تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
184 تَفْسِيرُ سُورَةِ " ن " وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ( 1 ) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ( 2 ) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ( 3 ) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 4 ) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ( 5 ) بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ ( 6 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 7 ) )
قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حُرُوفِ الْهِجَاءِ فِي أَوَّلِ " سُورَةِ الْبَقَرَةِ " ، وَأَنَّ قَوْلَهُ : ( ن ) كَقَوْلِهِ : ( ص ) ) ق ) وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ ، وَتَحْرِيرُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( ن ) حُوتٌ عَظِيمٌ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ الْعَظِيمِ الْمُحِيطِ ، وَهُوَ حَامِلٌ لِلْأَرَضِينَ السَّبْعِ ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - هُوَ الثَّوْرِيُّ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - هُوَ الْأَعْمَشُ - عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ قَالَ : اكْتُبْ . قَالَ : وَمَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ : اكْتُبِ الْقَدَرَ . فَجَرَى بِمَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ قِيَامِ السَّاعَةِ . ثُمَّ خَلَقَ " النُّونَ " وَرَفَعَ بُخَارَ الْمَاءِ ، فَفُتِقَتْ مِنْهُ السَّمَاءُ ، وَبُسِطَتِ الْأَرْضُ عَلَى ظَهْرِ النُّونِ ، فَاضْطَرَبَ النُّونُ فَمَادَتِ الْأَرْضُ ، فَأُثْبِتَتْ بِالْجِبَالِ ، فَإِنَّهَا لَتَفْخَرُ عَلَى الْأَرْضِ .
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ . وَهَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، وَوَكِيعٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، بِهِ . وَزَادَ شُعْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ : ثُمَّ قَرَأَ : ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) وَقَدْ رَوَاهُ شَرِيكٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ - أَوْ مُجَاهِدٍ ، - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ . . . فَذَكَرَهُ ، ثُمَّ قَرَأَ : ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ الْقَلَمُ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : اكْتُبْ . فَكَتَبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ . ثُمَّ خَلَقَ " النُّونَ " فَوْقَ الْمَاءِ ، ثُمَّ كَبَسَ الْأَرْضَ عَلَيْهِ .
185
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ ذَلِكَ مَرْفُوعًا فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَبِيبٍ زَيْدُ بْنُ الْمُهْتَدِي الْمَرُّوذِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالَقَانِيُّ ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صَبِيحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ وَالْحُوتُ ، قَالَ لِلْقَلَمِ : اكْتُبْ ، قَالَ : مَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ : كُلَّ شَيْءٍ كَائِنٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " . ثُمَّ قَرَأَ : ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) فَالنُّونُ : الْحُوتُ . وَالْقَلَمُ : الْقَلَمُ .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ : رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ ، ثُمَّ خَلَقَ " النُّونَ " وَهِيَ : الدَّوَاةُ . ثُمَّ قَالَ لَهُ : اكْتُبْ . قَالَ وَمَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ : اكْتُبْ مَا يَكُونُ - أَوْ : مَا هُوَ كَائِنٌ - مِنْ عَمَلٍ ، أَوْ رِزْقٍ ، أَوْ أَثَرٍ ، أَوْ أَجَلٍ . فَكَتَبَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) ثُمَّ خَتَمَ عَلَى الْقَلَمِ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ خَلَقَ الْعَقْلَ وَقَالَ : وَعِزَّتِي لَأُكَمِّلَنَّكَ فِيمَنْ أَحْبَبْتُ ، وَلَأَنْقُصَنَّكَ مِمَّنْ أَبْغَضْتُ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كَانَ يُقَالُ : النُّونُ : الْحُوتُ الْعَظِيمُ الَّذِي تَحْتَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ .
وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ : إِنَّ عَلَى ظَهْرِ هَذَا الْحُوتِ صَخْرَةً سُمْكُهَا كَغِلَظِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَعَلَى ظَهْرِهَا ثَوْرٌ لَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفَ قَرْنٍ ، وَعَلَى مَتْنِهِ الْأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَا فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنَّ بَعْضَهُمْ حَمَلَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ بَلَغَهُ مَقْدَمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ ، قَالَ : إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ ، قَالَ : مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ ؟ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ ؟ وَالْوَلَدُ يَنْزِعُ إِلَى أُمِّهِ ؟ قَالَ : " أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا " . قَالَ ابْنُ سَلَامٍ : فَذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ . قَالَ : " أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ . وَأَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ زِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ . وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتْ " .
186
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ حُمَيْدٍ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ - مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوُ هَذَا . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحْبِيِّ ، عَنْ ثَوْبَانَ : أَنَّ حَبْرًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مَسَائِلَ ، فَكَانَ مِنْهَا أَنْ قَالَ : فَمَا تُحْفَتُهُمْ ؟ - يَعْنِي أَهْلَ الْجَنَّةِ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ - قَالَ : " زِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ " . قَالَ : فَمَا غِذَاؤُهُمْ عَلَى أَثَرِهَا ؟ قَالَ : " يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا " . قَالَ : فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : " مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا " .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( ن ) لَوْحٌ مِنْ نُورٍ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ شَبِيبٍ الْمُكْتِبُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْجَزَرِيُّ ، عَنْ فُرَاتِ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) لَوْحٌ مِنْ نُورٍ ، وَقَلَمٌ مِنْ نُورٍ ، يَجْرِي بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " وَهَذَا مُرْسَلٌ غَرِيبٌ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أُخْبِرْتُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَلَمَ مِنْ نُورٍ طُولُهُ مِائَةُ عَامٍ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( ن ) دَوَاةٌ ، وَالْقَلَمُ : الْقَلَمُ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وقَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( ن ) قَالَا هِيَ الدَّوَاةُ .
وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " خَلَقَ اللَّهُ النُّونَ ، وَهِيَ الدَّوَاةُ " .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا أَخِي عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الثُّمَالِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ - وَهِيَ الدَّوَاةُ - وَخَلَقَ الْقَلَمَ ، فَقَالَ : اكْتُبْ . قَالَ : وَمَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ : اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلٍ مَعْمُولٍ بِهِ بِرٍّ ، أَوْ فُجُورٍ ، أَوْ رِزْقٍ مَقْسُومٍ ، حَلَالٍ ، أَوْ حَرَامٍ . ثُمَّ أَلْزَمَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شَأْنَهُ : دُخُولَهُ فِي الدُّنْيَا ، وَمَقَامَهُ فِيهَا كَمْ ؟ وَخُرُوجَهُ مِنْهَا كَيْفَ ؟ ثُمَّ جَعَلَ عَلَى الْعِبَادِ حَفَظَةً ، وَلِلْكِتَابِ خُزَّانًا ، فَالْحَفَظَةُ يَنْسَخُونَ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْخُزَّانِ عَمَلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، فَإِذَا فَنِيَ الرِّزْقُ وَانْقَطَعَ الْأَثَرُ وَانْقَضَى الْأَجَلُ أَتَتِ الْحَفَظَةُ الْخَزَنَةَ يَطْلُبُونَ عَمَلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، فَتَقُولُ لَهُمُ الْخَزَنَةُ : مَا نَجِدُ لِصَاحِبِكُمْ عِنْدَنَا شَيْئًا فَتَرْجِعُ الْحَفَظَةُ ، فَيَجِدُونَهُمْ قَدْ مَاتُوا . قَالَ : فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَلَسْتُمْ قَوْمًا عَرَبًا تَسْمَعُونَ الْحَفَظَةَ يَقُولُونَ : ( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ الْجَاثِيَةِ : 29 ] ؟ وَهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْسَاخُ إِلَّا مِنْ أَصْلٍ .
187
وَقَوْلُهُ : ( وَالْقَلَمِ ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ جِنْسُ الْقَلَمِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ كَقَوْلِهِ ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) [ الْعَلَقِ : 3 - 5 ] . فَهُوَ قَسَمٌ مِنْهُ تَعَالَى ، وَتَنْبِيهٌ لِخَلْقِهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ تَعْلِيمِ الْكِتَابَةِ الَّتِي بِهَا تُنَالُ الْعُلُومُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَمَا يَسْطُرُونَ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ : يَعْنِي : وَمَا يَكْتُبُونَ .
وَقَالَ أَبُو الضُّحَى ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَمَا يَسْطُرُونَ ) أَيْ : وَمَا يَعْمَلُونَ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( وَمَا يَسْطُرُونَ ) يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ وَمَا تَكْتُبُ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْمُرَادُ هَا هُنَا بِالْقَلَمِ الَّذِي أَجْرَاهُ اللَّهُ بِالْقَدَرِ حِينَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ . وَأَوْرَدُوا فِي ذَلِكَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذِكْرِ الْقَلَمِ ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَيُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ سُلَيْمٍ السُّلَمِيُّ ، عَنْ عَطَاءٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ - حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : دَعَانِي أَبِي حِينِ حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ ، فَقَالَ لَهُ : اكْتُبْ . قَالَ : يَا رَبِّ وَمَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ : اكْتُبِ الْقَدَرَ [ مَا كَانَ ] وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الْأَبَدِ " .
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ طُرُقٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ بِهِ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ بِهِ . ، وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ " السُّنَّةِ " مِنْ سُنَنِهِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُسَافِرٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ ، عَنْ أَبِي حَفْصَةَ - وَاسْمُهُ حُبَيْشُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَبَشِيُّ الشَّامِيُّ - عَنْ عُبَادَةَ فَذَكَرَهُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطُّوسِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، حَدَّثَنَا رَبَاحُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ ، فَأَمَرَهُ ، فَكَتَبَ كُلَّ شَيْءٍ " . غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( وَالْقَلَمِ ) يَعْنِي : الَّذِي كُتِبَ بِهِ الذِّكْرُ . .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَا يَسْطُرُونَ ) أَيْ : يَكْتُبُونَ كَمَا تَقَدَّمَ .
188
وَقَوْلُهُ : ( مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ) أَيْ : لَسْتَ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ، بِمَجْنُونٍ ، كَمَا قَدْ يَقُولُهُ الْجَهَلَةُ مَنْ قَوْمِكَ ، الْمُكَذِّبُونَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْحَقِّ الْمُبِينِ ، فَنَسَبُوكَ فِيهِ إِلَى الْجُنُونِ ، ( وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ) أَيْ : بَلْ لَكَ الْأَجْرُ الْعَظِيمُ ، وَالثَّوَابُ الْجَزِيلُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ وَلَا يَبِيدُ ، عَلَى إِبْلَاغِكَ رِسَالَةَ رَبِّكَ إِلَى الْخَلْقِ ، وَصَبْرِكَ عَلَى أَذَاهُمْ . وَمَعْنَى ) غَيْرُ مَمْنُونٍ ) أَيْ : غَيْرُ مَقْطُوعٍ كَقَوْلِهِ : ( عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) [ هُودٍ : 108 ] ( فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) [ التِّينِ : 6 ] أَيْ : غَيْرُ مَقْطُوعٍ عَنْهُمْ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( غَيْرُ مَمْنُونٍ ) أَيْ : غَيْرُ مَحْسُوبٍ ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَا قُلْنَاهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَيْ : وَإِنَّكَ لَعَلَى دِينٍ عَظِيمٍ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ . وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَأَبُو مَالِكٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَابْنُ زَيْدٍ .
وَقَالَ عَطِيَّةُ : لَعَلَى أَدَبٍ عَظِيمٍ . وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : سُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَتْ : كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ، تَقُولُ كَمَا هُوَ فِي الْقُرْآنِ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ذُكِرَ لَنَا أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَتْ : أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ قَالَ : بَلَى . قَالَتْ : فَإِنَّ خُلُقَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ الْقُرْآنَ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ : أَخْبِرِينِي يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَتْ : أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ . فَقَالَتْ : كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ .
هَذَا حَدِيثٌ طَوِيلٌ . وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ بِطُولِهِ ، وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ " الْمُزَّمِّلِ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَسْوَدُ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَوَادٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَتْ : أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ؟ قَالَ : قُلْتُ : حَدِّثِينِي عَنْ ذَاكَ . قَالَتْ : صَنَعْتُ لَهُ طَعَامًا ، وَصَنَعَتْ لَهُ حَفْصَةُ طَعَامًا ، فَقُلْتُ لِجَارِيَتِي : اذْهَبِي فَإِنْ جَاءَتْ هِيَ بِالطَّعَامِ فَوَضَعَتْهُ قَبْلُ فَاطْرَحِي الطَّعَامَ ! قَالَتْ : فَجَاءَتْ بِالطَّعَامِ . قَالَتْ : فَأَلْقَتِ الْجَارِيَةُ ، فَوَقَعَتِ الْقَصْعَةُ فَانْكَسَرَتْ - وَكَانَ نِطْعًا - قَالَتْ : فَجَمَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ 189 وَقَالَ : " اقْتَضُوا - أَوِ : اقْتَضِي - شَكَّ أَسْوَدُ - ظَرْفًا مَكَانَ ظَرْفِكِ " . قَالَتْ : فَمَا قَالَ شَيْئًا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ : قَالَ : أَتَيْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْتُ لَهَا : أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ النَّبِيِّ صَلَّى لِلَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَتْ : كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ . أَمَا تَقْرَأُ : ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ )
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ ، نَحْوَهُ
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، وَأَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ : حَجَجْتُ ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَتْ : كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُرْآنَ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ بِهِ
وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، صَارَ امْتِثَالُ الْقُرْآنِ أَمْرًا وَنَهْيًا سَجِيَّةً لَهُ ، وَخُلُقًا تَطَبَّعَهُ ، وَتَرَكَ طَبْعَهُ الْجِبِلِّيَّ ، فَمَهْمَا أَمَرَهُ الْقُرْآنُ فَعَلَهُ ، وَمَهْمَا نَهَاهُ عَنْهُ تَرَكَهُ . هَذَا مَعَ مَا جَبَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ ، مِنَ الْحَيَاءِ ، وَالْكَرَمِ وَالشَّجَاعَةِ ، وَالصَّفْحِ ، وَالْحِلْمِ ، وَكُلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ . كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي : " أُفٍّ " قَطُّ ، وَلَا قَالَ لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ : لِمَ فَعَلْتَهُ ؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ : أَلَا فَعَلْتَهُ ؟ وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا ، وَلَا مَسِسْتُ خَزًّا ، وَلَا حَرِيرًا ، وَلَا شَيْئًا كَانَ أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا شَمَمْتُ مِسْكًا وَلَا عِطْرًا كَانَ أَطْيَبَ مِنْ عَرَقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا ، وَأَحْسَنَ النَّاسِ خَلْقًا ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ ، وَلَا بِالْقَصِيرِ
وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ وَلِأَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ فِي هَذَا كِتَابُ " الشَّمَائِلِ " .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ خَادِمًا لَهُ قَطُّ ، وَلَا امْرَأَةً ، وَلَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ ، إِلَّا أَنْ 190 يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَلَا خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ قَطُّ إِلَّا كَانَ أَحَبُّهُمَا إِلَيْهِ أَيْسَرَهُمَا حَتَّى يَكُونَ إِثْمًا ، فَإِذَا كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ الْإِثْمِ ، وَلَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ ، فَيَكُونُ هُوَ يَنْتَقِمُ لِلَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ " . تَفَرَّدَ بِهِ
وَقَوْلُهُ : ( فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ) أَيْ : فَسَتَعْلَمُ يَا مُحَمَّدُ ، وَسَيَعْلَمُ مُخَالِفُوكَ وَمُكَذِّبُوكَ : مَنِ الْمَفْتُونُ الضَّالُّ مِنْكَ وَمِنْهُمْ . وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ) [ الْقَمَرِ : 26 ] ، وَكَقَوْلِهِ : ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) [ سَبَإٍ : 24 ] .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : سَتَعْلَمُ وَيَعْلَمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ) أَيِ : الْجُنُونُ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ . وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ : ( بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ) أَيْ : أَوْلَى بِالشَّيْطَانِ .
وَمَعْنَى الْمَفْتُونِ ظَاهِرٌ ، أَيِ : الَّذِي قَدِ افْتُتِنَ عَنِ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا دَخَلَتِ الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ : ( بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ) لِتَدُلَّ عَلَى تَضْمِينِ الْفِعْلِ فِي قَوْلِهِ : ( فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ) وَتَقْدِيرُهُ : فَسَتَعْلَمُ وَيَعْلَمُونَ ، أَوْ : فَسَتُخْبَرُ وَيُخْبَرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) أَيْ : هُوَ يَعْلَمُ تَعَالَى أَيَّ الْفَرِيقَيْنِ مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ هُوَ الْمُهْتَدِي ، وَيَعْلَمُ الْحِزْبَ الضَّالَّ عَنِ الْحَقِّ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ( 1 ) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ( 2 ) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ( 3 ) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 4 ) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ( 5 ) بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ ( 6 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 7 ) )
قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حُرُوفِ الْهِجَاءِ فِي أَوَّلِ " سُورَةِ الْبَقَرَةِ " ، وَأَنَّ قَوْلَهُ : ( ن ) كَقَوْلِهِ : ( ص ) ) ق ) وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ ، وَتَحْرِيرُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( ن ) حُوتٌ عَظِيمٌ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ الْعَظِيمِ الْمُحِيطِ ، وَهُوَ حَامِلٌ لِلْأَرَضِينَ السَّبْعِ ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - هُوَ الثَّوْرِيُّ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - هُوَ الْأَعْمَشُ - عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ قَالَ : اكْتُبْ . قَالَ : وَمَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ : اكْتُبِ الْقَدَرَ . فَجَرَى بِمَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ قِيَامِ السَّاعَةِ . ثُمَّ خَلَقَ " النُّونَ " وَرَفَعَ بُخَارَ الْمَاءِ ، فَفُتِقَتْ مِنْهُ السَّمَاءُ ، وَبُسِطَتِ الْأَرْضُ عَلَى ظَهْرِ النُّونِ ، فَاضْطَرَبَ النُّونُ فَمَادَتِ الْأَرْضُ ، فَأُثْبِتَتْ بِالْجِبَالِ ، فَإِنَّهَا لَتَفْخَرُ عَلَى الْأَرْضِ .
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ . وَهَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، وَوَكِيعٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، بِهِ . وَزَادَ شُعْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ : ثُمَّ قَرَأَ : ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) وَقَدْ رَوَاهُ شَرِيكٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ - أَوْ مُجَاهِدٍ ، - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ . . . فَذَكَرَهُ ، ثُمَّ قَرَأَ : ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ الْقَلَمُ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : اكْتُبْ . فَكَتَبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ . ثُمَّ خَلَقَ " النُّونَ " فَوْقَ الْمَاءِ ، ثُمَّ كَبَسَ الْأَرْضَ عَلَيْهِ .
185
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ ذَلِكَ مَرْفُوعًا فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَبِيبٍ زَيْدُ بْنُ الْمُهْتَدِي الْمَرُّوذِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالَقَانِيُّ ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صَبِيحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ وَالْحُوتُ ، قَالَ لِلْقَلَمِ : اكْتُبْ ، قَالَ : مَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ : كُلَّ شَيْءٍ كَائِنٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " . ثُمَّ قَرَأَ : ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) فَالنُّونُ : الْحُوتُ . وَالْقَلَمُ : الْقَلَمُ .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ : رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ ، ثُمَّ خَلَقَ " النُّونَ " وَهِيَ : الدَّوَاةُ . ثُمَّ قَالَ لَهُ : اكْتُبْ . قَالَ وَمَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ : اكْتُبْ مَا يَكُونُ - أَوْ : مَا هُوَ كَائِنٌ - مِنْ عَمَلٍ ، أَوْ رِزْقٍ ، أَوْ أَثَرٍ ، أَوْ أَجَلٍ . فَكَتَبَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) ثُمَّ خَتَمَ عَلَى الْقَلَمِ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ خَلَقَ الْعَقْلَ وَقَالَ : وَعِزَّتِي لَأُكَمِّلَنَّكَ فِيمَنْ أَحْبَبْتُ ، وَلَأَنْقُصَنَّكَ مِمَّنْ أَبْغَضْتُ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كَانَ يُقَالُ : النُّونُ : الْحُوتُ الْعَظِيمُ الَّذِي تَحْتَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ .
وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ : إِنَّ عَلَى ظَهْرِ هَذَا الْحُوتِ صَخْرَةً سُمْكُهَا كَغِلَظِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَعَلَى ظَهْرِهَا ثَوْرٌ لَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفَ قَرْنٍ ، وَعَلَى مَتْنِهِ الْأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَا فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنَّ بَعْضَهُمْ حَمَلَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ بَلَغَهُ مَقْدَمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ ، قَالَ : إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ ، قَالَ : مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ ؟ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ ؟ وَالْوَلَدُ يَنْزِعُ إِلَى أُمِّهِ ؟ قَالَ : " أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا " . قَالَ ابْنُ سَلَامٍ : فَذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ . قَالَ : " أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ . وَأَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ زِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ . وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتْ " .
186
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ حُمَيْدٍ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ - مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوُ هَذَا . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحْبِيِّ ، عَنْ ثَوْبَانَ : أَنَّ حَبْرًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مَسَائِلَ ، فَكَانَ مِنْهَا أَنْ قَالَ : فَمَا تُحْفَتُهُمْ ؟ - يَعْنِي أَهْلَ الْجَنَّةِ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ - قَالَ : " زِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ " . قَالَ : فَمَا غِذَاؤُهُمْ عَلَى أَثَرِهَا ؟ قَالَ : " يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا " . قَالَ : فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : " مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا " .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( ن ) لَوْحٌ مِنْ نُورٍ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ شَبِيبٍ الْمُكْتِبُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْجَزَرِيُّ ، عَنْ فُرَاتِ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) لَوْحٌ مِنْ نُورٍ ، وَقَلَمٌ مِنْ نُورٍ ، يَجْرِي بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " وَهَذَا مُرْسَلٌ غَرِيبٌ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أُخْبِرْتُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَلَمَ مِنْ نُورٍ طُولُهُ مِائَةُ عَامٍ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( ن ) دَوَاةٌ ، وَالْقَلَمُ : الْقَلَمُ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وقَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( ن ) قَالَا هِيَ الدَّوَاةُ .
وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " خَلَقَ اللَّهُ النُّونَ ، وَهِيَ الدَّوَاةُ " .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا أَخِي عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الثُّمَالِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ - وَهِيَ الدَّوَاةُ - وَخَلَقَ الْقَلَمَ ، فَقَالَ : اكْتُبْ . قَالَ : وَمَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ : اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلٍ مَعْمُولٍ بِهِ بِرٍّ ، أَوْ فُجُورٍ ، أَوْ رِزْقٍ مَقْسُومٍ ، حَلَالٍ ، أَوْ حَرَامٍ . ثُمَّ أَلْزَمَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شَأْنَهُ : دُخُولَهُ فِي الدُّنْيَا ، وَمَقَامَهُ فِيهَا كَمْ ؟ وَخُرُوجَهُ مِنْهَا كَيْفَ ؟ ثُمَّ جَعَلَ عَلَى الْعِبَادِ حَفَظَةً ، وَلِلْكِتَابِ خُزَّانًا ، فَالْحَفَظَةُ يَنْسَخُونَ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْخُزَّانِ عَمَلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، فَإِذَا فَنِيَ الرِّزْقُ وَانْقَطَعَ الْأَثَرُ وَانْقَضَى الْأَجَلُ أَتَتِ الْحَفَظَةُ الْخَزَنَةَ يَطْلُبُونَ عَمَلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، فَتَقُولُ لَهُمُ الْخَزَنَةُ : مَا نَجِدُ لِصَاحِبِكُمْ عِنْدَنَا شَيْئًا فَتَرْجِعُ الْحَفَظَةُ ، فَيَجِدُونَهُمْ قَدْ مَاتُوا . قَالَ : فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَلَسْتُمْ قَوْمًا عَرَبًا تَسْمَعُونَ الْحَفَظَةَ يَقُولُونَ : ( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ الْجَاثِيَةِ : 29 ] ؟ وَهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْسَاخُ إِلَّا مِنْ أَصْلٍ .
187
وَقَوْلُهُ : ( وَالْقَلَمِ ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ جِنْسُ الْقَلَمِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ كَقَوْلِهِ ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) [ الْعَلَقِ : 3 - 5 ] . فَهُوَ قَسَمٌ مِنْهُ تَعَالَى ، وَتَنْبِيهٌ لِخَلْقِهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ تَعْلِيمِ الْكِتَابَةِ الَّتِي بِهَا تُنَالُ الْعُلُومُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَمَا يَسْطُرُونَ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ : يَعْنِي : وَمَا يَكْتُبُونَ .
وَقَالَ أَبُو الضُّحَى ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَمَا يَسْطُرُونَ ) أَيْ : وَمَا يَعْمَلُونَ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( وَمَا يَسْطُرُونَ ) يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ وَمَا تَكْتُبُ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْمُرَادُ هَا هُنَا بِالْقَلَمِ الَّذِي أَجْرَاهُ اللَّهُ بِالْقَدَرِ حِينَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ . وَأَوْرَدُوا فِي ذَلِكَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذِكْرِ الْقَلَمِ ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَيُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ سُلَيْمٍ السُّلَمِيُّ ، عَنْ عَطَاءٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ - حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : دَعَانِي أَبِي حِينِ حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ ، فَقَالَ لَهُ : اكْتُبْ . قَالَ : يَا رَبِّ وَمَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ : اكْتُبِ الْقَدَرَ [ مَا كَانَ ] وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الْأَبَدِ " .
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ طُرُقٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ بِهِ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ بِهِ . ، وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ " السُّنَّةِ " مِنْ سُنَنِهِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُسَافِرٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ ، عَنْ أَبِي حَفْصَةَ - وَاسْمُهُ حُبَيْشُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَبَشِيُّ الشَّامِيُّ - عَنْ عُبَادَةَ فَذَكَرَهُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطُّوسِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، حَدَّثَنَا رَبَاحُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ ، فَأَمَرَهُ ، فَكَتَبَ كُلَّ شَيْءٍ " . غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( وَالْقَلَمِ ) يَعْنِي : الَّذِي كُتِبَ بِهِ الذِّكْرُ . .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَا يَسْطُرُونَ ) أَيْ : يَكْتُبُونَ كَمَا تَقَدَّمَ .
188
وَقَوْلُهُ : ( مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ) أَيْ : لَسْتَ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ، بِمَجْنُونٍ ، كَمَا قَدْ يَقُولُهُ الْجَهَلَةُ مَنْ قَوْمِكَ ، الْمُكَذِّبُونَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْحَقِّ الْمُبِينِ ، فَنَسَبُوكَ فِيهِ إِلَى الْجُنُونِ ، ( وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ) أَيْ : بَلْ لَكَ الْأَجْرُ الْعَظِيمُ ، وَالثَّوَابُ الْجَزِيلُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ وَلَا يَبِيدُ ، عَلَى إِبْلَاغِكَ رِسَالَةَ رَبِّكَ إِلَى الْخَلْقِ ، وَصَبْرِكَ عَلَى أَذَاهُمْ . وَمَعْنَى ) غَيْرُ مَمْنُونٍ ) أَيْ : غَيْرُ مَقْطُوعٍ كَقَوْلِهِ : ( عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) [ هُودٍ : 108 ] ( فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) [ التِّينِ : 6 ] أَيْ : غَيْرُ مَقْطُوعٍ عَنْهُمْ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( غَيْرُ مَمْنُونٍ ) أَيْ : غَيْرُ مَحْسُوبٍ ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَا قُلْنَاهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَيْ : وَإِنَّكَ لَعَلَى دِينٍ عَظِيمٍ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ . وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَأَبُو مَالِكٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَابْنُ زَيْدٍ .
وَقَالَ عَطِيَّةُ : لَعَلَى أَدَبٍ عَظِيمٍ . وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : سُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَتْ : كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ، تَقُولُ كَمَا هُوَ فِي الْقُرْآنِ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ذُكِرَ لَنَا أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَتْ : أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ قَالَ : بَلَى . قَالَتْ : فَإِنَّ خُلُقَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ الْقُرْآنَ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ : أَخْبِرِينِي يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَتْ : أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ . فَقَالَتْ : كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ .
هَذَا حَدِيثٌ طَوِيلٌ . وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ بِطُولِهِ ، وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ " الْمُزَّمِّلِ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَسْوَدُ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَوَادٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَتْ : أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ؟ قَالَ : قُلْتُ : حَدِّثِينِي عَنْ ذَاكَ . قَالَتْ : صَنَعْتُ لَهُ طَعَامًا ، وَصَنَعَتْ لَهُ حَفْصَةُ طَعَامًا ، فَقُلْتُ لِجَارِيَتِي : اذْهَبِي فَإِنْ جَاءَتْ هِيَ بِالطَّعَامِ فَوَضَعَتْهُ قَبْلُ فَاطْرَحِي الطَّعَامَ ! قَالَتْ : فَجَاءَتْ بِالطَّعَامِ . قَالَتْ : فَأَلْقَتِ الْجَارِيَةُ ، فَوَقَعَتِ الْقَصْعَةُ فَانْكَسَرَتْ - وَكَانَ نِطْعًا - قَالَتْ : فَجَمَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ 189 وَقَالَ : " اقْتَضُوا - أَوِ : اقْتَضِي - شَكَّ أَسْوَدُ - ظَرْفًا مَكَانَ ظَرْفِكِ " . قَالَتْ : فَمَا قَالَ شَيْئًا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ : قَالَ : أَتَيْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْتُ لَهَا : أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ النَّبِيِّ صَلَّى لِلَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَتْ : كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ . أَمَا تَقْرَأُ : ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ )
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ ، نَحْوَهُ
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، وَأَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ : حَجَجْتُ ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَتْ : كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُرْآنَ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ بِهِ
وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، صَارَ امْتِثَالُ الْقُرْآنِ أَمْرًا وَنَهْيًا سَجِيَّةً لَهُ ، وَخُلُقًا تَطَبَّعَهُ ، وَتَرَكَ طَبْعَهُ الْجِبِلِّيَّ ، فَمَهْمَا أَمَرَهُ الْقُرْآنُ فَعَلَهُ ، وَمَهْمَا نَهَاهُ عَنْهُ تَرَكَهُ . هَذَا مَعَ مَا جَبَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ ، مِنَ الْحَيَاءِ ، وَالْكَرَمِ وَالشَّجَاعَةِ ، وَالصَّفْحِ ، وَالْحِلْمِ ، وَكُلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ . كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي : " أُفٍّ " قَطُّ ، وَلَا قَالَ لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ : لِمَ فَعَلْتَهُ ؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ : أَلَا فَعَلْتَهُ ؟ وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا ، وَلَا مَسِسْتُ خَزًّا ، وَلَا حَرِيرًا ، وَلَا شَيْئًا كَانَ أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا شَمَمْتُ مِسْكًا وَلَا عِطْرًا كَانَ أَطْيَبَ مِنْ عَرَقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا ، وَأَحْسَنَ النَّاسِ خَلْقًا ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ ، وَلَا بِالْقَصِيرِ
وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ وَلِأَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ فِي هَذَا كِتَابُ " الشَّمَائِلِ " .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ خَادِمًا لَهُ قَطُّ ، وَلَا امْرَأَةً ، وَلَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ ، إِلَّا أَنْ 190 يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَلَا خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ قَطُّ إِلَّا كَانَ أَحَبُّهُمَا إِلَيْهِ أَيْسَرَهُمَا حَتَّى يَكُونَ إِثْمًا ، فَإِذَا كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ الْإِثْمِ ، وَلَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ ، فَيَكُونُ هُوَ يَنْتَقِمُ لِلَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ " . تَفَرَّدَ بِهِ
وَقَوْلُهُ : ( فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ) أَيْ : فَسَتَعْلَمُ يَا مُحَمَّدُ ، وَسَيَعْلَمُ مُخَالِفُوكَ وَمُكَذِّبُوكَ : مَنِ الْمَفْتُونُ الضَّالُّ مِنْكَ وَمِنْهُمْ . وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ) [ الْقَمَرِ : 26 ] ، وَكَقَوْلِهِ : ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) [ سَبَإٍ : 24 ] .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : سَتَعْلَمُ وَيَعْلَمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ) أَيِ : الْجُنُونُ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ . وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ : ( بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ) أَيْ : أَوْلَى بِالشَّيْطَانِ .
وَمَعْنَى الْمَفْتُونِ ظَاهِرٌ ، أَيِ : الَّذِي قَدِ افْتُتِنَ عَنِ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا دَخَلَتِ الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ : ( بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ) لِتَدُلَّ عَلَى تَضْمِينِ الْفِعْلِ فِي قَوْلِهِ : ( فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ) وَتَقْدِيرُهُ : فَسَتَعْلَمُ وَيَعْلَمُونَ ، أَوْ : فَسَتُخْبَرُ وَيُخْبَرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) أَيْ : هُوَ يَعْلَمُ تَعَالَى أَيَّ الْفَرِيقَيْنِ مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ هُوَ الْمُهْتَدِي ، وَيَعْلَمُ الْحِزْبَ الضَّالَّ عَنِ الْحَقِّ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith