفضة والذهب وغيره ، وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ سورة البقرة آية 267 وأنفقوا من طيبات الثمار والنبات ، وذلك أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر الناس بالصدقة قبل أن تنزل آية الصدقات ، فجاء رَجُل بعزق من تمر عامته حشف ، فوضعه فِي المسجد مَعَ التمر ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من جاء بِهَذَا ؟ " فقالوا : لا ندري . فأمر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يعلق العزق ، فَمنْ نظر إِلَيْهِ قَالَ : بئس ما صنع صاحب هَذَا . فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلّ : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ سورة البقرة آية 267 يَقُولُ : وَلا تعمدوا إلى الحشف من التمر الرديء من طعامكم للصدقات ، مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ سورة البقرة آية 267 يعني الرديء بسعر الطيب لأنفسكم ، يَقُولُ : لو كان لبعضكم عَلَى بعض حق لَمْ يأخذ دون حقه . ثُمّ استثنى ، فَقَالَ : إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ سورة البقرة آية 267 يَقُولُ : إِلَّا أن يهضم بعضكم عَلَى بعض حقه ، فيأخذ دون حقه ، وَهُوَ يعلم أَنَّهُ رديء ، فيأخذه عَلَى علم ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ سورة البقرة آية 267 عما عندكم من الأموال ، حَمِيد عِنْد خلقه فِي ملكه وسلطانه . الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ سورة البقرة آية 268 ثم قَالَ سُبْحَانَهُ : الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ سورة البقرة آية 268 عِنْد الصدقة ، ويأمركم أن تمسكوا صدقتكم ، فلا تنفقوا فلعلكم تفتقرون ، ويأمركم بالفحشاء يعني المعاصي ، يعني بالإمساك عن الصدقة ، واللَّه يعدكم عِنْد الصدقة مغفرة منه لذنوبكم ويعدكم وفضلا يعني الخلف من صدقتكم ، فيجعل لَكُم الخلف بالصدقة فِي الدُّنْيَا ، ويغفر لَكُم الذنوب فِي الآخرة ، واللَّه واسع لذلك الْفَضْل عليم بما تنفقون ، وذلك قوله سُبْحَانَهُ فِي التغابن : إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا سورة التغابن آية 17 يعني به الصدقة محتسبا طيبة بها نفسه ، يضاعفه لَكُمْ فِي الدُّنْيَا ، ويغفر لَكُمْ بالصدقة فِي الآخرة . يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ { 269 } وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ { 270 } سورة البقرة آية 269-270 يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ سورة البقرة آية 269 يَقُولُ : ومن يعط الحكمة ، وهي علم القرآن والفقه فِيهِ ، فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا سورة البقرة آية 269 يَقُولُ : فقد أعطى خيرًا كثيرًا ، وما يذكر فيما يسمع ، إِلا أُولُو الأَلْبَابِ سورة البقرة آية 269 يعني أَهْل اللب والعقل ، ثُمّ قَالَ : وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ سورة البقرة آية 270 من خير من أموالكم فِي الصدقة ، أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ سورة البقرة آية 270 فِي حق ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ سورة البقرة آية 270 يَقُولُ : فَإِن اللَّه يحصيه ، وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ سورة البقرة آية 270 يعني للمشركين من مانع من النار . إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ سورة البقرة آية 271 قوله سُبْحَانَهُ : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ سورة البقرة آية 271 يَقُولُ : إن تعلنوها ، فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا سورة البقرة آية 271 يعني تسروها ، وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ سورة البقرة آية 271 من العلانية ، وأعظم أجرا يضاعف سبعين ضعفا ، ويكفر عنكم بصدقات السر والعلانية ، من سيئاتكم من ذنوبكم ، يعني ذنوبكم أجمع ، ومن ههنا صلة ، وكل مقبول السر والعلانية ، وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ سورة البقرة آية 271 ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ سورة البقرة آية 271 . لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ سورة البقرة آية 272 لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ سورة البقرة آية 272 نزلت فِي المشركين ، لأنه يأمر بالصدقة عليهم من غَيْر زكاة ، نزلت فِي أسماء بِنْت أَبِي بَكْر ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، سَأَلت النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن صلة جدها أَبِي قحافة ، وعن صلة امرأته ، وهما كافران ، فكأنه شق عَلَيْه صلتهما ، فنزلت : لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ سورة البقرة آية 272 ، يعني أبا قحافة ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ سورة البقرة آية 272 إلى دينه الْإِسْلام ، وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ سورة البقرة آية 272 يعني المال ، فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ سورة البقرة آية 272 يعني المال ، يوف إليكم يعني توفر لَكُمْ أعمالكم ، وأنتم لا تظلمون فيها . لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ سورة البقرة آية 273 ثُمّ بين عَلَى من ينفق ، فَقَالَ : النفقة لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ سورة البقرة آية 273 يَقُولُ : حبسوا ، نظيرها : فَإِن أحصرتم يعني حبستم ، وأيضا : وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا سورة الإسراء آية 8 يعني محبسا ، الَّذِين أحصروا حبسوا أنفسهم بالمدينة فِي طاعة اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، فهم أصحاب الصفة . قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عن أبيه ، عن هُذَيْل بن حبيب ، عن مُقَاتِلٍ ° ° بن سُلَيْمَان ، منهم ابْن مَسْعُود ، وأَبُو هُرَيْرَة ، والموالي أربع مائة رَجُل لا أموال لهم بالمدينة ، فإذا كان الليل آووا إلى صفة المسجد ، فأمر اللَّه عَزَّ وَجَلّ بالنفقة عليهم ، لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ سورة البقرة آية 273 يعني سيرا ، كقوله سُبْحَانَهُ : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ سورة النساء آية 101 يعني إذا سرتم فِي الأرض ، يعني التجارة ، يحسبهم الجاهل بأمرهم وشأنهم ، أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ سورة البقرة آية 273 يعني بسيما الفقر عليهم لتركهم المسألة ، لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا سورة البقرة آية 273 فيلحفون فِي المسألة ، وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ سورة البقرة آية 273 يعني من مال ، كقوله عَزَّ وَجَلّ : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا سورة البقرة آية 180 يعني مالا للفقراء أصحاب الصفة ، فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ سورة البقرة آية 273 يعني بما أنفقتم عليم . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ سورة البقرة آية 274 الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ سورة البقرة آية 274 فِي الصدقة ، بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً سورة البقرة آية 274 ، نزلت فِي عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، لَمْ يَمْلك غَيْر أربعة دراهم ، فتصدق بدرهم ليلا ، وبدرهم نهارا ، وبدرهم سرا ، وبدرهم علانية ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ما حملك عَلَى ذَلِكَ ؟ " ، قَالَ : حملني أن أستوجب من اللَّه الَّذِي وعدني ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لأن لك ذَلِكَ " ، قَالَ : فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ فِيهِ : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً سورة البقرة آية 274 ، فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ سورة البقرة آية 274 عِنْد الموت . الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ سورة البقرة آية 275 الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا سورة البقرة آية 275 استحلالا ، لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ سورة البقرة آية 275 فِي الدُّنْيَا ، وذلك علامة أكل الربا ، ذَلِكَ الَّذِي نزل بهم يوم الْقِيَامَة ، بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا سورة البقرة آية 275 ، فأكذبهم اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، فَقَالَ : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا سورة البقرة آية 275 ، فكان الرَّجُل إذا حل ماله فطلبه ، فيقول المطلوب : زدني فِي الأجل ، وأزيدك عَلَى مَالِك ، فيفعلان ذَلِكَ ، فإذا قِيلَ لهم : إن هَذَا ربا ، قَالُوا : سواء زدت فِي أول بيع أَوْ فِي آخره عِنْد محل المال ، فهما سواء ، فذلك قوله سُبْحَانَهُ : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا سورة البقرة آية 275 . فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلّ : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا سورة البقرة آية 275 ، فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ سورة البقرة آية 275 يعني البيان فِي القراءة ، فانتهى عن الربا ، فَلَهُ مَا سَلَفَ سورة البقرة آية 275 يَقُولُ : ما أكل من الربا قبل التحريم ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ سورة البقرة آية 275 بعد التحريم وبعد تركه ، إن شاء عصمه من الربا ، وإن شاء لَمْ يعصمه ، قَالَ : ومن عاد فأكله استحلالا لقولهم : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا سورة البقرة آية 275 يخوف أكلة الربا فِي الدُّنْيَا أن يستحلوا أكله ، فَقَالَ : أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ سورة البقرة آية 257 لا يموتون . يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ سورة البقرة آية 276 ثُمّ قَالَ سبحانه : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا سورة البقرة آية 276 فيضمحل وينقص ، ويربي الصدقات يعني ويضاعف الصدقات ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ سورة البقرة آية 276 بربه عَزَّ وَجَلّ . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ سورة البقرة آية 277 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ سورة البقرة آية 277 المكتوبة فِي مواقيتها ، وآتوا الزكاة يعني وأعطوا الزكاة من أموالهم ، لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ سورة البقرة آية 277 . يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ { 278 } فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ { 279 } وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ { 280 } وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ { 281 } سورة البقرة آية 278-281 يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ سورة البقرة آية 278 وَلا تعصوه ، وذروا يعني واتقوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ سورة البقرة آية 278 نزلت فِي أربعة إخوة من ثقيف : مَسْعُود ، وحبيب ، وربيعة ، وعبد ياليل ، وهم بنو عمرو بن عُمَيْر بن عَوْف الثَّقَفيّ ، كانوا يداينون بني المُغِيرَة بن عَبْد اللَّه بن عُمَر بن مَخْزُوم ، وكانوا يربون لثقيف ، فَلَمَّا أظهر اللَّه عَزَّ وَجَلّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الطائف ، اشترطت ثقيف أن كل ربا لهم عَلَى الناس فهو لهم ، وكل ربا للناس عليهم فهو مَوْضُوع عَنْهُمْ ، فطلبوا رباهم إلى بني المُغِيرَة ، فاختصموا إلى عتاب بن أسيد بن أَبِي العيص بن أمية ، كان النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استعمله عَلَى مكة ، وقَالَ لَهُ : " أستعملك عَلَى أَهْل اللَّه " . وقالت بنو المُغِيرَة : أجعلنا أشقى الناس بالربا وَقَدْ وضعه عن الناس ؟ فقالت ثقيف : إنا صالحنا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن لنا ربانا ، فكتب عتاب إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المدينة بقصة الفريقين ، فأنزل اللَّه تبارك وتعالى بالمدينة ، يأيها الَّذِين آمنوا يعني ثقيفا ، اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا سورة البقرة آية 278 الآية ، لأنه لَمْ يبق غَيْر رباهم ، إن كنتم مؤمنين ، فأقروا بتحريمه ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا سورة البقرة آية 279 وتقروا بتحريمه فأذنوا يعني فاستيقنوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ سورة البقرة آية 279 يعني الكفر ، وإن تبتم من استحلال الربا وأقررتم بتحريمه ، فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ سورة البقرة آية 279 التي أسلفتم لا تزدادوا ، لا تظلمون أحدا إذا لَمْ تزدادوا عَلَى أموالكم ، وَلا تظلمون فتنقصون من رءوس أموالكم . فبعث النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذه الآية إلى عتاب بن أُسَيْد بمكة ، فأرسل عتاب إلى بني عمرو بن عُمَيْر ، فقرأ عليهم الآية ، فقالوا : بل نتوب إلى اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، ونذر ما بقي من الربا ، فَإنَّهُ لا يدان لنا بحرب اللَّه ورسوله ، فطلبوا رءوس أموالهم إلى بني المُغِيرَة ، فاشتكوا العسرة ، فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلّ : وإن كان المطلوب ذو عسرة من القوم ، يعني بني المُغِيرَة ، فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ سورة البقرة آية 280 ، يَقُولُ : فأجله إلى غناه ، كقوله سُبْحَانَهُ : أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ سورة الأعراف آية 14 يَقُولُ : أجلني ، وأن تصدقوا به كله عَلَى بني المُغِيرَة وهم معسرون ، فلا تأخذونه ، فهو خير لَكُمْ من أخذه ، إن كنتم تعملون ، واتقوا يومًا يخوفهم تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى سورة البقرة آية 281 ، يعني تُوفى كُلّ نفس بر وفاجر ثواب ما كسبت من خير وشر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ سورة البقرة آية 281 فِي أعمالهم ، وهذه آخر آية نزلت من القرآن ، ثُمّ تُوُفّي النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعدها بتسع ليال . يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ سورة البقرة آية 282 يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ سورة البقرة آية 282 يعني اكتبوا الدّين والأجل ، وليكتب الكاتب بين البائع والمشتري ، بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ سورة البقرة آية 282 يعدل بَيْنَهُمَا فِي كتابه ، فلا يزداد عَلَى المطلوب ، وَلا ينقص من حق الطالب ، وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ سورة البقرة آية 282 الكتابة ، وذلك أن الكتاب كانوا قليلا عَلَى عهد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : فليكتب الكاتب ، وليملل عَلَى الكاتب الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سورة البقرة آية 282 ، يعني المطلوب ، ثُمّ خوف المطلوب ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلّ : وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا سورة البقرة آية 282 يعني وَلا ينقص المطلوب من الحق شيئًا ، كقوله عَزَّ وَجَلّ : وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ سورة الأعراف آية 85 . فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا سورة البقرة آية 282 يعني جاهلا بالإملاء ، أَوْ ضعيفا ، يعني أَوْ عاجزا ، أَوْ به حمق ، أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ سورة البقرة آية 282 لا يعقل الإملاء لعيه ، أو لخرسه ، أَوْ لسفهه ، ثُمّ رجع إلى الَّذِي لَهُ الحق ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : فليملل وليه ، يعني وَلِي الحق ، فليملل هُوَ بالعدل يعني بالحق ، وَلا يزداد شيئًا وَلا ينقص ، كَمَا قَالَ للمطلوب قبل ذَلِكَ ، وأمر كليهما بالعدل ، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : واستشهدوا عَلَى حقكم شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ سورة البقرة آية 282 يَقُولُ : وَلا يشهد الرَّجُل عَلَى حقه إِلَّا مرضيا إن كان الشاهد رَجُلا أَوْ امرأة . ثُمّ قَالَ : أن تضل المرأة ، يعني أن تنسى إحداهما الشهادة ، فتذكر إحداهما الشهادة الأخرى ، يَقُولُ : تذكرها المرأة الأخرى التي حفظت شهادتهما ، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا سورة البقرة آية 282 يَقُولُ : إذا ما دعي الرَّجُل ليستشهد عَلَى أَخِيهِ ، فلا يأب إن كان فارغا ، ثُمّ قَالَ : وَلا تسأموا يَقُولُ : ولا تملوا ، وكل شيء في القرآن تسأموا يعني تملوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا سورة البقرة آية 282 يعني قليل الحق وكثيره ، إلى أجله لأن الكتاب أحصى للأجل وأحفظ للمال ، ذلكم يعني الكتاب ، أقسط يعني أعدل عِنْد اللَّه وأقوم يعني أصوب لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا سورة البقرة آية 282 ، يعني وأجدر ألا تشكوا ، نظيرها : ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ سورة المائدة آية 108 أَيّ أجدر ، ونظيرها فِي الأحزاب : ذَلِكَ أدنى يعني أجدر أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ سورة الأحزاب آية 51 فِي الحق والأجل وَالشَّهَادَةِ إذا كان مكتوبا . ثُمّ رخص فِي الاستثناء ، فَقَالَ : إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ سورة البقرة آية 282 وليس فيها أجل ، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ سورة البقرة آية 282 يعني حرج ، ألا تكتبوها يعني التجارة الحاضرة ، إذا كَانَتْ يدا بيد عَلَى كُلّ حال ، وأشهدوا عَلَى حقكم ، إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ سورة البقرة آية 282 يَقُولُ : لا يعمد أحدكم إلى الكاتب والشاهد فيدعوهما إلى الكتابة وَالشَّهَادَةِ ولهما حاجة ، فيقول : اكتب لي ، فَإِن اللَّه أمرك أن تكتب لي ، فيضاره بِذَلِك ، وهو يجد غيره ، وَيَقُولُ للشاهد وَهُوَ يجد غيره : اشهد لي عَلَى حقي ، فَإِن الله قَدْ أمرك أن تشهد عَلَى حقي ، وَهُوَ يجد غيره من يشهد لَهُ عَلَى حقه ، فيضاره بِذَلِك ، فأمر اللَّه عَزَّ وَجَلّ أن يتركا لحاجتهما ويلتمس غيرهما ، وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ سورة البقرة آية 282 يَقُولُ : وإن تضاروا الكاتب والشاهد وما نهيتم عَنْهُ ، فَإنَّهُ إثم بكم ، ثُمّ خوفهم ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : واتقوا اللَّه وَلا تعصوه فيهما ، وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ سورة البقرة آية 282 من أعمالكم عليم . وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ سورة البقرة آية 283 . ثُمّ قَالَ : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ سورة البقرة آية 283 يَقُولُ : إذا لَمْ يَكُن الكاتب والصحيفة حاضرين ، فليرتهن الَّذِي عَلَيْه الحق من المطلوب ، فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا سورة البقرة آية 283 فِي السَّفَر ، فَإِن كان الَّذِي عَلَيْه الحق أمينا عِنْد صاحب الحق ، فلم يرتهن منه لثقته به وحسن ظنه ، فليؤد ذَلِكَ ، الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ سورة البقرة آية 283 يَقُولُ : ليرد عَلَى صاحب الحق حقه حين ائتمنه وَلَم يرتهن منه ، ثُمّ خوفه اللَّه عَزَّ وَجَلّ ، فَقَالَ : وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ سورة البقرة آية 283 يعني الَّذِي عَلَيْه الحق . ثُمّ رجع إلى الشهود ، فَقَالَ : وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ سورة البقرة آية 283 عِنْد الحاكم ، يَقُولُ : من أشهد عَلَى حق ، فليشهد بها عَلَى وجهها كَمَا كَانَتْ عِنْد الحاكم فلا تكتموا الشهادة ، قال : ومن يكتمها ولا يشهد بها عند الحاكم ، فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ سورة البقرة آية 283 من كتمان الشهادة وإقامتها عليم . لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ سورة البقرة آية 284 لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ سورة البقرة آية 284 من الخلق عبيده وَفِي ملكه ، يقضي فيهم ما يريد ، وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ سورة البقرة آية 284 يَقُولُ : إن تلنوا بألسنتكم ما فِي قلوبكم من ولاية الكفار والنصيحة أَوْ تسروه ، يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ سورة البقرة آية 284 , من العذاب والمغفرة قدير . فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية ، قَالَ المسلمون : يا رَسُول اللَّه ، إنا نحدث أنفسنا بالشرك والمعصية ، أفيحاسبنا اللَّه بها وَلا نعملها ؟ فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ فِي قولهم فِي التقديم : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا سورة البقرة آية 286 يَقُولُ : لا يكلفها من العمل إِلَّا ما أطاقت ، لَهَا مَا كَسَبَتْ سورة البقرة آية 286 من الخير وما عملته وتكلمت به ، وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ سورة البقرة آية 286 من الإثم ، فنسخت هَذِهِ الآية قوله سُبْحَانَهُ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ سورة البقرة آية 284 قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد ذَلِكَ : " إن اللَّه عَزَّ وَجَلّ تجاوز عن أمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لَمْ يعلموه أَوْ يتكلموا به " . آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ سورة البقرة آية 285 قوله سُبْحَانَهُ : آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ سورة البقرة آية 285 يَقُولُ : صدق محمد بما أنزل إِلَيْهِ من ربه من القرآن ، ثُمّ قَالَ : وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ سورة البقرة آية 285 يَقُولُ : كُلّ صدق بِاللَّه بأنه واحد لا شريك لَهُ و صدق ب وملائكته وكتبه ورسله يَقُولُ : لا يكفر بأحد من رسله ، فكل هَذِهِ الرسل صدق بهم المؤمنون لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ سورة البقرة آية 285 كفعل أَهْل الكتاب ، آمنوا ببعض الكتب وببعض الرسل ، فذلك التفريق ، فأما اليهود ، فآمنوا بموسى وبالتوراة ، وكفروا بالإنجيل والقرآن ، وأما النَّصارى ، فآمنوا بالتوراة والإنجيل وبعيسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكفروا بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبالقرآن ، وقالوا فَقَالَ المؤمنون بعد ذَلِكَ : سمعنا قول ربنا فِي القرآن ، وأطعنا أمره ، ثُمّ قَالَ لهم بعدما أقروا بالنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والكتب : أن غفرانك ربنا ، يَقُولُ : قولوا : وأعطنا مغفرة منك يا ربنا ، وإليك المصير يَقُولُ : المرجع إليك فِي الآخرة . لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ سورة البقرة آية 286 ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا سورة البقرة آية 286 ، يَقُولُ : لا يكلفها من العمل إِلَّا ما أطاقت ، لها ما كسبت من الخير وما عملت أَوْ تظلمت به ، وعليها ما اكتسبت من الإثم ، ثُمّ علم جبريل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يَقُولُ : رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا سورة البقرة آية 286 ، يَقُولُ : إن جهلنا عن شيء أَوْ أخطأنا ، فتركنا أمرك ، قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلّ : ذَلِكَ لك ، ثُمّ قَالَ : رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا سورة البقرة آية 286 يعني عهدا ، كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا سورة البقرة آية 286 ما كان حرم عليهم من لحوم الإبل ، وشحوم الغنم ، ولحوم كُلّ ذِي ظفر ، يَقُولُ : لا تفعل ذَلِكَ بأمتي بذنوبها كَمَا فعلته ببني إِسْرَائِيل ، فجعلتهم قردة وخنازير ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : ذَلِكَ لك . ثُمّ قَالَ : رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا سورة البقرة آية 286 يَقُولُ ، واعف عنا من ذَلِكَ ، واغفر لنا ، يَقُولُ : وتجاوز عنا ، عن ذنوبنا من ذَلِكَ كله واغفر ، وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا سورة البقرة آية 286 يَقُولُ : أَنْت ولينا ، فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ سورة البقرة آية 286 يعني كفار مكة وغيرها إلى يوم الْقِيَامَة ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : ذَلِكَ لك ، فاستجاب اللَّه عَزَّ وَجَلّ لَهُ ، ذَلِكَ فيما سَأَلَ وشفعه فِي أمته ، وتجاوز لها عن الخطايا والنسيان وما استكرهوا عَلَيْه ، فَلَمَّا نزلت قرأهن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أمته ، وأعطاه اللَّه عَزَّ وَجَلّ هَذِهِ الخصال كلها فِي الآخرة ، وَلَم يعطها أحدا من الأمم الخالية قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ ° بن ثَابِت ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْهُذَيْلُ ، عن مُقَاتِلٍ ، قَالَ : بلغني أن اللَّه عَزَّ وَجَلّ كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام ، فهو عنده عَلَى العرش ، فأنزل منه الآيتين ختم بهما سورة البقرة : آمن الرَّسُول إلى آخرها ، فَمنْ قرأها فِي بيته لَمْ يدخله الشَّيْطَان ثلاثة أيام ولياليهن قَالَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي أبي ، عن الْهُذَيْلِ أَبِي صَالِح ، عن مُقَاتِلٍ بن سُلَيْمَان فِي قوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ سورة البقرة آية 245 قَالَ : فَقَالَ أَبُو الدحداح : يا رَسُول اللَّهِ ، إن تصدقت بصدقة ، أفلي مثلها فِي الجنة ؟ قَالَ : " نعم " ، قَالَ : والصبية معي ؟ قَالَ : " نعم " ، قَالَ : وأم الدحداح معي ؟ قَالَ : " نعم " ، قَالَ : وكان لَهُ حديقتان ، إحداهما تسمى الجنة ، والأخرى الجنينة ، وكانت الجنينة أفضل من الجنة ، قَالَ : يا رَسُول اللَّهِ ، أشهد بأني قَدْ تصدقت بها عَلَى الفقراء ، أَوْ بعتها من اللَّه ورسوله ، فَمنْ يقبضها ؟ قَالَ : وجاء إلى باب الحديقة ، فتحرج أن يدخلها ، إذ جعلها للَّه ورسوله ، فصاح : يا أم الدحداح هداك الهادي إلى سبيل القصد والرشاد بيني من الحائط الَّذِي بالوادي فقد مضى قرضا إلى التناد أقرضته اللَّه عَلَى اعتماد طوعا بلا من وَلا ارتداد إِلَّا رجاء الضعف فِي الميعاد فودعي الحائط وداع العاد واستيقني وفقت للرشاد فارتحلي بالفضل والأولاد إن التقى والبر خير زاد قدمه المرء إلى المعاد فأجابته : ربح بيعك ، واللَّه لولا شرطك ما كان لك منه إِلَّا مَالِك ، وأنشأت تَقُولُ : مثلك أحيا ما لديه ونصح وأشهر الحق إذا الحق وضح قَدْ منح اللَّه عيالي ما صلح بالعجوة السوداء والزهر البلح واللَّه أولى بالذي كان منح مَعَ واجب الحق ومع ما قَدْ سرح والعبد يسعى وَلَهُ ما قَدْ كدح طول الليالي وعليه ما اجترح قَالَ : ثُمّ خرجت وجعلت تنفض ما فِي أكمام الصبيان ، وتخرج ما فِي أفواههم ، ثُمّ خرجوا وسلموا الحديقة إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كم من نخلة لأبي الدحداح مدلا عذوقها فِي الجنة ، لو اجتمع عَلَى عذق منها أَهْل مني أن يقلوه ما أقلوه .