رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الأول
( قَوْلُهُ : لَك ) آثَرَ الْخِطَابَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى الدَّالَّ عَلَى اسْتِجْمَاعِهِ لِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ إشَارَةً إلَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِجْمَاعَ مِنْ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إلَى دَلَالَةٍ عَلَيْهِ فِي الْكَلَامِ ، بَلْ رُبَّمَا يَدَّعِي أَنَّ تَرْكَ ذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوْفَقُ لِمُقْتَضَى الْمَقَامِ ، بَلْ الْمُهِمُّ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنْ قَوِيَ لِلْحَامِدِ مُحَرِّكُ الْإِقْبَالِ وَدَاعِي التَّوَجُّهِ إلَى جَنَابِهِ عَلَى الْكَمَالِ ، حَتَّى خَاطَبَهُ مُشْعِرًا بِأَنَّهُ تَعَالَى كَأَنَّهُ مُشَاهَدٌ لَهُ حَالَةَ الْحَمْدِ لِرِعَايَةِ مَرْتَبَةِ الْإِحْسَانِ ، وَهُوَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ ، أَوْ بِأَنَّهُ تَعَالَى قَرِيبٌ مِنْ الْحَامِدِ كَمَا قَالَ تَعَالَى - { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } - وَإِنْ كَانَ الْحَامِدُ لِنُقْصَانِهِ فِي كَمَالِ الْبُعْدِ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ يَا الْمَوْضُوعَةُ لِنِدَاءِ الْبَعِيدِ عَلَى مَا قِيلَ ، فَفِي الْإِتْيَانِ بِهَا هَضْمٌ لِنَفْسِهِ وَاسْتِبْعَادٌ لَهَا عَنْ مَظَانِّ الزُّلْفَى كَمَا أَفَادَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْبَزْدَوِيُّ ( قَوْلُهُ : يَا مَنْ شَرَحْت ) الْأَوْلَى شَرَحَ كَمَا عَبَّرَ فِي مُخْتَصَرِ الْمَعَانِي ، لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ الظَّاهِرَةَ كُلَّهَا غَيْبٌ سَوَاءٌ كَانَتْ مَوْصُولَةً أَوْ مَوْصُوفَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ ، لَكِنْ بِمُرَاعَاةِ جَانِبِ النِّدَاءِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْمُخَاطَبِ يَسُوغُ الْخِطَابُ نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى . وَذَكَرَ فِي الْمُطَوَّلِ أَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ . أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ . قَبِيحٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ . وَاعْتَرَضَهُ حَسَنٌ جَلَبِي بِأَنَّ الِالْتِفَاتَ مِنْ أَتَمِّ وُجُوهِ تَحْسِينِ الْكَلَامِ فَلَا وَجْهَ لِلتَّقْبِيحِ ، لِأَنَّهُ الْتِفَاتٌ مِنْ الْغَيْبَةِ إلَى التَّكَلُّمِ ، وَفِيهِ تَغْلِيبُ جَانِبِ الْمَعْنَى عَلَى جَانِبِ اللَّفْظِ ، عَلَى أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى النَّحْوِيِّينَ - { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } - فَلَوْ كَانَ فِيهِ قَبَاحَةٌ لَمَا وَقَعَ فِي كَلَامٍ هُوَ فِي أَعْلَى طَبَقَاتِ الْبَلَاغَةِ . ا هـ . أَقُولُ : وَلَا يَخْفَى مَا فِي قَوْلِهِ عَلَى أَنَّهُ يَرُدُّ إلَخْ مِنْ اللَّطَافَةِ عِنْدَ أَهْلِ الظَّرَافَةِ ، وَفِي مُغْنِي اللَّبِيبِ فِي بَحْثِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى رَابِطٍ أَنَّ نَحْوَ : أَنْتَ الَّذِي فَعَلْت مَقِيسٌ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ ، وَإِذَا تَمَّ الْمَوْصُولُ بِصِلَتِهِ انْسَحَبَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْخِطَابِ ، وَلِهَذَا قِيلَ قُمْتُمْ . وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِالْتِفَاتِ لِأَنَّ آمَنُوا مُغَايَبَةً قُمْتُمْ مُوَاجَهَةً فَقَدَّمُوهَا . ا هـ . وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَمْ يَتِمَّ الْمَوْصُولُ بِصِلَتِهِ : أَيْ لَمْ يَأْتِ الضَّمِيرُ بَعْدَ تَمَامِ الصِّلَةِ ، فَدَعْوَى الِالْتِفَاتِ فِيهِ صَحِيحَةٌ ( قَوْلُهُ : شَرَحْت صُدُورَنَا ) أَصْلُ الشَّرْحِ بَسْطُ اللَّحْمِ وَنَحْوِهِ وَمِنْهُ شَرْحُ الصَّدْرِ : أَيْ بَسْطُهُ بِنُورٍ إلَهِيٍّ . وَقِيلَ مَعْنَاهُ التَّوْسِعَةُ مُطْلَقًا ، وَيُقَابِلُهُ الضِّيقُ - { فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ } - الْآيَةُ ، وَفُسِّرَ فِي آيَةِ - { أَلَمْ نَشْرَحْ } - بِتَوْسِعَتِهِ بِمَا أَوْدَعَ فِيهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ ، وَخَصَّ الصُّدُورَ لِأَنَّهَا ظُرُوفُ الْقُلُوبِ الْمُلُوكِ عَلَى سَائِرِ الْجَوَارِحِ ، لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْعَقْلِ كَمَا يَأْتِي فِي بَابِ خِيَارِ الْعَيْبِ ; أَوْ الْمُرَادُ بِهَا الْقُلُوبُ ، وَاتِّسَاعُهَا كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ مَا يَدْخُلُ فِيهَا مِنْ الْحِكَمِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الرَّبَّانِيَّةِ ( قَوْلُهُ : بِأَنْوَاعِ : الْهِدَايَةِ ) قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ : الْهِدَايَةُ دَلَالَةٌ بِلُطْفٍ وَلِذَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وقَوْله تَعَالَى - { فَاهْدُوهُمْ إلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ } - عَلَى التَّهَكُّمِ وَهِدَايَةُ اللَّهِ تَعَالَى تَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا لَا يُحْصِيهَا عَدَدٌ لَكِنَّهَا تَنْحَصِرُ فِي أَجْنَاسٍ مُتَرَتِّبَةٍ : الْأَوَّلُ إفَاضَةُ الْقُوَى الَّتِي بِهَا يَتَمَكَّنُ الْمَرْءُ مِنْ الِاهْتِدَاءِ إلَى مَصَالِحِهِ كَالْقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ وَالْحَوَاسِّ الْبَاطِنَةِ وَالْمَشَاعِرِ الظَّاهِرَةِ . وَالثَّانِي نَصْبُ الدَّلَائِلِ الْفَارِقَةِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ . وَالثَّالِثُ الْهِدَايَةُ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ . وَالرَّابِعُ أَنْ يَكْشِفَ عَلَى قُلُوبِهِمْ السَّرَائِرَ وَيُرِيَهُمْ الْأَشْيَاءَ كَمَا هِيَ بِالْوَحْيِ أَوْ الْإِلْهَامِ أَوْ الْمَنَامَاتِ الصَّادِقَةِ وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ ا هـ مُلَخَّصًا ( قَوْلُهُ : سَابِقًا ) حَالٌ مِنْ مَصْدَرِ شَرَحْتَ : أَيْ جَعَلْتَ صُدُورَنَا قَابِلَةً لِلْخَيْرَاتِ حَالَ كَوْنِ الشَّرْحِ سَابِقًا أَوْ صِفَةٌ لِذَلِكَ الْمَصْدَرِ . ا هـ . ط . أَقُولُ : أَوْ صِفَةٌ لِزَمَانٍ أَيْ زَمَانًا سَابِقًا فَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ : أَيْ حِينَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ أَوْ حِينَ وُلِدْنَا عَلَى الْفِطْرَةِ أَوْ عَقَلْنَا الدِّينَ الْحَقَّ وَاخْتَرْنَا الْبَقَاءَ عَلَيْهِ ( قَوْلُهُ : وَنَوَّرْتَ بَصَائِرَنَا ) النُّورُ كَيْفِيَّةٌ ظَاهِرَةٌ بِنَفْسِهَا مُظْهِرَةٌ لِغَيْرِهَا 11 وَالضِّيَاءُ أَقْوَى مِنْهُ وَأَتَمُّ ، وَلِذَلِكَ أُضِيفَ إلَى الشَّمْسِ فِي قَوْله تَعَالَى - { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا } - وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الضِّيَاءَ ضَوْءٌ ذَاتِيٌّ وَالنُّورَ ضَوْءٌ عَارِضٌ . وَقَدْ يُقَالُ : يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النُّورُ أَقْوَى عَلَى الْإِطْلَاقِ ، - { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } - وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ فِي الْآيَةِ الْمُنَوِّرَ ، وَقَدْ حَمَلَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ عَلَى ذَلِكَ ا هـ حَسَنٌ جَلَبِي عَلَى الْمُطَوَّلِ . وَالْبَصَائِرُ : جَمْعُ بَصِيرَةٍ ، وَهِيَ قُوَّةٌ لِلْقَلْبِ الْمُنَوَّرِ بِنُورِ الْقُدُسِ يَرَى بِهَا حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ بِمَثَابَةِ الْبَصَرِ لِلنَّفْسِ كَمَا فِي تَعْرِيفَاتِ السَّيِّدِ ( قَوْلُهُ : بِتَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ ) الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ بِنُورِ بَصَرِهِ يَنْظُرُ إلَى عَجَائِبِ الْمَصْنُوعَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِلَى الْكُتُبِ النَّافِعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ سَبَبًا فِي الْعَادَةِ لِتَنْوِيرِ الْبَصِيرَةِ بِاكْتِسَابِ الْمَعَارِفِ ( قَوْلُهُ : لَاحِقًا ) الْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي سَابِقًا ; وَإِنَّمَا كَانَ تَنْوِيرُ الْبَصَائِرِ لَاحِقًا : أَيْ مُتَأَخِّرًا عَنْ شَرْحِ الصُّدُورِ ، لِأَنَّ شَرْحَهَا الِاهْتِدَاءُ إلَى الْإِسْلَامِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْله تَعَالَى - { فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ } - الْآيَةُ ، وَهَذَا سَابِقٌ عَادَةً عَلَى تَنْوِيرِ الْبَصَائِرِ بِمَا ذَكَرْنَا . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُخْتَصَرِ : قَدَّمَ شَرْحَ الصَّدْرِ عَلَى تَنْوِيرِ الْقَلْبِ ، لِأَنَّ الصَّدْرَ وِعَاءُ الْقَلْبِ وَشَرْحُهُ مُقَدَّمٌ لِدُخُولِ النُّورِ فِي الْقَلْبِ ( قَوْلُهُ : وَأَفَضْت ) يُقَالُ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى نَفْسِهِ : أَيْ أَفْرَغَهُ قَامُوسٌ ( قَوْلُهُ : مِنْ أَشِعَّةِ ) جَمْعُ شُعَاعٍ بِالضَّمِّ : وَهُوَ مَا تَرَاهُ مِنْ الشَّمْسِ كَأَنَّهُ الْحِبَالُ مُقْبِلَةً عَلَيْك إذَا نَظَرْت إلَيْهَا ، أَوْ مَا يَنْتَشِرُ مِنْ ضَوْئِهَا قَامُوسٌ . وَالشَّرِيعَةُ : فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ أَيْ مَشْرُوعَةٌ ، فَقَدْ شَرَعَهَا اللَّهُ حَقِيقَةً وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجَازًا ، وَالشَّرِيعَةُ وَالْمِلَّةُ وَالدِّينُ شَيْءٌ وَاحِدٌ . فَهِيَ شَرِيعَةٌ لِكَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ شَرَعَهَا . وَالشَّرِيعَةُ فِي الْأَصْلِ الطَّرِيقُ يُورَدُ لِلِاسْتِقَاءِ ، فَأُطْلِقَتْ عَلَى الْأَحْكَامِ الْمَشْرُوعَةِ لِبَيَانِهَا وَوُضُوحِهَا ، وَلِلتَّوَصُّلِ بِهَا إلَى مَا بِهِ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ ، وَمِلَّةٌ لِكَوْنِهَا أُمْلِيَتْ عَلَيْنَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، وَدِينٌ لِلتَّدَيُّنِ بِأَحْكَامِهَا : أَيْ لِلتَّعَبُّدِ بِهَا . ا هـ . ط ، وَكُلٌّ مِنْ الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ يُضَافُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالنَّبِيِّ وَالْأُمَّةِ . بِخِلَافِ الْمِلَّةِ فَإِنَّهَا لَا تُضَافُ إلَّا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُقَالُ مِلَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُقَالُ مِلَّةُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا مِلَّةُ زَيْدٍ كَمَا قَالَهُ الْمُظْهِرُ وَالرَّاغِبُ وَغَيْرُهُمَا . فَيُشْكِلُ مَا قَالَهُ التَّفْتَازَانِيُّ إنَّهَا تُضَافُ إلَى آحَادِ الْأُمَّةِ قُهُسْتَانِيٌّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْكَيْدَانِيَّةِ . هَذَا ، وَقَالَ ح : الْأَنْسَبُ بِالْإِضَافَةِ وَالْبَحْرِ أَنْ يَقُولَ مِنْ شَآبِيبَ مَثَلًا ، وَهُوَ جَمْعُ شُؤْبُوبٍ : الدُّفْعَةُ مِنْ الْمَطَرِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ . ا هـ . أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَبَّهَ الشَّرِيعَةَ بِالشَّمْسِ بِجَامِعِ الِاهْتِدَاءِ ، فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ وَالْأَشِعَّةُ تَخْيِيلٌ ، وَكُلٌّ مِنْ الْإِفَاضَةِ وَالْبَحْرِ لَا يُلَائِمُ ادِّعَاءَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ مِنْ أَفْرَادِ الشَّمْسِ الَّذِي هُوَ مَبْنَى الِاسْتِعَارَةِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِجَوَازِ أَنْ تُشَبَّهَ أَحْكَامُ الشَّرِيعَةِ بِالْأَشِعَّةِ مِنْ حَيْثُ الِاهْتِدَاءُ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وَالْقَرِينَةُ إضَافَةُ الْأَشِعَّةِ إلَى الشَّرِيعَةِ ثُمَّ تُشَبَّهُ الْأَحْكَامُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْأَشِعَّةِ مِنْ حَيْثُ الِارْتِفَاعُ أَوْ الْكَثْرَةُ بِالسَّحَابِ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ . وَالْإِضَافَةُ اسْتِعَارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ ، وَالْبَحْرُ تَرْشِيحٌ ، فَقَدْ اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثُ اسْتِعَارَاتٍ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى - { فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ } - وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إضَافَةُ الْأَشِعَّةِ إلَى الشَّرِيعَةِ مِنْ إضَافَةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ إلَى الْمُشَبَّهِ ، وَشَبَّهَ الْمَسَائِلَ الشَّرْعِيَّةَ بِالْبَحْرِ بِجَامِعِ الْكَثْرَةِ أَوْ النَّفْعِ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وَالْإِفَاضَةُ تَرْشِيحٌ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ : وَأَغْدَقْت ) أَيْ أَكْثَرْت ، فِي التَّنْزِيلِ - { لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا } - أَيْ كَثِيرًا مِصْبَاحٌ ( قَوْلُهُ : لَدَيْنَا ) أَيْ عِنْدَنَا ، وَقِيلَ إنَّ لَدَى تَقْتَضِي الْحَضْرَةَ بِخِلَافِ عِنْدَ ، تَقُولُ : عِنْدِي فَرَسٌ إذَا كُنْت تَمْلِكُهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً فِي مَكَانِ التَّكَلُّمِ ، وَلَا تَقُولُ لَدَيَّ 12 إلَّا إذَا كَانَتْ حَاضِرَةً ( قَوْلُهُ : مِنَحِك ) جَمْعُ مِنْحَةٍ : وَهِيَ الْعَطِيَّةُ ( قَوْلُهُ : الْمُوَفَّرَةِ ) أَيْ الْكَثِيرَةِ ( قَوْلُهُ : نَهْرًا فَائِقًا ) الْفَائِقُ : الْخِيَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَامُوسٌ ، وَفِيهِ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ أَيْضًا نَظِيرَ مَا مَرَّ ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ أَسَامِي الْكُتُبِ مِنْ الْهِدَايَةِ وَالتَّنْوِيرِ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ مِنْ اللَّطَافَةِ وَحُسْنِ الْإِيهَامِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا نَفْسَ الْكُتُبِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّفِ وَفَوَاتِ النِّكَاتِ الْبَدِيعِيَّةِ فِي لَطِيفِ الْكَلَامِ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ الْمَأْلُوفِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ : أَتْمَمْت ) أَيْ أَكْمَلْت نِعْمَتَك : أَيْ إنْعَامَك ، أَوْ مَا أَنْعَمْت بِهِ ط ( قَوْلُهُ : عَلَيْنَا ) الضَّمِيرُ لِلْمُؤَلِّفِ وَحْدَهُ نَظَرًا إلَى عَوْدِ ثَوَابِ الِانْتِفَاعِ بِهِ إلَيْهِ فَقَطْ ، وَأَتَى بِضَمِيرِ الْعَظَمَةِ لِلتَّحْدِيثِ بِالنِّعْمَةِ ، وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ ، أَوْ الضَّمِيرُ لِمَعَاشِرِ الْحَنَفِيَّةِ بِاعْتِبَارِ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَهَذَا حُسْنُ ظَنٍّ مِنْ الشَّيْخِ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ أُلِّفَتْ بَعْدَ ابْتِدَائِهِ هَذَا الْكِتَابَ بَلْ عَلَى أَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ ط ( قَوْلُهُ : حَيْثُ ) الْحَيْثِيَّةُ لِلتَّعْلِيلِ : أَيْ لِأَنَّك يَسَّرْت : أَيْ سَهَّلْت ، أَوْ لِلتَّقْيِيدِ : أَيْ أَتْمَمْت وَقْتَ تَيْسِيرِ ابْتِدَاءِ إلَخْ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ط ( قَوْلُهُ : تَبْيِيضِ ) هُوَ فِي اصْطِلَاحِ الْمُصَنِّفِينَ عِبَارَةٌ عَنْ كِتَابَةِ الشَّيْءِ عَلَى وَجْهِ الضَّبْطِ وَالتَّحْرِيرِ مِنْ غَيْرِ شَطْبٍ بَعْدَ كِتَابَتِهِ كَيْفَمَا اتَّفَقَ . ا هـ . حَمَوِيٌّ ( قَوْلُهُ : هَذَا الشَّرْحِ ) الْإِشَارَةُ إلَى مَا فِي الذِّهْنِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُتَخَيَّلَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعَانِي ، وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى مِنْ الْأَوْجُهِ السَّبْعَةِ الْمَشْهُورَةِ ط ، وَهِيَ كَوْنُ الْإِشَارَةِ إلَى وَاحِدٍ فَقَطْ مِنْ الْأَلْفَاظِ أَوْ النُّقُوشِ أَوْ الْمَعَانِي أَوْ إلَى اثْنَيْنِ مِنْهَا أَوْ إلَى ثَلَاثَةٍ ، وَعَلَى كُلٍّ فَالْإِشَارَةُ مَجَازِيَّةٌ هُنَا . وَالشَّرْحُ بِمَعْنَى الشَّارِحِ : أَيْ الْمُبَيِّنُ وَالْكَاشِفُ ، أَوْ جَعَلَ الْأَلْفَاظَ شَرْحًا مُبَالَغَةً ( قَوْلُهُ : الْمُخْتَصَرِ ) الِاخْتِصَارُ : تَقْلِيلُ اللَّفْظِ وَتَكْثِيرُ الْمَعْنَى ، وَهُوَ الْإِيجَازُ كَمَا فِي الْمِفْتَاحِ ( قَوْلُهُ : تُجَاهَ ) فِي الْقَامُوسِ : وَجَاهَك وَتُجَاهَك مُثَلَّثَيْنِ تِلْقَاءَ وَجْهِك ( قَوْلُهُ : مَنْبَعِ الشَّرِيعَةِ ) أَيْ مَحَلِّ نَبْعِهَا وَظُهُورِهَا ، شَبَّهَ الظُّهُورَ بِالنَّبْعِ ثُمَّ اشْتَقَّ مِنْ النَّبْعِ بِمَعْنَى الظُّهُورِ مَنْبَعَ بِمَعْنَى مُظْهِرٍ ، فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ ، أَوْ شَبَّهَ الشَّرِيعَةَ بِالْمَاءِ وَالْمَنْبَعُ تَخْيِيلٌ ، فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ ، وَالْمَعْنَى وَجْهِ صَاحِبِ مَنْبَعِ الشَّرِيعَةِ ( قَوْلُهُ : وَالدُّرَرِ ) أَيْ الْفَوَائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ الشَّبِيهَةِ بِالدُّرَرِ فِي النَّفَاسَةِ وَالِانْتِفَاعِ ، فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وَعَطْفُهُ عَلَى الشَّرِيعَةِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ ، وَفِيهِ إيهَامٌ لَطِيفٌ بِكِتَابِ الدُّرَرِ ( قَوْلُهُ : وَضَجِيعَيْهِ ) عَطْفٌ عَلَى مَنْبَعٍ تَثْنِيَةُ ضَجِيعٍ بِمَعْنَى مُضَاجِعٍ : وَهُوَ مَنْ يَضْطَجِعُ بِحِذَاءِ آخَرَ بِلَا فَاصِلٍ ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِمَا ضَجِيعَيْنِ لِقُرْبِهِمَا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَوْلُهُ : الْجَلِيلَيْنِ ) أَيْ الْعَظِيمَيْنِ ( قَوْلُهُ : بَعْدَ الْإِذْنِ ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يَسَّرْت أَوْ ابْتِدَاءَ ، وَكَأَنَّ الْإِذْنَ لِلشَّارِحِ حَصَلَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَرِيحًا بِرُؤْيَةِ مَنَامٍ أَوْ بِإِلْهَامٍ ، وَبِبَرَكَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاقَ هَذَا الشَّرْحُ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا فَاقَ مَتْنُهُ حَيْثُ رَأَى الْمُصَنِّفُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَامَ لَهُ مُسْتَقْبِلًا وَاعْتَنَقَهُ عَجِلًا ; وَأَلْقَمَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِسَانَهُ الشَّرِيفَ كَمَا حَكَاهُ فِي الْمِنَحِ ، فَكُلٌّ مِنْ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ مِنْ آثَارِ بَرَكَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا غَرْوَ أَنْ شَاعَ ذِكْرُهُمَا ، وَفَاقَ وَعَمَّ نَفْعُهُمَا فِي الْآفَاقِ ( قَوْلُهُ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِعْلٌ مَاضٍ قِيَاسُ مَصْدَرِهِ التَّصْلِيَةُ ، وَهُوَ مَهْجُورٌ لَمْ يُسْمَعْ هَكَذَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْقَامُوسِ صَلَّى صَلَاةً لَا تَصْلِيَةً دَعَا ا هـ وَيَرُدُّهُ مَا أَنْشَدَهُ ثَعْلَبٌ : ﴿﴾ تَرَكْت الْقِيَانَ وَعَزْفَ الْقِيَانِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَدْمَنْت تَصْلِيَةً وَابْتِهَالًا ﴿﴾ الْقِيَانُ جَمْعُ قَيْنَةٍ : وَهِيَ الْأَمَةُ ، وَعَزْفُهَا : أَصْوَاتُهَا . قَالَ : وَالتَّصْلِيَةُ مِنْ الصَّلَاةِ ، وَابْتِهَالًا مِنْ الدُّعَاءِ ا هـ وَقَدْ ذَكَرَهُ الزَّوْزَنِيُّ فِي مَصَادِرِهِ . وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ : الصَّلَاةُ اسْمٌ مِنْ التَّصْلِيَةِ وَكِلَاهُمَا مُسْتَعْمَلٌ ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ بِمَعْنَى أَدَاءِ الْأَرْكَانِ فَإِنَّ مَصْدَرَهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ كَمَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ . وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ فِي الدُّعَاءِ مَجَازٌ 13 فِي الْعِبَادَةِ الْمَخْصُوصَةِ كَمَا حَقَّقَهُ السَّعْدُ فِي حَوَاشِي الْكَشَّافِ ، وَتَمَامُهُ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ لِلْحَمَوِيِّ . وَفِي التَّحْرِيرِ : هِيَ مَوْضُوعَةٌ لِلِاعْتِنَاءِ بِإِظْهَارِ الشَّرَفِ ، وَيَتَحَقَّقُ مِنْهُ تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ عَلَيْهِ وَمِنْ غَيْرِهِ بِالدُّعَاءِ ، فَهِيَ مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ الْمَعْنَوِيِّ ، وَهُوَ أَرْجَحُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ ، أَوْ هِيَ مَجَازٌ فِي الِاعْتِنَاءِ الْمَذْكُورِ . ا هـ . وَبِهِ انْدَفَعَ الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ تَعَالَى - { إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ } - الْآيَةُ عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ مَعْنَى الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ ، وَلِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْعَطْفِ عُدِّيَتْ بِعَلَى لِلْمَنْفَعَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَعَدِّي بِهَا لِلْمَضَرَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُتَرَادِفَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ جَرَيَانِ أَحَدِهِمَا مَجْرَى الْآخَرِ ، وَفِيهِ خِلَافٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا مَنْقُولَةٌ إلَى الْإِنْشَاءِ ، أَوْ مَجَازٌ فِيهِ بِمَعْنَى اللَّهُمَّ صَلِّ ، إذْ الْمَقْصُودُ إيجَادُ الصَّلَاةِ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ . قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ : وَمَعْنَاهَا الثَّنَاءُ الْكَامِلُ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي وُسْعِنَا فَأُمِرْنَا أَنْ نَكِلَ ذَلِكَ إلَيْهِ تَعَالَى كَمَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith