1069 · ص1146 · ج2
ومِنْ تلكم الآيات القرآنيَّة الَّتي ألْمحَتْ أيضًا إلى مسألتنا:
قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: ٩٣].
قال ابنُ قَيِّم الجوزيَّةِ فيها: «هذا خطابٌ لهم عند الموت، وقد أَخْبَرت الملائكةُ -وهم الصَّادقون- أنَّهم حينئِذٍ يُجزَون عذابَ الهون، ولو تأخَّر عنهم ذلك إلى انقِضاءِ الدُّنيا لَمَا صحَّ أن يُقالَ لهم: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ}» ١.
هذا ليتَقرَّر أنَّ عذابَ القَبْر ونعيمَه، وإنْ نصَّتْ الأحاديثُ عليها وجَلَّتْها؛ فلا يعني ذلك خُلُوَّ القرآن مِن الإشارة إليها.
فأمَّا جواب ما ادَّعَوه مِن الضَّرورة العقليَّة، بيانُه في التَّالي:
أوَّلًا: قاعدةُ أهل السُّنة والجماعة الَّتي فارقوا بها طوائف المبتدعة والضُّلَّال، والَّتي طَردوها في جميعِ أبواب الدِّين أصولهِ وفروعِهِ: أنَّه لا تقوم قدَمُ الإسلام إلَّا على ظَهْرِ التَّسليم والاستسلام.
فأهل السُّنَّة ومَن تبِعهُم في ذلك، أقَرُّوا بهذه الأخبار النَّبويَّة وصدَّقوها، وأَجْرَوْها على حقائقِها، وآمنوا بأنَّ لله الحكمة البالغة في ذلك، يفعل ما يشاءُ مِن عقابٍ ونعيمٍ، وأنَّ الإيمان بذلك هو من الإيمان بالغيب، الَّذي هو مِن أخصِّ خصائص أهل الإيمان، وهو مدار الابتلاء.
فوجبَ حَمْلُ ما تضافرتْ عليه النُّصوص، ودَلَّت عليه الأخبار من عذاب القَبْر ونعيمه، وحصول السُّؤال للميِّت من المَلَكَيْنِ: وجب حملُ كلِّ ذلك على الحقيقة، إذ ليس هناك ما يُحيلُها؛ لا مِن جِهة الدَّلائل النَّقلية، ولا العقليَّة؛ فعذاب القَبْر ونعيمه ثابتٌ في الأَخْبَارِ، وليس في بدائه العقل ما يدفعه، بل تلك الأخبارُ موافقة لأحكامِه أتمَّ الموافقة.
١ «الرُّوح» (ص/٧٥).
1070 · ص1147 · ج2
ثانيًا: أنَّ دعواهم استحالةَ حصولِ العذاب للمقبور وقد صار مجرَّد جثةٍ هامدةٍ لا روح فيها، أو في حالِ انتقاضِ بِنْيَتِه، مع انتفاءِ الحياة عنه: دعوى باطلة؛ لأنَّ النُّصوص قد أبانتْ أن الرُّوح تُعاد إلى الميِّت إعادةً غير الإعادةِ المألوفةِ في الدُّنيا؛ ليَجرِي للميِّت السُّؤالُ والامتحان وما بعدهما، والدَّليل قد أَبانَ عن ذلك، والعقلُ لا يُحِيلُه، فيلزم التَّصديقُ بما وراء ذلك مِن السُّؤال والخطابِ، والعذاب والنَّعيم للمقبور.
والبراهين على حصولِ هذا النَّوع من الحياة كثيرةٌ:
منها ما جاء في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه المشهور في تشيِيعهم مع نبيِّهم صلى الله عليه وسلم جنازةَ رجل من الأنصارٍ، حيث قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدُّنيا، وإقبال من الآخرة، نَزل إليه ملائكة مِن السَّماء، بيضُ الوجوه ... »، والشَّاهد فيه قوله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: «فتُعادُ روحه في جسده، فيأتيه ملَكَان، فيُجلسانه، فيقولان له: مَن ربُّك؟ ... » الحديث ١.
قال ابن القيِّم معلِّقًا على هذا الحديث: «قد كفانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمْرَ هذه المسألة، وأغنانا عن أقوال النَّاس؛ حيث صرَّح بإعادةِ الرُّوح إليه» ٢.
وقد أورد ابنُ رجب آثارًا كثيرةً عن السَّلف، تشهدُ لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه، ثمَّ أعقَب ذلك بقوله: « .. فهؤلاء السَّلف كلُّهم صرَّحوا بأنَّ الرُّوح تُعاد إلى البَدن عند السُّؤال، وصرَّح بمثل ذلك طوائفُ من الفقهاء والمتكلِّمين مِن أصحابنا وغيرهم؛ كالقاضي أبي يعلى وغيره، وأنكر ذلك طائفةٌ؛ منهم: ابن حزم وغيره، وذكر أنَّ السُّؤال للرُّوح خاصَّة، وكذلك سماع الخِطاب، وأنكرَ أن تُعاد الرُّوح للجسد في القَبْر للعذاب وغيره.
١ أخرجه أحمد في «مسنده» (رقم: ١٨٥٣٤)، يقول البيهقي في «إثبات عذاب القبر» (ص/٣٧): «هذا حديث كبير، وصحيح الإسناد، رواه جماعة الأئمة الثقات عن الأعمش»، والحديث حسَّنه ابن تيمية في «الفتاوى» (٤/ ٢٩٠)، وقال ابن القيِّم في «الروح» (ص/٦٥): «الحديث صحيح لا شك فيه، رواه عن البراء جماعة»، وأفاد أن الدارقطني جمع طرقه في جزء مُفرد.
٢ «الرُّوح» (ص/٤١).