الفروع
الفروع · الجزء السادس
page 4980 · printed p. 177 · commentary
177 فَصْلٌ وَيُكَفَّرُ السَّاحِرُ كَاعْتِقَادِ حِلِّهِ ، وَعَنْهُ : اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ ، وَكَفَّرَهُ أَبُو بَكْرٍ بِعَمَلِهِ ، قَالَ فِي التَّرْغِيبِ : وَهُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا . وَحَمَلَ ابْنُ عَقِيلٍ كَلَامَ أَحْمَدَ فِي كُفْرِهِ عَلَى مُعْتَقَدِهِ ، وَأَنَّ فَاعِلَهُ يُفَسَّقُ وَيُقْتَلُ حَدًّا ، فَعَلَى الْأَوْلَى يُقْتَلُ . وَهُوَ مَنْ يَرْكَبُ مِكْنَسَةً فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ وَنَحْوِهِ ، وَكَذَا قِيلَ فِي مُعَزِّمٍ عَلَى الْجِنِّ وَيَجْمَعُهَا بِزَعْمِهِ ، وَكَاهِنٍ وَعَرَّافٍ ، وَقِيلَ : يُعَزَّرُ ( م 5 ) وَقِيلَ وَلَوْ بِقَتْلٍ .
وَفِي التَّرْغِيبِ : الْكَاهِنُ وَالْمُنَجِّمُ 178 كَالسَّاحِرِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَأَنَّ ابْنَ عَقِيلٍ فَسَّقَهُ فَقَطْ إنْ قَالَ أَصَبْت بِحَدْسِي وَفَرَاهَتِي ، فَإِنْ أَوْهَمَ قَوْمًا بِطَرِيقَتِهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ .
قَالَ شَيْخُنَا : التَّنْجِيمُ كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَحْوَالِ الْفَلَكِيَّةِ عَلَى الْحَوَادِثِ الْأَرْضِيَّةِ مِنْ السِّحْرِ ، قَالَ وَيَحْرُمُ إجْمَاعًا . وَأَقَرَّ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَدْفَعُ عَنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ وَالدُّعَاءِ بِبَرَكَتِهِ مَا زَعَمُوا أَنَّ الْأَفْلَاكَ تُوجِبُهُ ، وَأَنَّ لَهُمْ مِنْ ثَوَابِ الدَّارَيْنِ مَا لَا تَقْوَى الْأَفْلَاكُ أَنْ تَجْلِبَهُ . وَمَنْ سَحَرَ بِالْأَدْوِيَةِ وَالتَّدْخِينِ وَسَقْيِ مُضِرٍّ عُزِّرَ ، وَقِيلَ وَلَوْ بِقَتْلٍ .
وَقَالَ الْقَاضِي وَالْحَلْوَانِيُّ : إنْ قَالَ سِحْرِي يَنْفَعُ وَأَقْدِرُ عَلَى الْقَتْلِ بِهِ قُتِلَ ، وَلَوْ لَمْ يَقْتُلْ بِهِ ، وَيُقَادُ مِنْهُ إنْ قَتَلَ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، وَإِلَّا الدِّيَةُ . وَالْمُشَعْبِذُ وَالْقَائِلُ بِزَجْرِ الطَّيْرِ وَالضَّارِبُ بِحَصًى وَشَعِيرٍ وَقِدَاحٍ إنْ لَمْ يَعْتَقِدْ إبَاحَتَهُ وَأَنَّهُ يَعْلَمُ بِهِ عُزِّرَ ، وَكُفَّ عَنْهُ وَإِلَّا كُفِّرَ . وَيَحْرُمُ طَلْسَمٌ وَرُقْيَةٌ بِغَيْرِ عَرَبِيٍّ ، وَقِيلَ : يُكْرَهُ ، وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْحَلِّ بِسِحْرٍ ، وَفِيهِ وَجْهَانِ ( م 6 ) وَسَأَلَهُ مُهَنَّا عَمَّنْ تَأْتِيه مَسْحُورَةٌ فَيُطْلِقُهُ عَنْهَا ، قَالَ : 179 لَا بَأْسَ .
قَالَ الْخَلَّالُ : إنَّمَا كَرِهَ أَحْمَدُ فِعَالَهُ ، وَلَا يَرَى بِهِ بَأْسًا ، كَمَا بَيَّنَهُ مُهَنَّا ، وَهَذَا مِنْ الضَّرُورَةِ الَّتِي يُبِيحُ فِعْلَهَا . وَلَا يُقْتَلُ سَاحِرٌ كِتَابِيٌّ ، عَلَى الْأَصَحِّ .
وَفِي التَّبْصِرَةِ : إنْ اعْتَقَدُوا جَوَازَهُ ، وَإِنْ قَتَلَ بِهِ أُقِيدَ كَمَا تَقَدَّمَ . وَتَقَدَّمَ إنْ سَحَرَ مُسْلِمًا .
وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ أَنَّ السَّاحِرَ يُكَفَّرُ ، وَهَلْ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ . ثُمَّ قَالَ : وَمِنْ السِّحْرِ السَّعْيُ 21 بِالنَّمِيمَةِ وَالْإِفْسَادُ بَيْنَ النَّاسِ وَذَلِكَ شَائِعٌ عَامٌّ فِي النَّاسِ ، وَنَحْوُ مَا حُكِيَ أَنَّ امْرَأَةً أَرَادَتْ إفْسَادًا بَيْنَ زَوْجَيْنِ فَقَالَتْ لِلزَّوْجَةِ : إنَّ زَوْجَك يُعْرِضُ عَنْك ، وَقَدْ سُحِرَ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ عَنْك ، وَأَنَا أَسْحَرُهُ لَك حَتَّى لَا يُرِيدَ غَيْرَك ، وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَأْخُذِي مِنْ شَعْرِ حَلْقِهِ بِالْمُوسَى ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ إذَا نَامَ ، فَإِنَّ بِهَا يَتِمُّ الْأَمْرُ ، وَذَهَبَتْ إلَى الرَّجُلِ فَقَالَتْ لَهُ : إنَّ امْرَأَتَك قَدْ عُلِّقَتْ بِغَيْرِك وَعَزَمَتْ عَلَى قَتْلِك وَأَعَدَّتْ لَك مُوسَى فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِنَحْرِك فَأَشْفَقْت لِشَأْنِك وَلَقَدْ لَزِمَنِي نُصْحُك . فَتَنَاوَمَ الرَّجُلُ فِي فِرَاشِهِ ، فَلَمَّا ظَنَّتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ قَدْ نَامَ عَمَدَتْ إلَى 180 الْمُوسَى وَأَهْوَتْ بِهَا إلَى حَلْقِهِ لِأَخْذِ الشَّعْرِ ، فَفَتَحَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ فَرَآهَا فَقَامَ إلَيْهَا وَقَتَلَهَا .
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ رُوِيَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ : بَاعَ رَجُلٌ غُلَامًا عَلَى أَنَّهُ نَمَّامٌ ، فَاشْتَرَاهُ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ ، فَسَعَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ بِذَلِكَ ، وَفِي آخِرِ الْقِصَّةِ : فَجَاءَ أَوْلِيَاؤُهَا فَقَتَلُوهُ ، فَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ .
ثُمَّ قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ : فَأَمَّا مَنْ يَسْحَرُ بِالْأَدْوِيَةِ وَالتَّدْخِينِ وَسَقْيِ شَيْءٍ مُضِرٍّ فَلَا يُكَفَّرُ وَلَا يُقْتَلُ وَيُعَزَّرُ بِمَا يَرْدَعُهُ .
وَمَا قَالَهُ غَرِيبٌ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ يَقْصِدُ الْأَذَى بِكَلَامِهِ وَعَمَلِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَكْرِ وَالْحِيلَةِ فَأَشْبَهَ السِّحْرَ ، وَلِهَذَا يُعْلَمُ بِالْعَادَةِ وَالْعُرْفِ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ وَيُنْتِجُ مَا يَعْمَلُهُ السِّحْرُ أَوْ أَكْثَرُ ، فَيُعْطَى حُكْمَهُ ، تَسْوِيَةً بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ أَوْ الْمُتَقَارِبَيْنِ ، لَا سِيَّمَا إنْ قُلْنَا بِقَتْلِ الْآمِرِ بِالْقَتْلِ ، عَلَى رِوَايَةٍ سَبَقَتْ ، فَهُنَا أَوْلَى ، أَوْ الْمُمْسِكُ لِمَنْ يُقْتَلُ فَهَذَا مِثْلُهُ ، وَلِهَذَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : يُفْسِدُ النَّمَّامُ وَالْكَذَّابُ فِي سَاعَةٍ مَا لَا يُفْسِدُ السَّاحِرُ فِي سَنَةٍ .
رَأَيْت بَعْضَهُمْ حَكَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ قَالَ : النَّمَّامُ شَرٌّ مِنْ السَّاحِرِ يَعْمَلُ النَّمَّامُ فِي سَاعَةٍ مَا لَا يَعْمَلُهُ السَّاحِرُ فِي شَهْرٍ ، لَكِنْ يُقَالُ : السَّاحِرُ ، إنَّمَا كَفَرَ لِوَصْفِ السِّحْرِ ، وَهُوَ أَمْرٌ خَاصٌّ ، وَدَلِيلُهُ خَاصٌّ ، وَهَذَا لَيْسَ بِسَاحِرٍ ، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ عَمَلُهُ مَا يُؤَثِّرُهُ فَيُعْطَى حُكْمَهُ ، إلَّا فِيمَا اخْتَصَّ بِهِ مِنْ الْكُفْرِ وَعَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ ، وَلَعَلَّ هَذَا الْقَوْلَ أَوْجَهُ مِنْ تَعْزِيرِهِ فَقَطْ . فَظَهَرَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ مِنْ الْمُمْسِكِ وَالْآمِرِ ، وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي التَّعْزِيرِ .
وَمَنْ أَطْلَقَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ كَفَّرَهُ لِدَعْوَاهُ ، غَيْرَ أَبِيهِ وَمَنْ أَتَى عَرَّافًا 181 فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ ، فَقِيلَ كَفَرَ النِّعْمَةَ ، وَقِيلَ : قَارَبَ الْكُفْرَ ، وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ رِوَايَتَيْنِ :
( إحْدَاهُمَا ) تَشْدِيدٌ وَتَأْكِيدٌ ، نَقَلَ حَنْبَلٌ : كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ ، لَا يُخْرِجُ عَنْ الْإِسْلَامِ .
( وَالثَّانِيَةُ ) يَجِبُ التَّوَقُّفُ وَلَا يُقْطَعُ بِأَنَّهُ لَا يُنْقَلُ عَنْ الْمِلَّةِ ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَابْنِ الْحَكَمِ ( م 7 ) .
182 وَإِنْ أَسْلَمَ أَبُو حَمْلٍ أَوْ طِفْلٍ أَوْ أَحَدِهِمَا لَا جَدِّهِ وَجَدَّتِهِ ، وَالْمَنْصُوصُ : أَوْ مُمَيِّزٌ لَمْ يَبْلُغْ ، نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ : لَمْ يَبْلُغْ عَشْرًا ، فَمُسْلِمٌ ، وَكَذَا إنْ سَبَاهُ مُسْلِمٌ مُنْفَرِدًا ، وَعَنْهُ : كَافِرٌ ، كَسَبْيِهِ مَعَهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ ، وَإِنْ سُبِيَ مَعَ أَحَدِهِمَا فَمُسْلِمٌ ، وَعَنْهُ : يَتْبَعُ أَبَاهُ ، وَعَنْهُ : الْمَسْبِيُّ مَعَهُ مِنْهُمَا ، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith