المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الحادي عشر
2090 - الْمَسْأَلَةُ : وَهَلْ يُسْتَقَادُ فِي الْحَرَمِ ؟ قَالَ عَلِيٌّ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُقَادُ فِي الْحَرَمِ : كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَنْ قَتَلَ أَوْ سَرَقَ فِي الْحَرَمِ ، أَوْ فِي الْحِلِّ ، ثُمَّ دَخَلَ ، فَإِنَّهُ لَا يُجَالَسُ ، وَلَا يُكَلَّمُ ، وَلَا يُؤْذَى ، وَيُنَاشَدُ حَتَّى يَخْرُجَ فَيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ .
وَمَنْ قَتَلَ أَوْ سَرَقَ فَأَخَذَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ أُدْخِلَ الْحَرَمَ ، فَأَرَادُوا أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ مَا أَصَابَ أَخْرَجُوهُ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ ، فَإِنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ أَوْ سَرَقَ أُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ .
وَعَابَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي رَجُلٍ أَخَذَهُ فِي الْحِلِّ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْحَرَمَ ثُمَّ أَخْرَجَهُ إلَى الْحِلِّ فَقَتَلَهُ .
وَبِهِ : إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ قَتَلَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ أُدْخِلَ الْحَرَمَ ، قَالَ : لَا يُجَالَسُ ، وَلَا يُكَلَّمُ ، وَلَا يُبَايَعُ ، وَلَا يُؤْذَى - يُؤْتَى إلَيْهِ فَيُقَالُ : يَا فُلَانُ اتَّقِ اللَّهَ فِي دَمِ فُلَانٍ اُخْرُجْ مِنْ الْمَحَارِمِ .
نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَدِينِيِّ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنِي 144 إبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ - وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا - قَالَ : سَمِعْت طَاوُسًا يَقُولُ : سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : مَنْ أَصَابَ حَدًّا ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ ، لَمْ يُجَالَسْ ، وَلَمْ يُبَايَعْ ، وَيَأْتِيه الَّذِي يَطْلُبُهُ ، فَيَقُولُ : أَيْ فُلَانُ اتَّقِ اللَّهَ فِي دَمِ فُلَانٍ ، اُخْرُجْ عَنْ الْمَحَارِمِ ، فَإِذَا خَرَجَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ .
وَبِهِ : إلَى إسْمَاعِيلَ نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { مَقَامُ إبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } . قَالَ : إذَا أَحْدَثَ الرَّجُلُ حَدَثًا ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ ، لَمْ يُجَالَسْ ، وَلَمْ يُبَايَعْ ، وَلَمْ يُطْعَمْ ، وَلَمْ يُسْقَ ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْحَرَمِ ، فَيُؤْخَذَ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : سَمِعْت ابْنَ أَبِي حُسَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَوْ وَجَدْت فِيهِ - يَعْنِي حَرَمَ مَكَّةَ - قَاتِلَ الْخَطَّابِ مَا مَسِسْته حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَحَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَوْ وَجَدْت فِيهِ - يَعْنِي حَرَمَ مَكَّةَ - قَاتِلَ عُمَرَ مَا نَدَهْته .
وَعَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَوْ وَجَدْت قَاتِلَ أَبِي فِي الْحَرَمِ مَا عَرَضْته .
قَالَ عَطَاءٌ : وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ كَذَلِكَ مِثْلُ الْحَرَمِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : مَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ قُتِلَ فِي الْحَرَمِ ، وَمَنْ قَتَلَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَامَ أُخْرِجَ إلَى الْحِلِّ فَقُتِلَ فِي الْحِلِّ - قَالَ الزُّهْرِيُّ : تِلْكَ السُّنَّةُ .
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَوْمٍ خِلَافُ هَذَا [ وَشَيْءٌ يُظَنُّ أَنَّهُ خِلَافُ هَذَا ] وَهُوَ كَمَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ نا أَبِي نا أَشْعَثُ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ - عَنْ الْحَسَنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ فِي 145 الْجَاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ ، ثُمَّ يُعَلِّقُ فِي رَقَبَتِهِ الصُّوفَةَ ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْحَرَمَ فَيَلْقَاهُ ابْنُ الْمَقْتُولِ أَوْ أَبُوهُ فَلَا يُحَرِّكُهُ .
وَعَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } قَالَ : كَانَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَوْ سَرَقَ فِيهِ أَحَدٌ قُطِعَ ، وَإِنْ قَتَلَ قُتِلَ ، وَلَوْ قُدِرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِيهِ قُتِلُوا .
وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ جَرَحَ رَجُلًا فِي الْحَرَمِ : أَنَّهُ يُقَادُ بِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَ فِي الْحِلِّ أُقِيدَ بِهِ فِي الْحَرَمِ ، وَحَيْثُ وُجِدَ .
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابُهُمْ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَهَؤُلَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَابْنُهُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَأَبُو شُرَيْحٍ - عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَمِنْ التَّابِعِينَ - عَطَاءٌ ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَيُخْبِرُ بِذَلِكَ عَنْ عُلَمَائِهِمْ ، وَهُمْ التَّابِعُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَيُخْبِرُ : أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ بِذَلِكَ فِيمَا تَعَلَّقَ مَنْ تَعَلَّقَ بِخِلَافِ ذَلِكَ إلَّا بِرِوَايَةٍ عَنْ رَبِيعَةَ .
وَأَمَّا قَتَادَةُ ، وَالْحَسَنُ ، فَلَيْسَ فِي قَوْلِهِمَا خِلَافٌ لِمَنْ ذَكَرْنَا ، لِأَنَّ الْحَسَنَ إنَّمَا أَخْبَرَ عَمَّنْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَلَمْ يَقُلْ إنَّ الْإِسْلَامَ جَاءَ بِخِلَافِ ذَلِكَ إلَّا بِهِ ، وَأَمَّا قَتَادَةُ فَلَمْ يَقُلْ : إنَّ مَنْ أَصَابَ فِي الْحِلِّ دَمًا أُقِيدَ بِهِ فِي الْحَرَمِ .
فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِقَتَادَةَ ، وَالْحَسَنِ .
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَجَاهَرَ بَعْضُهُمْ أَقْبَحَ مُجَاهِرَةٍ ، فَذَكَرَ : مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ نا أَحْمَدُ بْنُ الْهَيْثَمِ نا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : آيَتَانِ نُسِخَتَا مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ - يَعْنِي الْمَائِدَةَ - آيَةُ الْقَلَائِدِ 146 { فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } فَمَوَّهَ بِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا الْبَهْتُ الْفَاضِحُ وَالْكَذِبُ الْمُجَرَّدُ ، وَنَعَمْ : إنْ قَوْله تَعَالَى { لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا } قَدْ قِيلَ : إنَّهُ نُسِخَ مِنْهُ " الْقَلَائِدُ " فَقَطْ : كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْجَعْفَرِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَقْبُرِيُّ نا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ نا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيَّ نا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ - وَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ - فَقَالَ : مَنْسُوخٌ ، كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا خَرَجَ إلَى الْحَجِّ يُقَلِّدُ مِنْ الشَّعْرِ ، فَلَا يَعْرِضُ لَهُ أَحَدٌ ، وَإِذَا تَقَلَّدَ قِلَادَةَ شَعْرٍ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ ، وَكَانَ الْمُشْرِكُ يَوْمَئِذٍ لَا يُصْدَرُ عَنْ الْبَيْتِ ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ لَا يُقَاتَلَ الْمُشْرِكُونَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، وَلَا عِنْدَ الْبَيْتِ ، ثُمَّ نَسَخَهَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } وَهَذَا نَصُّ قَوْلِ قَتَادَةَ .
فَهَبْكَ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ نَسْخُ " الْقَلَائِدِ " فَأَيُّ شَيْءٍ فِي ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ أَنَّ مَنْ قَالَ بِنَسْخِ " الْقَلَائِدِ " فَقَدْ خَالَفَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ قَوْلَ مَنْ قَالَ : لَا يُقَامُ الْحَدُّ فِي الْحَرَمِ ، وَلَا يُقْتَلُ أَحَدٌ فِي الْحَرَمِ ، لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ أَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنْ أَنْ يَعْمَى هَذَا الْعَمَى ؟ وَأَنْ يَتَّبِعَ هَوَاهُ فِي الْبَاطِلِ هَذَا الِاتِّبَاعِ ، وَ " الْقَلَائِدُ " هَاهُنَا إنَّمَا هِيَ عَلَى ظَاهِرِهَا " قَلَائِدُ الْهَدْيِ " الَّتِي لَا يَحِلُّ إحْلَالُهَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَعَهْدُنَا بِالْمَالِكِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّينَ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ ، وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا هَاهُنَا خَمْسَةً مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ .
وَخَالَفُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ الثَّابِتَةَ - عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ : احْتِجَاجُهُمْ بِابْنِ خَطَلٍ - وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ - فَهَذِهِ قِصَّةٌ نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّهَا لَهُ خَاصَّةً ، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ ، كَمَا نُبَيِّنُ بَعْدَ هَذَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَالَ عَلِيٌّ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { مَقَامُ إبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } وَهَذَا 147 أَمْرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الْخَبَرِ - هَذَا لَا يَخْلُو الْقَوْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا أَوْ أَمْرًا - فَبَطَلَ أَنْ يَكُنْ خَبَرًا ، لِأَنَّنَا قَدْ وَجَدْنَا " الْقَرَامِطَةَ " الْكَفَرَةَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ قَدْ قَتَلُوا فِيهِ أَهْلَ الْإِسْلَامِ .
وَوَجَدْنَا يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ ، وَالْفَاسِقَ الْحَجَّاجَ قَدْ قَتَلَا فِيهِ النُّفُوسَ الْمُحَرَّمَةَ - فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ أَمْرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، إذْ لَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ .
وَأَنَّ مَنْ ادَّعَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَدْ كَذَبَ ، لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى ، بِمَا لَمْ يَقُلْهُ قَطُّ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى { وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } ، وَقَالَ تَعَالَى { إنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } ، حَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ الْحَرَمُ لَهُ فَضْلٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَخَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى إيَّاهُ فِي الْإِسْلَامِ ، بَلْ مَا زَادَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَرَمَ فِي الْإِسْلَامِ إلَّا تَعْظِيمًا ، وَحُرْمَةً ، وَإِكْرَامًا .
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عُبَيْدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ نا أُسَامَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَ حَدِيثَ الْفَتْحِ ، وَفِيهِ { إنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ : يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ ، الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ الْمُحَرَّمَةُ ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ : أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ؟ قَالَ : مَا قَالَ ؟ قَالَ : قَالَ كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَبَ سَعْدٌ ، وَلَكِنَّ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ : بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - نا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ { إنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَفَزِعَ قَوْمُهَا إلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَ بِهِ قَالَ عُرْوَةُ : فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ فِيهَا تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : تُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ 148 مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ؟ قَالَ أُسَامَةُ : فَاسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ - فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ النَّاسُ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا - ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا } وَذَكَرَتْ عَائِشَةُ الْحَدِيثَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا لَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ فِيهِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهَا قُطِعَتْ يَدُهَا فِي الْحَرَمِ ، فَإِذْ لَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَرَضَ عَلَى نَصِّ الْقُرْآنِ ; وَنَصِّ بَيَانِ السُّنَنِ بِظَنٍّ لَا حَقِيقَةَ فِيهِ - وَلَعَلَّ أَمْرَهَا كَانَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ أَوْ فِي الطَّرِيقِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا } ، وَأَيْضًا - فَإِنَّ هَذَا الْخَبَرَ ظَاهِرُهُ الْإِرْسَالُ .
وَقَالَ بَعْضُ مَنْ لَا يُبَالِي بِمَا أَطْلَقَ بِهِ لِسَانَهُ : إنَّمَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى { مَقَامُ إبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } إنَّمَا عَنَى الصَّيْدَ - وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجُرْأَةٌ عَلَى الْبَاطِلِ فَضِيحَةٌ فِي اللَّحْنِ ، لِأَنَّهُ لَا يُخْبِرُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَفَظَّةُ " مَنْ " إلَّا عَمَّنْ يَعْقِلُ ، لَا عَنْ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّمَا هَذَا فِي " الْمَقَامِ " وَحْدَهُ بِنَصِّ الْآيَةِ ؟ قِيلَ لَهُ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّمُ عِبَادَهُ بِالْمُحَالِ ، وَلَا بِمَا لَا يُمْكِنُ ، وَبِالْيَقِينِ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ أَنَّ " مَقَامَ إبْرَاهِيمَ " حَجَرٌ وَاحِدٌ لَا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا " مَقَامُ إبْرَاهِيمَ " الْحَرَمُ كُلُّهُ ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، إنَّهُ قَالَ " مَقَامُ إبْرَاهِيمَ " الْحَرَمُ كُلُّهُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } . قُلْنَا : نَعَمْ ، هَكَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهَذَا نَقُولُ ، وَلَا يَحِلُّ قِتَالُ أَحَدٍ لَا مُشْرِكٍ وَلَا 149 غَيْرِهِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ ، لَكِنَّنَا نُخْرِجُهُمْ مِنْهُ ، فَإِنْ خَرَجُوا وَصَارُوا فِي الْحِلِّ نَفَّذْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ قَتْلٍ ، أَوْ أَسْرٍ ، أَوْ عُقُوبَةٍ ، فَإِنْ امْتَنَعُوا وَقَاتَلُونَا قَاتَلْنَاهُمْ حِينَئِذٍ فِي الْحَرَمِ - كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَاتَلْنَاهُمْ فِيهِ ، وَهَكَذَا نَفْعَلُ بِكُلِّ بَاغٍ وَظَالِمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا فَرْقَ .
فَإِنْ قَالُوا : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } الْآيَةَ ؟ قُلْنَا : الَّذِي قَالَ هَذَا قَالَ { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ } وَكَلَامُهُ كُلُّهُ وَعُهُودُهُ كُلُّهَا فَرْضٌ ، وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِ لِشَيْءٍ آخَرَ إلَّا بِنَسْخٍ مُتَيَقَّنٍ - فَوَاجِبٌ عَلَيْنَا أَنْ نَسْتَعْمِلَ مِثْلَ هَذِهِ النُّصُوصِ وَنَجْمَعَهَا ، وَنَسْتَثْنِيَ الْأَقَلَّ مِنْهَا مِنْ الْأَكْثَرِ ، إذْ لَا يَحِلُّ غَيْرُ ذَلِكَ .
فَنَحْنُ نَقْتُلُ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْنَاهُمْ إلَّا عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . فَنَحْنُ إذَا فَعَلْنَا هَذَا كُنَّا عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّنَا قَدْ أَطَعْنَا اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ مَا أَمَرَنَا بِهِ ، وَمَنْ خَالَفَ هَذَا الْعَمَلَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى فِي إحْدَى الْآيَتَيْنِ ؟ وَهَذَا لَا يَحِلُّ أَصْلًا .
وَكَمَا قُلْنَا - فَعَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ لَمَّا ابْتَدَأَهُ الْفُسَّاقُ بِالْقِتَالِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ : يَزِيدُ ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ ، وَالْحَجَّاجُ ، وَمَنْ بَعَثَهُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ - مِنْ جُنُودِ السُّلْطَانِ - قَاتَلَهُمْ مُدَافِعًا لِنَفْسِهِ وَأَحْسَنَ فِي ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ نا الْفَرَبْرِيُّ نا الْبُخَارِيُّ نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ لَا هِجْرَةَ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ، فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا - قَالَ الْعَبَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ ؟ قَالَ : إلَّا الْإِذْخِرَ } . 150
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ نا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَوْفٍ نا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ { لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَبَسَ الْفِيلَ عَنْ مَكَّةَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي ، وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا ، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ } وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثَ بِذِكْرِ الْإِذْخِرِ .
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا قُتَيْبَةُ بْنُ لَيْثٍ - هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ - وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إلَى مَكَّةَ : ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْك قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ ، وَوَعَاهُ قَلْبِي ، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ : أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ { إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا ، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً ، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا فَقُولُوا : إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ ، وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ } .
قِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ : مَاذَا قَالَ لَك عَمْرٌو ؟ قَالَ : قَالَ : أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْك يَا أَبَا شُرَيْحٍ ، إنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا ، وَلَا فَارًّا بِخَرِبَةٍ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَا كَرَامَةَ لِلَطِيمِ الشَّيْطَانِ شُرْطِيِّ الْفَاسِقِ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ مِنْ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا سَمِعَهُ ذَلِكَ الصَّاحِبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ فَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، عَلَى عَظِيمِ الْمُصَابِ فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ عَلَى تَضَاعُفِ الْمُصِيبَةِ مِمَّنْ شَاهِدُهُ يَحْتَجُّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِعَيْنِهَا بِقَوْلِ الْفَاسِقِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ مُعَارَضَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيُغْرِ الضُّعَفَاءَ بِأَنَّهُ عَالِمٌ ، وَمَا الْعَاصِي لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا الْفَاسِقُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ ، وَمَنْ وَلَّاهُ وَقَلَّدَهُ ، وَمَا حَامِلُ الْخَرِبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إلَّا هُوَ ، وَمَنْ أَمَّرَهُ وَأَيَّدَهُ ، وَصَوَّبَ قَوْلَهُ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَهَذَا نَقْلُ تَوَاتَرْ ثَلَاثَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو شُرَيْحٍ ، كُلُّهُمْ يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى } فَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَرِّمْ مَكَّةَ خُصُوصًا الْقِتَالَ الْمُحَرَّمَ 151 بِالظُّلْمِ ، لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ مَكَان فِي الْأَرْضِ ، لَكِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا حُرِّمَ الْقِتَالُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي غَيْرِهَا ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُقَاتِلُ فِي مَكَّةَ ، وَلَا قَتْلَ إلَّا بِحَقٍّ ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ الْقِتَالِ بِعَيْنِهِ غَيْرَهُ ، وَحَرَّمَ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ فِي مِثْلِهِ ، وَقَطْعُ الْأَيْدِي فِيهِ سَفْكُ دَمٍ ، وَالْقِصَاصُ كَذَلِكَ ، فَلَا يَحِلُّ فِيهَا أَلْبَتَّةَ .
وَقَدْ شَغَفَ قَوْمٌ : بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قُلْت لِمَالِكٍ : نا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ عَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : إنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ؟ فَقَالَ : اُقْتُلُوهُ . } قَالَ : نَعَمْ ، وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، لِأَنَّ هَذَا كَانَ حِينَ دُخُولِهِ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ - وَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ - ثُمَّ أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَنَّهَا قَدْ عَادَتْ إلَى حُرْمَتِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
فَإِذْ قَدْ ارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ وَجَبَ تَأْمِينُ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ جُمْلَةً مِنْ كُلِّ قَتْلٍ وَقِصَاصٍ وَحَدٍّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِمَّنْ يَحْتَجُّ لِهَذَا الْقَوْلِ : إنَّ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ { وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ } فَمَنْ انْتَهَكَ حُرْمَةً فِي الْحَرَمِ وَجَبَ أَنْ يُنْتَهَكُ مِنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ ؟ قُلْنَا لَهُ : هَذَا عُمُومٌ يَخُصُّهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } ، وَيَخُصُّهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحْرِيمِهَا أَنْ لَا يُسْفَكَ فِيهَا دَمٌ أَصْلًا ، إلَّا مَنْ قَاتَلَنَا فِيهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، وَبِالْإِجْمَاعِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ النَّفْسِ الظُّلْمَ .
فَصَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ قَطُّ أَنَّ مَنْ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الْحَرَمِ أَنْ نَنْتَهِكَهَا نَحْنُ أَيْضًا قِصَاصًا مِنْهُ ، وَأَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ .
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ - وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ - وَبِهِ نَأْخُذُ .
وَأَمَّا نَهْيُ النَّاسِ عَنْ مُبَايَعَتِهِ وَمُكَالَمَتِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } فَلَا يَجُوزُ مَنْعُهُ مِنْ الْبَيْعِ بِغَيْرِ نَصٍّ ، وَلَا إجْمَاعٍ . 152 وَكَذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ فَلَا يَجُوزُ مَنْعُهُ ، إلَّا بِنَصٍّ ، أَوْ إجْمَاعٍ .
فَإِنْ احْتَجُّوا بِقَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَرُّوخَ ، قَالَ : اشْتَرَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ عَامِلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَلَى مَكَّةَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ دَارَ السِّجْنِ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ ، فَإِنْ رَضِيَ عُمَرُ فَالْبَيْعُ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرُ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُ مِائَةٍ ؟ .
قُلْنَا : قَدْ جَاءَ لِبَعْضِ السَّلَفِ خِلَافٌ لِهَذَا ، كَمَا رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَرِهَ السِّجْنَ بِمَكَّةَ ، وَقَالَ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْتُ عَذَابٍ فِي بَيْتِ رَحْمَةٍ - وَبِهَذَا نَأْخُذُ .
فَإِنْ أَنْكَرُوا عَلَيْنَا خِلَافَ عُمَرَ ، وَنَافِعٍ ، وَصَفْوَانَ فِي ذَلِكَ . قُلْنَا لَهُمْ : نَحْنُ لَا نُنْكِرُ هَذَا إذَا أَوْجَبَهُ قُرْآنٌ أَوْ سُنَّةٌ ، وَلَكِنْ إذْ تُنْكِرُونَ هَذَا وَلَا يَحِلُّ عِنْدَكُمْ فَكَيْفَ اسْتَجَزْتُمْ خِلَافَهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ نَفْسِهِ ، فِي أَنَّهُ نَصُّ عُمَرَ " فَلَهُ بَيْعُهُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُ مِائَةٍ " ؟ وَهَذَا عِنْدَ جَمِيعِ الْحَاضِرِينَ مِنْ الْمُخَالِفِينَ رِبًا مَحْضٌ ، فَعَادَ الْإِثْمُ عَلَيْهِمْ وَالْعَارُ أَيْضًا فِي خِلَافِهِمْ مَا لَا يَسْتَحِلُّونَ خِلَافَهُ إلَى خِلَافِهِمْ : عُمَرَ ، وَابْنِهِ ، وَأَبِي شُرَيْحٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، فِي أَنْ لَا يُقَامَ قَوَدٌ بِمَكَّةَ أَصْلًا ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَالْقُرْآنُ مَعَهُمْ ، وَالسُّنَّةُ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ يَهْتِفُ بِذَلِكَ عَلَى النَّاسِ ثَانِيَ يَوْمِ الْفَتْحِ .
فَهَذَا هُوَ الْإِجْمَاعُ الثَّابِتُ الْمَقْطُوعُ بِهِ عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا بِهِ .
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُكْمِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَمَنْ قَتَلَ أَوْ سَرَقَ فَأَخَذَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ أُدْخِلَ الْحَرَمَ ، فَأَرَادُوا أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ مَا أَصَابَ أَخْرَجُوهُ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ ، فَإِنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ أَوْ سَرَقَ أُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ .
وَعَابَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي رَجُلٍ أَخَذَهُ فِي الْحِلِّ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْحَرَمَ ثُمَّ أَخْرَجَهُ إلَى الْحِلِّ فَقَتَلَهُ .
وَبِهِ : إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ قَتَلَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ أُدْخِلَ الْحَرَمَ ، قَالَ : لَا يُجَالَسُ ، وَلَا يُكَلَّمُ ، وَلَا يُبَايَعُ ، وَلَا يُؤْذَى - يُؤْتَى إلَيْهِ فَيُقَالُ : يَا فُلَانُ اتَّقِ اللَّهَ فِي دَمِ فُلَانٍ اُخْرُجْ مِنْ الْمَحَارِمِ .
نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَدِينِيِّ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنِي 144 إبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ - وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا - قَالَ : سَمِعْت طَاوُسًا يَقُولُ : سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : مَنْ أَصَابَ حَدًّا ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ ، لَمْ يُجَالَسْ ، وَلَمْ يُبَايَعْ ، وَيَأْتِيه الَّذِي يَطْلُبُهُ ، فَيَقُولُ : أَيْ فُلَانُ اتَّقِ اللَّهَ فِي دَمِ فُلَانٍ ، اُخْرُجْ عَنْ الْمَحَارِمِ ، فَإِذَا خَرَجَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ .
وَبِهِ : إلَى إسْمَاعِيلَ نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { مَقَامُ إبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } . قَالَ : إذَا أَحْدَثَ الرَّجُلُ حَدَثًا ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ ، لَمْ يُجَالَسْ ، وَلَمْ يُبَايَعْ ، وَلَمْ يُطْعَمْ ، وَلَمْ يُسْقَ ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْحَرَمِ ، فَيُؤْخَذَ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : سَمِعْت ابْنَ أَبِي حُسَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَوْ وَجَدْت فِيهِ - يَعْنِي حَرَمَ مَكَّةَ - قَاتِلَ الْخَطَّابِ مَا مَسِسْته حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَحَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَوْ وَجَدْت فِيهِ - يَعْنِي حَرَمَ مَكَّةَ - قَاتِلَ عُمَرَ مَا نَدَهْته .
وَعَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَوْ وَجَدْت قَاتِلَ أَبِي فِي الْحَرَمِ مَا عَرَضْته .
قَالَ عَطَاءٌ : وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ كَذَلِكَ مِثْلُ الْحَرَمِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : مَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ قُتِلَ فِي الْحَرَمِ ، وَمَنْ قَتَلَ فِي الْحِلِّ ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَامَ أُخْرِجَ إلَى الْحِلِّ فَقُتِلَ فِي الْحِلِّ - قَالَ الزُّهْرِيُّ : تِلْكَ السُّنَّةُ .
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَوْمٍ خِلَافُ هَذَا [ وَشَيْءٌ يُظَنُّ أَنَّهُ خِلَافُ هَذَا ] وَهُوَ كَمَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ نا أَبِي نا أَشْعَثُ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ - عَنْ الْحَسَنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ فِي 145 الْجَاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ ، ثُمَّ يُعَلِّقُ فِي رَقَبَتِهِ الصُّوفَةَ ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْحَرَمَ فَيَلْقَاهُ ابْنُ الْمَقْتُولِ أَوْ أَبُوهُ فَلَا يُحَرِّكُهُ .
وَعَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } قَالَ : كَانَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَوْ سَرَقَ فِيهِ أَحَدٌ قُطِعَ ، وَإِنْ قَتَلَ قُتِلَ ، وَلَوْ قُدِرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِيهِ قُتِلُوا .
وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ جَرَحَ رَجُلًا فِي الْحَرَمِ : أَنَّهُ يُقَادُ بِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَ فِي الْحِلِّ أُقِيدَ بِهِ فِي الْحَرَمِ ، وَحَيْثُ وُجِدَ .
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابُهُمْ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَهَؤُلَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَابْنُهُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَأَبُو شُرَيْحٍ - عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَمِنْ التَّابِعِينَ - عَطَاءٌ ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَيُخْبِرُ بِذَلِكَ عَنْ عُلَمَائِهِمْ ، وَهُمْ التَّابِعُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَيُخْبِرُ : أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ بِذَلِكَ فِيمَا تَعَلَّقَ مَنْ تَعَلَّقَ بِخِلَافِ ذَلِكَ إلَّا بِرِوَايَةٍ عَنْ رَبِيعَةَ .
وَأَمَّا قَتَادَةُ ، وَالْحَسَنُ ، فَلَيْسَ فِي قَوْلِهِمَا خِلَافٌ لِمَنْ ذَكَرْنَا ، لِأَنَّ الْحَسَنَ إنَّمَا أَخْبَرَ عَمَّنْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَلَمْ يَقُلْ إنَّ الْإِسْلَامَ جَاءَ بِخِلَافِ ذَلِكَ إلَّا بِهِ ، وَأَمَّا قَتَادَةُ فَلَمْ يَقُلْ : إنَّ مَنْ أَصَابَ فِي الْحِلِّ دَمًا أُقِيدَ بِهِ فِي الْحَرَمِ .
فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِقَتَادَةَ ، وَالْحَسَنِ .
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَجَاهَرَ بَعْضُهُمْ أَقْبَحَ مُجَاهِرَةٍ ، فَذَكَرَ : مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ نا أَحْمَدُ بْنُ الْهَيْثَمِ نا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : آيَتَانِ نُسِخَتَا مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ - يَعْنِي الْمَائِدَةَ - آيَةُ الْقَلَائِدِ 146 { فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } فَمَوَّهَ بِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا الْبَهْتُ الْفَاضِحُ وَالْكَذِبُ الْمُجَرَّدُ ، وَنَعَمْ : إنْ قَوْله تَعَالَى { لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا } قَدْ قِيلَ : إنَّهُ نُسِخَ مِنْهُ " الْقَلَائِدُ " فَقَطْ : كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْجَعْفَرِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَقْبُرِيُّ نا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ نا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيَّ نا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ - وَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ - فَقَالَ : مَنْسُوخٌ ، كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا خَرَجَ إلَى الْحَجِّ يُقَلِّدُ مِنْ الشَّعْرِ ، فَلَا يَعْرِضُ لَهُ أَحَدٌ ، وَإِذَا تَقَلَّدَ قِلَادَةَ شَعْرٍ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ ، وَكَانَ الْمُشْرِكُ يَوْمَئِذٍ لَا يُصْدَرُ عَنْ الْبَيْتِ ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ لَا يُقَاتَلَ الْمُشْرِكُونَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، وَلَا عِنْدَ الْبَيْتِ ، ثُمَّ نَسَخَهَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } وَهَذَا نَصُّ قَوْلِ قَتَادَةَ .
فَهَبْكَ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ نَسْخُ " الْقَلَائِدِ " فَأَيُّ شَيْءٍ فِي ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ أَنَّ مَنْ قَالَ بِنَسْخِ " الْقَلَائِدِ " فَقَدْ خَالَفَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ قَوْلَ مَنْ قَالَ : لَا يُقَامُ الْحَدُّ فِي الْحَرَمِ ، وَلَا يُقْتَلُ أَحَدٌ فِي الْحَرَمِ ، لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ أَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنْ أَنْ يَعْمَى هَذَا الْعَمَى ؟ وَأَنْ يَتَّبِعَ هَوَاهُ فِي الْبَاطِلِ هَذَا الِاتِّبَاعِ ، وَ " الْقَلَائِدُ " هَاهُنَا إنَّمَا هِيَ عَلَى ظَاهِرِهَا " قَلَائِدُ الْهَدْيِ " الَّتِي لَا يَحِلُّ إحْلَالُهَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَعَهْدُنَا بِالْمَالِكِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّينَ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ ، وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا هَاهُنَا خَمْسَةً مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ .
وَخَالَفُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ الثَّابِتَةَ - عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ : احْتِجَاجُهُمْ بِابْنِ خَطَلٍ - وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ - فَهَذِهِ قِصَّةٌ نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّهَا لَهُ خَاصَّةً ، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ ، كَمَا نُبَيِّنُ بَعْدَ هَذَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَالَ عَلِيٌّ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { مَقَامُ إبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } وَهَذَا 147 أَمْرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الْخَبَرِ - هَذَا لَا يَخْلُو الْقَوْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا أَوْ أَمْرًا - فَبَطَلَ أَنْ يَكُنْ خَبَرًا ، لِأَنَّنَا قَدْ وَجَدْنَا " الْقَرَامِطَةَ " الْكَفَرَةَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ قَدْ قَتَلُوا فِيهِ أَهْلَ الْإِسْلَامِ .
وَوَجَدْنَا يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ ، وَالْفَاسِقَ الْحَجَّاجَ قَدْ قَتَلَا فِيهِ النُّفُوسَ الْمُحَرَّمَةَ - فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ أَمْرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، إذْ لَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ .
وَأَنَّ مَنْ ادَّعَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَدْ كَذَبَ ، لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى ، بِمَا لَمْ يَقُلْهُ قَطُّ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى { وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } ، وَقَالَ تَعَالَى { إنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } ، حَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ الْحَرَمُ لَهُ فَضْلٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَخَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى إيَّاهُ فِي الْإِسْلَامِ ، بَلْ مَا زَادَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَرَمَ فِي الْإِسْلَامِ إلَّا تَعْظِيمًا ، وَحُرْمَةً ، وَإِكْرَامًا .
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عُبَيْدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ نا أُسَامَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَ حَدِيثَ الْفَتْحِ ، وَفِيهِ { إنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ : يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ ، الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ الْمُحَرَّمَةُ ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ : أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ؟ قَالَ : مَا قَالَ ؟ قَالَ : قَالَ كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَبَ سَعْدٌ ، وَلَكِنَّ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ : بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - نا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ { إنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَفَزِعَ قَوْمُهَا إلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَ بِهِ قَالَ عُرْوَةُ : فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ فِيهَا تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : تُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ 148 مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ؟ قَالَ أُسَامَةُ : فَاسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ - فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ النَّاسُ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا - ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا } وَذَكَرَتْ عَائِشَةُ الْحَدِيثَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا لَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ فِيهِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهَا قُطِعَتْ يَدُهَا فِي الْحَرَمِ ، فَإِذْ لَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَرَضَ عَلَى نَصِّ الْقُرْآنِ ; وَنَصِّ بَيَانِ السُّنَنِ بِظَنٍّ لَا حَقِيقَةَ فِيهِ - وَلَعَلَّ أَمْرَهَا كَانَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ أَوْ فِي الطَّرِيقِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا } ، وَأَيْضًا - فَإِنَّ هَذَا الْخَبَرَ ظَاهِرُهُ الْإِرْسَالُ .
وَقَالَ بَعْضُ مَنْ لَا يُبَالِي بِمَا أَطْلَقَ بِهِ لِسَانَهُ : إنَّمَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى { مَقَامُ إبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } إنَّمَا عَنَى الصَّيْدَ - وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجُرْأَةٌ عَلَى الْبَاطِلِ فَضِيحَةٌ فِي اللَّحْنِ ، لِأَنَّهُ لَا يُخْبِرُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَفَظَّةُ " مَنْ " إلَّا عَمَّنْ يَعْقِلُ ، لَا عَنْ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّمَا هَذَا فِي " الْمَقَامِ " وَحْدَهُ بِنَصِّ الْآيَةِ ؟ قِيلَ لَهُ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّمُ عِبَادَهُ بِالْمُحَالِ ، وَلَا بِمَا لَا يُمْكِنُ ، وَبِالْيَقِينِ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ أَنَّ " مَقَامَ إبْرَاهِيمَ " حَجَرٌ وَاحِدٌ لَا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا " مَقَامُ إبْرَاهِيمَ " الْحَرَمُ كُلُّهُ ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، إنَّهُ قَالَ " مَقَامُ إبْرَاهِيمَ " الْحَرَمُ كُلُّهُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } . قُلْنَا : نَعَمْ ، هَكَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهَذَا نَقُولُ ، وَلَا يَحِلُّ قِتَالُ أَحَدٍ لَا مُشْرِكٍ وَلَا 149 غَيْرِهِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ ، لَكِنَّنَا نُخْرِجُهُمْ مِنْهُ ، فَإِنْ خَرَجُوا وَصَارُوا فِي الْحِلِّ نَفَّذْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ قَتْلٍ ، أَوْ أَسْرٍ ، أَوْ عُقُوبَةٍ ، فَإِنْ امْتَنَعُوا وَقَاتَلُونَا قَاتَلْنَاهُمْ حِينَئِذٍ فِي الْحَرَمِ - كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَاتَلْنَاهُمْ فِيهِ ، وَهَكَذَا نَفْعَلُ بِكُلِّ بَاغٍ وَظَالِمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا فَرْقَ .
فَإِنْ قَالُوا : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } الْآيَةَ ؟ قُلْنَا : الَّذِي قَالَ هَذَا قَالَ { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ } وَكَلَامُهُ كُلُّهُ وَعُهُودُهُ كُلُّهَا فَرْضٌ ، وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِ لِشَيْءٍ آخَرَ إلَّا بِنَسْخٍ مُتَيَقَّنٍ - فَوَاجِبٌ عَلَيْنَا أَنْ نَسْتَعْمِلَ مِثْلَ هَذِهِ النُّصُوصِ وَنَجْمَعَهَا ، وَنَسْتَثْنِيَ الْأَقَلَّ مِنْهَا مِنْ الْأَكْثَرِ ، إذْ لَا يَحِلُّ غَيْرُ ذَلِكَ .
فَنَحْنُ نَقْتُلُ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْنَاهُمْ إلَّا عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . فَنَحْنُ إذَا فَعَلْنَا هَذَا كُنَّا عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّنَا قَدْ أَطَعْنَا اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ مَا أَمَرَنَا بِهِ ، وَمَنْ خَالَفَ هَذَا الْعَمَلَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى فِي إحْدَى الْآيَتَيْنِ ؟ وَهَذَا لَا يَحِلُّ أَصْلًا .
وَكَمَا قُلْنَا - فَعَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ لَمَّا ابْتَدَأَهُ الْفُسَّاقُ بِالْقِتَالِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ : يَزِيدُ ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ ، وَالْحَجَّاجُ ، وَمَنْ بَعَثَهُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ - مِنْ جُنُودِ السُّلْطَانِ - قَاتَلَهُمْ مُدَافِعًا لِنَفْسِهِ وَأَحْسَنَ فِي ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ نا الْفَرَبْرِيُّ نا الْبُخَارِيُّ نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ لَا هِجْرَةَ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ، فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا - قَالَ الْعَبَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ ؟ قَالَ : إلَّا الْإِذْخِرَ } . 150
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ نا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَوْفٍ نا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ { لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَبَسَ الْفِيلَ عَنْ مَكَّةَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي ، وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا ، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ } وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثَ بِذِكْرِ الْإِذْخِرِ .
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا قُتَيْبَةُ بْنُ لَيْثٍ - هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ - وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إلَى مَكَّةَ : ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْك قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ ، وَوَعَاهُ قَلْبِي ، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ : أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ { إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا ، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً ، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا فَقُولُوا : إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ ، وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ } .
قِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ : مَاذَا قَالَ لَك عَمْرٌو ؟ قَالَ : قَالَ : أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْك يَا أَبَا شُرَيْحٍ ، إنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا ، وَلَا فَارًّا بِخَرِبَةٍ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَا كَرَامَةَ لِلَطِيمِ الشَّيْطَانِ شُرْطِيِّ الْفَاسِقِ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ مِنْ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا سَمِعَهُ ذَلِكَ الصَّاحِبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ فَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، عَلَى عَظِيمِ الْمُصَابِ فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ عَلَى تَضَاعُفِ الْمُصِيبَةِ مِمَّنْ شَاهِدُهُ يَحْتَجُّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِعَيْنِهَا بِقَوْلِ الْفَاسِقِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ مُعَارَضَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيُغْرِ الضُّعَفَاءَ بِأَنَّهُ عَالِمٌ ، وَمَا الْعَاصِي لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا الْفَاسِقُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ ، وَمَنْ وَلَّاهُ وَقَلَّدَهُ ، وَمَا حَامِلُ الْخَرِبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إلَّا هُوَ ، وَمَنْ أَمَّرَهُ وَأَيَّدَهُ ، وَصَوَّبَ قَوْلَهُ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَهَذَا نَقْلُ تَوَاتَرْ ثَلَاثَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو شُرَيْحٍ ، كُلُّهُمْ يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى } فَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَرِّمْ مَكَّةَ خُصُوصًا الْقِتَالَ الْمُحَرَّمَ 151 بِالظُّلْمِ ، لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ مَكَان فِي الْأَرْضِ ، لَكِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا حُرِّمَ الْقِتَالُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي غَيْرِهَا ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُقَاتِلُ فِي مَكَّةَ ، وَلَا قَتْلَ إلَّا بِحَقٍّ ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ الْقِتَالِ بِعَيْنِهِ غَيْرَهُ ، وَحَرَّمَ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ فِي مِثْلِهِ ، وَقَطْعُ الْأَيْدِي فِيهِ سَفْكُ دَمٍ ، وَالْقِصَاصُ كَذَلِكَ ، فَلَا يَحِلُّ فِيهَا أَلْبَتَّةَ .
وَقَدْ شَغَفَ قَوْمٌ : بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قُلْت لِمَالِكٍ : نا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ عَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : إنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ؟ فَقَالَ : اُقْتُلُوهُ . } قَالَ : نَعَمْ ، وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، لِأَنَّ هَذَا كَانَ حِينَ دُخُولِهِ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ - وَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ - ثُمَّ أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَنَّهَا قَدْ عَادَتْ إلَى حُرْمَتِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
فَإِذْ قَدْ ارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ وَجَبَ تَأْمِينُ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ جُمْلَةً مِنْ كُلِّ قَتْلٍ وَقِصَاصٍ وَحَدٍّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِمَّنْ يَحْتَجُّ لِهَذَا الْقَوْلِ : إنَّ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ { وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ } فَمَنْ انْتَهَكَ حُرْمَةً فِي الْحَرَمِ وَجَبَ أَنْ يُنْتَهَكُ مِنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ ؟ قُلْنَا لَهُ : هَذَا عُمُومٌ يَخُصُّهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } ، وَيَخُصُّهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحْرِيمِهَا أَنْ لَا يُسْفَكَ فِيهَا دَمٌ أَصْلًا ، إلَّا مَنْ قَاتَلَنَا فِيهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، وَبِالْإِجْمَاعِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ النَّفْسِ الظُّلْمَ .
فَصَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ قَطُّ أَنَّ مَنْ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الْحَرَمِ أَنْ نَنْتَهِكَهَا نَحْنُ أَيْضًا قِصَاصًا مِنْهُ ، وَأَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ .
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ - وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ - وَبِهِ نَأْخُذُ .
وَأَمَّا نَهْيُ النَّاسِ عَنْ مُبَايَعَتِهِ وَمُكَالَمَتِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } فَلَا يَجُوزُ مَنْعُهُ مِنْ الْبَيْعِ بِغَيْرِ نَصٍّ ، وَلَا إجْمَاعٍ . 152 وَكَذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ فَلَا يَجُوزُ مَنْعُهُ ، إلَّا بِنَصٍّ ، أَوْ إجْمَاعٍ .
فَإِنْ احْتَجُّوا بِقَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَرُّوخَ ، قَالَ : اشْتَرَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ عَامِلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَلَى مَكَّةَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ دَارَ السِّجْنِ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ ، فَإِنْ رَضِيَ عُمَرُ فَالْبَيْعُ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرُ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُ مِائَةٍ ؟ .
قُلْنَا : قَدْ جَاءَ لِبَعْضِ السَّلَفِ خِلَافٌ لِهَذَا ، كَمَا رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَرِهَ السِّجْنَ بِمَكَّةَ ، وَقَالَ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْتُ عَذَابٍ فِي بَيْتِ رَحْمَةٍ - وَبِهَذَا نَأْخُذُ .
فَإِنْ أَنْكَرُوا عَلَيْنَا خِلَافَ عُمَرَ ، وَنَافِعٍ ، وَصَفْوَانَ فِي ذَلِكَ . قُلْنَا لَهُمْ : نَحْنُ لَا نُنْكِرُ هَذَا إذَا أَوْجَبَهُ قُرْآنٌ أَوْ سُنَّةٌ ، وَلَكِنْ إذْ تُنْكِرُونَ هَذَا وَلَا يَحِلُّ عِنْدَكُمْ فَكَيْفَ اسْتَجَزْتُمْ خِلَافَهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ نَفْسِهِ ، فِي أَنَّهُ نَصُّ عُمَرَ " فَلَهُ بَيْعُهُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُ مِائَةٍ " ؟ وَهَذَا عِنْدَ جَمِيعِ الْحَاضِرِينَ مِنْ الْمُخَالِفِينَ رِبًا مَحْضٌ ، فَعَادَ الْإِثْمُ عَلَيْهِمْ وَالْعَارُ أَيْضًا فِي خِلَافِهِمْ مَا لَا يَسْتَحِلُّونَ خِلَافَهُ إلَى خِلَافِهِمْ : عُمَرَ ، وَابْنِهِ ، وَأَبِي شُرَيْحٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، فِي أَنْ لَا يُقَامَ قَوَدٌ بِمَكَّةَ أَصْلًا ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَالْقُرْآنُ مَعَهُمْ ، وَالسُّنَّةُ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ يَهْتِفُ بِذَلِكَ عَلَى النَّاسِ ثَانِيَ يَوْمِ الْفَتْحِ .
فَهَذَا هُوَ الْإِجْمَاعُ الثَّابِتُ الْمَقْطُوعُ بِهِ عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا بِهِ .
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُكْمِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث