أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ ° ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ° ، أنا سُفْيَانُ ° ، عَنِ الأَعْمَشِ ° ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ° ، قَالَ : قَالَ أُسَامَةُ ° : ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : " يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ " ، أي : تنقطع أمعاؤه ، " فِي النَّارِ ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرحَاهُ ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ : أَيْ فُلانُ ! مَا شَأْنُكَ ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ ، وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ ؟ قَالَ : كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ "
وَقَالَ شُعْبَة ، عَنِ الأَعْمَشِ : " فيطحن بِهَا كَمَا يطحن الحمار برحاه " . وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ { 45 } الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ { 46 } سورة البقرة آية 45-46 وَاسْتَعِينُوا سورة البقرة آية 45 عَلَى مَا يستقبلكم من أنواع البلاء ، وقيل : عَلَى طلب الآخرة . بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ سورة البقرة آية 45 أراد حبس النفس عَنِ المعاصي ، وقيل : أراد الصبر عَلَى أداء الفرائض ، وَقَالَ مجاهد : الصبر الصوم ، ومنه سمي شَهْر رمضان شَهْر الصبر ، وَذَلِكَ لأن الصوم يزهده فِي الدنيا ، والصلاة ترغبه فِي الآخرة ، وقيل : " الواو " بمعنى عَلَى ، أي : واستعينوا بالصبر عَلَى الصلاة ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا سورة طه آية 132 . وَإِنَّهَا سورة البقرة آية 45 وَلَمْ يقل : وإنهما ، ردا للكناية إِلَى كُل واحد منهما ، أي : وإن كُل خصلة منهما ، كَمَا قَالَ : كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا سورة الكهف آية 33 أي : كُل واحدة منهما ، وقيل : معناه : واستعينوا بالصبر وَإِنَّهُ لكبير ، وبالصلاة وإنها لكبيرة ، فحذف أحدهما اختصارًا ، وَقَالَ المؤرج : رد الكناية إِلَى الفضة لأنها أعم ، وقيل : رد الكناية إِلَى الصلاة ، لأن الصبر داخل فِيهَا ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ سورة التوبة آية 62 ، وَلَمْ يقل : يرضوهما ، لأن رضا الرسول داخل فِي رضا اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ الْحُسَيْن بْن الفضل : رد الكناية إِلَى الاستعانة . لَكَبِيرَةٌ سورة البقرة آية 45 أي : لثقيلة . إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ سورة البقرة آية 45 يَعْنِي : الْمُؤْمِنيِنَ ، وَقَالَ الْحَسَن : الخائفين ، وقيل : المطيعين ، وَقَالَ مقاتل بْن حيان : المتواضعين ، وأصل الخشوع السكون ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ سورة طه آية 108 فالخاشع ساكن إِلَى طاعة اللَّه تَعَالَى . الَّذِينَ يَظُنُّونَ سورة البقرة آية 46 يستيقنون أنهم مبعوثون ، وأنهم محاسبون ، وأنهم راجعون إلى الله ، أي : يصدقون بالبعث ، وجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعا إليه . والظن من الأضداد ، يَكُون شكًا ويقينًا وأملا ، كالرجاء يَكُون خوفًا وأملا وأمنًا . أَنَّهُمْ مُلاقُو سورة البقرة آية 46 معاينو . رَبِّهِمْ سورة البقرة آية 46 فِي الآخرة ، وَهُوَ رؤية اللَّه تَعَالَى ، وقيل : المراد من اللقاء الصيرورة إِلَيْهِ . وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ سورة البقرة آية 46 فيجزيهم بأعمالهم . يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ { 47 } وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ { 48 } وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ { 49 } سورة البقرة آية 47-49 يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ سورة البقرة آية 47 أي : عالمي زمانكم ، وَذَلِكَ التفضيل وإن كَانَ فِي حق الآباء ، ولكن يحصل بِهِ الشرف للأبناء . وَاتَّقُوا يَوْمًا سورة البقرة آية 48 واخشوا عقاب يَوْم . لا تَجْزِي نَفْسٌ سورة البقرة آية 48 لا تقضي نفس . عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا سورة البقرة آية 48 أي : حقا لزمها ، وقيل : لا تغني ، وقيل : لا تكفي شَيْئًا من الشدائد . وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ سورة البقرة آية 48 قرأ ابْن كثير ، ويعقوب بالتاء لتأنيث الشفاعة ، وقرأ الباقون بالياء لأن الشفع والشفاعة بمعنى واحد كالوعظ والموعظة ، فالتذكير عَلَى المعنى ، والتأنيث عَلَى اللفظ ، كقوله تَعَالَى : قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ سورة يونس آية 57 ، وَقَالَ فِي موضع آخر : فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ سورة البقرة آية 275 ، أي : لا تقبل منها شفاعة إِذَا كانت كافرة . وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ سورة البقرة آية 48 أي : فداء ، وسمي بِهِ لأنه مثل المفدي ، والعدل : المثل . وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ سورة البقرة آية 48 يمنعون من عذاب اللَّه . . وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ سورة البقرة آية 49 يعني : أسلافكم وأجدادكم ، فاعتدها منة عَلَيْهِم لأنهم نجوا بنجاتهم . مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ سورة البقرة آية 49 أتباعه ، وأهل دينه ، وفرعون هُوَ الْوَلِيد مُصْعَب بْن الريان ، وَكَانَ من القبط العماليق ، وعمر أَكْثَر من أربع مائة سنة . يَسُومُونَكُمْ سورة البقرة آية 49 يكلفونكم ، ويذيقونكم . سُوءَ الْعَذَابِ سورة البقرة آية 49 أشد العذاب ، وأسوأه ، وقيل : يصرفونكم فِي العذاب مرة هكذا ، ومرة هكذا كالإبل السائمة فِي البرية ، وَذَلِكَ أَن فرعون جعل بَنِي إسرائيل خدمًا ، وخولا ، وصنفهم فِي الأعمال : فصنف يبنون ، وصنف يحرثون ، ويزرعون ، وصنف يخدمونه ، ومن لَمْ يكن مِنْهُم فِي عمل وضع عَلَيْهِ الجزية . وقَالَ وهب : كَانُوا أصنافا فِي أعمال فرعون : فذوو القوة ينحتون السواري من الجبال حَتَّى قرحت أعناقهم وأيديهم ، ودبرت ظهورهم من قطعها ونقلها ، وطائفة ينقلون الحجارة ، وطائفة مِنْهُم يضربون اللبن ، ويطبخون الآجر ، وطائفة نجارون وحدادون ، والضعفة مِنْهُم يضرب عَلَيْهِم الخراج ضريبة يؤدونها كُل يَوْم ، فمن غربت عَلَيْهِ الشَّمْس قبل أَن يؤدي ضريبته ، غلت يمينه إِلَى عنقه شهرًا ، والنساء يغزلن الكتان وينسجن . وقيل : تفسيره ذكر مَا بعده : يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ سورة البقرة آية 49 ، فَهُوَ مذكور عَلَى وجه البدل من قَوْله : يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ سورة البقرة آية 49 . وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ سورة البقرة آية 49 يتركونهن أحياء ، وَذَلِكَ أَن فرعون رأى فِي منامه : كأن نارا أقبلت من بَيْت المقدس ، وأحاطت بمصر ، وأحرقت كُل قبطي بهَا ، وَلَمْ تتعرض لبني إسرائيل ، فهاله ذَلِكَ ، وسأل الكهنة عَنْ رؤياه ؟ فَقَالُوا : يولد ولد فِي بَنِي إسرائيل غلام ، يَكُون عَلَى يده هلاكك ، وزوال ملكك . فأمر فرعون بقتل كُل غلام يولد فِي بَنِي إسرائيل ، وجمع القوابل ، فَقَالَ لهن : لا يسقطن عَلَى أيديكن غلام من بَنِي إسرائيل إلا قتل ، ولا جارية إلا تركت ، ووكل بالقوابل ، فكن يفعلن ذَلِكَ ، حَتَّى قيل : إنه قتل فِي بني إسرائيل اثني عشر ألف صبي في طلب مُوسَى ، وَقَالَ وهب : بلغني أَنَّهُ ذبح فِي طلب مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام تسعين ألف وليد . قالوا : ثُمَّ أسرع الْمَوْت فِي مشيخة بَنِي إسرائيل ، فدخل رءوس القبط عَلَى فرعون ، وَقَالُوا : إِن الْمَوْت قَدْ وقع فِي بَنِي إسرائيل ، أفتذبح صغارهم ويموت كبارهم ، فيوشك أَن يقع العمل عَلَيْنَا ؟ ! فأمر فرعون أَن يذبحوا سنة ويتركوا سنة ، فولد هَارُون فِي السنة الَّتِي لا يذبحون فِيهَا ، وولد مُوسَى فِي السنة الَّتِي يذبحون فِيهَا . وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ سورة البقرة آية 49 قيل : البلاء المحنة ، أي : فِي سومهم إياكم سوء العذاب محنة عظيمة ، وقيل : البلاء النعمة ، أي : فِي إنجائي إياكم مِنْهُم نعمة عظيمة ، فالبلاء يَكُون بمعنى النعمة وبمعنى الشدة ، فالله تَعَالَى قَدْ يختبر عَلَى النعمة بالشكر ، وعلى الشدة بالصبر ، وقَالَ اللَّه تَعَالَى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً سورة الأنبياء آية 35 . وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ سورة البقرة آية 50 وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ سورة البقرة آية 50 قيل : معناه : فرقنا لكم ، وقيل : فرقنا البحر بدخولكم إياه ، وسمي البحر بحرا لاتساعه ، ومنه قيل للفرس : بحر إِذَا اتسع فِي جريه ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لما دنا هلاك فرعون أمر اللَّه تَعَالَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام أَن يسري ببني إسرائيل من مصر ليلا ، فأمر مُوسَى قومه أَن يسرجوا فِي بيوتهم إِلَى الصبح ، وأخرج اللَّه تَعَالَى كُل ولد زنا فِي القبط من بَنِي إسرائيل إليهم ، وكل ولد زنا فِي بَنِي إسرائيل من القبط إِلَى القبط حَتَّى رجع كُل إِلَى أَبِيهِ ، وألقى اللَّه الْمَوْت عَلَى القبط ، فمات كُل بَكْر لَهُمْ ، واشتغلوا بدفنهم حَتَّى أصبحوا وطلعت الشَّمْس ، وخرج مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام فِي ست مائة ألف وعشرين ألف مقاتل ، لا يعدون ابْن العشرين لصغره ، ولا ابْن الستين لكبره ، وكانوا يَوْم دخلوا مصر مَعَ يعقوب اثنين وسبعين إِنْسَانا مَا بَيْنَ رجل وامرأة . وعن ابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، قَالَ : كَانَ أَصْحَاب مُوسَى ست مائة ألف وسبعين ألفا . وعن عَمْرو بْن ميمون ، قَالَ : كَانُوا ست مائة ألف ، فلما أرادوا السير ضرب عَلَيْهِم التيه ، فلم يدروا أين يذهبون ، فدعا مُوسَى مشيخة بَنِي إسرائيل ، وسألهم عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالُوا : إِن يُوسُف عَلَيْهِ السَّلام لما حضره الْمَوْت ، أخذ عَلَى إخوته عهدًا ، أَن لا يخرجوا من مصر حَتَّى يخرجوه معهم ، فلذلك انسد عَلَيْنَا الطريق ، فسألهم عَنْ موضع قبره ، فلم يعلموا ، فقام مُوسَى ينادي : أنشد اللَّه كُل من يعلم أَين موضع قبر يُوسُف عَلَيْهِ السَّلام إلا أخبرني بِهِ ، ومن لَمْ يعلم بِهِ فصمت أذناه عَنْ قولي ! وَكَانَ يمر بَيْنَ الرجلين ينادي ، فلا يسمعان صوته حَتَّى سمعته عجوز لَهُمْ ، فَقَالَتْ : أرأيتك إِن دللتك عَلَى قبره ، أتعطيني كُل مَا سألتك ؟ فأبى عَلَيْهَا ، وَقَالَ : حَتَّى أسأل ربي ، فأمره اللَّه تَعَالَى بإيتائها سؤالها . فَقَالَتْ : إني عجوز كبيرة لا أستطيع المشي فاحملني ، وأخرجني من مصر هَذَا فِي الدنيا ، وَأَمَّا فِي الآخرة فأسألك أَن لا تنزل غرفة من الْجَنَّة إلا نزلتها معك . قَالَ : نعم . قَالَتْ : إنه فِي جوف الماء فِي النيل ، فادع اللَّه تَعَالَى حَتَّى يحسر عَنْهُ الماء . فدعا اللَّه تَعَالَى فحسر عَنْهُ الماء ، ودعا أَن يؤخر طلوع الفجر إِلَى أَن يفرغ من أمر يُوسُف عَلَيْهِ السَّلام ، فحفر مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام ذَلِكَ الموضع ، واستخرجه فِي صندوق من مرمر ، وحمله حَتَّى دفنه بالشام ، ففتح لَهُمُ الطريق فساروا ، وموسى عَلَيْهِ السَّلام عَلَى ساقتهم ، وهارون عَلَى مقدمتهم ، ونذر بِهِمْ فرعون فجمع قومه ، وأمرهم أَن لا يخرجوا فِي طلب بَنِي إسرائيل حَتَّى يصيح الديك ، فوالله مَا صاح ديك تلك الليلة ، فخرج فرعون فِي طلب بَنِي إسرائيل ، وعلى مقدمته هامان فِي ألف ألف وسبع مائة ألف ، وَكَانَ فيهم سبعون ألفا من دهم الْخَيْل سِوَى سائر الشيات ، وَقَالَ مُحَمَّد بْن كعب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : كَانَ فِي عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم سِوَى سائر الشيات ، وَكَانَ فرعون يكون فِي الدهم . وقيل : كَانَ فرعون فِي سبعة آلاف ألف ، وَكَانَ بَيْنَ يديه مائة ألف ناشب ، ومائة ألف أَصْحَاب حراب ، ومائة ألف أَصْحَاب الأعمدة ، فسارت بنو إسرائيل حَتَّى وصلوا إِلَى البحر ، والماء فِي غاية الزيادة ، ونظروا فَإِذَا هُمْ بفرعون حِينَ أشرقت الشَّمْس ، فبقوا متحيرين ، فَقَالُوا : يا مُوسَى ، كَيْفَ نصنع ؟ وأين مَا وعدتنا ؟ هَذَا فرعون خلفنا إِن أدركنا قتلنا ! والبحر أمامنا إِن دخلناه غرقنا ! قَالَ اللَّه تَعَالَى : فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ { 61 } قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ { 62 } سورة الشعراء آية 61-62 . فأوحى اللَّه إِلَيْهِ : أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ سورة الشعراء آية 63 فضربه فلم يطعه ، فأوحى الله إِلَيْهِ : أَن كَنِّه ، فضربه وَقَالَ : انفلق يا أبا خَالِد بإذن اللَّه تَعَالَى فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ سورة الشعراء آية 63 ، وظهر فِيهِ اثنا عشر طريقا ، لكل سبط طريق ، وارتفع الماء بَيْنَ كُل طريقين كالجبل ، وأرسل اللَّه الريح والشمس عَلَى قعر البحر حَتَّى صار يبسا ، فخاضت بنو إسرائيل البحر ، كُل سبط فِي طريق ، وعن جانبهم الماء كالجبل الضخم ، ولا يرى بَعْضهم بعضًا فخافوا ، وَقَالَ كُل سبط : قَدْ قتل إخواننا ، فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى جبال الماء : أَن تشبكي ، فصار الماء شبكات كالطبقات يرى بَعْضهم بَعْضًا ، ويسمع بَعْضهم كَلام بَعْض ، حَتَّى عبروا البحر سالمين ، فذلك قَوْله تَعَالَى : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ سورة البقرة آية 50 . فَأَنْجَيْنَاكُمْ سورة البقرة آية 50 من آل فرعون والغرق . وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ سورة البقرة آية 50 وَذَلِكَ أَن فرعون لما وصل إِلَى البحر فرآه منفلقا ، قَالَ لقومه : انظروا إِلَى البحر انفلق من هيبتي حَتَّى أدرك عبيدي الَّذِينَ أبَقُوا ، ادخلوا البحر ، فهاب قومه أَن يدخلوه ، وقيل : قَالُوا لَهُ : إِن كنت ربا فادخل البحر كَمَا دَخَلَ مُوسَى ! وَكَانَ فرعون عَلَى حصان أدهم ، وَلَمْ يكن فِي خيل فرعون فرس أنثى ، فجاء جبريل عَلَى فرس أنثى وديق ، فتقدمهم وخاض البحر ، فلما شم أدهم فرعون ريحها ، اقتحم البحر فِي أثرها ، وَهُمْ لا يرونه ، وَلَمْ يملك فرعون من أمره شَيْئًا ، وَهُوَ لا يرى فرس جبريل ، واقتحمت الخيول جملة خلفه فِي البحر ، وجاء ميكائيل عَلَى فرس خلف الْقَوْم يشحذهم ويسوقهم حَتَّى لا يشذ رجل مِنْهُم ، وَيَقُول لَهُمْ : الحقوا بأَصْحَابكم ، حَتَّى خاضوا كلهم البحر ، وخرج جبريل من البحر ، وخرج ميكائيل من البحر ، وَهمَّ أولهم بالخروج ، فأمر اللَّه تَعَالَى البحر أَن يأخذهم فالتطم عليهم ، وغرَّقهم أجمعين ، وَكَانَ بَيْنَ طرفي البحر أربعة فراسخ ، وَهُوَ بحر قلزم ، طرف من بحر فارس ، قَالَ قَتَادَة : بحر من وراء مصر يقال له : إساف ، وَذَلِكَ بمرأى من بَنِي إسرائيل ، فذلك قَوْله تَعَالَى : وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ سورة البقرة آية 50 إِلَى مصارعهم ، وقيل : إِلَى هلاكهم . وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ سورة البقرة آية 51 وَإِذْ وَاعَدْنَا سورة البقرة آية 51 هُوَ من المفاعلة الَّتِي تكون من الْوَاحِد ، كقولهم : عافاك اللَّه ، وعاقبت اللص ، وطارقت النعل ، وَقَالَ الزجاج : كَانَ من اللَّه الأمر ، ومن مُوسَى القبول ، وكذلك ذكر بلفظ المواعدة ، وقرأ أهل البصرة وإذ وعَدْنا من الوعد . مُوسَى سورة البقرة آية 51 اسم عبري عرِّب ، وَمو بالعبرانية الماء ، وشى الشجر ، سمي بِهِ لأنه أخذ من بَيْنَ الماء والشجر ، ثُمَّ قلبت الشين المعجمة سينا فِي العربية . أَرْبَعِينَ لَيْلَةً سورة البقرة آية 51 أي : انقضاؤها ثلاثون من ذي القعدة ، وعشر من ذي الحجة ، وقرن التاريخ بالليل دُونَ النهار ، لأن شهور العرب وضعت عَلَى سير القمر ، والهلال إِنَّمَا يهل بالليل ، وقيل : لأن الظلمة أقدم من الضوء ، وخلق الليل قبل النهار ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ سورة يس آية 37 ، وَذَلِكَ أَن بَنِي إسرائيل لما أمنوا من عدوهم ودخلوا مصر ، لَمْ يكن لَهُمْ كتاب ، ولا شريعة ينتهون إليهما ، فوعد اللَّه مُوسَى أَن ينزل عَلَيْهِ التَّوْرَاة ، فَقَالَ مُوسَى لقومه : إني ذاهب لميقات ربكم آتيكم بكتاب فِيهِ بيان مَا تأتون وَمَا تذرون ، وواعدهم أربعين ليلة : ثلاثين من ذي القعدة ، وعشرا من ذي الحجة ، واستخلف عَلَيْهِم أخاه هَارُون ، فلما أتى الوعد ، جاء جبريل عَلَى فرس يقال لَهُ : فرس الحياة ، لا يصيب شَيْئًا إلا حيي ، ليذهب بموسى إِلَى ربه ، فلما رآه السامري ، وَكَانَ رجلا صائغًا من أهل باجرمي ، واسمه ميخا ، وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : كَانَ من أهل كرمان ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس : اسمه مُوسَى بْن مظفر ، وَقَالَ قَتَادَة : كَانَ من بَنِي إسرائيل من قبيلة يقال لَهَا : سامرة ، وكان منافقا أظهر الإسلام ، وكان من قوم يعبدون البقر ، فلما رأى جبريل على ذلك الفرس ، ورأى مواضع قدم الفرس تخضرُّ في الحال ، قال : إن لِهَذَا شأنا ! فأخذ قبضة من تربة حافر فرس جبرائيل عَلَيْهِ السَّلام . قَالَ عكرمة : ألقي فِي روعه أَنَّهُ إِذَا ألقي فِي شَيْء غيَّره ، وكانت بنو إسرائيل قَدِ استعاروا حليا كثيرة من قوم فرعون ، حِينَ أرادوا الخروج من مصر بعلة عرس لَهُمْ ، فأهلك اللَّه فرعون ، وبقيت تلك الحلي فِي أيدي بَنِي إسرائيل ، فلما فصل مُوسَى ، قَالَ السامري لبني إسرائيل : إِن الحلي الَّتِي استعرتموها من قوم فرعون غنيمة لا تحل لكم ، فاحفروا حفرة فادفنوها فِيهَا ، حَتَّى يرجع مُوسَى فيرى فِيهَا رأيه . وَقَالَ السدي : إِن هَارُون عَلَيْهِ السَّلام أمرهم أَن يلقوها فِي حفيرة ، حَتَّى يرجع مُوسَى ففعلوا ، فلما اجتمعت الحلي صاغها السامري عجلا فِي ثلاثة أَيَّام ، ثُمَّ ألقى فِيهَا القبضة الَّتِي أخذها من تراب أثر فرس جبرائيل عَلَيْهِ السَّلام ، فخرج عجلا من ذهب مرصعًا بالجواهر كأحسن مَا يَكُون ، وخار خورة ، وَقَالَ السدي : كَانَ يخور ويمشي ، فَقَالَ السامري : هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ سورة طه آية 88 أي : فتركه ههنا ، وخرج يطلبه . وكانت بنو إسرائيل قَدْ أخلفوا الوعد ، فعدوا اليوم من الليلة يومين ، فلما مضت عشرون يوما وَلَمْ يرجع مُوسَى ، وقعوا فِي الْفِتْنَة . وقيل : كَانَ مُوسَى قَدْ وعدهم ثلاثين ليلة ، ثُمَّ زيدت العشرة ، فكانت فتنتهم فِي تلك العشرة ، فلما مضت الثلاثون وَلَمْ يرجع مُوسَى ، ظنوا أَنَّهُ قَدْ مَات ، ورأوا العجل وسمعوا قَوْل السامري ، فعكف ثمانية آلاف رجل مِنْهُم عَلَى العجل يعبدونه . وقيل : كلهم عبدوه إلا هَارُون مَعَ اثني عشر ألف رجل ، وَهَذَا أصح . وَقَالَ الْحَسَن : كلهم عبدوه إلا هَارُون وحده ، فذلك قوله تَعَالَى : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ سورة البقرة آية 51 أي : إلها . مِنْ بَعْدِهِ سورة البقرة آية 51 أظهر ابْن كثير ، وحفص الذال من أخذت ، و اتخذت ، والآخرون يدغمونها . وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ سورة البقرة آية 51 ضارون لأنفسكم بالمعصية ، واضعون العبادة فِي غَيْر موضعها . ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ { 52 } وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ { 53 } وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ { 54 } سورة البقرة آية 52-54 ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ سورة البقرة آية 52 محونا ذنوبكم . مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سورة البقرة آية 52 من بعد عبادتكم العجل . لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ سورة البقرة آية 52 لكي تشكروا عفوي عنكم ، وصنيعي إليكم ، قيل : الشكر هُوَ الطاعة بجميع الجوارح فِي السر والعلانية ، قَالَ الْحَسَن : شكر النعمة ذكرها ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ سورة الضحى آية 11 ، قَالَ الفضيل : شكر كُل نعمة أَن لا يعصي اللَّه بَعْد تلك النعمة ، وقيل : حقيقة الشكر العجز عَنِ الشكر . حكي أَن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام ، قَالَ : إلهي ، أنعمت عَلي النعم السوابغ ، وأمرتني بالشكر ، وإنما شكري إياك نعمة منك ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : " يا مُوسَى ، تعلمت العلم الَّذِي لا يفوقه شَيْء من علم ، حسبي من عبدي أَن يعلم أَن مَا بِهِ من نعمة فَهُوَ مني " ، وَقَالَ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلام : سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عَنْ شكره شكرًا ، كَمَا جعل اعترافه بالعجز عَنْ معرفته معرفة . وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ سورة البقرة آية 53 يَعْنِي : التَّوْرَاة . وَالْفُرْقَانَ سورة البقرة آية 53 قَالَ مجاهد : هُوَ التَّوْرَاة أَيْضًا ذكرها باسمين ، وَقَالَ الْكِسَائِي : الفرقان نعت الكتاب والواو زائدة ، يَعْنِي : الكتاب المفرق بَيْنَ الحلال والحرام ، وَقَالَ يمان بْن رباب : أراد بالفرقان انفراق البحر ، كَمَا قَالَ : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ سورة البقرة آية 50 . لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ سورة البقرة آية 53 بالتوراة . وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ سورة البقرة آية 54 الَّذِينَ عبدوا العجل . يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ سورة البقرة آية 54 ضررتم بأنفسكم . بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ سورة البقرة آية 54 إلها ، قَالُوا : فأي شَيْء نصنع ؟ قال : فَتُوبُوا سورة البقرة آية 54 فارجعوا . إِلَى بَارِئِكُمْ سورة البقرة آية 54 خالقكم ، قَالُوا : كَيْفَ نتوب ؟ قَالَ : فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ سورة البقرة آية 54 يَعْنِي : ليقتل البريء منكم المجرم . ذَلِكُمْ سورة البقرة آية 54 أي : القتل . خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ سورة البقرة آية 54 فلما أمرهم مُوسَى بالقتل ، قَالُوا : نصير لأمر اللَّه فجلسوا بالأفنية محتبين ، وقيل لَهُمْ : من مدّ حبوته ، أَوْ مد طرفه إِلَى قاتله ، أَوِ اتقاه بيد ، أَوْ رجل فَهُوَ ملعون مردودة توبته ، وأصلت الْقَوْم عَلَيْهِم الخناجر ، فَكَانَ الرجل يرى ابنه ، وأباه ، وأخاه ، وقريبه ، وصديقه ، وجاره فلم يمكنهم المضي لأمر اللَّه تَعَالَى ، قَالُوا : يا مُوسَى ، كَيْفَ نفعل ؟ فأرسل اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِم ضبابة ، وسحابة سوداء لا يبصر بَعْضهم بَعْضًا ، فكانوا يقتلونهم إِلَى المساء ، فلما كثر القتل دعا مُوسَى وهارون عليهما السَّلام ، وبكيا وتضرعا ، وَقَالا : يا رب ، هلكت بنو إسرائيل ، البقية البقية ، فكشف اللَّه تَعَالَى السحابة ، وأمرهم أَن يكفوا عَنِ القتل ، فتكشفت عَنْ ألوف من القتلى . روي عَنْ عَلِي رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : كَانَ عدد القتلى سبعين ألفا ، فاشتد ذَلِكَ عَلَى مُوسَى ، فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ : أما يرضيك أَن أدخل القاتل والمقتول الْجَنَّة ، فكان من قتل مِنْهُم شهيدا ، ومن بقي مكفرا عَنْهُ ذنوبه ، فذلك قَوْله تَعَالَى : فَتَابَ عَلَيْكُمْ سورة البقرة آية 54 أي : ففعلتم مَا أمرتم بِهِ ، فتاب عليكم فتجاوز عنكم . إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ سورة البقرة آية 54 القابل التوبة . الرَّحِيمُ سورة البقرة آية 54 بخلقه . وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ سورة البقرة آية 55 قوله تَعَالَى : وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً سورة البقرة آية 55 وَذَلِكَ أَن اللَّه تَعَالَى أمر مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام أَن يأتيه فِي ناس من بَنِي إسرائيل يعتذرون إِلَيْهِ من عُبَادَة العجل ، فاختار مُوسَى سبعين رجلا من قومه من خيارهم ، وَقَالَ لَهُمْ : صوموا ، وتطهروا ، وطهروا ثيابكم ، ففعلوا ، فخرج بِهِمْ مُوسَى إِلَى طور سيناء لميقات ربه ، فَقَالُوا لموسى : اطلب لنا نسمع كَلام ربنا . فَقَالَ لهم : أفعل ، فلما دنا مُوسَى إلى طور سيناء من الجبل ، وقع عَلَيْهِ عمود الغمام ، وتغشى الجبل كُلهُ ، فدخل فِي الغمام ، وَقَالَ للقوم : ادنوا ، فدنوا حَتَّى دخلوا فِي الغمام وخروا سجدا ، وَكَانَ مُوسَى إِذَا كلمه ربه وقع عَلَى وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد من بَنِي آدم أَن ينظر إليه ، فضرب دونهم الحجاب ، وسمعوه وَهُوَ يكلم مُوسَى يأمره وينهاه ، وأسمعهم اللَّه : " أني أنا اللَّه لا إله إلا أنا ذو بكة ، أخرجتكم من أرض مصر بيد شديدة فاعبدوني ، ولا تعبدوا غيري " ، فلما فرغ مُوسَى ، وانكشف الغمام أقبل إليهم ، فَقَالُوا لَهُ : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً سورة البقرة آية 55 معاينة ، وَذَلِكَ أَن العرب تجعل العلم بالقلب رؤية ، فَقَالَ : جَهْرَةً سورة البقرة آية 55 ، ليعلم أَن المراد منه العيان . فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ سورة البقرة آية 55 أي : الْمَوْت ، وقيل : نار جاءت من السماء فأحرقتهم . وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ سورة البقرة آية 55 أي : ينظر بعضكم إلى بعض حِينَ أخذكم الْمَوْت ، وقيل : تعلمون ، والنظر يَكُون بمعنى العلم ، فلما هلكوا جعل مُوسَى يبكي ويتضرع ، وَيَقُول : ماذا أقول لبني إسرائيل إِذَا أتيتهم ، وَقَدْ أهلكت خيارهم ؟ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا سورة الأعراف آية 155 ، فلم يزل يناشد ربه حَتَّى أحياهم اللَّه تَعَالَى رجلا بعد رجل ، بعدما مَاتُوا يوما وليلة ، ينظر بَعْضهم إِلَى بَعْض كَيْفَ يحيون ؟ فذلك قَوْله تَعَالَى : ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ { 56 } وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ { 57 } سورة البقرة آية 56-57 . ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ سورة البقرة آية 56 أحييناكم ، والبعث إثارة الشيء عَنْ محله ، يقال : بعثت البعير ، وبعثت النائم فانبعث ، مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ سورة البقرة آية 56 قَالَ قَتَادَة : أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم ، ولو مَاتُوا بآجالهم لَمْ يبعثوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ سورة البقرة آية 56 . وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ سورة البقرة آية 57 فِي التيه تقيكم حر الشَّمْس ، والغمام من الغم ، وأصله : التغطية والستر ، سمي السحاب غماما ، لأنه يغطي وجه الشَّمْس ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يكن لَهُمْ فِي التيه كن يسترهم ، فشكوا إِلَى مُوسَى ، فأرسل اللَّه تَعَالَى غماما أبيض رقيقا أطيب من غمام المطر ، وجعل لَهُمْ عمودا من نور يضيء لَهُمُ الليل إذا لَمْ يكن لَهُمْ قمر . وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى سورة البقرة آية 57 أي : فِي التيه ، الأكثرون عَنْ أَن المن هُوَ الترنجبين ، وَقَالَ مجاهد : هُوَ شَيْء كالصمغ كَانَ يقع عَلَى الأشجار طعمه كالشهد ، وَقَالَ وهب : هُوَ الخبز الرقاق ، قَالَ الزجاج : جملة المن ما يمن اللَّه بِهِ من غَيْر تعب .