4791 · ص173 · ج27
دينه. وكذلك لو آجر من داينه إجارة فاسدة. ١ وإذا أصر البائع والمشترى على إمساكهما للثمن والمبيع في البيع الفاسد نفاذًا للعقد وعلم به القاضي فسخه جبرا عليهما حقا للشرع. أما إذا أصر أحدهما فقط على إمساكه للثمن أو المبيع فللآخر أن يفسخ البيع بعلم الممسك لا برضاه، وفسخه هذا لا يحتاج إلى حكم القاضي لأنه يجب على كل واحد منهما فسخه قبل القبض أو بعده ما دام المبيع بحاله في يد المشترى إعداما للفساد؛ لأنه معصية فيجب شرعا رفعها ٢.
الوكيل بالشراء
إذا نقد الثمن من مال نفسه أن يمسك المبيع ويحبسه عن الموكل إلى أن يعطيه جميع الثمن ولو بقى منه درهم، لأن الوكيل بمنزلة البائع للموكل، وللبائع حق إمساك المبيع لقبض الثمن، وسواء كان الوكيل دفع الثمن إلى البائع أو لم يدفع على الصحيح وقال زفر: ليس له إمساك المبيع وحبسه عن الموكل. لأن الموكل صار قابضا بقبض الوكيل فكأنه سلمه إليه فيسقط حق الحبس.
فإن أمسكه وحبسه - بناء على القول الأول - فهلك كان مضمونا ضمان الرهن عند أبى يوسف لأنه مضمون بالحبس للاستيفاء بعد أن لم يكن وهو الرهن بعينه.
وضمان المبيع عند أبى حنيفة ومحمد. لأنه بمنزلة البائع من الموكل فكان حبسه لاستيفاء الثمن فيسقط بهلاكه.
وضمان الغصب عند زفر لأنه إمساك ومنع بغير حق. مثله أو قيمته بالغة ما بلغت ٣. هذا في إمساك المبيع لاستيفاء الثمن.
إمساك العين للأجرة
أما إمساك العين لاستيفاء الأجرة فقالوا: إن كل صانع لعمله أثر ظاهر في العين كالخياط والقصار والصباغ والإسكاف له أن يمسك العين ويحبسها حتى يستوفى الأجر لأن المعقود عليه هو ذلك الأثر وهو صيرورة الثوب مخيطا أو مقصورا؛ وهو وصف قائم في الثوب وهو ظاهر والمعقود عليه جاز حبسه لاستيفاء البدل كما في المبيع؛ والوصف لا ينفك عن العين فجاز حبسها لذلك. ولو حبسه فضاع لا ضمان عليه عند أبى حنيفة لأنه غير متعد في الحبس فبقى أمانة كما كان عنده. ولا أجر له لهلاك المعقود وعليه قبل التسليم وعند أبى يوسف ومحمد: العين كانت مضمونة عليه قبل الحبس فبعد الحبس أولى لكنه بالخيار إن شاء ضمنه قيمته غير معمول ولا أجر له وإن شاء ضمنه معمولا وله الأجر وإن لم يكن لعمل الصانع أثر ظاهر في العين كالحمال والملاح والمكارى فليس له أن يمسك العين ويحبسها لاستيفاء الأجرة. لأن المعقود عليه هنا هو نفس العمل وهو غير قائم بالعين فلا يتصور حبسه، فليس له ولاية الحبس.
ولو حبسه فهلك قبل التسليم لا تسقط الأجرة ويضمن لأنه حبسه بغير حق فصار غاصبا
١ شرح فتح القدير على الهداية السابق جـ ٥ ص ٢٣٤ الطبعة السابقة. وانظر أيضا جامع الفصولين لابن قاضى سماوه ج ٢ ص ٥٠ الطبعة الأولى بالمطبعة الأزهرية سنة ١٢٠٠ هـ.
٢ حاشية ابن عابدين على الدر المختار السابق ج ٥ ص ٩١ الطبعة السابقة.
٣ نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار لقاضى زادة والهداية والعناية "تكملة فتح القدير" ج ٦ ص ٣٧ - ٣٩.
جامع الفصولين السابقة جـ ٢، ٨١.
4792 · ص173 · ج30
فحرّج ١ النساء على كتمان ما في الأرحام كما حرج الشهود على كتمان الشهادة، فقال سبحانه وتعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} ٢ ثم يجب قبول شهادة قول الشهود فوجب قبول قول النساء، ولأن ذلك لا يعلم إلّا من جهتها فوجب قبول قولها فيه، كما يجب على التابعى قبول ما يخبره به الصحابي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين لم يكن له سبيل إلى معرفته إلّا من جهته، وإن ادعت المرأة انقضاء العدة بالشهور وأنكر الزوج فالقول قوله؛ لأن ذلك اختلاف في وقت الطلاق فكان القول فيه قوله ٣.
مذهب الحنابلة
أولًا: إنكار الطلاق
جاء في (كشاف القناع): أنه إذا ادعت المرأة أن زوجها طلقها فأنكر فالقول قوله؛ لأن الأصل بقاء النكاح، أو ادعت وجود صفة عَلَّق طلاقها عليها بأن قال: إن قام زيد أو إن لم يقم يوم كذا فأنت طالق، وادعت أن الصفة وجدت فطلقت وأنكرها فالقول قوله؛ لأن الأصل بقاء النكاح إلّا إذا علق طلاقها على حيضها فادعته فالقول قولها، أو علقه على ولادتها فادعتها فالقول قولها أيضًا إن كان أقر بالحمل عند القاضي وأصحابه، فإن كان لها بينة بما ادعت من طلاق لها أو وجود ما علق طلاقها عليه قبلت بينتها وعمل بها، ولا يقبل في الطلاق إلا رجلان عدلان كالنكاح مما يطلع عليه الرجال غالبًا، وليس مالا، ولا يقصد به مال، وإن اتفقا على أنه طلقها واختلفا في عدد الطلاق، فإن قالت: طلقتنى ثلاثًا. فقال: بل واحدة، فالقول قوله؛ لأنه منكر للزائد، فإن طلقها ثلاثًا وسمعت ذلك أو ثبت عندها بقول عدلين أنه طلقها ثلاثًا لم يحل لها تمكينه من نفسها؛ لأنها حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره، ثم يعقد هو عليها، ويجب عليها أن تفر منه ما استطاعت وأن تفتدى منه إن قدرت، ولا تتزين له، وتهرب منه ولا تقيم معه، وتختفى في بلدها ولا تخرج منها - أي من بلدها - ولا تتزوج غيره حتى يظهر طلاقها؛ لئلا يتسلط عليها شخصان: أحدهما يظهر النكاح، والآخر يبطنه، ولا تقتله قصدًا بل تدفعه بالأسهل فالأسهل كالصائل، فإن قصدت الدفع عن نفسها فآل إلى نفسه. فلا إثم عليها، ولا ضمان في الباطن عليها؛ لأنها فعلت ما هي مأمورة به، فأما في الظاهر فإنها تؤاخذ بحكم القتل؛ لأن قولها غير مقبول في وقوع الثلاث عليه لتدفعه عن نفسها ما لم يثبت صدقها بشهادة عدلين فينتفى وجوب القتل في الظاهر أيضًا ٤.
ثانيا: إنكار الخُلع:
جاء في (كشاف القناع): إذا قال الرجل للمرأة: خالعتك بألف فأنكرته؛ أو قالت: إنما خالعت غيرى بانت منه؛ لأنه مقر بما يوجب بينونتها، والقول قولها مع يمينها في نفى العوض؛ لأنها منكرة، والأصل براءتها، وإن قالت: نعم خالعتنى بألف لكن ضمنه غيرى لزمها الألف؛ لأنها مقرة بالخلع مدعية على الغير ضمان العوض، فلزمها العوض لإقرارها، ولا تسمع
١ حرج: أثَّم (لسان العرب، مادة: حرج).
٢ سورة البقرة، الآية: ٢٨٣.
٣ المهذب: ٢/ ١٥٢.
٤ كشاف القناع: ٣/ ٢٠٧.