تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 707 · printed p. 247
( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ( 3 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِ جَمِيعِهِ ، وَأَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ - قِيلَ : كَهَذِهِ الْأَيَّامِ ، وَقِيلَ : كُلُّ يَوْمٍ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ . كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ [ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ] ثُمَّ اسْتَوَى 247 عَلَى الْعَرْشِ ، وَالْعَرْشُ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ وَسَقْفُهَا .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ قَالَ : سَمِعْتُ سَعْدًا الطَّائِيَّ يَقُولُ : الْعَرْشُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ .
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ نُورِهِ .
وَهَذَا غَرِيبٌ .
( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) أَيْ : يُدَبِّرُ أَمْرَ الْخَلَائِقِ ، ( لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ) [ سَبَأٍ : 3 ] ، وَلَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ ، وَلَا تُغَلِّظُهُ الْمَسَائِلُ ، وَلَا يَتَبَرَّمُ بِإِلْحَاحِ الْمُلِحِّينَ وَلَا يُلْهِيهِ تَدْبِيرُ الْكَبِيرِ عَنِ الصَّغِيرِ ، فِي الْجِبَالِ وَالْبِحَارِ وَالْعِمْرَانِ وَالْقَفَارِ ، ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) [ هُودٍ : 6 ] . ( وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) [ الْأَنْعَامِ : 59 ] .
وَقَالَ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ [ بْنِ عُجْرَةَ ] أَنَّهُ قَالَ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) لَقِيَهُمْ رَكْبٌ عَظِيمٌ [ لَا يَرَوْنَ إِلَّا أَنَّهُمْ ] مِنَ الْعَرَبِ ، فَقَالُوا لَهُمْ : مَنْ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا . مِنَ الْجِنِّ ، خَرَجْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ ، أَخْرَجَتْنَا هَذِهِ الْآيَةُ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
[ وَقَوْلُهُ ] ( مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) [ الْبَقَرَةِ : 255 ] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ) [ النَّجْمِ : 26 ] وَقَوْلُهُ : ( وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) [ سَبَأٍ : 23 ] .
وَقَوْلُهُ : ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) أَيْ : أَفْرِدُوهُ بِالْعِبَادَةِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، ( أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) أَيْ : أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ فِي أَمْرِكُمْ ، تَعْبُدُونَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْمُتَفَرِّدُ بِالْخَلْقِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) [ الزُّخْرُفِ : 87 ] ، وَقَوْلُهُ : ( قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 86 - 87 ] ، وَكَذَا الْآيَةُ الَّتِي قَبْلَهَا وَالَّتِي بَعْدَهَا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith