تحفة المحتاج في شرح المنهاج
تحفة المحتاج في شرح المنهاج · الجزء التاسع
حاشية ابن قاسم
( قَوْلُهُ : وَيُسَنُّ مَعَ الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ ) لَمَّا تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ عَلَى مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ : أَنَّ أَوَّلَ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ ؛ فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، فَقَالَ : قَدْ تَرَكَ مَا هُنَالِكَ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ إلَخْ ، وَقَدْ يُقَالُ : كَيْفَ تَأَخَّرَ أَبُو سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ إنْكَارِ هَذَا الْمُنْكَرِ حَتَّى سَبَقَهُ إلَيْهِ هَذَا الرَّجُلُ ثُمَّ ذَكَرَ احْتِمَالَاتٍ فِي الْجَوَابِ مِنْهَا قَوْلُهُ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ كَانَ حَاضِرًا مِنْ الْأَوَّلِ ، لَكِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ حُصُولَ فِتْنَةٍ بِسَبَبِ إنْكَارِهِ فَسَقَطَ الْإِنْكَارُ عَنْهُ ، وَلَمْ يَخَفْ ذَلِكَ الرَّجُلُ شَيْئًا لِاعْتِضَادِهِ بِظُهُورِ عَشِيرَتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، أَوْ أَنَّهُ خَافَهُ وَخَاطَرَ بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي مِثْلِ هَذَا ، بَلْ مُسْتَحَبٌّ ا هـ . ( قَوْلُهُ : لِمَا هُوَ أَفْحَشُ ) خَرَجَ الدُّونُ وَالْمُسَاوِي ، لَكِنْ لَا يَبْعُدُ عَدَمُ 217 الْوُجُوبِ فِي الْمُسَاوِي إذْ لَا فَائِدَةَ فَلْيُتَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ : الْأَمْرُ بِالْيَدِ ) اُنْظُرْ مَعْنَى الْأَمْرِ بِالْيَدِ وَالْقَلْبِ ثُمَّ وُجُوبَ تَقْدِيمِ الْيَدِ مَعَ كِفَايَةِ اللِّسَانِ الْأَخَفَّ ، ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّنْبِيهِ الْآتِي مَعْنَى الْأَمْرِ بِالْقَلْبِ ثُمَّ رَأَيْت الرَّوْضَ إنَّمَا ذَكَرَ الْيَدَ فِي النَّهْيِ ، وَشَرْحُهُ مُشْعِرٌ بِكِفَايَةِ اللِّسَانِ فِيهِ إذَا حَصَلَ بِهِ زَوَالُ الْمُنْكَرِ ، وَإِنَّمَا الْمُؤَخَّرُ عَنْ الْيَدِ مُجَرَّدُ الْوَعْظِ فَلْيُتَأَمَّلْ . ثُمَّ رَأَيْت فِي كَلَامٍ نَقَلَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ مَا صُورَتُهُ : فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ تَغْيِيرَهُ بِيَدِهِ يُسَبِّبُ مُنْكَرًا أَشَدَّ مِنْهُ مِنْ قَتْلِهِ أَوْ قَتْلِ غَيْرِهِ بِسَبَبِهِ كَفَّ يَدَهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْقَوْلِ بِاللِّسَانِ وَالْوَعْظِ وَالتَّخْوِيفِ ، فَإِنْ خَافَ أَنْ يُسَبِّبَ قَوْلُهُ مِثْلَ ذَلِكَ غَيَّرَ بِقَلْبِهِ وَكَانَ فِي سَعَةٍ ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ا هـ . وَالْكَلَامُ قَدْ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْوَعْظِ وَالتَّخْوِيفِ وَإِنْ لَمْ يَزُلْ الْمُنْكَرُ بِهِ وَهُوَ مُشْكِلٌ ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يُقَالُ : إنْ أَفَادَ ذَلِكَ زَوَالَ الْمُنْكَرِ فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى الْيَدِ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي عَدَمُ وُجُوبِهِ مُطْلَقًا ، لَكِنْ قَضِيَّةُ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ خِلَافَهُ . ( قَوْلُهُ : بِالْيَدِ فَاللِّسَانِ إلَخْ ) قَدْ يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ : إنْ أَمْكَنَ حُصُولُ الْمَقْصُودِ بِكُلٍّ مِنْ الْيَدِ وَاللِّسَانِ بِلَا مَفْسَدَةٍ فِي أَحَدِهِمَا يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ لَحِقَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ مَفْسَدَةٌ اقْتَصَرَ عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ لَحِقَ كُلًّا مَفْسَدَةٌ أَعْلَى ، بَلْ أَوْ مُسَاوِيَةٌ أَوْ لَمْ يُفِدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْقَلْبِ .
( قَوْلُهُ : وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَمَا يَتَسَاهَلُ أَكْثَرُ النَّاسِ فِيهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا إذَا رَأَى إنْسَانًا يَبِيعُ مَتَاعًا مَعِيبًا أَوْ نَحْوَهُ فَإِنَّهُمْ لَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ ، وَلَا يُعَرِّفُونَ الْمُشْتَرِيَ بِعَيْبِهِ وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ ، وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى الْبَائِعِ وَأَنْ يُعْلِمَ الْمُشْتَرِيَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ا هـ . 218 قَوْلُهُ : وَمُقَلِّدُ مَنْ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ ) عَلَامَ الْعَطْفُ . ( قَوْلُهُ : أَيْضًا وَمُقَلَّدُ مَنْ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ لِكَوْنِهِ مِمَّا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي ) أَيْ : فَإِذَا ارْتَكَبَ مَا يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ بِتَقْلِيدٍ مُمْتَنِعٍ فَيُنْكِرُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي ارْتَكَبَهُ مُحَرَّمًا عِنْدَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُهُ .
( قَوْلُهُ : وَلِأَنَّ الْعِبْرَةَ بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْقَاضِي بِاعْتِقَادِهِ فَقَطْ ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ غَيْرُ مُرَادٍ ؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ رُفِعَ لِقَاضٍ شَافِعِيٍّ مُخَالِفٌ صَلَّى مَعَ عَدَمِ تَسْبِيعِ مَا أَصَابَهُ مِنْ نَحْوِ كَلْبٍ أَوْ مَعَ الطُّهْرِ بِمُسْتَعْمَلٍ ، أَوْ فَعَلَ مَا يَجُوزُ فِي اعْتِقَادِهِمْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِتَعْزِيرٍ وَلَا نَحْوِهِ كَمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُحَرَّرْ ، ثُمَّ رَأَيْت فِي بَابِ كَوْنِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا لَفْظُهُ : وَكَذَلِكَ قَالُوا : لَيْسَ لِلْمُفْتِي وَلَا لِلْقَاضِي أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى مَنْ يُخَالِفُهُ إذَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا ا هـ . وَهُوَ بِظَاهِرِهِ شَامِلٌ لِمَا نَحْنُ فِيهِ .
( قَوْلُهُ وَلَكِنْ لَوْ اُحْتِيجَ إنْكَارُ ذَلِكَ لِقِتَالٍ لَمْ يَفْعَلْهُ إلَخْ ) فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَيَسُوغُ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ أَنْ يَصُدَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ عَنْهَا بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يَنْتَهِ الْأَمْرُ إلَى نَصْبِ قِتَالٍ وَشَهْرِ سِلَاحٍ ، فَإِنْ انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى ذَلِكَ رَبَطَ الْأَمْرَ بِالسُّلْطَانِ . ا هـ . 219 وَذَكَرَ قَبْلَهُ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ مِثْلَهُ .
( قَوْلُهُ : وَلَيْسَ لِأَحَدٍ الْبَحْثُ وَالتَّجَسُّسُ إلَخْ ) عِبَارَةُ شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ أَيْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَلَيْسَ لِلْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ الْبَحْثُ وَالتَّنْقِيرُ وَالتَّجَسُّسُ وَاقْتِحَامُ الدُّورِ بِالظُّنُونِ ، بَلْ إنْ عَثَرَ عَلَى مُنْكَرٍ غَيَّرَهُ جَهْدَهُ ، هَذَا كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ ، وَقَالَ : أَقَضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ : وَلَيْسَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَبْحَثَ عَمَّا لَمْ يَظْهَرْ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اسْتِسْرَارُ قَوْمٍ بِهَا لِإِمَارَةٍ وَآثَارٍ ظَهَرَتْ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ فِي انْتِهَاكِ حُرْمَةٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهَا مِثْلُ : أَنْ يُخْبِرَهُ مَنْ يَثِقُ بِصِدْقِهِ أَنَّ رَجُلًا خَلَا بِرَجُلٍ لِيَقْتُلَهُ أَوْ بِامْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا ؛ فَيَجُوزَ لَهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ أَنْ يَتَجَسَّسَ وَيَقْدُمَ عَلَى الْبَحْثِ وَالْكَشْفِ حَذَرًا مِنْ فَوَاتِ مَا لَا يُسْتَدْرَكُ ، وَكَذَا لَوْ عَرَفَ ذَلِكَ غَيْرُ الْمُحْتَسِبِ مِنْ الْمُتَطَوِّعَةِ جَازَ لَهُمْ الْإِقْدَامُ عَلَى الْكَشْفِ وَالْإِنْكَارِ ، الضَّرْبُ الثَّانِي : مَا قَصُرَ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ فَلَا يَجُوزُ التَّجَسُّسُ عَلَيْهِ وَلَا كَشْفُ الْأَسْتَارِ عَنْهُ ، فَإِنْ سَمِعَ أَصْوَاتَ الْمَلَاهِي الْمُنْكَرَةِ مِنْ دَارٍ أَنْكَرَهَا خَارِجَ الدَّارِ وَلَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهَا بِالدُّخُولِ ؛ لِأَنَّ الْمُنْكَرَ لَيْسَ ظَاهِرًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ الْبَاطِنِ ا هـ .
( قَوْلُهُ : وَلَهُ احْتِمَالٌ بِوُجُوبِهِ ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ مَعَ الْهَتْكِ وَتَغْرِيمِ الْمَالِ وَلْيَنْظُرْ هَلْ الْمُرَادُ تَغْرِيمُ الرَّافِعِ أَوْ الْمَرْفُوعِ ؟ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَعَلَّهُ إذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ الْمَالُ عَادَةً . ( قَوْلُهُ : تَنْبِيهٌ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ بِالْقَلْبِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ ، بَلْ الْوَجْهُ أَنَّهُ فَرْضٌ إلَخْ ) أَقُولُ : الْوَجْهُ الْمُتَعَيَّنُ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِقَوْلِهِمْ السَّابِقِ فَالْقَلْبُ أَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ الْمَرْتَبَتَانِ الْأُولَتَانِ اُكْتُفِيَ بِالْقَلْبِ ، وَهَذَا لَا يُنَافِي تَعَيُّنَ الْإِنْكَارِ بِهِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ مُطْلَقًا وَلَوْ حَالَ الْإِنْكَارِ بِغَيْرِهِ فَتَأَمَّلْهُ ؛ فَإِنَّهُ بِهَذَا يَزُولُ إشْكَالُ كَلَامِهِمْ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فَلَيْسَ دَافِعًا لِإِشْكَالِهِ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِنْكَارَ بِالْقَلْبِ 220 بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فَرْضُ عَيْنٍ مُطْلَقًا ، ثُمَّ إنْ أَمْكَنَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِنَحْوِ الْيَدِ وَجَبَتْ عَلَى الْكِفَايَةِ وَإِلَّا فَلَا فَتَأَمَّلْهُ سم
( قَوْلُهُ : وَيُسَنُّ مَعَ الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ ) لَمَّا تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ عَلَى مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ : أَنَّ أَوَّلَ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ ؛ فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، فَقَالَ : قَدْ تَرَكَ مَا هُنَالِكَ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ إلَخْ ، وَقَدْ يُقَالُ : كَيْفَ تَأَخَّرَ أَبُو سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ إنْكَارِ هَذَا الْمُنْكَرِ حَتَّى سَبَقَهُ إلَيْهِ هَذَا الرَّجُلُ ثُمَّ ذَكَرَ احْتِمَالَاتٍ فِي الْجَوَابِ مِنْهَا قَوْلُهُ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ كَانَ حَاضِرًا مِنْ الْأَوَّلِ ، لَكِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ حُصُولَ فِتْنَةٍ بِسَبَبِ إنْكَارِهِ فَسَقَطَ الْإِنْكَارُ عَنْهُ ، وَلَمْ يَخَفْ ذَلِكَ الرَّجُلُ شَيْئًا لِاعْتِضَادِهِ بِظُهُورِ عَشِيرَتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، أَوْ أَنَّهُ خَافَهُ وَخَاطَرَ بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي مِثْلِ هَذَا ، بَلْ مُسْتَحَبٌّ ا هـ . ( قَوْلُهُ : لِمَا هُوَ أَفْحَشُ ) خَرَجَ الدُّونُ وَالْمُسَاوِي ، لَكِنْ لَا يَبْعُدُ عَدَمُ 217 الْوُجُوبِ فِي الْمُسَاوِي إذْ لَا فَائِدَةَ فَلْيُتَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ : الْأَمْرُ بِالْيَدِ ) اُنْظُرْ مَعْنَى الْأَمْرِ بِالْيَدِ وَالْقَلْبِ ثُمَّ وُجُوبَ تَقْدِيمِ الْيَدِ مَعَ كِفَايَةِ اللِّسَانِ الْأَخَفَّ ، ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّنْبِيهِ الْآتِي مَعْنَى الْأَمْرِ بِالْقَلْبِ ثُمَّ رَأَيْت الرَّوْضَ إنَّمَا ذَكَرَ الْيَدَ فِي النَّهْيِ ، وَشَرْحُهُ مُشْعِرٌ بِكِفَايَةِ اللِّسَانِ فِيهِ إذَا حَصَلَ بِهِ زَوَالُ الْمُنْكَرِ ، وَإِنَّمَا الْمُؤَخَّرُ عَنْ الْيَدِ مُجَرَّدُ الْوَعْظِ فَلْيُتَأَمَّلْ . ثُمَّ رَأَيْت فِي كَلَامٍ نَقَلَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ مَا صُورَتُهُ : فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ تَغْيِيرَهُ بِيَدِهِ يُسَبِّبُ مُنْكَرًا أَشَدَّ مِنْهُ مِنْ قَتْلِهِ أَوْ قَتْلِ غَيْرِهِ بِسَبَبِهِ كَفَّ يَدَهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْقَوْلِ بِاللِّسَانِ وَالْوَعْظِ وَالتَّخْوِيفِ ، فَإِنْ خَافَ أَنْ يُسَبِّبَ قَوْلُهُ مِثْلَ ذَلِكَ غَيَّرَ بِقَلْبِهِ وَكَانَ فِي سَعَةٍ ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ا هـ . وَالْكَلَامُ قَدْ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْوَعْظِ وَالتَّخْوِيفِ وَإِنْ لَمْ يَزُلْ الْمُنْكَرُ بِهِ وَهُوَ مُشْكِلٌ ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يُقَالُ : إنْ أَفَادَ ذَلِكَ زَوَالَ الْمُنْكَرِ فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى الْيَدِ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي عَدَمُ وُجُوبِهِ مُطْلَقًا ، لَكِنْ قَضِيَّةُ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ خِلَافَهُ . ( قَوْلُهُ : بِالْيَدِ فَاللِّسَانِ إلَخْ ) قَدْ يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ : إنْ أَمْكَنَ حُصُولُ الْمَقْصُودِ بِكُلٍّ مِنْ الْيَدِ وَاللِّسَانِ بِلَا مَفْسَدَةٍ فِي أَحَدِهِمَا يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ لَحِقَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ مَفْسَدَةٌ اقْتَصَرَ عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ لَحِقَ كُلًّا مَفْسَدَةٌ أَعْلَى ، بَلْ أَوْ مُسَاوِيَةٌ أَوْ لَمْ يُفِدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْقَلْبِ .
( قَوْلُهُ : وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَمَا يَتَسَاهَلُ أَكْثَرُ النَّاسِ فِيهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا إذَا رَأَى إنْسَانًا يَبِيعُ مَتَاعًا مَعِيبًا أَوْ نَحْوَهُ فَإِنَّهُمْ لَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ ، وَلَا يُعَرِّفُونَ الْمُشْتَرِيَ بِعَيْبِهِ وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ ، وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى الْبَائِعِ وَأَنْ يُعْلِمَ الْمُشْتَرِيَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ا هـ . 218 قَوْلُهُ : وَمُقَلِّدُ مَنْ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ ) عَلَامَ الْعَطْفُ . ( قَوْلُهُ : أَيْضًا وَمُقَلَّدُ مَنْ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ لِكَوْنِهِ مِمَّا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي ) أَيْ : فَإِذَا ارْتَكَبَ مَا يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ بِتَقْلِيدٍ مُمْتَنِعٍ فَيُنْكِرُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي ارْتَكَبَهُ مُحَرَّمًا عِنْدَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُهُ .
( قَوْلُهُ : وَلِأَنَّ الْعِبْرَةَ بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْقَاضِي بِاعْتِقَادِهِ فَقَطْ ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ غَيْرُ مُرَادٍ ؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ رُفِعَ لِقَاضٍ شَافِعِيٍّ مُخَالِفٌ صَلَّى مَعَ عَدَمِ تَسْبِيعِ مَا أَصَابَهُ مِنْ نَحْوِ كَلْبٍ أَوْ مَعَ الطُّهْرِ بِمُسْتَعْمَلٍ ، أَوْ فَعَلَ مَا يَجُوزُ فِي اعْتِقَادِهِمْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِتَعْزِيرٍ وَلَا نَحْوِهِ كَمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُحَرَّرْ ، ثُمَّ رَأَيْت فِي بَابِ كَوْنِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا لَفْظُهُ : وَكَذَلِكَ قَالُوا : لَيْسَ لِلْمُفْتِي وَلَا لِلْقَاضِي أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى مَنْ يُخَالِفُهُ إذَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا ا هـ . وَهُوَ بِظَاهِرِهِ شَامِلٌ لِمَا نَحْنُ فِيهِ .
( قَوْلُهُ وَلَكِنْ لَوْ اُحْتِيجَ إنْكَارُ ذَلِكَ لِقِتَالٍ لَمْ يَفْعَلْهُ إلَخْ ) فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَيَسُوغُ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ أَنْ يَصُدَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ عَنْهَا بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يَنْتَهِ الْأَمْرُ إلَى نَصْبِ قِتَالٍ وَشَهْرِ سِلَاحٍ ، فَإِنْ انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى ذَلِكَ رَبَطَ الْأَمْرَ بِالسُّلْطَانِ . ا هـ . 219 وَذَكَرَ قَبْلَهُ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ مِثْلَهُ .
( قَوْلُهُ : وَلَيْسَ لِأَحَدٍ الْبَحْثُ وَالتَّجَسُّسُ إلَخْ ) عِبَارَةُ شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ أَيْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَلَيْسَ لِلْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ الْبَحْثُ وَالتَّنْقِيرُ وَالتَّجَسُّسُ وَاقْتِحَامُ الدُّورِ بِالظُّنُونِ ، بَلْ إنْ عَثَرَ عَلَى مُنْكَرٍ غَيَّرَهُ جَهْدَهُ ، هَذَا كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ ، وَقَالَ : أَقَضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ : وَلَيْسَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَبْحَثَ عَمَّا لَمْ يَظْهَرْ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اسْتِسْرَارُ قَوْمٍ بِهَا لِإِمَارَةٍ وَآثَارٍ ظَهَرَتْ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ فِي انْتِهَاكِ حُرْمَةٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهَا مِثْلُ : أَنْ يُخْبِرَهُ مَنْ يَثِقُ بِصِدْقِهِ أَنَّ رَجُلًا خَلَا بِرَجُلٍ لِيَقْتُلَهُ أَوْ بِامْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا ؛ فَيَجُوزَ لَهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ أَنْ يَتَجَسَّسَ وَيَقْدُمَ عَلَى الْبَحْثِ وَالْكَشْفِ حَذَرًا مِنْ فَوَاتِ مَا لَا يُسْتَدْرَكُ ، وَكَذَا لَوْ عَرَفَ ذَلِكَ غَيْرُ الْمُحْتَسِبِ مِنْ الْمُتَطَوِّعَةِ جَازَ لَهُمْ الْإِقْدَامُ عَلَى الْكَشْفِ وَالْإِنْكَارِ ، الضَّرْبُ الثَّانِي : مَا قَصُرَ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ فَلَا يَجُوزُ التَّجَسُّسُ عَلَيْهِ وَلَا كَشْفُ الْأَسْتَارِ عَنْهُ ، فَإِنْ سَمِعَ أَصْوَاتَ الْمَلَاهِي الْمُنْكَرَةِ مِنْ دَارٍ أَنْكَرَهَا خَارِجَ الدَّارِ وَلَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهَا بِالدُّخُولِ ؛ لِأَنَّ الْمُنْكَرَ لَيْسَ ظَاهِرًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ الْبَاطِنِ ا هـ .
( قَوْلُهُ : وَلَهُ احْتِمَالٌ بِوُجُوبِهِ ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ مَعَ الْهَتْكِ وَتَغْرِيمِ الْمَالِ وَلْيَنْظُرْ هَلْ الْمُرَادُ تَغْرِيمُ الرَّافِعِ أَوْ الْمَرْفُوعِ ؟ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَعَلَّهُ إذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ الْمَالُ عَادَةً . ( قَوْلُهُ : تَنْبِيهٌ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ بِالْقَلْبِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ ، بَلْ الْوَجْهُ أَنَّهُ فَرْضٌ إلَخْ ) أَقُولُ : الْوَجْهُ الْمُتَعَيَّنُ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِقَوْلِهِمْ السَّابِقِ فَالْقَلْبُ أَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ الْمَرْتَبَتَانِ الْأُولَتَانِ اُكْتُفِيَ بِالْقَلْبِ ، وَهَذَا لَا يُنَافِي تَعَيُّنَ الْإِنْكَارِ بِهِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ مُطْلَقًا وَلَوْ حَالَ الْإِنْكَارِ بِغَيْرِهِ فَتَأَمَّلْهُ ؛ فَإِنَّهُ بِهَذَا يَزُولُ إشْكَالُ كَلَامِهِمْ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فَلَيْسَ دَافِعًا لِإِشْكَالِهِ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِنْكَارَ بِالْقَلْبِ 220 بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فَرْضُ عَيْنٍ مُطْلَقًا ، ثُمَّ إنْ أَمْكَنَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِنَحْوِ الْيَدِ وَجَبَتْ عَلَى الْكِفَايَةِ وَإِلَّا فَلَا فَتَأَمَّلْهُ سم
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث